
خالد يوسف هو مخرج من العيار الثقيل
عندما قدم لنا خالد يوسف رائعته "حين ميسرة" لم يدرك كيف كان العالم ينتظرها، بلهفة وشوق كان العالم يسعى للتعرف على تلك المناطق الخفية في مجتمعنا. يااااه يا خالد، كم فتحت أعيننا على قلب الوطن المجروح. بدونك لم نكن لنعرف شيئا. وظيفة الفن الأصيل في كل زمان ومكان هي أن يكشف لنا عورات المجتمع المصري، وأن يرد على السؤال الرصين، للدكتور جلال أمين، ماذا حدث للمصريين.
استمتعت اليوم الماضي بمشاهدة فيلم المخرج الإنجليزي داني بويل "ذي سلومدوج مليونير". الفيلم مبهر بجميع المقاييس، ألوان جميلة، صورة جميلة، معلومات كثيرة، ولكن للأسف، فالحلو لا يكتمل أبدا، الفيلم هو النسخة المعدلة من "حين ميسرة": العشوائيات، الفقر، التشرد الأطفالي، أقسام الشرطة، التعذيب، المخدرات، وقصة حب تنمو في الظلام. كل ما قاله المخرج بويل عن مومباي قد قاله قبله مخرجنا الأسمر ذو اللحية خالد يوسف عن القاهرة. لا شيء جديد. المصري دائما مشهور بجبروته.
طيب، أخونا الإنجليزي هو مخرج شاطر، يسوق لنفسه جيدا، ولهذا وصل إلى التمانية أوسكار، أما أخونا المصري، فلأنه مصري، ولأنه أسمر، ولأن له لحية، ولأن اسمه خالد على اسم سيف الله المسلول سيدنا خالد بن الوليد رضى الله عنه، فلقد عامله الغرب بعنصرية بالغة، على الرغم من كونه الأسبق في إنتاج فيلمه. ولكن ماذا نقول في العداء الغربي المستفحل للإسلام والمسلمين؟
برغم التشابه الكبير بينهما، فهناك بعض الأشياء التي يتفوق بها المخرج الإنجليزي على نظيره المصري. يعني مثلا الفتنة الطائفية، فالولد جمال، وهو ولد حكيم على الرغم من كونه طفل شوارع، يقرر في رصانة أنه لولا الصراع بين الله والإله راما، أي بين إله المسلمين وإله الهندوس، لما كان بيتهم اتحرق وأمه ماتت وهو إتشرد، هذه لمحة مهمة جدا نعرف منها أن الفتنة الطائفية هي شيء سيء.. سيء.. سيء.. وأنها جزء من إجابة بويل الأساسية على السؤال الذي يشغله بقوة هو أيضا: ماذا حدث للهنديين؟ خالد يوسف في المقابل صور مشهدا يبين فيه كيف أن العلاقات المحرمة بين الناس هي التي تنتج أطفال الشوارع. بفضل المشهد نعرف أن العلاقات المحرمة هي محرمة، بينما العلاقات الحلال هي حلال، المخرج الإنجليزي من جانبه نسى (أو لنقل: تناسى، لأنه غربي) أن يشير لهذا الملمح المهم.

واختلاف آخر: فبينما أراد مخرجنا المصري أن يرى الأمور بوضوح ويرى أن الفقر هو شيء مش كويس وأنه يجعل الناس تزعل من بعضها وترمي بعضها من فوق القطر، (أية حكمة)، فإن المخرج الإنجليزي رأى أنه، بالعكس، فإن الإنسان الفقير من الممكن أن يشتغل بجد ويطلع في برنامج "من سيربح المليون" ويربح المليون فعلاً، وفوق هذا، يجد البنت صاحبته التي يبحث عنها من زمان، وبالتالي فإننا نتعلم من النهاية المشوقة للفيلم أنه ماحدش يعرف أبداً الخير فين. نعرف من المخرج الإنجليزي أيضا أهمية الحب في حياتنا، فعندما تكون عندك واحدة صاحبتك فلا تتركها تضيع منك، لأنك أكيد تحبها حب حقيقي، وإذا تركتها تضيع منك فعليك أن تبحث عنها على طول الفيلم، ومن أراد شيئا بإخلاص فإن الكون يتآمر حتى يأتيه بهذا الشيء، كما يعلمنا الحكيمان الشرقيان الكبيران، أحمد السقا وباولو كويلهو.

يشترك المخرجان في أشياء كثيرة، بالإضافة لما سبق: أنهما شايفين أن العشوائيات والفقر وأطفال الشوارع هي أمور داخلة فيها أسامي كبيرة جدا، رجال أعمال ورجال سياسة وأمن دولة، وبهذا كشفوا لنا (أو لأكن أكثر تواضعا وأقل : لي) أسراراً خطيرة لم نكن لنعرفها لولا جهودهما، لأننا (لأقل: لأنني) كنت أظن أن الأسماء الكبيرة هي أسماء كبيرة، وهي تعمل أسماء كبيرة، وبفضل الفيلمين عرفت أنها تعمل أشياء أخرى أيضا، منها مثلا أنها على طول مكشرة، وعلى طول تستغل الآخرين جنسيا، وعلى طول تضربهم بالاقلام والشلاليت وعلى طول تسرح صبيانها لكي يثبتوا الناس في الشارع. الآن أقول: وداعا للجهل، وداعا لحسن النية، وداعا للقشرة.
لا أحب لهذه التدوينة أن تفهم باعتبارها هجوما على المخرج الإنجليزي وعلى تحيز لجنة الأوسكار ضد العرب والمسلمين. كل ما أردته هو بث الوعي في نفوس القراء الأعزاء بأن منتجنا المصري قد يرقى أحيانا ليكون على نفس مستوى المنتج الغربي، وأنه ليس شرطا للجودة أن يكون صاحب العمل إنجليزياً. كل ما أردت قوله هو أن بلدنا جميلة جدا... صدقوني.



