Friday, January 16, 2009

زيزي، زيكاس، وأبو عرب: قصة أغنيتين

أقضي ليلتي مع "يا صلاة الزين". أستمع إلى سيد مكاوي يغنيها أولا، ثم أقرر تحميل نسخة "زكريا أحمد". نسخة زكريا هي الأصلية. هذا لا يتصل فقط بتاريخ اللحن وإنما بتاريخ علاقتي أنا به، تعرفت على اللحن منذ عشر سنوات تقريباً بصوت زكريا أحمد، وعندما بحثت عنه منذ أشهر لم أجده إلا بصوت مكاوي. شيء ما جعل نسخة زكريا تقع في يدي اليوم، هنا. هي بصوت زكريا قوية، عكسها بصوت سيد مكاوي، زكريا كان يقنن للحن، كان يضع حدوده الصارمة، بقوة، ومكاوي، الذي جاء بعده بعقود، لم يتورع عن خلخلة الحدود، أو لأنه كان أعمى، فلم يرها أساسا. وهذا محض استظراف من جانبي، كما هو واضح.

يا صلاة الزين: لحن ذو إيقاع سريع وقوي، يعاود الوصول إلى ذروته في كل فقرة من فقراته. أبو عزيزة مثلا، الزناتي خليفة هو: "سلطان زمانه، بساتينه، نخل ورمان، وحصى أرضه، لولي ومرجان، ومطاوعينه، والناس والجان، يقولوله، يا ذا السيفين، يا صلاة الزين." هكذا إذن، يا ذا السيفين (أو يا ذا القرنين، تقال بالشكلين) هي الذروة المطلقة التي يبدأ بعدها الإيقاع في الهبوط، هي القنبلة. والقنبلة لم تنفجر فجأة. اللحن، ومعه صوت زكريا، يتصاعدان، يأخذان في الاشتداد، على طول الجمل القصيرة التي تشكل الكوبليه. كل جملة هي أكثر شدة من سابقتها، حتى يصل العنف إلى قمته الدرامية. التدرج الهرمي هنا هو أمر لا يعرف الهزار. وزكريا صوته كِشِر، يبدأ بتكشيرة محايدة حتى الوصول إلى الزعيق الهادر. وزكريا، مثل المصري، طول عمره معروف بقوته، وبجبروته.

طيب، على الناحية الأخرى، فسيد مكاوي، سليل المشايخ العميان، محبي الطرب والحشيش والقرآن، له طريقة مختلفة للتعامل مع الأغنية، التي وصلت له على ما يبدو وقد أصبحت مادة للتندر والتقليد. يخفف من حدتها قليلا، يميعها، إذا شئتم. الكلام عن عزيزة نموذج جيد هنا. نعرف أن: "عزيزة شابة، شابة وشباب، نواضرها، يسحر الالباب، وضفايرها، عند الاكعاب، ومباسمها، خمرة وشراب، في قمر ليلة، عشرة واتنين، يا صلاة الزين".

هذه هي صيغة زكريا الأصلية، ولكن لمكاوي صيغته أيضا، وهي صيغة أكثر دلعاً، بعد عزيزة شابة ونواضرها عاملة كذا يريح قليلا: "والله شابة، شابة حلوة، والله شابة، شابة حلوة." يعطل مكاوي اللحن كثيرا قبل أن يصل به إلى الذروة. النتيجة الحتمية هي أن اللحن يفقد كثيرا من قوته لدى وصوله إلى الجملة الختامية، يصل فاترا وضعيفا، بما لا يقبل المقارنة مع اندفاعة زكريا الرهيبة. الوصول الآن عِلق، ومرح، ورايق، وغير معنى بالقوة التافهة. الدلع أصدق أنباء من السيف يا دكتور.

الأغنية في أصلها هي أغنية مديح: "يا صلاة الزين، على الأمرا، يا صلاة الزين، ليلتهم حلوة، ومحليها، رب القدرة، ومنورها، باخوان أمرا، قصدناهم، خبرا وشعرا، ووجدناهم، كيف البحرين، يا صلاة الزين." هي أغنية تسول من النوع اللطيف. الأمراء هم مثل البحرين في كرمهم، والمداحون يتم استدعاؤهم على طول الأغنية للحديث عن -1- عزيزة -2- أبوها الزناتي خليفة -3- أخوها أبا سعدة، بالترتيب. سيد مكاوي يعيد الأغنية إلى اتجاهها التعريصي الأساسي، والذي لم يبد بقوة في نسخة زكريا أحمد. تبدأ الأغنية بمكاوي يجرب صوته: "يا صلاة الزين، على الحلوين.. على أمير البلاد يا صلاة الزين.. على الحاضرين يا صلاة الزين"، أو، في تسجيل تم في تونس: "على تونس يا صلاة الزين"، ثم ينتقل للكوبليه المذكور. يحب مكاوي أن يمسي على الحاضرين، الناس الحلوة التي تعبت نفسها وجاءت تسمعه. التواصل معهم، على ما يبدو، هو الأساس في شخلعته للكلام أكثر، بالمقارنة بزكريا أحمد الذي بدا وكأنه يقرأ من ورقته بدون الالتفات إلى العالم الواسع خارجها. يمسي مكاوي على عزيزة أيضا، يضيف وهو يخاطب المداحين: "قولوا على عزيزة، زينة الستات". لم يصفها زكريا بزينة الستات، ولكن مكاوي صاحب واجب، وهو يحب الناس ولا يحب أن يكون أحداً في أغنيته غير مرضي، حتى لو كانت عزيزة التي دارت جميع فقرات الأغنية حولها وحول قرايبها. مثلا، في أغنيته هناك فقرة كاملة مضافة، فقرة مبهرة، يخلق فيها، أو يعيد إلى الوجود، شخصية جديدة ليقوم بالتمسية عليها. بعد مدح المداحين لعزيزة ينتقل للحديث عن امرأة أبيها، أم العلام، وعن عظمة محملها في طريقها للحج: "أم العلام، تبارك الله، هيبة ومقام، يعلوها، عشرة خدام، تحججها، في هادا العام، على محمل، تحته جملين، يا صلاة الزين."

الأغنية تحوي خطئاً على ما يبدو: يقول زكريا أحمد عن أبا سعدة، أخو عزيزة، والذي هو، بنص الأغنية، فارس فارس: "فارس معدود، على صيته، باين محسود، ومن صوته، شاب المولود، على شنابه، يقفوا صقرين، على دراعه، يقفوا سبعين على كتافه، يبنوا قصرين. يا صلاة الزين " انتبه للخطأ، مكان وقوف السبعين غير محدد بدقة، هل هو على دراعه أم على كتافه؟ الاستسلام للبنية الصارمة للكوبليه، يُلزم بأن يكون هناك مكاناً قبل، ومكاناً بعد وقوف السبعين. يصبح المكان قبل هو الدراع، والمكان بعد هو الكتاف، مع التأكيد على أن "يقفوا سبعين على كتافه" منطوقة بحيث تبدو جملة واحدة مكتملة، غنية عما قبلها وعما بعدها. سيد مكاوي من جانبه لم يحل هذه المشكلة، وإنما حركها، حبة بسيطة، ناحية وقوف الصقرين. يقول: "ومن صوته، شاب المولود، على شنابه، يقفوا صقرين، على شنابه، يقفوا سبعين." الصقران يقفان على شنابه مرتين، قبل وبعد. كان هناك فراغ، ولزم أن يتم ملؤه بأي شيء، بينما كل العناصر المنطقية لكلمات الكوبليه قد استنفدت، الصقور والقصور والسباع والأكتاف والشوارب، ولم تتبق غير العناصر غير المنطقية. تم ملء الفراغ إذن بأي شيء. كم كان هذا سيئاً يا إلهي.

10 comments:

Anonymous said...

حبيبي نائل
الموضوع بسيط على دراعه يقفوا سبعين ثم على كتافه يبنوا قصرين يعني السبعين على دراعه و القصرين حبيبي نائل على كتافه
و الحشيشة في إيدك هلأ باين

nael said...

مممممممممم. احتمال مهم، لكن هيواجه بتلات مشاكل صغيرة
اولا: هذا الاحتمال لم يحل مشكلة صيغة سيد مكاوي للأغنية
ثانيا: فيه مشكلة رهيبة كدا في نبر زكريا أحمد، النبر يؤكد أنها جملة واحدة، "يقفوا سبعين على دراعه، وبينما كان زكريا يحرص على أن يفصل بين كل الأبيات القصيرة السابقة وبين بعضها صوتيا فهنا لم يفعل، هنا ادعوك لسماع الأغنية
ثالثا: هذا لم يحل فعليا مشكلة مكان وقوف السبعين، على دراعه أم على كتافه، لماذا يبني السبعان القصرين على كتافه بينما هما يقفان على دراعه، ودراعه أكثر اتساعا من كتافه بطبيعة الحال. حتى مع الاحتمال بتاعك، فهايفضل فيه ارتباك هنا

على العموم هو فعلا احتمال لم أفكر فيه قبلا، وبرغم المشاكل دي فهو يبدو أقرب لنية الكاتب. أضفت إشارة إلى التدوينة بسبب ملاحظتك دي، شكرا

Anonymous said...

لو سمعت نسخة سيد مكاوي كويس هتلاقيه بيقول على ابو سعدة بدل من : فارس معدود، علا صيته.. هتلاقيه بيقول : على طيطه، اللي وصلتني في اول مرة اسمعها من سنوات.. على طيظه

Anonymous said...

أحم..هو التدوينة دي فكرتني بحاجتين
مثلا في أغنية فيروز تلاقي الأداء الحماسي هو السبب في قفل كل كوبلية:

علب سردين
وقمر الدين
علب سردين
وقمر الدين
وبوظو ولوز وبندق وتين

معانا ريال
معانا ريال

الحاجة التانية إن الأداء الصارم (إللي سنة حماسي بردة) تلاقية عند حد زي عبد المطلب زي في أداءه للكوبلية ده ويمكن الأغنية كلها فيما عدا حاجات بسيطة:

مش خاين
ونسيتك زي ما أنت ما بتقول
أنا مش خاين ونسيتك زي أنت ما بتقول
حبيتك وبحبك وهحبك علاطول

تدوينة مش وحشة P:
حياك الله

أسماء علي said...

أنا أول رد بشري كما هو واضح
كل اللي ردوا غير بشريين
:))

ممكن يكون في ناس لما تيجي تسمع الأغنية هتفضل زكريا أحمد لتدرجه و العلو تدريجيا إلى آخر الكوبليه الذي يصل إلى حد الزعيق زي مابتقول

و في ناس يا سيدي هتستمتع ب سيد مكاوي بمياعته

أو ممكن على حسب التوقيت

كل شخص و مزاجه

الغريب في الأمر أن تنقب على حكاية مر عليها زمن
:(

tom fala said...

هل هناك أحد يعلم من عي عزيزة؟ عل لها أصل تاريخي من الواقع؟

tom fala said...

هل هناك أحد يعلم من عي عزيزة؟ عل لها أصل تاريخي من الواقع؟

Anonymous said...

موضوع الصقور و النسور و القطط .. زكريا احمد كان واضح في تعابيره الجسديه لما قال السبعين فرد دراعاته و لما قال القصرين حط ايده علي اكتافه .. يمكن يكون النفس بس خانه و جه بعد كتافه .. بس الواضح ان القصور كانت علي كتافه تشطيب سوبر لوكس مفتاح

Anonymous said...

راجع تسجيل التلفزيون المصري للاغنية سنة ستين

Ahmeds Saeed said...

هى ابنة الزناتى خليفة و يمكنك الرجوع للسيرة الهلالية ....و غنى لها ايضا محمد ممير اغنية يونس ....حيث كانت تحبه و سجنته من اجل ان يبادلها الحب و هنا قال (ده حب ايه ده اللى من غير اى حرية (