Friday, July 13, 2007

في رثاء الجسد ذي التسعين عاما

بداية خميسية لطيفة. أنا في الجريدة أستريح بعد اسبوع طويل من العمل. تليفون. نينا ماتت. هتيجي تحضر الدفنة؟

من شهرين كانت آخر مرة رحت زرتها بعد ما تعبت وقعدت عند عمتي في اسكندرية. كانت المرة الوحيدة اللي اشوفها وهي تعبانة. عمتي دخلت بيا على اودتها. الاودة اللي نايمة فيها. من برة الاودة شفت سريرين. سرير عليه كوفرتة مكرمشة، مش مترتبة كويس. والتاني عليه كوفرتة مفروشة. أين هي إذن؟
جدتي يا حضرات كانت قد صغرت. صغرت كثيرا. كانت موجودة تحت إحدى طيات الكوفرتة. هذا كان اكتشافي المأساوي. أزاحت عمتي الكوفرتة فظهرت من تحتها، عظام متلاحمة وبعض اللحم. عينان تبرقان وفم بلا أسنان، هي ذات التسعين عاما. ماكانش ممكن مفتكرش اورسولا، الجدة في مائة عام من العزلة، ظلت تهرم وتصغر، تهرم وتصغر، تهرم وتصغر حتى اضطر أولادها إلى حملها معهم في علبة كبريت، تقريبا كانت علبة كبريت. وأنا بطبطب عليها اكتشفت أنني تقريبا أكاد أحتويها بقبضة يدي.


رجعت البيت راكبا الأوتوبيس. في الأوتوبيس يظهر الرجل الحتم، الضرورة، الذي لا مفر منه: أخي المؤمن أختي المؤمنة، تبرعوا لبناء بيت الله. افكر في انني لو كنت بطلا من ابطال روايات الستينيات او من افلام صلاح ابو سيف لهتفت ثائرا ولماذا أتبرع لبيت الله والله لم يمنع الموت، ولضربت الراجل ولطلعت تلاتة مايتين امه. لكني ماعملتش كدا، لاني اولا مش بطل في روايات الستينيات ولإني كمان مش شايف ان منع ربنا لموت ستي كان هيبقى حاجة مهمة، او على الاقل حاجة تستاهل خناقة عشانها.

- أصريت أنزل أدفنها بنفسي وشفت القبر من جوا.

- وكان إحساسك إيه؟

- أودة صغيرة وفاضية بس بتنزلي لها بسلم واطي اوي وانا طويل وبضطر اتني نفسي.

- لا لا مش قصدي. قصدت إحساسك كان إيه؟

- مش عارف. بس ماكنتش خايف، لو دا اللي بتسالي عليه. كان عندي فضول بس.


ولأنني أعلم أعزك الله عزيزي القارئ، أنك تملك عين الفضول الرهيب لمعرفة كيف يبدو القبر، هذا إن لم تكن تُرَبِيا بطبيعتك، أو لم تسبق لك معاينته كما فعلت أنا وعاينت، لهذا بالتحديد، فسوف لن أحدثك عنه، فقط سوف أتذكر عبلة كامل في الحلقة الأخيرة من حديث الصباح والمساء وهي تجلس بداخله وقد تعبت من عد الداخلين الذين لا يخرجون وقالت عن الموت كلمة حكمة لكنها في النهاية فانتاستيكا.

14 comments:

مريم said...

لما بفكر فى الموت بحس انى ممكن اقرب وكمان اوصل زى حاجات كتير حسيت بيها بمجرد التعمق فيها
لكن مش بكمل لانى مش بقدر او يمكن شايفة انه مش وقته وده وقت التفكير للحياة
مش عارفة

Anonymous said...

أنت تكذب

Anonymous said...

! [ الـسـلام عـلـيـكـم ورحمـه الله وبـركـاتـه ] !

رائـع جـداَ مـاكـتـبـتـه اخــي
والله يـرحـم جـمـيـع مـواتـانــا ..
والله يـهـدينــا اجمـعـيــن

بـانتـظــار جديـدك دائــم

الاماراتية ,,

مروة ابوضيف said...

كل الناس بتتصور ان الخوف هو الاحساس اللي هيجيلها لما تدخل قبر طبعا و هي عايشة لما بتموت معنديش اي افتكاسة لاحساسها بيكون ايه
انا عمري مدخلت قبر بس بيتهيالي الاحساس ساعتها موش هيكون الخوف ممكن الفضول زي مقلت لكن تصورت كمان معاه احساس ما غامض مختلف كانك خطيت برجلك عالم تاني عالم الاموات انت شاركتهم البيوت اللي عاشوا فيها احياء و ده بيتهم لما ماتو القبر بيت الميتين و بس و انت دلوقتي ضيف عليهم داخل عالمهم
اما الجسم المتقوس زي عيدان الكبريت فده بس عشان نشوف اد ايه الدنيا ده حقيرة فعلا بتتعمد اذلالنا باستمرار حتي و احنا بنودعها في اخر ايامنا و هي عارفة اننا بنسيبها لان اكيد فيه اتفاق ما بين الموت و الحياة مقدرش الومه لوحده و اقدس الحياه لاني باعتقد انهم علي اتفاق مع بعض اتنين تجار بيتاجروا فينا و احنا الرقيق

البقاء لله

جنية فى قارورة said...

البقاء لله

الحقيقة أنا عمرى فى حياتى ما شوفت حد ميت معرفش إحساسى أو رد فعلى ممكن يكون إيه
هخاف.. هبكى.. أو يمكن أضحك
مش عارفة
وأكتر حاجة مجننانى إنى مش عارفة
وخايفة أعرف أنا هحس بإيه
وللأسف ديه تجربة لازم تخوضها بنفسك عشان تعرف

Mirage said...

انت عارف ان انا كمان جدتى لسه متوفية من اسبوع بالظبط وكام يوم

هو موسم ولا ايه ؟

سهــى زكــى said...

نائل ... انت عارف كويس اوى كلامك عمل فيا ايه حالا ، انت انسان حساس بدرجة كبيرة ، خلتنى افتكر اثنين نزلتهم القبر بأيدى حسيت اد ايه احساس صعب يا نائل ؟
اغلى اثنين بايدك الحية اللى مش قادرة تحييهم بتلفهم وتنزل بيهم فى حفرة صغيرة وتقفل عليهم وتمشى ...

الكنبة الحمرا said...

وبيقولو كمان الموت علينا حق
والموت للجدعان
واذا مت هذا العام فأن الموت سيتجنبني العام القادم

صاحب البوابــة said...

رغم انى اختلف معك في بعض النقاط فكرياً

الا اننى سعدت للغاية عندما اكتشفت مدونتك

تحياتي عزيزي

hesterua said...

دايما كل ما بقرالك بتعظ

Lemonada said...

ياااااااااااااااه يا نائل
ربنا يرحمها

مش عارفة اقولك اي
بس كل يومك بكتشف فيك حاجة
لاء حاجات
ادعو لها بالرحمة دايما وماتنساهاش
الدعوة اهم واكثر حاجة الميت بيحتاجها

Anonymous said...

من لم يكن له الموت واعظ يا نائل يا ابني فلا فائدة من كل المواعظ، سيبك إيه أخبار بابل؟

nael said...

مريم.. بيتهيالي مفيش فرق قوي اوي كدا بين الموت والحياة. انا شخصيا بفكر في الموت كتير، مش عشان اوصل او اقرب انما بس لاني عندي فضول جبار من ناحيته.. ولاني بحس انه جزء لا يتجزأ من الحياة
الاماراتية.. اشكرك على الزيارة والمجاملة الرقيقة. اتمنى تكون المدونة عجبتك بجد
مروة. فيه مجاز قريته في مكان ما عن الورم او الانتفاخ، لما تكون الحياة محملة بالموت جواها، بقوة، وكل منهما يساهم في وجود الاخر. فيه شواهد كتير على الحلف بين الموت والحياة. كل الاسماء لساراماجو، الاخرون بتاع نيكول كيدمان، قصص العفاريت، لكني على العموم لا اعتقد ان الموت يتفق بالمطلق كدا مع الحياة، انما مع اخر الحياة، هذا هو الجزء الذي يفضله بالبداهة من الحياة، هي قرقوشة الحياة التي يفضل مذاقها، من هنا يأتي تقوس الجسم زي عيدان الكبريت في العام التسعين للحياة،
جنية.. ربما لانها لم تكن المرة الأولى ابدا لي فقد كان الموضوع بسيطا، لكن دوما الموت الفجائي هو المرعب بالنسبة لي

ميراج.. اكيد شوطة يا معلم

سهى.. سيبك. كل حاجة بتتنسى. هذه هي السلوى الوحيدة للحياة

الكنبة الحمرا.. بس البير كامي ماوضحش ايه اللي ممكن يحصل لو الموت اصاب واحد جنبي، هل في هذا ضمانة برضه ان يتجنبني العام القادم؟ دا يبقى موت علق اوي

صاحب البوابة.. وانا ايضا سعدت كثيرا بمرورك.. وربنا ما يجيبش خلاف ابدا.. 

هستيريا والمجهول.. فيه جملة بتحكى على لسان جدي كان بيقولها لما يحب يحدد كفاءة فيلم معين من عدمها: الفيلم دا كله مواعظ. هذه هي التأشيرة النهائية التي تجعل الفيلم جيدا، ويستحق المشاهدة. وبالتالي، شكرا على اقراركما بان تديونتي جيدا

ليمونادة.. بدعيلها والنبي

Reham R. said...

إيه ده؟ أنا ازاي معلقتش على التدوينة دي؟
بادئ ذي بدء، لا بد أن أشكرك وأنا أعترف أن الأجازة المطولة للمدونة منحت قراءك -أمثالي- الفرصة للدعبسة في الأرشيف في وقت الفراغ، والاصطدام بتعليقاتهم قبل دخولهم عصر النهضة بإنشاء مدونات، والشعور بالحنين لقاء ذلك، يا له من عصر!
ثانيا، أنا أتذكر جيدا أن هذه التدوينة أعجبتني أول مرة قرأتها، وهذا الاعتراف له أهمية بالطبع، فأنا لا أسجل إعجابي الآن فقط، بل أسجل إعجابي الراجع لعصر ما قبل النهضة كذلك، أي هناك تسجيلين بإعجابين مختلفين، كل منهما يؤرخ لعصر في تاريخ المدونات، وهذه شهادة عظيمة من مدونة عظيمة مثلي
ثالثا، يلح على أن أسألك حول جملة "ولأنني أعلم أعزك الله عزيزي القارئ، أنك تملك عين الفضول الرهيب لمعرفة كيف يبدو القبر، هذا إن لم تكن تُرَبِيا بطبيعتك، أو لم تسبق لك معاينته كما فعلت أنا وعاينت"، كيف عرفت بالله عليك أن عزيزك القارئ يملك عين الفضول الرهيب؟ حتى لو لم يكن عاينه من الداخل من قبل؟ هل كنت تملك أنت هذه العين قبل معاينته؟ وهل أنت مثال لكل القراء كذلك؟ ، حسنا، في ضوء هذه التساؤلات لابد أن أعترف لك -كوني من القراء- أني عمياء بخصوص عين الفضول عن القبر هذه، لا أملكها، أتخيل جيدا أنه حجرة ضيقة سيئة التهوية تنزل بضعة سلالم عن الأرض وتتوجه برأس الميت للقبلة، لا أعرف ولكني شخصيا لا أعتقد أن فيها شيئ مثير للفضول، أو أي شيئ مثير أصلا
أما عن الموت نفسه، فتأتي رابعا، أنا أعتقد -وهذا اعتقاد يرجع لعصر النهضة وعصر ما قبل النهضة كذلك- أن أغلب الناس يبنون مشاعر الفضول والخوف والتخيل حول الموت كونه جزءا مجهولا تماما من المستقبل، مجهولا يعني لم يجربوه من قبل، وحتى الأديان، تضخم من هذه المشاعر بوصفها للقبر وعذابه والآخرة والجنة والنار وإلخ، فتساعد خيال الناس على التوسع والتوسع، ولكن هنا يأتي تناقض، فالناس قبل أن يولدوا لم يكونوا موجودين، لم يكونوا، وهم يعترفون بأنهم خلقوا من عملية جنسية ما، يعترفون بأنه قبلها لم يكونوا أصلا، ولكنهم لا يعترفون بأنهم بعد الموت لن يكونوا موجودين كذلك، لن يكونوا موجودين ل"يشعروا" و"يتحدثوا" و"ينتظروا" و"يأملوا في آخرة وجنة ونار"، لأنهم ببساطة، لن يكونوا، التناقض في ادعاء الناس فهم طبيعة "عدم كونهم" قبل الولادة والخرافات الكثيرة حول "كونهم" بعد الموت، وهذا أمر ناتج عن عوامل كثيرة معقدة لست بصدد مناقشتها الآن، ولكن على كل الأحوال، لابد أن نصل لخامسا وننهي هذا التعليق الطويل اللطيف، فخامسا، إلى اللقاء في تدوينة الغد :)