Friday, June 06, 2008

ليست دعوة لأن يحب الأعداء بعضهم بعضا

هذه التدوينة هي وجه آخر، مقلوب ربما، بعيد ربما، تفسيري ربما، من تلك، ومن ديكها.

في رحلته إلى إسرائيل يروي علي سالم قصة طريفة. هو يقود سيارته بشارع من شوارع تل أبيب، يقترب منه صبي، يهودي طبعا، ليلصق على زجاج السيارة ملصقا. فيما بعد يكتشف علي سالم أنه خدع الصبي. كان الملصق يحوي عبارة تقول "الجولان لنا". ألصقه الصبي على سيارة علي سالم بنية التعبير عن كون الجولان هي لليهود، ولكن علي سالم، وهو العربي، بوضعه الملصق فوق سيارته، كان يعني أن الجولان هي للعرب. عبارة واحدة خدمت الاثنين، الشخص وعدوه، ومنطق واحد اجتمعا عليه، منطق أهمية أن تكون الجولان لنا، بغض النظر عمن يكون ذلك ال"نا".

يتفق العدوان على أنهما عدوان، وبناء على هذه البديهية، التي يراها كل منهما بديهية، فهما يتشاركان في خلفية عقائدية واسعة للغاية، أساسها أن الشيء الذي تعاديا لأجله يستحق العداء، وأنه هو الأساس، وما عداه لا يهم. يتفقان على كراهية من لا ينتمي لأيهما، على النظر إليه باعتباره دخيلا وغير مفهوم وغير ذي صلة. يتفقان على جوهرية الموضوع محل النزاع، بل وأكثر من ذلك، يتفقان تماما على تقدير قيمة الموضوع الذي تنازعا عليه، إن كان يستحق خناقة في الشارع، تعنيفا دبلوماسيا، حربا شاملة. وهكذا، فالأشياء المشتركة بين الأعداء هي أكبر من أن تعد، وجزء كبير منها يكمن، وانظروا إلى تصاريف الأقدار، في رؤيتهم لموضوع النزاع نفسه، وليس أي شيء آخر.

***

يمكن لهذا أن يفسر إعجاب القوميين والإسلاميين الأكثر تعصبا، بالإسرائيليين الأكثر تعصبا، ونموذجاهم هما نتنياهو وشارون، ونفورهم الظاهر من الإسرائيليين الأكثر اعتدالا. "على الأقل شارون صريح"، هكذا يقال. يمكن لهذا أن يفسر أن الأدب الوحيد التي يمكن ترجمته من اللغة العبرية، هو الأدب الذي يدافع عن السلام مع العرب، أو الأدب الذي يهاجم السلام مع العرب، أما الأدب الذي يخلو من السلام ويخلو من العرب، والأدب غير المعني بكليهما، بوصفهما قضية، هو خارج عن السياق. من هنا يمكن أن نفهم التقارب الفكري الشهير بين الصهيونية والنازية (كلاهما يقوم على تقديس الهوية، على اعتبار العرق واللغة من أهم محدداتها، وكلاهما يقوم على اعتبار اليهودية هوية منفصلة، غريبة عن أوروبا) والتقارب الفكري الأقل شهرة بين الصهيونية والقومية العربية (كلاهما يقوم على نفس التقديس للهوية، وعلى نفس النظرة إلى اليهودية باعتبارها هوية منفصلة، غريبة عن العروبة هذه المرة). من هنا يمكن أن نفهم شيئا عن الحرب بوصفها ميدانا للتشارك بين الأعداء، وليس للنزاع العقائدي بينهم. لا يمكن تصور نزاع ينشأ بين ماركسي والحلاق الذي يصفف له شعره، ولكن يمكن بسهولة تصور النزاع بين ماركسيين، أحدهما تقليدي والآخر تروتسكي. يقال أن عدوك ابن كارك، وهذا تعبير شعبي عن العداوة المعجونة بماء المشاركة في الأفكار، في التصورات والمفاهيم، تعبير عن ذاتية العداء، عن عدم منطقيته وكونه ابن إرادة واضحة وتخطيط مسبق، بدون أسباب موضوعية كثيرة.

***

العدو الحقيقي هو الشخص المحايد، ليس الحياد النابع عن اتخاذ موقف وسط بين الموقفين المتعارضين، وإنما الحياد النابع عن اللامبالاة بالموضوع أساسا. هذا المحايد هو الشخص الذي يكرهه كلا الطرفين بنفس القوة، الذي يتفقان على كراهيته، ولكنهما لا يحاربانه، لأنهما لا يفهمانه، والحرب تعني في وجه من أوجهها "فهم" العدو، وبالتالي "احترامه"، وهي المرتبة التي لم يصل إليها ذلك اللامبالي.

اللامبالي هو العدو الحقيقي، والآمن في نفس الوقت، بسبب غموضه بالتحديد، لجميع الأطراف.

15 comments:

ربيع said...

يخربيتك
ابويا من فتره كان بيكلمني على حالة اسمها التوحد مع المعتدي ، ببساطه لو واحد خطفك و حبسك و اذاك ، ممكن بعد فترة تتعاطف معاه و مع اراؤه ، و ممكن في حالات نادره تنضم له و تشاركه في خطف ناس تانيه ، بس على الأقل بعد ما تتحرر من الحبسه بتاعته مش هاتلومه كتير او مش هاتنتقده زي ما المفروض يحصل
هو بقى عايز يقنعني ان اليهود توحدوا مع المعتدي النازي ، و انهم ببساطه ماشيين وراه في فكره التطهير العرقي و ارتكاب الجرائم و المذابح تجاه جنس معين ، طبعا الحاله الاولى كلاسيكية و معروفة و عليها امثلة كتير ، انما الحالة بتاعت اليهود دي جديدة و ناقصه كلام و اثباتات كتير
و فقنا الله لما يحبه و يرضاه

محمد عبدالحي السيد يوسف said...

و أخيرا لاقيت مدونتك
فرصة سعيدة
و على وعد أكون صديق دائم للبرنامج أول ما أخلص امتحانات

بنت القمر said...

الاستاذ نائل
==========
العدو الحقيقي هو الشخص المحايد، ليس الحياد النابع عن اتخاذ موقف وسط بين الموقفين المتعارضين، وإنما الحياد النابع عن اللامبالاة بالموضوع أساسا. هذا المحايد هو الشخص الذي يكرهه كلا الطرفين بنفس القوة، الذي يتفقان على كراهيته، ولكنهما لا يحاربانه، لأنهما لا يفهمانه،
=================
علي فكرة البوست ده حلو جدا وقوي
وده مش شكر طبعا انا بس بسجل اتفاقي معاك فيه محتواه وطالما انا متفقه معاك يبق حلو
:)
كنت عاوزة بس اقول حاجه انه في مدعي حياد وفي محايد حقيقي
المحايد الحقيقي هو اللي القضيه اصلا مش بتاعته ولاتهمه
لكن مدعي الحياد ده مصيبه لانه بيخدعك طول الوقت بانه بيدعي حياد مزيف.. وبيلعب علي كافه الحبال لكن عنده اجندته الخاصه اللي بيحرك الامور تبعها وفي اتجاه مصلحته
بيدعي الحياد فقط كي يكون بعيدا عن
مرمي نيران المتحاربين
تحياتي

د\أسماء علي said...

يبدو أن الاجازات تعود بك أكثر رونقا في أفكارك..
عارف هي فكرتك لما فكرت فيها لاقيتها تحمل جانبا من التصديق ..
هؤلاء من يؤمنون بحقهم في العراقة والاختلاف يتصادمون
لأنهم يدافعون عن نفس الأشياء والأفكار لكن بمعتقد مختلف
بمعنى اذا نجح أحدهم سقط الآخر
...
منور مدونتك من جديد يا نائل

عزة مغازى said...

من هنا يمكن أن نفهم التقارب الفكري الشهير بين الصهيونية والنازية (كلاهما يقوم على تقديس الهوية، على اعتبار العرق واللغة من أهم محدداتها، وكلاهما يقوم على اعتبار اليهودية هوية منفصلة، غريبة عن أوروبا)

رغم اعجابى الشديييد بالبوست الا انى لم املك الا ان اعيد قرائتها اكثر من مرة ليس فقط لاعجابى بالبناء والافكار ولكنى لانى احاول فهم امر ما ولم اوفق فى فهمه
لقد فهمت من البوست انك ترى ان العداء موجود لدى ذوى المرجعية القومية فقط واليهود باعتبارهم يتبنون ذات الافكار المتعلقة بنقاء العرق
مع نفى او دعنى اقول تجاهل واتمنى ان يكون توصيفى موفقا ان هناك من هم لا يتبنون اى مرجعية ايدولوجية فى كراهيتهم لاسرائيل من البسطاء ولا ينظرون للامر " عرب ضد دولة يهودية " بل يتعاطفون مع الفلسطينيين ويكرهون الدولة الاسرائيلية بدافع انسانى بحت ربما تكون فيه مسحة دينية ما
كما انه ليس القوميون وحدهم اصوليون فى هذا الامر فانت تجد من يعادون الاسرائيليين لانهم احفاد القردة والخنازير ولانهم ليسوا من بين خير امة اخرجت للناس
ان كل شعب او مجموعة سكانية تجمعها خصائص جينية او لغوية او دينية مشتركة ترى نفسها الافضل
فاتباع المسيح هم ابناؤه وهم المختارون وحدهم لملكوت السماوات وهم وحدهم ملاك الحقيقة المطلقة وكذلك اليهود كشعب الله المختار والمسلمون كخير امة اخرجت للناس وهكذا
ان الاصولية تضرب فى كل شئ حتى الفكر الاشتراكى
لقد كتب احمد بهاء الدين يوما مقالا يفصل هذه الفكرة فكرة الاصولية فى كافة المرجعيات الفكرية والسياسية
فلماذا نقصر الامر على القوميون وحدهم ؟
عذرا للاطالة

عزة مغازى said...

ربيع
انا فاكرة فى فيلم اسمه صائد الفراشات كان بيتكلم عن الموضوع ده قريت بس مشفتش الفيلم

بس مش بعتقد ان المسالة بتنطبق على الحالة اليهودية لان السمالة مش مرتبطة باللى حصل معاهم فى الحقبة النازية بس
التراث اليهودى على حسب معرفتى القليلة قائم على تدارس وقائع تعرضهم للاضطهاد على مدار التاريخ من اول ما قبل الخروج مرورا بالسبى البابلى والانتحار الجماعى بعد الحصار الرومانى وغيره
اعتقد ان اليهودى بيتولد حامل ميراث الثار بس فى السنوات الاتخيرة بقى عنده فرصة انه يحول رغبته لواقع
بس اللى حصل ان الثار وجه لناس كان اليهودى نكل بيهم فعلا قبل كدة لما كان هو اللى بيحكم ارض فلسطين بعد انتهاء الشتات الاول
عموما اعتقد استاذ نائل يعرف اكتر فى الموضوع

Reham R. said...

البوست لطيف جدا، كما كانت "تلك" و"ديكها" كذلك، ولكن جزء الأمن لم أفهمه تماما، فهل الأمن لا مبالي بالموالاة والمعارضة؟ أم أنه مبالي ولكنه غامض بالنسبة لهما؟
على العموم، ما دخلت أعلق لأجله كان شريط الأنباء في الحقيقة، وليس البوست تحديدا، امبارح وأول امبارح كنت بسمع "فات الميعاد" طول منا فاتحة الكمبيوتر أي من 7 ل 8 ساعات في اليوم تقريبا في يومين، كنت أسمعها هنا
http://www.6rb.com/songs/song_4250.html
وهي من أكتر الأغاني اللي بحبها لأم كلثوم، لأني بحس فيها قوة ممزوجة بالألم بشكل جميل، وملاحظتك حلوة أوي ومتناهية الدقة كالعادة، انما أكتر حتة بحبها ف الأغنية اللي بتقول:
"بيني وبينك هجر وغدر وجرح بقلبي داريته
بيني وبينك ليل وفراق وطريق انت اللي "بديته
حابة أوي العطف في الجملتين دول بالشكل ده، وحابة مجيئها بعد أكتر حتة ف الأغنية بتبان فيها أم كلثوم ضعيفة قدام قسوة الدنيا وفرحة العذال وتكرار "ناري" تلات مرات، بتخبط الجملتين دول كأنهم أسدين قصر النيل آخر كوبري الغرام، بترجع بقوة ضخمة، كأنها بترصله، وفي النهاية بترمي الكورة ف ملعبه وبتحمله ذنب الطريق اللي بداه، وانتهى بالشكل ده
أسيبك بأة وأروح أسمعها
حمدلله ع السلامة، انشاللا تكون استغليت الأجازة زي ماكنت حابب :)

اميمة عز الدين said...

اللامبالى ذلك الشخص الذى يتواجد حولنا بكثرة و لا نستطيع ان نلومه الا بين انفسنا لاننا نعرف بصدق انه تربى على ان يمشى بجوار الحيط حتى لا يفقد روحه او لقمة عيشه
كل ميسر لما خلق له
اما تعايش وتقبلالاخر للاخر ف؟أشك اصلا انها غير مرتبة
تحياتى
اميمة عز الدين

محمد عبدالحي السيد يوسف said...

مش عارف ليه أنا أتلخبط
يمكن لأني مؤمن بأن كل واحد لازم يكونله لون واضح
بس مش بالضرورة يصدر اللون ده في كل تعاملاته مع الناس

و أكيد أنت عارف
بعد النت ذلك الإختراع الجامد
ممكن الواحد يعرف ناس كتيييير من كل حتة في الدنيا منغير ما يفكر الناس دي أنتماءاتها أيه

أنا نفسي عندي صديقة بروتستانتية-صهيونية .. من الاتجاه الجديد اللي طالع بين مسيحيين امريكا
وواحد تاني يهودي - أمريكي
والاتنين دول بالذات عرفتهم بعد خناقة عن فلسطين

و في شهر يناير اللي فات كان موجود في مصر وفد من الشعراء الدنماركيين للاحتفال بأول أنطلوجيا لشعرهم باللغة العربية .. و بعد الندوة قعدنا اتكلمنا في كل حاجة ماعدا المشكلة اللي حاصلة بينا ، وكانوا ناس في قمة الأحترام و الذوق و الأنسانية

زمايلي بيتريقوا عليا دايما لما أقول أننا لو نجحنا نظهر للغرب و لأسرائيل تحديدا على أننا بني آدمين فده هيفرق في قضايانا جدا .. و شايف أن الوسيلة الوحيدة لده هو أنهم يشوفوا فننا و ثقافتنا الطبيعية و مش اللي موجهة ليهم مخصوص .. لأن ثقافتنا يمكن هية نقطة قوتنا الوحيدة و اللي للأسف ما بنستخدمهاش

ahmed said...
This comment has been removed by the author.
mo'men mohamed said...

أستاذ نائل
لم أنل شرف قراءة مقالك للأسف
ولكنى نلت قرف تعليق حضرتك عندى
غضبت عندما قرأت ذلك التعليق
ولكن مع فتح مدونتك
تبدل شعور الغضب هذا الى ارتياح نفسى
سلام

nael said...

ربيع

يا راجل، الفكرة عن التشابه بين اليهود والنازيين مشهورة اوي، بيتهيالي ادوارد سعيد اتكلم عنها، وايميل حبيبي، وجاكلين روز، وبيني وبينك، انا مترجم كتاب كامل عنها لواحدة اسمها عيديت زيرتال، والكلام عنها بياخد منحى تحليل نفسي. على العموم ممكن نتكلم عنها كتير اوي لو انت حابب

بنت القمر
صح. انا قصدت المحايد فعلا، الشخص اللي كل الكلام دا ماياكلش معاه، اللي ممكن اوي يتوصف انه مغيب او لامبال ، وهو دا اللي انا بحترمه اكتر

اسماء علي
فعلا دا اللي انا قصدته بالزبط
المدونة منورة بقراءتها يا اسماء هانم
:)

عزة
زي ما اتكلمنا قبل كدا، ماقصدتش القوميين بالتحديد، قصدت الناس الحريصين اوي على انه تبقى لهم هوية معينة، واللي بيعتبروا المسألة دي مهمة جدا بالنسبة لهم، دا هيبقى تشابههم مع المشروع الصهيوني، لانه قايم على فكرة الهوية

ريهام
بالنسبة لاغنية ام كلثوم دي فانا بحبها اوي
وتحليلك دقيق جدا للجملة، انا عن نفسي، بموت ف الرتم بتاعها، متقطعة تقطيعة حلوة اوي

محمد عبد الحي

معاك حق طبعا، لكن مش شايف ان حالة السكوت عن موضوع الصور كان مفيد، اكيد الموضوع دا كان مهم بالنسبة لك، واكيد كان مهم بالنسبة للدانماركيين، حتى لو كان مش مهم بالنسبة لي، انا شايف ان كان مفيد اوي تتكلموا مع بعض فيه، وبقوة اذا لزم الامر، علشان كل العقد تطلع، اذا كان ممكن ان كل العقد تطلع فعلا، وطبعا انا جاي اهدي النفوس
:)
مدوناتك لطيفة جدا على فكرة

اميمة
تمام. لكن انا مش بتكلم عن اللامبالي من الناحية دي. يعني مش حابب ادينه اخلاقيا كدا، انا بقول بس ان كلالناس كارهينه، بمن فيهم انتي ف تعليقك، وانا ف حتت تانية كتير، وبالتالي يبقى هو العدو الحقيقي والجذري لكل الناس، وانا بحترم فيه الحتة دي
:) منوراني يا فندم

احمد عبد اللطيف
يا عم منورنا على طول. مدونتك ظريفة اوي. وترجماتك مبهرة. تحيالتي البالغة يا زميل

عزة مغازى said...
This comment has been removed by the author.
عبحي .. فخور بأني مش بني آدم said...

لا و الله يا نائل
الفكرة أن أحنا ما أتعمدناش نطنش الموضوع
و برضه ما أتعمدناش نناقشه
كل الحكاية أن أحنا كشعراء كنا مهتمين في الوقت الضيق ده أننا نتعرف على التجربة الأنسانية بتاعة بعض
و الغريب أن ده خلاني أفهم بشكل كبير جدا هما أيه اللي خلاهم يتصرفوا كدة
و بصراحة عذرتهم و أستغبيتنا جدا
عموما أنا كنت فعلا مهتم بموضوع العلاقات الثقافية مع إسرائيل بالذات
بس ماكنتش لاقي حد أفكر معاه بصوت عالي
لو تتفضل على محسوبك و تضيفني على المسنجر بتاعك أكون ممنون جدا
أنا إيميلي في البروفايل بتاعي

عبحي .. فخور بأني مش بني آدم said...

منفضلي ليه ياعم ؟