Saturday, November 01, 2008

منطقي جداً

· هذا، باختصار، هو أمر غير ممكن! أنت تهذي بكل تأكيد

· حسنا، إذا كان ثمة من يهذي هنا، فأنا لا أثق أنه سيكون أنا.

· دعني أشرح لك، لم يحدث هذا منذ اليوم إياه.

· هذا ليس دفعا مناسبا، فكل شيء، كما علمتمونا، له مرة أولى! وكونه لم يحدث منذ اليوم إياه، فهذا يعني أنه، بأشكال مختلفة، قد حدث قبل اليوم إياه، وهذا يعني أن هذه المرة ليست هي الأولى بحال.

· نعم! إذن دعني أصحح كلماتي، دعني أقول لك: هذا لم يعد يحدث الآن!

· ولكنه حدث الآن بالتحديد، وهذا يعني أنه مازال يواصل الحدوث، قبل اليوم إياه، وبعده، والآن.

· معي أنا فقط؟ لماذا أنا وحدي دونا عن الجميع.

· هذا، أيضا، ليس دفعا مناسبا. فكل من سيحدث معهم هذا الأمر لهم ألسن، وكل واحد منهم سيسأل لماذا يحدث له وحده دوناً عن الجميع. من المؤسف حقا أن حقوقا بعينها، مثل الشكوى، والتفكير، والكلام، واستخدام اللغة، وتصور النفس مركزا للعالم، هي كلها حقوق يتشارك فيها الجميع، وبشكل شبه متساو.

· حديثك سخيف بالمناسبة، وغير منطقي. طبعا أنا أتصور نفسي مركز الكون، ولكن أنا مثلا منذ سنوات لم أكن أتصور نفسي مركز الكون، البشر يختلفون أحيانا.

· ربما لم تكن تتصور نفسك مركز الكون، ولكن هذه غلطتك بالتأكيد، وليست غلطتي، لأن هذا كان وقتها حقا متاحا أمامك. وهو الآن كذلك، وعلى الأرجح أن هذا الحق لن يسلب منك، على الأقل خلال اللحظات التي نتناقش فيها الآن.

· كان حقي! ولكنني لم أستعمله.

· إذن: عيب ناتج عن سوء استعمال. ربما لم تكن تفكر في هذا، ولكن كان بإمكانك أن تفكر. مثلا، بإمكانك أن تنزل الآن وتقود السيارة إلى أسوان ثم تعود، هذا حق معروف لك، ولكنك لا تفعل. لماذا؟ إحم، أو السؤال ساعتها بصيغة أخرى: كونك لا تنزل وتسوق السيارة إلى أسوان ثم تعود مرة أخرى، هل يعني أن هناك قيودا تم فرضها على تحركاتك. أنت لا تنزل، لأنك ببساطة لا تريد أن تنزل، ولأنك تراها، وأنا أراها معك، فكرة سخيفة.

· لاحظ أنك تغير الموضوع، وحس الدعابة لا يخدمك هذه الأيام بشكل جيد. أنا أتحدث عن المصيبة التي تخبرني بها، وأتساءل عن عدم العدالة في كونها تحدث لي أنا بالتحديد، وأتساءل إن لم يكن في هذا نية مبيتة للانتقام مني بعد كل الخدمات التي أسديتها لهم؟ ربما، مثلا، لكي، دعني أفكر معك بصوت عال، قد يكون، بهدف دفعي للخروج وعدم مطالبتهم بمستحقاتي.

· هذه الخدمات لا تميزك عن أي من غيرك، فالجميع يخدمونهم. والجميع، (بتنهيدة حكيمة)، صدقني هذا وضع عالمي، عالمي جدا، الجميع يطالبونهم بمستحقات ما، سيارات أو أموال أو، باختصار، بعضا من الأضواء. ولكن هذا لم يحدث مع الجميع، إنما معك أنت فقط.

· (بصرخة ظافرة) أهااا. هكذا تعترف. من حقي إذن أن أسأل لماذا أنا، طالما أن الجميع يتشاركون معي في نفس المقدمات والنتائج.

· (سقط في الفخ. لكن لا يبدو عليه التوتر. فقط يشعل سيجارة ويجلس) لاحظ أنك تسقط الصدفة من حساباتك.

· الصدفة هي التي تسقط نفسها. لم تحدث صدفة مثلا حتى أحصل على مستحقاتي من قبل، كنت أحصل عليها بمجهودي، فلماذا تتدخل الصدفة هنا بالتحديد، وفيما يسوءني بالتحديد، فكر فيها؟ لماذا لم تظهر الصدفة إلا هنا.

· إحم، تعرف أنه من الصعب جدا أن يدافع المرء عن الصدفة، فهي بلا قانون، ولكن دعني أنبهك إلى أنك تلف في نفس الدائرة. وهذا يعني أن أكرر كلامي: كل شيء له مرة أولى، وأعتقد أنه سيكون عليك، كرجل يتحلى بنزاهة نادرة، إذا ما أحسنت إليك الصدفة ذات مرة، أن تسأل بنفس اللوعة نفس السؤال، بشكل معكوس: لماذا أحسنت لي الصدفة أنا بالتحديد، دونا عن غيري؟ أليس كذلك.

· طبعا.

· إذن ففي الحالتين النقيضتين ستشكو. ألا ترى أن هذا يجرح من مصداقيتك بعذ الشيء؟

· (سقط في فخ آخر. يهز رأسه بقوة) لا. أنا أشكو من حالة واحدة تتكرر في المرتين، من لا منطقية الصدفة، من عشوائيتها.

· آه يا عزيزي. إنك ماكر جدا. ولكن دعني أسألك بالله عليك، إذا كانت الصدفة منطقية، فهل ستواصل مع هذا كونها صدفة؟

· اللغة يا صديقي. أنت محبوس في فخ اللغة. لن تكن صدفة بالتحديد. ستكون أي شيء آخر، سأشكو من وضع يا صديقي، وليس من كلمة، هذا توضيح هام.

· ولكنك أعلم مني بمدى حاجة الإنسان لاستخدام اللغة. يعني، سيلزمك حينها أن تسمي هذا الوضع اسما، طالما أنه لم يعد اسمه صدفة، ماذا تقترح له؟

· حسنا، لنقل مثلا، عدم العدالة.

· ليس بالضبط، عدم العدالة يعني أن هناك قرارا واعيا بالظلم، أو استهدافا لشخصك، وهذا يقطع أن الأمر ليس صدفة، بينما، على حد ما فهمت، فأنت لا تعرف بعد إن كان صدفة أم لا.

· إممممم. طيب. دعنا نقول: العشوائية؟

· كلمة غير دقيقة أيضا. لنفترض أنك سافرت فعلا إلى أسوان، وأنك جلست على قهوة، وأنك على هذه القهوة قابلت زميل دراسة قديما، ستفكر ساعتها في احتمال من احتمالين، إما أن الأمر تم بالصدفة، وإما أن أحدا أرسله وراءك لاغتيالك. في هذه اللحظة، والاحتمالان أمامك، هل يمكن أن تقول أنك قابلته بشكل عشوائي؟

· لا طبعا.. (يتردد).. نعم.. ربما.. صح؟

· لا طبعا.. في البداية يكون لديك تصور أن كل شيء يمر بك في حياتك و عشوائي، أو أنه حدث هكذا، كيفما اتفق، إذا جاز التعبير، لذا فأنت تمتنع عن تسميته بالعشوائي.

· ولكنه يظل عشوائيا مع هذا. ليس شرطا أن أسميه باسم ما حتى يكون هو ذلك الاسم.

· هو ليس شرطا إذا كنت لم تسمه مرة أو مرتين، ولكن حياتنا كلها قائمة على عدم تسمية هذا الشيء. ستة مليار بشري اتخذوا القرار بانه لا يمكن تسمية وضع تكون وفقا له الأشياء التي تحدث لنا إما مرتبة أو تمت بالصدفة. حتى ولو لم يكن هذا القرار حكيما، من وجهة نظرك أنت، ولكن هذا الاتفاق النادر في تاريخ البشرية يجعله أكثر من حتمي.

· أنت تتحدث بشكل نظري تماما..

· ربما، ولكن دعني أسألك، ماذا يمكنني أن أفعل حتى أتحدث بشكل عملي.

· نجرب معا.

· نجرب؟

· نجرب. بالضبط. تنزل معي. نركب السيارة. أسوق حتى أسوان. أقعد على قهوة. أقابل زميل الدراسة. أسلم عليه. بعد انصرافه أكلمك عنه. ساعتها سنعرف بالضبط أي اسم سأمنحه لهذا الوضع، سنصل إلى نتيجة عملية ما.

· ولكنني سأكون معك. لن تحتاج لأن تحكي لي. أفضل أن أبقى هنا. تسافر وتعود وتحكي لي ما حدث. وعندها، عندها فقط، سأستطيع أن ألتقط منك الكلمة إياها. سأعرف بماذا ستسمي ما حدث؟ وسنعرف أينا على خطأ وأينا على صواب.

· (يفكر).. مممم. منطقي جدا.

5 comments:

مفقود said...

LOL

حـنــّا السكران said...

متابع دائما ..بمتعة ذهنية لا يـُحدثها سوى دستة سجائر حشيش ورا بعضهم .. نفس المفعول يعني .. بس المرة دي ..أنا بشتكي من خطأ ما يظهر لي في الصفحة داخل النص .. ما بعرف اذا عندي انا بس أو عند الكل ..في
أكواد و أحرف انكليزية ظاهرة في أول كل سطر ..و هذا ما لخبطني تماما ..و هذا أيضا ما قلّل من جرعة المتعة الذهنية ..لتساوي سيجارتين حشيش فقط ..بس حشيش بعلبكي أصلي ..

nael said...

هيهيهيههييي

كشفت نفسك يا معلم

استعمل الفايرفوكس ولن تظهر تلك الأكواد
:p

حـنــّا السكران said...

نعم ..الان كل شيئن انكشفن و بان ..و الإكسبلورر بان على حقيقته كمان..

هلّئ كل شيء تمام ..عاش الفايرفوكس حرّاً مستقلاً

أسما عواد said...

ايه يا كبير منشرتش ليه تعليقي على الفئران انت خايف ولا ايه؟