Friday, October 19, 2007

نعناع وعيون اللغة العربية


أرسلت لي عناية تطلب مني أن أخبرها بأخباري، ببساطة يعني.

كتبت لها على مساحة الإيميل الفارغة "عينيا يا عناية". ولم أرسل الإيميل. أصابني الاكتئاب فجأة. لسبب ما، داهمني خاطر بأن شخصا لا يعرف العربية يقرأ الإيميل. أو يسمعني وأنا أردد "عينيا يا عناية"، ويفكر ساعتها بشكل حتمي في أن العربية لا تحوي إلا أصوات ثلاثة، هي أصوات عينيا يا عناية، العين والنون والياء. وهكذا، مدفوعا بالرغبة في الحفاظ على صورة اللغة العربية في عيون الغرب، كنت لأتراجع عن إرسال الإيميل، لولا تذكري أمر آخر.

منذ ثماني سنوات كنت قد كتبت قصة عن لغة لا تحوي إلا كلمة واحدة تتكرر الواحدة إثر قرينتها، بلا أي اختلاف في تشكيلها أو طريقة نبر أحرفها، لم تكن إلا كلمة مفردة، هي HAHY، تعبر عن جميع معاني اللغة اللانهائية. هكذا إذن، بما أن الكلمة تتكرر بشكل لا نهائي، وهي وحدها تعبر عن جميع معاني اللغة، فلم يكن إذن من معنى جديد دخيل يؤرق اللغة أو يثبت عجزها. لم تكن إلا مرونة اللغة اللامحدودة بكلمتها التي لا تحوي غيرها. فكرت، إزاء إيميل عناية، أنه كلما ازداد فقر مفردات اللغة زاد ثراء دلالاتها، وهكذا لم تكن "عينيا يا عناية" عارا على اللغة العربية، العكس تماما، وهكذا كنت لأعود وأضغط Send، لولا فكرة قاتمة حلت علي من جديد:

"عينيا يا عناية" ليست كلمة واحدة كما كان في القصة القديمة، انها عبارة من كلمتين وحرف نداء، تقترب أطرافها من بعضها الى حد الالتصاق، انها "عي. نا. يا. - يا – عي. نا. يا."، مع اختلافات بسيطة، التشديد والنبر وما الى ذلك، وهذه الاختلافات هي ما تجعل من قصتي القديمة وواقعة عناية الحديثة محض أمرين مختلفين.

يضاف إلى هذا أن الأجنبي أجنبي، ومعنى أجنبيته أنه لا يعرف العربية، وهذا يعني أنه سيسمع العبارة فحسب، لن يفهمها، والمفاجأة المؤسفة أنه قد لن يميز أصلا بين مقاطعها، بما يعني أنه قد يتصورها كلمة واحدة، سبعة مقاطع تكرر بشكل ببغائي العين والنون والياء، كأنك بالضبط تكرر كلمة "عين" سبع مرات، عينعينعينعينعينعينعين، أو تكرر كلمة نعناع ثلاث مرات ونصف، نعناعنعناعنعناعنع، ومطلوب من أي ابن وسخة أن يصدق أنك تقول كلمة واحدة لم تغادرها الى التي تليها. إذن، هكذا سيقول الأجنبي، الشعب العربي بيشتغلنا، لا مفر من الوصول الى هذه النتيجة النهائية.

...........

...............

...................

لكل هذه الأسباب لم أجد ما أقوله لعناية عندما سألتني عن أخباري

6 comments:

المنفي said...

اذكر ان الروائي المصري ادوار الخراط كان له سرد لغوي مكثف بحروف معينة
كحرف العين او الراء واذكر ذلك في رواية " "رامة والتنين" او بالاحرى رواية "الزمن الاخر" ولم يكن سردا روائيا في سياق الاحداث بقدر ما كان تباهيا لغويا يضفي على الرواية المزيد من حضور النثر والشعر

Reham R. said...

لم يبق إلا أحرف اللغة يصيبك باكتئاب! ليس هناك من أجانب سيفتحون إيميل "عناية" ليقرأون ردك! وإن حدث، سيغلقوه فورا ولن يهتموا أصلا.. تخيل نفسك فتحت إيميلا بالصينية، ستجري على الكودينج تبحث عن تغييرها لشيء تفهمه! صح؟ العربية ثاني لغة في العالم صعوبة بعد الصينية..وإن كانوا أشخاصا مهتمين وتوقفوا، أتوقع أن يسألوا "عناية" عن هذا اللغز البصري في الحروف.. ثم أن أي بالطبع لن يتخيل أنها كلمة واحدة،ببساطة لأن العربية تكتب في أحرف متشابكة، ما يعني أن هناك مسافة واضحة بين اخر ألف والواو، ثم بين الواو والعين الجديدة..
أشعر بالسفسطائية في ردي هذا!، لأني أشعر أن نصك ليس تحليليا ولا حتى لغويا، بقدر ماهو حلميا! داهمني شعور بأني أحلم عندما قرأته..
ملاحظة أخيرة: توقفك هذا عند الحروف، ليس دليلا على اكتئاب، ولا حيرة، ولا خوف من الفهم الخاطئ، قدر دليله على سعادة اللغة بإثرائك لها عند توقفك بهذا الشكل!
انسى اكتئابك، لقد أسعدت اللغة العربية كلها!
:)

Mirage said...

أولا
البوست روعة

ثانيا
بخصوص نائب وغائب
انا كنت شايف ان نائب مش ماشية مع المعنى زى غائب وكنت فاكرك انك كتبتها غلط.بتحصل يعنى. عادى

ثالثا
انا هكتب عن لغة الهاهى دى فى الأيام اللى جاية عشان الموضوع شدنى قوى بصراحة وممكن آخد المقال بتاعك وانشره زى ماهو واكتب طبعا إن نائل هو اللى كتبه ياإما هعد اكتب انا من أول وجديد بقى

انت إيه رأيك ؟

nael said...

المنفى
بالزبط
بس ادوار بيخلي اللغة هي اداته، انا بيتهيالي اني بشتغل على اللغة في البوست دا، مش بشتغل بيها، يعني هي الموضوع مش الاداة. واحد من اكبر عيوبي اني معرفش اشتغل باللغة، بيتهيالي ان كوني مش شاعر هو عدل من السماء، تجاهي وتجاه الشعر سويا

ريهام
ههههههه. هو كان حاجة زي الحلم اصلا، لحظات بتمسكني فكرة واحدة وتفضل مسيطرة عليا لغاية ما تطلع عيني.. بس فيه حاجة.. انا كان الاحتمال اللي انا حطيته ان الخواجة دا هيسمعني وانا بقول عينيا يا عناية، مش هيقراها، ومن هنا كان اللبس اللي هيقع فيه

ميراج
اولا
الله يخليك

ثانيا
الكلمة كانت نائيا مش نائبا

ثالثا
انا شايف انك تعمل اللي يعبر عنك ابداعيا اكتر.. شوف اللي بيرضيك اكتر واعمله.. في النهاية، الكاتب محتاج اول حد يساله عن رايه هو نفسه، مش حد تاني على حسب ما يتهيالي
وشكرا للاهتمام

Mirage said...

طيب على فكرة اصل انا من ساعة ماشفتك فى دار ميريت بالصدفة واتكلمت معاك حتى وبعدين شفتك بالصدفة تانى فى مكتبة أفق وحاسس ان فى حاجة ورا الموضوع ده

انا لسه مش عارف ايه هى لغاية دلوقتى بس اكيد هييجى يوم واعرف

انا بحثت عن اللغة اللى انت بتقول عليها دى ومالقتش اى ابن وسخة عنها خالص مش عارف ليه كده

عموما يعنى انا بلاقى نفسى مهتم بكتابتك دايما مع انى اوقات مش بفهم من اسلوبك حاجة بس بحاول على قد مقدر

انا على فكرة كنت فاكرها نائبا بالبة عشان كده كان مكانها غريب بس نائيا كده تبقى مظبوطة

صباح القشطة

nael said...

ميراج
صباح الفل
طبعا محدش كتب عن اللغة دي غير العبد الله لان دي لغة متخيلة اصلا والقصة دي قصة خيالية

وفي انتظار اليوم اللي هييجي فيه وتعرف
:)