Friday, September 19, 2008

وجع في روحي.. وجع في بطنك

لم تجد صحيفة "الأسبوع"، للتعبير عن رد فعل، أي رد فعل، إزاء كارثة الدويقة، سوى مانشيت كبير بصفحتها الأولى يعلن: "آه يا وجعي".

ياء

لم تقل لنا "الأسبوع" لمن كان هذا الوجع، خاصة أنه كان مرتبطا بضمير الملكية للمفرد المتكلم، أي أنه وجع شخص واحد، لم تكن "آه يا وجعنا" مثلا. هل كان رئيس التحرير هو الذي يتوجع، رئيس مجلس الإدارة، الشخص الذي يسمى بـ"المصري"؟ لم نعرف، ولم يكن هناك بايلاين يشرح من الذي تكلم من شوية وقال آه يا وجعي.

***

طبعا كلامي إلى الآن كان عن الياء التي في آخر وجعي، وليس عن وجعي نفسه. معلش. دلوقتي نتكلم. تعبتكو معايا انا عارف.

مواجهة مصرية شامية

لا أعرف بالضبط متى عادت كلمة "وجع" لتظهر للوجود بالفصحى، أعني كلمة "وجع" ذات المفهوم الرومانسي: وجع الروح، وجعي الخاص، آه يا وجعي. أي أن يكون لها معنى يتجاوز "رجلي بتوجعني" أو "جاك وجع ف بطنك"، وهو المعنى الذي تربيت عليه وظننت أنه الوحيد المتاح. الوجع، بهذا المعنى الروحاني السامي، ويا سلام لو كانت بالجيم الشامية المعطشة، هي كلمة جديدة، وحلت منذ سنوات فحسب محل كلمة "ألم" التي كانت هي الشائعة لفترة طويلة. لم يكن منطقيا إذن أن تقول الأميرة السورية علياء المنذر – في مسلسل "أسمهان" – للموسيقار داود حسني إنه: "ما فيه حدا متل سيد درويش قدر يعبر عن وجع المصريين". رد داود حسني كان مفحما بالمناسبة، وسيطيب للكثيرين اعتباره نموذجيا بالنسبة لمصريته، مثلما كانت جملتها نموذجية بالنسبة لشاميتها. قال داود وقد انتبه: "على سيرة الوجع، أنا عصافير بطني بتوجعني جدا."

تقسيم العمل

وعلى قدر ما أصبح الوجع، في اللغة الأدبية، وجعا روحانيا، على قدر ما تم حرمانه من دلالته الجسدية، التي تربينا عليها أطفالا. يصعب تخيل راوية أو راو يحكي عن ألم في ساقه ويقول: "رحلة الوجع استمرت طول الليل". سيستخدم حينها كلمة "ألم"، ببساطة، فهو يدخر الوجع للوجع الحقيقي، وجع الروح الخالد، وليس وجع الجسد الفاني. كلمة "ألم" هي كلمة تقنية ومهنية ولا تحتمل سمو الروح. يعني، في اللغة الأدبية، حدث تغير مهم، الألم صار للجسد، والوجع للروح. هذا هو تقسيم العمل المثالي. وهكذا انحاز المثقفون – المثقفون بالتحديد، لا رجل الشارع – للمرة الألف، إلى الروح على حساب الجسد.

***

طيب، على سيرة الوجع، نسيت أن أخبركم أن هذا كان يتزامن مع وجعي أنا الشخصي والذاتي جدا، وجع ضرسي.

إنه يحدد انحيازاته كأي مثقف

قارئي العزيز، أتمنى أن يكون قد وصلك انطباع ما الآن، بأنني أنحاز لكلمة "ألم"، وأني لا أحب "الوجع". أنا عارف، هذا انطباع يضايق بالتأكيد، لأنك قد تكون، وبلا وعي خالص، وبدون التفكير في كل ما قلتُه، تحب كلمة وجع، وترى كلمة "ألم" مبتذلة، وأنت بالتأكيد تريد قراءة تدوينة تجد نفسك فيها، ويؤسفني جدا بالطبع أن هذا لا يحدث هنا. قلبي معاك. طيب، خطوة أبعد: أنا لا أحترم وجع الروح، على قدر ما أحترم جدا ألم الجسد. وجع الروح تجربة مشتركة بين جميع الناس، كل الناس نفسيتها تعبانة، أنا تعبان وإنت تعبان والحاج والحاجة تعبانين. ولكن بعضهم فقط جسمه تعبان. بعضهم فقط يشكو من مرض، من التهاب، من هارت أتاك، من ألم ف سنانه، وهذا الأخير هو أنا، أنا الفقير المسكين المستحق لرحمتكم.

أوبسسسسس، إنه يتحدث عن ذاته

لثلاثة أيام كان الألم يهجم بلا رحمة، ومع الألم، الانتباه له، عدم القدرة على النوم، أو العمل أو التفكير في أي شيء آخر غير بسلامته. ضرس كامل يتصدع، صداع يصعد إلى النافوخ، أمسك ضرسي فيسكن الألم لحظة ثم يعود وبضراوة أشد، والمسكنات لا تعمل. باختصار، لم يكن ممكنا عدم التفكير في زيارة الدكتور الكئيب، وتخيل شناييره التي يضعها في الفك، ثم وضع السيناريو الكئيب لأول الألام الجادة، وأول الزيارات للدكتور، وأول الأدوية، التي سيتبعها بعد ذلك مراحل متدرجة من انهيار الجسد الهائل والقوي، وصولا إلى ومن نعمره ننكسه في الخلق خالص. الأسد تسقط أسنانه تباعا يا أحبائي.

وتنظيرة سريعة

من يحب يستطيع التخفيف عمن يحبه. يمكن للمحبوب، بحضوره، بعطفه الزيادة، بتفهمه الأكثر، بسهوكته الأكثر، أن يخفف عن حبيبه الوجع، بالتحديد، وفقط، لو كان هذا الوجع هو وجع روحه، أي لو كان حبيبه متضايق من حاجة، قافش، مخنوق، تعبان نفسيا، وغير هذا من التعريفات المعتمدة لـ"وجع الروح". ولكن سلطة المحبوب تتوقف أمام ألم الجسد. وهذه نقطة مهمة، لأنها تكون لحظة من اللحظات القليلة التي تثبت أن المحبوب هنا هو مجرد بني آدم وأنه ليس ربنا ولا حاجة. هذا طبعا يكون جارحا للمحبوب، أن يرى سلطاته تتقلص أمام عينيه، ويرى نفسه وقد فقد تأثيره على الشخص الذي على طول يقول له يا روحي ويا حياتي. استمرار المحب في تألمه هو شيء يجرح كرامة محبوبه. إنها صدمة معرفية، وتجرح، بشكل لا فكاك منه، الحبيب والمحبوب في أعز ما يملكان، في السلطة الرهيبة التي يملكها كل منهما على الآخر، وتجعلهما يفكران في أن الشيء الذي يجمعهما ليس قدريا ولا حاجة، وأنه مجرد اشتغالة كبيرة. إنه نزول الإله عن عرشه وبدء زمن الحداثة.

***

وجع السنان بيعدي، ووجع البنج بيعدي، ووجع حقنة البنج بيعدي، ومابيفضلشي ف الأيام المفترجة دي غير الكلمة الطيبة..... يا صاحبي.

8 comments:

باسم said...

هناك شئ ما أريد قوله عن هذه التدوينه ، شئ ليس أنك قد لمست أحاسيس خاصه بداخلي و عبرت عنها ، و لا هو أنك قد بهرتني بمعالجه ساحره لموضوع ساحر ، المشكله في التدوينه أنها لذيذه و منعشه مثل زجاجة سفن آب مثلجه ، خاصة إذا قمت برجها و شربت الفقاقيع الناتجه عن الرج العنيف للزجاجه ، شربتها و أنت تتأمل ضوء القمر و تتأمل وجع أسنانك ، أتمنى لك التوفيق من كل قلبي عزيزي نائل الطوخي

بنت القمر said...

الم
-------------------
اذا لم يكن وجود المحب مؤثر بشكل حقيقي علي الالام الجسد ومخفف لها
اذن فهذا المحب مزيف لا نه لا يؤثر بوجوده علي الروح التي تحيي الجسد... ولا فائده من وجوده ان لم يكن ماهرا في معسول الكلام ومستعد للربت علي الكتف ومنح قليل من التشجيع يبقا مغشوش
وبيعه في السوق واستبداله بشريط بنادول افضل كثيرا واكثر نفعا
وده مش هزار ده كلام حقيقي اكيد الالم بيكون مضاعف في ساعه الوحده والانزواء ومع شخص بغيض لا يشارك حبيبه الالم... هذة التجربه اختبار للمحب الحقيقي مع كونها اختبار لنفسها

بنت القمر said...

التعليق السابق لا يعني الاكتفاء بالمحب بدلا من الطبيب ولكن تؤكد اهميه وجوده

bluestone said...

لا وجع البنج مش بيعدي ولا حاجة ...
فعلا مفيش اي انسان عنده قدرة على انه يخفف عن الواحد ألم الزفت السنان

كنت في المحنة دي وحدي تماما من كام اسبوع
واصدقائي الحقيقيين كانوا البنادول
الباراسيتامول
البروفين
وبعض المخدر الموضعي اللطيف
والقليل من المهدئ

ثم طبيب أسنان مليونير
لفح مبلغ وقدره
بعد 7 زيارات لدكاترة نص كم
لم ينوبني منها إلا مزيد من الوجع الي بجد

77Math. said...

"هذا طبعا يكون جارحا للمحبوب، أن يرى سلطاته تتقلص أمام عينيه، ويرى نفسه وقد فقد تأثيره على الشخص الذي على طول يقول له يا روحي ويا حياتي. استمرار المحب في تألمه هو شيء يجرح كرامة محبوبه. إنها صدمة معرفية، وتجرح، بشكل لا فكاك منه، الحبيب والمحبوب في أعز ما يملكان، في السلطة الرهيبة التي يملكها كل منهما على الآخر، وتجعلهما يفكران في أن الشيء الذي يجمعهما ليس قدريا ولا حاجة، وأنه مجرد اشتغالة كبيرة."

عجبتني جدًا ..

تحويل الطيف إلى كلمات ليس يتقنه أي أحد ..

تحياتي

Anonymous said...

بارع كعادتك دائما يا سيدى
تحياتى

مصطفى محمد said...

سلامة أضراسكم و حفظ الله مدونتكم و لقد ذكرتمونا بضرورة قراءة كتاب وجع المصريين

:)

nohaelebiari said...

احيانا الواحد بيقرا حاجات بتأثر في حياته بعد كده للابد والمقالة دي منها يعني أنا دلوقتي حادور على كلمة وجع في المنجد .. مش بتاع المراتب بتاع القاموس ... ولو لاقيتها حابدأ استخدمها بدل ألم كنوع من التغيير ولو ملقتهاش برده حاستخدمها كنوع من التغيير في اللغة برده ... لاني على عكسك بحب الكلمة دي بس انا كمان متفقة معاك وشايفة ان آلام الروح ممكن تروح بسهولة بكوباية شاي أو سجارة أو تعسيلة او حتى شوية مزيكا حلوين لكن آلام الجسد وخصوصا السنان حلها بيكون مكلف ومقرف وبياخد وقت سلامتك