Showing posts with label كلام مزيكا. Show all posts
Showing posts with label كلام مزيكا. Show all posts

Friday, January 16, 2009

زيزي، زيكاس، وأبو عرب: قصة أغنيتين

أقضي ليلتي مع "يا صلاة الزين". أستمع إلى سيد مكاوي يغنيها أولا، ثم أقرر تحميل نسخة "زكريا أحمد". نسخة زكريا هي الأصلية. هذا لا يتصل فقط بتاريخ اللحن وإنما بتاريخ علاقتي أنا به، تعرفت على اللحن منذ عشر سنوات تقريباً بصوت زكريا أحمد، وعندما بحثت عنه منذ أشهر لم أجده إلا بصوت مكاوي. شيء ما جعل نسخة زكريا تقع في يدي اليوم، هنا. هي بصوت زكريا قوية، عكسها بصوت سيد مكاوي، زكريا كان يقنن للحن، كان يضع حدوده الصارمة، بقوة، ومكاوي، الذي جاء بعده بعقود، لم يتورع عن خلخلة الحدود، أو لأنه كان أعمى، فلم يرها أساسا. وهذا محض استظراف من جانبي، كما هو واضح.

يا صلاة الزين: لحن ذو إيقاع سريع وقوي، يعاود الوصول إلى ذروته في كل فقرة من فقراته. أبو عزيزة مثلا، الزناتي خليفة هو: "سلطان زمانه، بساتينه، نخل ورمان، وحصى أرضه، لولي ومرجان، ومطاوعينه، والناس والجان، يقولوله، يا ذا السيفين، يا صلاة الزين." هكذا إذن، يا ذا السيفين (أو يا ذا القرنين، تقال بالشكلين) هي الذروة المطلقة التي يبدأ بعدها الإيقاع في الهبوط، هي القنبلة. والقنبلة لم تنفجر فجأة. اللحن، ومعه صوت زكريا، يتصاعدان، يأخذان في الاشتداد، على طول الجمل القصيرة التي تشكل الكوبليه. كل جملة هي أكثر شدة من سابقتها، حتى يصل العنف إلى قمته الدرامية. التدرج الهرمي هنا هو أمر لا يعرف الهزار. وزكريا صوته كِشِر، يبدأ بتكشيرة محايدة حتى الوصول إلى الزعيق الهادر. وزكريا، مثل المصري، طول عمره معروف بقوته، وبجبروته.

طيب، على الناحية الأخرى، فسيد مكاوي، سليل المشايخ العميان، محبي الطرب والحشيش والقرآن، له طريقة مختلفة للتعامل مع الأغنية، التي وصلت له على ما يبدو وقد أصبحت مادة للتندر والتقليد. يخفف من حدتها قليلا، يميعها، إذا شئتم. الكلام عن عزيزة نموذج جيد هنا. نعرف أن: "عزيزة شابة، شابة وشباب، نواضرها، يسحر الالباب، وضفايرها، عند الاكعاب، ومباسمها، خمرة وشراب، في قمر ليلة، عشرة واتنين، يا صلاة الزين".

هذه هي صيغة زكريا الأصلية، ولكن لمكاوي صيغته أيضا، وهي صيغة أكثر دلعاً، بعد عزيزة شابة ونواضرها عاملة كذا يريح قليلا: "والله شابة، شابة حلوة، والله شابة، شابة حلوة." يعطل مكاوي اللحن كثيرا قبل أن يصل به إلى الذروة. النتيجة الحتمية هي أن اللحن يفقد كثيرا من قوته لدى وصوله إلى الجملة الختامية، يصل فاترا وضعيفا، بما لا يقبل المقارنة مع اندفاعة زكريا الرهيبة. الوصول الآن عِلق، ومرح، ورايق، وغير معنى بالقوة التافهة. الدلع أصدق أنباء من السيف يا دكتور.

الأغنية في أصلها هي أغنية مديح: "يا صلاة الزين، على الأمرا، يا صلاة الزين، ليلتهم حلوة، ومحليها، رب القدرة، ومنورها، باخوان أمرا، قصدناهم، خبرا وشعرا، ووجدناهم، كيف البحرين، يا صلاة الزين." هي أغنية تسول من النوع اللطيف. الأمراء هم مثل البحرين في كرمهم، والمداحون يتم استدعاؤهم على طول الأغنية للحديث عن -1- عزيزة -2- أبوها الزناتي خليفة -3- أخوها أبا سعدة، بالترتيب. سيد مكاوي يعيد الأغنية إلى اتجاهها التعريصي الأساسي، والذي لم يبد بقوة في نسخة زكريا أحمد. تبدأ الأغنية بمكاوي يجرب صوته: "يا صلاة الزين، على الحلوين.. على أمير البلاد يا صلاة الزين.. على الحاضرين يا صلاة الزين"، أو، في تسجيل تم في تونس: "على تونس يا صلاة الزين"، ثم ينتقل للكوبليه المذكور. يحب مكاوي أن يمسي على الحاضرين، الناس الحلوة التي تعبت نفسها وجاءت تسمعه. التواصل معهم، على ما يبدو، هو الأساس في شخلعته للكلام أكثر، بالمقارنة بزكريا أحمد الذي بدا وكأنه يقرأ من ورقته بدون الالتفات إلى العالم الواسع خارجها. يمسي مكاوي على عزيزة أيضا، يضيف وهو يخاطب المداحين: "قولوا على عزيزة، زينة الستات". لم يصفها زكريا بزينة الستات، ولكن مكاوي صاحب واجب، وهو يحب الناس ولا يحب أن يكون أحداً في أغنيته غير مرضي، حتى لو كانت عزيزة التي دارت جميع فقرات الأغنية حولها وحول قرايبها. مثلا، في أغنيته هناك فقرة كاملة مضافة، فقرة مبهرة، يخلق فيها، أو يعيد إلى الوجود، شخصية جديدة ليقوم بالتمسية عليها. بعد مدح المداحين لعزيزة ينتقل للحديث عن امرأة أبيها، أم العلام، وعن عظمة محملها في طريقها للحج: "أم العلام، تبارك الله، هيبة ومقام، يعلوها، عشرة خدام، تحججها، في هادا العام، على محمل، تحته جملين، يا صلاة الزين."

الأغنية تحوي خطئاً على ما يبدو: يقول زكريا أحمد عن أبا سعدة، أخو عزيزة، والذي هو، بنص الأغنية، فارس فارس: "فارس معدود، على صيته، باين محسود، ومن صوته، شاب المولود، على شنابه، يقفوا صقرين، على دراعه، يقفوا سبعين على كتافه، يبنوا قصرين. يا صلاة الزين " انتبه للخطأ، مكان وقوف السبعين غير محدد بدقة، هل هو على دراعه أم على كتافه؟ الاستسلام للبنية الصارمة للكوبليه، يُلزم بأن يكون هناك مكاناً قبل، ومكاناً بعد وقوف السبعين. يصبح المكان قبل هو الدراع، والمكان بعد هو الكتاف، مع التأكيد على أن "يقفوا سبعين على كتافه" منطوقة بحيث تبدو جملة واحدة مكتملة، غنية عما قبلها وعما بعدها. سيد مكاوي من جانبه لم يحل هذه المشكلة، وإنما حركها، حبة بسيطة، ناحية وقوف الصقرين. يقول: "ومن صوته، شاب المولود، على شنابه، يقفوا صقرين، على شنابه، يقفوا سبعين." الصقران يقفان على شنابه مرتين، قبل وبعد. كان هناك فراغ، ولزم أن يتم ملؤه بأي شيء، بينما كل العناصر المنطقية لكلمات الكوبليه قد استنفدت، الصقور والقصور والسباع والأكتاف والشوارب، ولم تتبق غير العناصر غير المنطقية. تم ملء الفراغ إذن بأي شيء. كم كان هذا سيئاً يا إلهي.

Friday, March 28, 2008

يا عزالك يا طِلِب


آن الأوان يا إخوان لكي ندرس واحدا من أهم الأدوار في تاريخ كلمات الأغنية، الدور الذي قام به الشخص الشرير، الذي يقف في الغالب على مبعدة، وينتظر فشل قصة الحبيبين ليضحك، والذي يفتتح زمن السرد في الأغنية المكتوبة ويحولها من أغنية إلى دراما. وحديثا هذه المرة هو عن العزول.

العزول مثل مرعي بتاع الكِلِمة في أدبيات القرموطي: يسمع عنه الجميع ولا أحد يراه، وباستثناء جمل قليلة مثل "يا عوازل فلفلوا" فإن الخطاب أبدا لا يتوجه إلى العزول، ولا يتم على لسانه بالطبع، الحديث دائما عنه، لا إليه ولا منه. البعض سخروا من وجود العزول في الأغنية. نرى بيرم التونسي مثلا يتحدث عن ذلك الفرد من أهل المغنى واصفا إياه بالقول: "طالع نازل يلقى عوازل واقفة بتستناه/ واللي جابت له الداء والكافية طرشة ماهيش سامعاه." وعلى الرغم من محاولات كتلك لانتقاد وجود العزول، فإن هذه التدوينة جاءت بالتحديد للدفاع عنه، هو المسكين الذي لم يكن له صوت أبدا.

ما نعرفه أن أصل العزول يرجع إلى مفردة العذل أي اللوم، واللوم في الغالب هو محاولة لإثناء المحب عن الارتباط بهذه المحبوبة بالتحديد، أو العكس. أحيانا ما يكون العزول شخصا غير مقتنع باستحقاق المحبوبة لمحبها، وأحيانا ما يكون، بالعكس، راغبا في هذه المحبوبة بالتحديد وبالتالي فهو يقوم بما في وسعه للقضاء على الحب الذي يربط بين محبوبته وبين شخص آخر، يراه عدوا، وفي الحالتين فهو شخص غير شرير. إما أنه شخص محب أو أنه غير مقتنع، وهذا ليس شرا يا سادتي بالطبع. غير أنه على العكس من ذلك، فالأغنية فعلت كل ما في وسعها لكي تتجنب تبرير العزول، أو شرح خلفيته وأهدافه، وبالتالي حصرته في خانة الشر الخالص، غير المفهوم والشيطاني والذي لا يمكن التسامح إزاءه.

ربما تكون الجريرة الأساسية للعزول هي في التالي: أنه دائما خارجي، دوما ما يكون بخارج المحب والمحبوبة، دوما ما يكون هو الشخص الثالث، وهو المتحدث عنه بضمير الغائب. هذا ذنبه وهذا العقاب على ذنبه أيضا في نفس الوقت. في مسيرة جدلية مرعبة، أرادت الأغنية عقاب العزول فجعلته عزولا، جعلته ثالثا وحصرته في ضمير الغائب، للانتقام منه لأنه ثالث ومحصور في ضمير الغائب. مسيرة جدلية عبثية لا تستقي تبريرها إلا من نفسها.

لماذا إذن كان وجود العزول ضروريا: رأيي الشخصي، أن وجود العزول في الأغنية هو شرارة بدء الدراما فيها، بدء الصراع، تضحى الأغنية ساحة صراعات بين "الخيرين" والأشرار"، وبالتالي يوجد ما يمكن الحكي عنه، بخلاف عيون حبيبي وقلبي. ربما كان العزول هو الإثبات الأكثر عراقة على أن الحب إنما هو صراع لتأكيد الهيمنة ليس أكثر. لنتأمل معا الجملة التي يشدو بها عبد المطلب قائلا: "وازاي بعد ما فرحني/ بيفرح فيا عزولي؟". هذه هي شكوى المحب من محبوبه: إنه، بهجره له، قد أصبح آداة في أيدي أعدائه. ليس الموضوع هو الهجر إذن، وإنما ازدياد الأعداء قوة بتحول المحبوب عن محبه. الموضوع هو الصراع وتوازنات قوى هذا الصراع، لا الحب الحزين واليائس. هذه الجملة تلقي ضوءا أيضاً على تقسيم الأدوار في الأغنية، فالأخيار، ليسوا أخيارا، إنهم خيّر واحد، وهو أنا، والأشرار هم شرير واحد، وهو العزول، أما الطرف المحبوب، الذي "مابيسألش عليا أبدا/ ولا بتشوفه عينيا أبدا"، فهو آداة في خدمة الجانب الطيب أو الشرير، وبحسب انتقاله إلى هذا الطرف أو ذاك، ينتصر الخير أو الشر. المحبوب هنا هو آداة، لم تحسم موقفها بعد، وعندما تحسمه، فإن هذا سيكون نهاية القصة. إن كانت بانتصار عبد المطلب أو عزوله.

لننظر إلى هذه الجملة. كاظم الساهر يرى المرأة التي يحاول خطب ودها، بتعبيره، فيتقدم منها: "أنا شفتك تمشين لوحدك/ سرحانة وإيدك على خدك/ ببراءة جيت أطلب ودك/ ونكيد عزالي وعزالك." لنتأمل قليلا هنا. لا يصبح هدف الحب، هدف خطب الود، كما تبينه الأغنية، إلا كيد العزال، إلا الانتصار على معسكر الأشرار، وهو المعسكر الذي يقبع خارج كل من المحب والمحبوبة. في الحقيقة، فإن هذه الأغنية، واسمها "ويش صار"، لكاظم. تمضي خطوة أبعد، إنها تجعل من وجود العزول سابقا على وجود الحب بين المحب والمحبوبة. فلأي شيء صار هذا العزول عزولا إذن مادام الحب لم يربط أصلا بين الاثنين؟ لا تشرح لنا الأغنية. ربما أرادت أن يكون وجود الشر سابقا دوما، الشر، ومعه الصراع، قد وجدا قبل الخير، أي الحب. للشر دوما مجد ابتداء العالم، كما يشرح لنا كاظم.

***

هل يمكن، باستخدام هذا القياس، عن ظهور دور العزول في الأغنية وافتتاحه زمن الدراما، فهم شيء ما عن العنصر الغامض الذي يدفع شعراء، كثيرين وجيدين، لأن يكتبوا روايتهم الأولى؟

Friday, October 26, 2007

أدهم وسر العروبة المحمولة


"اول طريق الهرب/ شربوا العطش و الصهد/ وف عز عز التعب/ لقيوا عرب عن بعد/ وقربوا قربوا/ يا عطشانين اشربوا/ دانتو عرب واحنا عرب". هكذا هرب أدهم الشرقاوي من سجنه يوما ما، والعهدة على عبد الحليم حافظ ومرسي جميل عزيز. والعهدة عليهما أيضا في أن العروبة تظهر بلسما وروحا طيبة بين الإخوة في الشدائد.

***

المصريين بشكل عام يطلقون على البدو أو قاطني الصحراء اسم العرب. وبسهولة نستطيع تخيل أن الروح القومية الثورية في الستينيات كانت بتتبضن من هذه التسمية، لأنها ترى أن كل ما بين المحيط للخليج هم عرب، حتى الثعالب في أوكارها والطيور في أقنانها. وبالتالي فقد تولى السيد جميل عزيز، في محاولته لتطويع الملحمة لصالحه عندما كتب كلماتها لعبد الحليم حافظ، مهمة بستفة الوعي المصري كله، حينما جعل واحدا من العرب يقول لأدهم الفلاح إنتو عرب واحنا عرب. كان يهدم تراثا عفويا يسمي قاطني الصحراء بالعرب، مما يعني، بداهة، أن غيرهم مش عرب.

ولكن، يظل السؤال قائما: إذا كان أدهم ورفاقه عربا، زيهم زي الناس الذين لاقوهم في رحلة هربهم، فما معنى تخصيص الناس اللي لاقوهم باسم العرب في عبارة "لقيوا عرب عن بعد"؟ وليه مثلا لم يتم وصف ادهم ورفاقه قبل هذا الموضع بانهم عرب؟ ولماذا حضرت عروبتهم فقط لتواجه عروبة البدو، العرب الاصليين، العرب العاربة، في مقابل العرب المستعربة اللي هما أدهم وصحابه، الذين أصبحوا فجأة عربا من المحيط الثائر إلى الخليج الهادر، حسب ما أراده قوميو الستينيات الجدد؟ لا تنسوا أن عم أدهم نفسه كان هو من شهد زورا ضده، مع أنه وفقا لذات المنطق، هما الاتنين عرب. لا تظهر الروح العربية في الأغنية إلا لتآخي بين اثنين، العاربة والمستعربة، لترد على دعاوى الفتنة المفرقة بين الجنسين، ولتثبت أن مصر والزودان هيتة واهد، في ملحمة هي أصلا انتصار لشرقاوية بطلها، وليس لمصريته حتى ناهيك عن عروبته.

***

معلومة لا أعرف مدى أهميتها: في يوم من الايام، يمكن قبل حرب العراق واحتلالها، وكانت وقتها كوريا الشمالية تثير العالم ببرنامجها النووي وامريكا اللاتينية تشاغب كالعادة، والدول العربية كانت متواطئة ضد العراق ومع الاحتلال، ظهرت صيحة في المظاهرات ضد الحرب: "عاشت كوريا حرة عربية. عاشت كوبا حرة عربية. وانتم جتكو خيبة قوية." بمعنى اخر: انه فورا - وبشكل ساخر- تم منح العروبة هدية للدول المشاغبة، اللي هي برة المحيط العربي جغرافيا، فقط بفضل تحديها لأمريكا، ومنحت الخيبة القوية للعرب "العاربة"، يعني الأصليين، مع سلب عروبتهم عنهم بالبداهة ، لأنهم تواطئوا مع أمريكا ضد اختهم العربية.

..........

............

...............

وهذا يا سادتي الأفاضل كان مثالا واحدا على ان العروبة هي متاع بورتابل، نقال أو محمول، يمكن تحريكه من مكان لمكان بسهولة وبراحة تامة. هو أكثر أمانا من أي شيء آخر لا يسبب مشاكل في نقله ولا يجرح الباركيه.

Friday, October 12, 2007

حول الفرخة المقدسة لحبنا

يحب المصريون الفراخ، هذا لا جدال فيه، مطبوخة، مسلوقة، مشوية أو محمرة بالبصل ومن غيره. يفضلونها على اللحم دائما. اللحم البقري هو النزاهة أما الفراخ فهي تنزيه النزاهة. ويسمى فرخة بكشك من عظم المغنم من وراءه أو كان محبوبا كمحبة الناس للفرخة بالكشك.

***

ما أريد قوله هو أنه على العكس، في ميدان النحنحة والرومانتكيات، لم ينظر أحد إلى الفراخ بوصفها أطرافا مناسبة لمطارحة الغرام، وعلى قدر ما أشبعوا العصافير والبلابل واليمام والحمام بتشبيهاتهم، ولهذا حديث، فإن الدجاج ظل بعيدا ونائيا عن أغاني الحب. للعصافير غرامياتها وللفراخ موائدنا العمرانة. كانت هذه هي التفرقة التي وضعت كلا من اطراف المعادلة في مكانه، العصافير والفراخ، الغرام والموائد العمرانة.

***

ليس الغرض من إنشاء هذه المدونة بالتأكيد هو تحطيم الصور الرومانسية لمرتاديها الأفاضل، ولكن القافية تحكم أحيانا. يمكننا أن نتصور مطربا او مطربة كبيرين، وليكن صباح فخري أو فيروز، وقد أحلوا دجاجا محل عصافيرهم وبلابلهم التي تناغي أغصان الفل. لن يكون هذا أكثر من أمر مرح، بارودي ظريف لأغنية أصلية غير موجودة، يؤديه هنيدي أو سمير غانم. بصعوبة يتذكر المرء "فرخة حبنا"، ويتذكر أيضا انفجارات الضحك التي تصاحب هذه الجملة. لنراجع معا تصنيفات الأشياء: العصفور هو المحب، البلبل هو المغني العلماني، الكروان هو المغني الديني أو ذاكر الله ومداح رسوله، اليمامة هي بنت ثانوي التي لما تنضج بعد والحمامة هي المزة التي نضجت واستوت وصار صدرها يملا العين، أما البطة فهي، كما هو معروف، تدليع فاطمة، ويقال لها أيضا بطوط. في كل هذا لم ينحصر كائن بين الشوك والسكاكين قدر الفراخ، الموضوع الأساسي لحلقتنا اليوم.

***

استطاعت لعبة كمبيوتر مرة، وعن طريق نفي أي صفة رومانسية ممكنة عن الدجاج، أن تحولها، بالعكس، إلى عنصر شرير. الفراخ تغزو المجرة. في نهاية اللعبة تظهر الدجاجة الأم، بشعة،عنيدة، لا يتأثر جلدها السميك بأشعة الليزر التي لنا، ومنقارها العملاق ونظرتها القاسية كلها تقطع بأننا إزاء وحش كوحوش الكارتون الياباني. الفرخة هنا اسمها الدجاجة الأم، كيف يمكن لفرخة، وأم أيضا، مثل تلك أن تكون طرفا في مشهد رومانسي صنع لعصفورين يتناجيان؟ في اعتقادي الشخصي أنه لا أحد يقرن الدجاج بمشاعرنا المقدسة والطاهرة إلا لو كان هازلا أو غير فاهم، أو لم يقرأ هذه التدوينة بطبيعة الحال.

***

إليكم أغنية "نحنا دجاجات الحب نحنا ديوك الأحلام" لفيروز والأخوين رحباني

Friday, June 15, 2007

الذي تمخضت عنه الانسة تررم




الشاويش عطية يقترب من العسكري رجب ويسأله بغيظ مكبوت: شغلتك على المدفع بللم؟ من هنا نكتشف ان الاكس، السين، المجهول في الجبر، الذي كان مجرد رطانة قلد بها اسماعيل ياسين العسكري بجواره، يمكن ان يتم التعبير عنه بشكل صوتي واضح، وبوزن فعلن ايضا: بللم. ومن هنا ينطق اخونا محمود العسيلي بقلب جامد، وباستخدام نفس الوزن والفكرة: كان فيه بنت اسمها تررم، ضحكتها مش طبيعية

مشكلة العسيلي في اغنيتنا النهاردة واضحة، هو مش عارف اسم حبيبته، وعلشان كدا اختار لها اسم تررم. بمعنى آخر، خلونا نفتكس لها اي اسم، وليكن تررم مثلا، وخليكوا واخدين بالكو ان الاسم دا مش صحيح. ما بين الحاجتين دول، التعامل معها باسم تررم، والتعامل مع اسم تررم باعتباره اسم مش حقيقي، ببتيجي عقدة الاغنية

ذات يوم، كتب اخونا شكسبير مسرحية اسمها حلم ليلة صيف. اتكلم فيها عن فرقة مسرحية، الفرقة فقيرة الامكانيات ومكونة من خمس اشخاص، الحبيب والحبيبة وشخص واقف ما بينهم فاتح صباعه وهما بيتكلموا من خلال الصباع دا، وشخص واقف بعيد ومعاه لمبة. بيطلب المخرج، اللي هو الشخص الخامس، من الجمهور، انه يعتبر الشخص الاولاني حيطة بتفصل ما بينهم وهما بيتناجوا عبر الخرم اللي فيها، اما الشخص التاني فياريت تفترضوا انه القمر الذي يتناجى على اشعته الاحبة، هذا هو طلب المخرج

لعبة: (خلينا نفترض) هي لعبة الفن الاساسية. وهي لعبة الاغنية دي دلوقتي، خلونا نفترض ان اسم البنت تررم، بس مع عنصر تعقيد اضافي، خلينا نصدق ان اسمها تررم، وخلينا مش مصدقين، لان لو صدقنا ان دا اسمها الحقيقي، هتبقي فين مشكلة الاغنية؟ في حتة تانية، العسيلي بيقول: لما بنجرى وراها نتمنى ننول رضاها نفسنا نعرف اسمها ايه. بما يعني ان اسمها، بشكل واضح وقاطع، ليس تررم، وان العسيلي نفسه لا يعرف اسمها

فجأة الاغنية بتنقلب على نفسها. (لو كان
ابوها سماها... كان وفر وريحنا/ بدل ما نقعد ننده ونفضل زى ما احنا)، (لو كان ابوها سماها)، وبعدين مزيكا وفي الكليب بتترسم تلات علامات تعجب، ثم (كان وفر وريحنا). اذن المشكلة لا تبدأ من عدم معرفتنا بالاسم الحقيقي للآنسة تررم، وانما لان ابوها ماسماهاش اصلا، لانه لم يرغب في التوفير وفي اراحتنا. بنكتشف اننا تعرضنا لخدعة ثقيلة. بنكتشف ان الصيحة المدوية: كان فيه بنت اسمها تررم، لم يتبق منها الا الانقاض. انها انهارت بالتدريج. البنت اسمها مش تررم وانما هي واحدة منعرفش اسمها، وفي النهاية مش واحدة منعرفش اسمها وانما واحدة ابوها ماسماهاش اساسا، مسخ نصف بشري، يجري وراءه الجميع بينما هو كائن وهمي، على الحافة بين الوجود والعدم. الاغنية تلف حول نفسها، تتلوى، ثم تضرب نفسها في مقتل، لتصل الى المسخ اللي ميتسماش، اعظم الكائنات قاطبة

Friday, May 11, 2007

سليمة. من عبدتك بعد ربي


أرى سلمى بلا ذنب جفتني/ وكانت أمسٍ من بعضي ومني


سلمى تجافيه، وهو يسعى لاستعادتها، برغم أنها كانت جزءا منه. دعونا نرى كيف سيحاول استعادتها. ذاك المحب العكروت


كأني ما لثمـت لهـا شفاهـاً/ كأني ما وصلت ولم تصلنـي


الشفاه موطن الذكرى، القبلة وعد بالوصل الدائم. طباعة الشفتين على الشفتين، ختم لا ينمحي أبدا، أو هكذا يقول المحب. القبلة مكان لكسر العين، لاستعباد المحبوب، لضمه إليك طول العمر


كأنـي لـم أداعبهـا لعوبـاً/ ولم تهف إلـيّ وتستزدنـي


رغبة المحبوب وعد آخر، المحب يمتلك محبوبه عبر رغبة الأخير فيه. وإن تحولت الرغبة أو تبدلت أو تغيرت فلا يغيرن هذا من أمرنا شيئا، نظل نطالب المحبوب بما كان لنا يوما، بأمارة ما انت اللي كنت عاوز يا روح امك


كأن الليل لم يرض ويرو/ أحاديث الهوى عنها وعنـي


الآخرون أهم عناصر الحب، بهم يخرج الحب عن سريته، وبالتالي عدم يقينيته. طالما شاهد الاثنين آخر، طالما كانا مثار الحكايات عند الآخرين: أماكن، باعة في الطريق، مقاه، شوارع، والليل كاملا في حالتنا، فحبهما حقيقة، ومن هنا فهو أبد. المدى الأفقي، الحقيقة، يتحول إلى مدى رأسي، الأبد، الزمن، على طول الزمان أطالبك يا سلمى أن تكوني لي، بأمارة الليل الذي رآنا، ماذا سيروي عنا إن نحن تجافينا؟


سليمة. من عبدتك بعد ربـي/ سواءٌ في القنوط وفي التمنـي


عبدتك على حالين، رجائي فيك ويأسي منك، عبدتك على الحالين لا كما أعبد ربي، والله عند حسن ظن العبد به، وإنما عبدتك بيأس، عبدتك وكفرت برحمتك، أنا عابدك الكافر بك


غداً لما أموت وانـتِ بعـدي/ تطوفين القبور علـى تأنّـي


لما اموت وأنت بعدي. أي: لما أموت وانت تموتين بعدي ان شاء الله. لحظة صمت. لحظة استدراك. تكتمل الجملة. وانت بعدي تطوفين القبور. هكذا: يفرغ غضبه عليها. يتمنى لها الموت، ولكنه يردها إليه، كاليويو بالضبط، يلاعبها ويتلاعب بها ويلعب عليها، ينشغل بها ويشاغلها ويشتغلها، هو عبدها الذليل


قفي بجوار قبري ثـم قولـي:/ أيا من كنتُ منك وكنتَ مني
خدعتك في الحياة ولم أبال/ وخنتك في الغرام ولم تخنّـي


لحظة الاعتراف المتوقعة ساعة الممات: يستنطق المحب سلماه، يقررها، أو بشكل أدق، يكتب هو الاعتراف ثم يجعلها توقع عليه، الاعتراف هنا ليس ما يريد أن يسمعه المحب من محبوبه ساعة الموت، ولكنه ما يريد للمحبوب أن يسمعه الآن، لحظة إنشاد القصيدة. الاعتراف/ العتاب، موضوعه الخيانة، وهو يرتد بين المتكلم والمخاطب كالزمبلك. ليس فقط اعترافا او عتابا. إنه غزل أيضا


كذا طبع الملاح فـلا ذمـام/ فُطرن على الخداع فلا تلمني


غفرت لك يا سلمى، أنت جميلة، وهذا طبعك، بصفتك جميلة، أن تخوني. ولو لم تخونيني لما أحببتك، لأنك كنتي لتصبحين قبيحة يا حياتي. الغزل سلاح أخير بيد المحب لاستعادة محبوبه، من من المحبين يغازلك يا سلمى، يا سلملم، يا خائنتي الحبيبة، ويغفر لك خيانتك، ويمرر لك ملاحتك في غفرانه، إلا أنا






الأغنية بالمناسبة كلمات محسن إطميش وألحان كمال السيد، وغناها الكثيرون: زكية حمدان وأمل عرفة وريما خشيش. هي ساحة عظيمة لاختبار الصوت



Sunday, April 22, 2007

ردا على الزاعمين بانه هان الود عليه ونسيك وفات قلبك وحداني



درس ف السجال القانوني المفرط: قالولي هان الود عليه ونسيك وفات قلبك وحداني
في البداية، مفيش عناصر الخبر الصحفي وبالتحديد السؤال عن الفاعل. مين اللي قالولو؟ مفيش توضيح. ف الغالب هما الاخرون، بمعنى اخر العزال. على طول الاغنية هما بيشمتوا وبيلوموا وهو بيشغل نفسه انه يدخل معاهم ف محاججة عقلية، دور شطرنج ذهني، بينج بونج ثقافي، حاجة زي كدا


رديت وقلت بتشمتوا ليه؟ هو افتكرني عشان ينساني!؟. على طول الاغنية هيفضل دا الدفاع الاساسي للمتهم. المتهم بيواجه من قبل عزاله بتهمة ان حبيبه نسيه. وهو بيرد عن حبيبه التهمة بشكل طريف: علشان يكون حبيبه نسيه لازم يكون يوما ما كان فاكره. وبما ان عمره ما كان فاكره، فبالتالي هو مانسيهوش. احم. يعني، الغياب بشكل تاني بيعني الحضور، ان فيه حضور ما، فيه ذكرى حضور، ولو بائس ولو هزيل ولو ضعيف ولو أي كلام. من اول جملتين، بنكتشف ان سجال المغني هو سجال فلسفي، مهني، سجال حول استخدام المصطلحات، مش حوالين واقعة معينة، وهذا افضل جدا، مع ثغرة مهمة: وافضل امنّي الروح برضاه القاه جفاني وزاد حرماني. الخيط المنطقي هنا بيتهاوي، لان، بنفس المنطق، معنى ان فيه جفا ان كان فيه وصل، ومعنى ان كان فيه وصل انه كان فاكره، بشكل ما، بمعنى ما، ذات لحظة ما. احمد رامي هنا، بصوت عبد الوهاب وبعدين سمية قيصر، بيستخدم اضعف خيوط دفاعه دي بالتحديد علشان يكرر نقطته الاساسية: هو اللي حالي كدا وياه كان افتكرني عشان ينساني!؟. هنا بالزبط، بيثور شك ان رامي كان بيكرر الافيه بتاعه بشكل ببغائي. انه ماكانش واعي بيه اوي، او على الاقل محاولش يعلى بيه، لولا الاكتشاف الجاي

دا مهما طول شوقي اليه، ومهما زاد هجره وبكاني، بكره يعز الود عليه، ويفتكرني عشان ينساني. المغني عاوز يرتقي درجة، عاوز يدعي بفخر ان حبيبه نسيه، زي ما عزاله بيدعوا عليه، نفسه يبقى على نفس درجة الطموح اللي عزاله بيتهموه بيها. الشخص اللي بيغني، وهو نفسه الشخص اللي بيحب، بيتمنى ان حبيبه يفتكره، ودا بهدف واحد، انه ينساه. نسيان المحبوب بقى هدف ف اخر الاغنية، عبد الوهاب مصدق كلامه اوي، مصدقه بشكل مفرط، لدرجة ان منطقه انقلب على نفسه، أكله، اكل دماغه، سيطر عليها وحركها: بما ان معنى نسيان المحبوب ليه انه كان فاكره، فيبقى النسيان بقى هدف ف حد ذاته، و كون حبيبه يفتكره بقى هدف ثانوي، محتاجينه بس علشان نطلع منه على الهدف الاسمى، نسيان المحبوب. العبودية للمنطق، نسيان الوقائع، الأحداث، الحياة الواقعية، والتركيز بس ف محاولة الاقناع والياتها وتصديق الاليات دي وتركها تتدخل في الحياة الشخصية، ف الوقائع بالتحديد، علشان تغيرها، هي دي الميزة الحاسمة للاغنية العظيمة دي


Friday, March 30, 2007

حقدنا المقدس على المحبوب



استكمالا للبوست السابق: بتبدأ اغنيتنا النهاردة بشكوى تقليدية، تقليدية اوي، من كون أنا - الشخص اللي بغني والشخص اللي بحب والشخص المتفاني والشخص المعذب في شخص واحد، مش عارف انام من كتر وجدي وتعذيبي، شكوى قديمة قدم الشعر العربي. جملة بسيطة: عيون القلب سهرانة مابتنامشي. حلو. الناس لسة وخمانة وحاسة انها بتسمع حاجة بتطربهم، حاجة سمعوا زيها قبل كدا كتير، ولسة مأسورين يمكن بالوش الملائكي للمغنية، البراءة والدعة الرهيبة. فجأة نجاة بتفجر قنبلتها. بتقارن بين نفسها وبين حبيبها في المميزات التي لدى كل منهما في موضوع السهر والارق والنوم: (وانا رمشي ما داق النوم/ وهو عيونه تشبع نوم). ومش بس بتقارن، الغل وصل بيها لدرجة انها تقول روح يا نوم من عين حبيبي. الغيرة من حبيبها عمت قلبها، وهذا افضل جدا
نادرا ما بنلاقي اغنية عربية بيتعلق موضوعها بالحقد، واقصد هنا الحقد الحقيقي، الغيرة السودا من شخص ما، وخلينا نكون مباشرين، الرغبة المخلصة في إيذاء الحبيب، مش علشان بيعذبنا في حبه، انما لانه بيتمتع بمميزات حياتية افضل منا، احنا ممكن نشتمه، اكيد هنغير عليه، لكن نغير منه هو تحديدا، وعلشان هو احسن مننا، نحقد عليه، ونحسده، دا امتياز لنجاة على ما اعتقد. واحد من اجمل امتيازاتها
على طول الاغنية نجاة، ومعاها الابنودي، مابيركزوش. بيفتكروا ان الاغنية عن الحب: (حبيبي آه من حبيبي/ عليه أحلى ابتسامة)، أو عن الشكوى من الارق: (ورحت معاه/ وما اداني الا السهر)، بس بين الحين والاخر بيحضر الموضوع اياه، كإنه مختزن في اللاوعي ومكبوت لصالح تقاليد الاغنية العربية الغرامية. فجأة المقارنة بتحضر بكل قوتها، وبشكل ساخر جدا: (هو يروح ويمشي/ وانا اسهر ما انامشي/ ياللي ما بتسهرشي/ ليلة يا حبيبي.) شفتو الترقيصة دي. دي بتشتغله. بتتكلم عن حبها ليه وبتشتكي من سهرها ف حبه، وفجاة بتناديه بياللي ما بتسهرشي. انت فاكر ياللي مابتسهرشي اني غيرانة منك علشان انا مش عارفة انام، يابن الجزمة ياللي واكلها والعة، كل دا بيطلع بسلاسة رهيبة من واحد من اكتر الوشوش طفولية ونعومة في تاريخ الغنا المصري


على آخر الاغنية، بس قبل الاخر بشوية، نجاة بتاخد حبوب الشجاعة، بتعترف ان الموضوع الرئيسي لاغنيتها ولحياتها كمان هو الحقد دا. سكوت، نجاة بتسكت شوية، المزيكا بتهدا شوية، تقريبا الناس حست ان فيه حاجة هتحصل، حاجة مهمة في مسيرة الاغنية، نجاة بتدي مقدمة تلطيفية قصيرة: (حبيتك يا حبيبي من غير ما اسال سؤال/ وهاسهر يا حبيبي مهما طال المطال) وفجأة. ارتقبوا القنبلة يا اولاد: (انا بس اللي محيرني وماخلانيش انام/ ازاي انا بقدر اسهر وازاي تقدر تنام). دا بس اللي شاغل حياتها كلها، يعني مش حبه اللي مسهرها، هي أكثر شرا من كدا بكتير. اللعبة سريالية، دايرة مقفولة على نفسها: انا بسهر علشان افكر انا ليه بسهر وانت بتنام. مسألة عبثية. الحب ورا خالص، الحب اتفه من انها تفكر فيه، وحبيبها كمان اتفه كتير، كله بييجي في مرتبة تالية بعد حقدها المقدس، حقدها الحبيب، حقدها المدلل، حقدها الملهِم، بكسر الهاء، اللي بيخليها تسهر وتفكر وتغني

Saturday, March 17, 2007

حقنة في وريد أنغام

مرة من ذات المرات، كتب شخص ما، وانا اعتقد انه عصام عبد الله، لشخصة ما، وانا متأكد انها أنغام، على لسانها، كتب على لسانها بيقول: اطلق الصبر ف وريدي. دي كانت لحظة مهمة، لكن كمان كانت تتويج لفصال طويل بينها وبين حبيبها. فصال طويل كانت تفاصيله كالآتي
لو ضروري تفوتني خد مني الحنين/ واختصر بعد السنا خليه يومين/ قبل ما تسافر بعمري/ اسجن الشوق والمنا/ واطلق الصبر ف وريدي


الاغنية كانت ضد الغياب، ضد غياب الحبيب، وبتتقال على لسان الحبيبة، أنغام. لكن فيه سؤال مهم. ليه قالت اطلق الصبر، وماقالتش احقن الصبر. طبعا مينفعش الصبر ينطلق جوا الوريد من غير حقنة. بالاضافة ان البنت مدردحة ومش عاوزة تشبيهات رومانسية كتير، هي بتفاصل زي اي ست، وبتفاصل بشكل سادي، السنة هتبقى يومين، يومين بس، ودا اصلا لو كان ضروري تسافر، ولازم اجراءات السفر تتم، حضرتك هتاخد الحنين مني، تاخدهم مع الباسبور والتيكيت، وانت بتتأكد ان محبس الميا والكهربا مقفولين هتتأكد كمان انك قفلت على الشوق والمنا، مضايقاك الاجراءات؟ ما انت مسافر بعمري يا حياة عمري. حد قالك بم يا روح امك؟ وكمان هتطلق الصبر ف وريدي. هنا المسائل بتقف. تطلق مالهاش محل، الراجل بيعمل اجراءات، ومفيش ف الاجراءات حاجة اسمها يطلق. الاغنية هنا بتتكعبل


فكرتي كالآتي: السيد عصام وهو بيكتب كان محتار. هو عاوز يعمل إفيه، مقابلة ما بين
اسجن الشوق والمنا، وما بين اطلق الصبر في وريدي. ومحتار، هو فعلا حاسس انها لازم تكون احقن، لكن احقن، برغم انها اقرب له واقرب لكل اللي هيسمع الاغنية، لكن، برغم احترامه الكامل لوجهة نظر اي حد مش محترف اغاني، احقن مش إفيه، هي هتمشي مع جو الاغنية، ومع جوه، ومع جو انغام، ومع جوي، لكن فين اللعب بالكلام، فين التضاد الذي يوضح المعنى ويبينه؟ خلو بالكو ان اي مؤلف اغاني مش شرط يبقى عبقري، بس لازم يبقي محترف بشكل عبقري. لحد هنا والحيرة تمسك بزمام الراجل فلا تدع له افلاتا ولا إطلاقا ولا إحقانا


في عز الحيرة فجأة بتظهر المعلومة الذهبية، بتظهر من عمق ذاكرة عصام عبد الله: مفيش حاجة ف العربي اسمها احقن الصبر ف وريدي، فيه حاجة اسمها احقن وريدي بالصبر. بس، هو دا العربي اللي احنا اتعلمناه، يعني الحقنة مش بس هتهد الافيه لكن كمان هتهد بنا الاغنية كلها. بمعنى آخر: مفيش حد هيحاسب المؤلف على اجرامه بحق اغنيته لما اختار "اطلق". اهي الكتب قدامكو. حاسبو اللغة العربية متحاسبونيش انا

اضطر عصام يأجل عبقريته خطوة، أو يخبيها، او يحطها ف مكان تاني. يمكن مثلا على لسان منير وهو بيقول: انا ممكن اجريلك دمي، انا حاسس دمي هيتصفى. نفس المجاز الدموي. هنا بالزبط، الرد المؤجل على حقنة الصبر اللي خاف يستعملها

Monday, October 02, 2006

خلص الحب


عايش الايام دي مع صوت جوزيف صقر و كلمات و الحان زياد رحباني.. بدأ الموضوع بمقال قريته للشاعر الفلسطيني سامر ابو هواش في ملحق النهار الثقافي عن "صورة الحب عند زياد رحباني" وبعد كدا ف كيكا. بعدين رجعت تاني لشريط زياد "بما إنو" و "مندوزا".. الالبومين خرافة و انا بحب "بما إنو" اكتر.. فيه جو تهييس و هرتلة اكتر.. المهم.. سامر ابو هواش متكلم كويس اوي عن زياد و عن المفارقة اللي فتنت كتير اوي ما بين عالم الاخوين منصور و عاصي و عالم الابن زياد.. العالم الفولكلوري الريفي و ما بين العالم المديني المزدحم بالتفاصيل.. في حتة بيقول فيها ان صورة الحب عن زياد هي قريبة من فكرة الاثر.. الحب اللي انقضى.. اللي مات و دايما بيحصل فيه استرجاع له.. فالحب هنا ليس حاضرا الا في اثره، اي في افتقاده.. فكرة لطيفة جدا.. لكن على قد ما كان الحب كمان حاضر في اعمال الاخوين رحباني عبر حضوره لكن في حتة غياب صغيرة كدا.. نفتكر ان فيروز كانت دايما بتقف مستنية حبيبها.. و عمره ما بييجي.. دايما هنا الحب اللي هييجي.. و دايما عند زياد الحب اللي جا و راح و خلص الحب.. لكن على قدر ما المتكلم بتاع الاخوين هو متكلم ضعيف قدام سطوة الحبيب القاهرة.. و تقريبا بيستلذ بضعفه دا بشكل مازوخي على قدر ما المتكلم بتاع زياد رحباني هو اللي بيقطم الحبيب.. بيذله كإنه كاسر عينه.. عملتي كذا و كذا و كذا.. "جبتيلي اخرتي.. يا عمي انتو اللي اتغيرتو.. لا بتفل و لا مخليني اني فل، شوف شي حل.. رجعت منفض و لا قرش مجمع و لا خبيت.. ضاق خلقي يا صبي من ها الجو العصبي
"
دايما كان اللي بيفتني في زياد قوته، سخريته اللي بتهد كل شيء، برعونة احيانا، حتى برغم انه لما كان بيهد ماكانش واعي انه كان بيواصل عملية بدأها ابوه و عمه، ماكانش شايف بوادر السخرية اللي ف اعمالهم و لا اثار الرومانسية اللي ف اعماله. كان فاكر انه متمرد عليهم بشكل مطلق و انه هو النقيض الافلاطوني ليهم. بحب دا فيه. ممكن نسميها الرعونة العمياء لسخريته. بشكل ما، أنا مفتون بزياد

Friday, June 23, 2006

نتكلم شوية عن صوت فيروز؟


عندي واحد صاحبي، شاعر كبير و روائي كبير و مترجم كبير اسمه أحمد شافعي، الراجل دا مبيحبش فيروز، أو بيحبها بس مش قوي. دي حريته. من حق كل بني ادم انه ميحبش اي بني ادم. المشكلة معايا انا. انا اللي بموت ف فيروز. و بموت فيه. ساعات بيبقى نفسي اضغط عليه. اتخانق معاه. اضربه علشان يجب فيروز. طبعا دي مشكلة، لان لما اتنين بتحبهم قوي بتلاقي انك عاوزهم يحبوا بعض زي ما انت بتحبهم هما الاتنين.. هل تفتكروا ان وظيفة الخاطبة موجودة في اساسنا، ان كلنا حابين نوفق روس في الحلال؟ حتى و لو كانت وظيفة الخاطبة ليها ايحاءات مش كويسة و الناس ممكن تربطها بوظيفة القواد، الشخص اللي بيركب اتنين على بعض. ما علينا.. المهم ان طالما هو سمعها و محبهاش مش هقدر اعمل حاجة خالص. حتى و لو كانت فيروز بالنسبة لي هي الحقيقة الساطعة التي لا تحتاج الى برهان. يعني مثلا مش هقدر ابعت له اخر مشهد من مسرحية جسر القمر و اقوله اسمع فيروز و هي بتقول: " مسيكن بالخير. ما تردوا المسا. و المسا لألله ". هو مش هيقتنع ان كون صوت فيروز سماوي في الحتة دي دا سبب كافي علشان يحبها. و تقريبا مش هيقتنع حتى لو قلتله صوته ملائكي و لو انا طلعت مؤثرات صوتية زي يا لهوي يا خرابي على الصوت، و تقريبا اصلا مش هيقتنع ان دا صوت سماوي او ملائكي. المسالة مش هتبقى مقنعة. طيب. نحاول نبعد شوية عن خلافي الشخصي مع شفعون. احنا بنتكلم في حاجة اخطر كتير. مستحيل تتكلم عن صوت فيروز، و بما ان فيروز صوت. يعني مش ملحنة و لا مؤلفة و لا سينمائية فهيبقى مستحيل تتكلم عن فيروز، الا كلام من نوع ايووه و الله يا ست و مش معقول شو جميل هالصوت و طفلة الله و حاجات زي دي. انما كلام علمي او ابداعي.. سوري.. استحالة. استحالة و انت بتتكلم عن فيروز تطلع من مرحلة المقاطع الصوتية لمرحلة الجملة المفيدة. من سنة تقريبا، كتبت مقال عنها. كتبت ليه المصريين مبيحبوش يسمعوها. استعنت شوية بالتحليل النفسي لاني كنت بتكلم عن مشكلة اجتماعية و سياسية و مكنتش بتكلم عن صوتها. دلوقتي بقرا كتاب اسمه "فيروز و الرحابنة.. مسرح الغريب و الكنز و الأعجوبة". الكتاب مهم قوي. مش بس علشان بيتكلم عن فيروز و انما علشان كمان اسم الكاتب و اللي هو فواز طرابلسي و دا مفكر مهم جدا. لبناني ماركسي و عاقل، ودي ميزة لان العقل قل جدا الايام دي، و الجنان قل كمان بالمناسبة، و بقينا في مرحلة لا هي مرحلة العقل و لا الجنان اسمها مرحلة التخلف العقلي، مرحلة البلادة، العته المنغولي، حاجة زي كدا. المهم ان طرابلسي برضك مش مقرب لفيروز. انما بيحلل مشاهد مسرحيات الرحابنة اللي عملوها مع فيروز. و هو نفسه ف اول الكتاب بيقول و هو متضايق: كيف يمكن الكلام عن صوت؟. و مقدرش يخرج لمرحلة الجملة المفيدة الا لما بدأ يربط الوضع في لبنان بالمسرح الرحباني برؤيته الماركسية الثاقبة. هنا سؤال موجه للست فيروز: هل حست بالمشكلة دي. ان مفيش اي حد اتكلم بجد عن صوتها؟ الناس كانت بتتهبل لما تسمعه، و اللبنانيين كانوا بيبطلوا ضرب نار، او بيزودوه، على حسب، لما بيسمعوه، الناس بتسمعها كانها بتصلي. لكن مع كل دا، محدش اتكلم عن صوتها. الكلام كله كان عن كلمات اغانيها، حوارات معاها، شوية تحليل للموسيقى لكن الصوت نفسه لا. عندي وجهة نظر متطرفة في الرواية. و يمكن في الادب بشكل عام. الرواية الجيدة تخرس اي نقد حولها. يعني لو رواية جيدة بجد صعب قوي الكلام عنها نقديا. مرة احمد شافعي. صاحبنا اللي البوست دا استفتح بيه، قال لي ان فيه حاجات بتعجب بيها قوي لكن مستحيل تتكلم عنها. بتبقى مش عارف ايه اللي عاجبك فيها، أو اللي عملها بيبقى ثوري لدرجة انه حطم كل نظرياتك اللي قبل كدا و انت مش واخد بالك. أحمد مبيحبش فيروز لكن بيحب الكتابة الكويسة. و انا بحب فيروز و بحب الكتابة الكويسة. و الكلمة اللي قالها ممكن تتطبق على الاتنين، و هو بيتهيالي دماغه اكبر من انه يغير نظريته لانه لقاها بتتلائم مع صاحبه و عدوه ف نفس الوقت، بينما انا دماغي اصغر من اني افهم ازاي اتنين صحابي و بموت فيهم و يبقوا اعداء بعض و ابقى مضطر اشتغل قواد علشان اقربهم لبعض








Thursday, May 18, 2006

كريزة

أنت.. أنت.. ماشي في الشارع.. أنت ماش في عرض الطريق, و دا بيحصل أحيانا, أغلبنا, إن لم يكن كلنا, بنمشي في الشارع, أو في عرض الطريق, مفيش فرق. المهم, زي أي شارع قاهري عادي, الساعة إتناشر الضهر, بيكون الترزي شغال في محله, و بيكون مشغل ضربات القدر لبيتهوفن, دا طبيعي يعني, و بيكون محل البقالة مشغل, مشغل إيه, مشغل موسيقى البحث عن ديانا طبعا لعمر خيرت. و طبعا هتلاقي كعادة أي شارع مصري شعبي الساعة اتناشر الضهر , هتلاقي اتنين حبيبة, ولد و بنت طبعا, بيلتعبوا باتيناج في الشارع و هما بيدندنوا صفارة بحيرة البجع لتشايكوفسكي. و جنبيهم قهوة شعبية مشغلة شهرزاد لكورساكوف. طبعا هيكون فيه حفلة في بيت ما, لازم هيكون فيه حفلة, و طبعا هتكون مشغلة الدانوب الازرق لشتراوس, أمال هتشغل إيه يعني. طبعا, المسيح بتاعة هاندل هتكون بترن اكيد في الكنيسة المجاورة و انت سامعها و تنك ماشي. كمان يا صديقي انت ممكن تحس انك جزء من المكان لما السمفونية الاربعين لموتسارت, السمفونية الاربعين خصوصا, , عمالة تترقص عند محل الكشري اللي ف اول الشارع, و ممكن كمان انك تلاقي نفسك ماشي على ايقاعها. المهم, و هنا, و دا هيحصل مش زي اي شارع مصري عادي بالمناسبة, ممكن هنا بالزبط, تاخدك كريزة ضحك, طبعا مفيش سبب للضحك دا, انما هتلاقي نفسك بتضحك قوي قوي, و بشدة رهيبة, و هتلاقي عينيك دمعت و بقيت مش قادر تقف على رجلك, و كل شوية الضحك هيعلي و ممكن يبقى ضحك هستيري فظيع , هتقع على الارض و هتقعد تخبط في الارض بايدك و انت مش قادر تمسك الضحك, و هيعدي جنبك الاتنين الحبيبة اللي بيدندنوا تشايكوفسكي و هتمسك رجلهم جامد قوي لانك بتحاول تبطل ضحك و كل شوية الضحك عمال يزيد. طبعا مش هيبقى فيه سبب للضحك دا يا كابتن. هيبقى ضحك مجاني. ضحك برة السياق. و هتكتشف ساعتها ان مخرج المشهد اللي انت عايشه مخرج رايق. او مخرج مش مركز. او مخرج, ممكن نقول, مخرج هليهلي, و هتمسك كمان الحاجات اللي انت عملتها بشكل مجاني النهاردة و هتلاقيها كتار فعلا, يعني, و هنا انت بتحاسب نفسك, انا عطست النهاردة و دا اكيد ماكانش له غرض درامي في المشهد, و انا اكلت نص رغيف جبنة مع ان المربة اوقع فنيا. انا اسمي سامي مع ان عادل اقرب لجماليات الكاميرا, او اسمي عادل مع ان خالد يمشي اكتر مع الاحداث الدرامية. هتكتشف دا يا اخي. و فجأة هتلاقي كريزة الضحك زادت و زادت, و انك ضعت خالص. هتلاقي نفسك مش قادر تشوف اللي قدامك, و الدموع عمالة تسح منك من كتر الضحك