Friday, October 17, 2008

لقاء السحاب: في تعريف مصر والمصريين

"عام 92. قهوة شعبية في شبرا، رمز مصر العنيد. أوسؤس وطفطف قاعدين مع بعض. يشيشان ويتبادلان الكلام حول فيلمهما القادم والسابق"

أوسؤس سرحان. يفكر في معضلة كبيرة. وجهه مهموم:

"ولا يا طفطف. فاكر من تلات سنين؟"

(ابتسامة حنين) "ودي حاجة تتنسى يا أوسؤس؟ (يستدرك) بس ايه اللي فكرك بالموضوع دا دلوقتي."

"امبارح قعدت افكر مع نفسي.. طلع إننا كنا غلطانين يا أبو الطفاطيف. وغلط كبير كمان."

"ازاي بس؟"

"احنا اتكلمنا عن الوطن، عن الجيش والعساكر ، الظاهر إنه ماكانش لازم نتكلم عليهم، المشكلة أكبر منهم بكتير، احنا كدا زيفنا وعي الجماهير اللي دخلت فيلمنا."

"ليه يا جدع؟ احنا مجتمع مهزوم ولازم نتكلم عن الهزيمة ونعرف مين اللي هزمنا. مش هو فرج الاكتع اللي هزمنا؟ مش هو اللي هزم حسن ونعيمة وسرق مرتبات العساكر وهما بيحاربوا؟"

(لحظات صمت. لا صوت سوى كركرة ماء الشيشة ولا حركة سوى حركة الدخان الطالع بقوة من أنفيهما وفميهما)

"ماتزعلش مني يا طفطف. احنا بنفكر مع بعض. أنا بفكر ان الاسرة المصرية هي اللي اتهزمت أول حاجة ف البلد دي، مش الجيش والعساكر، المجتمع انهار لما الأسرة انهارت."

(طفطف يفكر. يعاني مشكلة في التفكير) "طب فهمني. دي فكرة صعبة أوي."

"افهمك. انا ابني امبارح اشترى له قميص بخمسين جنيه. طيب. افرض انا كاتب كبير وبكتب مسلسل ميت حلقة في شهرين. بس يعمل إيه رب الأسرة المصرية. فهمني؟ هو حتة موظف غلبان."

(يبدأ في التقاط الخيط) "مافيش غير إنه يرتشي طبعا."

"طب وافرض إنه شريف."

"يبقى يرفض الرشوة لحد آخر لحظة (تبرق عيناه بفرح جنوني) فهمتك يا أوسؤس يا جامد. فيلم جديد. رب الأسرة المصرية اللي هو موظف غلبان لكن ابن بلد وجدع، يرفض الرشوة لحد آخر لحظة، يقوم رجال الأعمال المجرمين حاطينله حتة حشيش ف بيته علشان يأدبوه. وف المحكمة ييجي وفد من المحامين العرب يتضامن معاه. الله عليك يا كبير."

(أوسؤس لا يشارك طفطف فرحته الجنونية. ملامحه هادئة ومستسلمة وحزينة) "ياريت دا كان الواقع يا طفطف. الواقع إن الأسرة المصرية مهزومة في أخلاقها. مهزومة في مبادئها. مهزومة في شرفها."

(دقيقتان من الصمت حدادا على شرف الأسرة المصرية. طفطف مازال محتارا. حتى وهو عامل نفسه متأثر)

القسوة

طفطف:

"طيب يا أوسؤس. إيه الحل. إزاي الموظف هيجيب لابنه قميص بخمسين جنيه؟"

"أنا لما كنت بقول إن الأسرة المصرية اتدمرت أنا ماكنتش ببالغ يا طفطف. أنا كنت اقصد كل حرف قلته. الواحد دلوقتي بقى يسمع عن بانجو وهيروين ومخدرات وبنات بترقص مع الشباب وحاجة تغم. جيل يقرف والله يا طفطف. (صمت) أنا شايف الحل الوحيد اللي بيبقى قدام أي بيت من الطبقة المتوسطة إن الولد يدمن المخدرات. والبنت تبيع جسمها في الأوتيلات أم خمس نجوم."

(يتهدج صوته) "لكن دا حل قاسي أوي."

"مش أقسى من الواقع صدقني."

(بعنف. بثورة. بعيون دامعة) "لأ. أقسى. انهزامي. وسوداوي. ومش ثوري."

(الناس في القهوة ينظرون ثم يعودون إلى مصالحهم. طفطف يشعر بالخذلان عندما لا يجد هناك أي رد فعل على وجه أوسؤس الذي يواصل الاكتئاب: مهنته النبيلة)

"إحنا سممنا أفكار جيلنا بالحلول الثورية. الواقع دلوقتي بقى يتجاوز كل خيال يا طفطف."

(شحنة الاكتئاب تنتقل إلى طفطف) "طيب والحل؟"

"مفيش حل. احنا مش لازم نزوق الواقع. مش دا مبدئك لما رفضت تشارك في أفلام المقاولات اللي بتزيف الحقيقة وبتشوه الوعي؟"

(طفطف ينظر له بامتنان وبنوع من العرفان لأنه حافظ تاريخه المشرف. ثم يسرح بعيدا. فجأة ينتبه) "يبقى الأب موظف. متهم بالرشوة. الأب مرتشي. الابن مدمن. البنت شرموطة. ثلاثي هايل لفيلم. للأسف معاك حق، (وبحزن وبنبرة اعتراف) واضح إن هي دي الأسرة المصرية دلوقتي."

(ينظر لـطفطف.. لأول مرة يتسلل الحماس إلى صوته) "خلي بالك يا طفطف. الأب مش مرتشي. الأب دا من جيلنا. يعني راجل طيب ومؤمن بالمبادئ. ماينفعش يبقى مرتشي."

مراجعة النفس

طفطف:

(يسرح بعينيه بعيدا. في الماضي السحيق. فلاش باك. صور لجنازة عبد الناصر. صور لزيارة السادات للقدس) "لكن جيلنا مش بريء. جيلنا شاف الغلط وماتكلمش."

"يبقى جيل معرص يا كبير. لكن مش هو اللي باع نفسه. هو شاف البلد بتبيع نفسها وسكت."

(طفطف يكتب بأصابعه في الهواء كأنه يكتب مانشيت صحفي) "الأب يشعر أن ابنته شرموطة ولا يتكلم لأنه يحتاج للفلوس. الابن مدمن مخدرات."

(يشاركه أوسؤس في الكتابة على الهواء) "الأب متهم بقضية رشوة، أو قضية سرقة، ولكن الحقيقة أن الابن هو الذي سرق، والأب الطيب – ابن جيلنا المحترم – هو الذي بيلبس."

(ينظران لبعضهما. نظرات طويلة ومعبرة. لقد استطاعا الوصول إلى صيغة مناسبة لفيلمها القادم، واقعية وتضع أصابعها على الجرح الحقيقي الحاصل في نسيج المجتمع المصري. لحظات صمت مشحونة بالعواطف. بعدها:

"تعرف يا طفطف. أنا واحد صاحبي لسة جاي من البلد الاسبوع دا. اخر مرة جا فيها القاهرة كانت من عشر سنين. هو نفسه لاحظ التغير اللي حصل ف اخلاق الاسرة المصرية."

(طفطف يفكر. هناك سؤال يحرقه ولكنه لا يجرؤ على توجيهه. في النهاية يتغلب على تردده) "وهو الأسرة اللي عنده ف البلد مش أسرة مصرية ولا إيه.. يا أستاذنا؟"

(يضحك بشدة حتى يسقط لي الشيشة من يده) "لا لا لا. انت فكرك راح فين؟ انا لما باقول الاسرة المصرية يعني الاسرة اللي قاعدة ف مصر، القاهرة يعني. هي دي الاسرة اللي اتغيرت. مش اي اسرة تانية خلي بالك."

منذ 86، مياه كثيرة جرت

طفطف:

(يردد عدة عبارات يتذكرها كلما جت سيرة الأسرة المصرية القاهرية) "أسرة مصرية. طبقة متوسطة. موظفين. ناس غلابة، لكن مستورين. بطالة. مبادئ. جامعة. مظاهرات. شباب مش عارفة تتجوز. بنات مش محجبين بس محترمين. الاسرة المصرية: الاب والأم بيتفرجوا على الشيخ شعراوي ف البيت. الشاب بيكره الشيخ شعراوي لانه مش بيحل له مشاكله."

(أوسؤس ينظر له بتشجيع) "يبقى انت فهمتني دلوقتي يا طفطف. فين أيام الحب فوق هضبة الهرم. فين أيام ستة وتمانين دلوقتي. احنا بقينا اتنين وتسعين. الاسرة المصرية اتغيرت كتيير."

"ومين اللي هيلاحظ دا، مين المعادل الموضوعي لصاحبك اللي جاي من البلد؟"

"الولد، اللي هو كان ابن الاسرة المصرية قبل ما تتغير. الولد الشاطر اللي بيروح يدرس برة وعاوز ييجي يغير مجتمعه، فيفوجئ بهزيمة الأسرة المصرية."

(بنظرة تأنيب خفيفة ولكن معبرة) "عاوز يغير مجتمعه ولا يرجعّه للأصله.. يا صاحبي؟"

(بنظرة خجل وندم وعرفان) "معاك حق ف دي.. يرجعه لأصله ياكبير."

جه وقتك يا تفاصيل

طفطف:

"الولد دا يبقى نور الشريف. انا بحب الولد دا موت، كل ما اشوفه والله بافتكر الاسرة المصرية المتوسطة."

(يجرب نطق بعض الكلمات على لسانه) "ثناء. سناء. وفاء. آلاء. علاء. ولاء. (ثم يلتفت لطفطف) الأخ الكبير. اللي سافر ونجح هو سناء. دكتور سناء. واخته ولاء واخوه علاء. الأب اللي اتهم بالسرقة يطلع براءة، عشان هو راجل شريف. والابن المدمن الحرامي يدخل السجن والدولة ترجع لها هيبتها. والبنت اللي بتبيع شرفها تنتحر وتخلص الأسرة المصرية الطيبة من عارها."

(لحظات صمت. بعدها يهتفان سويا بصوت عال وهما يخبطان أكفهما في بعض) "هو دا الكلام. هي دي اللحظة الثورية."

(يواصلان النظر لبعضهما بمحبة وامتنان للقدر الذي جمعهما مع بعض. في النهاية يضع كل منهما يده في يد زميله وهو يردد: على بركة الله. نسمع صوت سورة الفاتحة يتمتمان بها ممزوجة بزغاريد من الجمهور، رواد القهوة الطيبين)

***

*****

*******

وهكذا كانت ولادة فيلم "دماء على الأسفلت"، قوية، مبهرة، وملأى بالدلالات والمفاجآت.

4 comments:

سنتيمتر من الحنان said...

بوست لطيف
كوميديا رمادي
رغم أن دماء على الأسفلت فيلم غم من الطراز الأول
نحن معك
في انتظار كوميديا تتخلص من عيوب
الماضي أو نكد مابعد الحداثة
أسماء شهاب الدين

هبة ربيع said...

فيه جمله ملخصة بيقولها حسن حسني في الفيلم لنور الشريف بعد ما يكتشف و يفاجأ بحكاية ولده المدمن وبنته الـــ ، أحم ، اللي مش كويسة ، يقوله باستغراب " أنا ربيتهم زي ما ربيتك أيه اللي خلاهم كدة ؟!! ، أيه اللي اتغير ؟! " ، وهنا يتبلور الخلاف الأساسي بين علماء النفس والاجتماع عن تأثير الفروق الفردية والتربية الاجتماعية على الأنماط السلوكية للفرد ، والملاحظ اننا نفتقد في أفلامنا للعمق الذي يظهر تأثير الفروق النفسية على تطور الشخصيات ومصائرها ، ففي حين يركز الفيلم على التربية الاجتماعية يتجاهل حقيقة أن البنت تحولت لبائعة هوى لأنها مصابة بعقدة اليكترا ، عندما تنصدم في والدها الذي تتعلق به بشدة تلجأ لإهانة جسدها ببيعه في الأوتيلات بالأسعار العالمية جملة وقطاعي ويمكنكم الحصول على سعر أفضل في الأوكازيون ، أما الابن المدمن فيعاني من Dysthymic disorder اضطراب الاكتئاب العصابي ، وبسبب الجهل تصور أن البودرة ( المخدرات ) ممكن تكون علاج بدل الأدوية الغالية فوقع فريسة للإدمان ، أما الابن الأكبر الأستاذ بتاع الأمم المتحدة ( نور الشريف ) فلأنه شخصية ماسوشية تستلذ بالقهر والتعذيب فكان "ضرب أبوه له على القلم اللي لقاه في الفصل وأخده بدل ما يسلمه للأبله " الدافع لمزيد من الجهد في الحفظ والاستظهار إلى أن أصبح دكتور في الأمم المتحدة ، فيه شخصيات كده يا استاذ نائل ، تركيبتها النفسية أنها لازم تتسك على دماغها عشان تنجز ، طبعا الفيلم أغفل كل هذه الجوانب النفسية العميقة في تركيب الشخصيات ، لأنه لا يريد فضح الأب الستيني اللي كان السبب في تعقيد العيال ودفعهم للانحراف ، ويصر الفيلم على تلبيس الباطل قميص الحق ، فالأب الجاني على ولاده يطلع برئ وضحية كمان ، في حين أن المرضى ، وليس على المريض حرج كما تعلم ، يتم تجاهل مرضهم ونبذهم وتشويههم اجتماعيا ، لكني أؤكد لحضرتك أنه مهما حاول أوسؤس وطفطف ادعاء أن الأسباب النفسية لم يكن لها أثر في تطور الشخصيات ، فإن جيلنا الأكثر وعيا بالمرض النفسي وكيفية تأثيره في تطور الشخصيات قادر على رد الاعتبار لهذه النماذج / الضحية
يا أستاذ نائل دا علم احنا مش بنبيع فاصوليا
:))))))))

د\أسماء علي said...

ده في 92

طيب لو حبوا يعملوا واقعية ل 2008

تعتقد هنستحمل الصدمة ؟

أسلام said...

نسيت تقول إنهم كانو بيتفرجو على فيلم (بداية و نهاية) بتاع حوحو 0محفوظ) و صاصا 0صلاح أبو سيف

عاجباني تريقتك اللي بتخلينا نفكر

نفسي أقرا رواية لييك تتريق فيها بنفس الأسلوب

أنا قريتلك رواية بابل مرتين..عاجباني فشخ