Showing posts with label سينما خفيفة. Show all posts
Showing posts with label سينما خفيفة. Show all posts

Friday, February 27, 2009

مليونير الأحياء الشعبية: ماذا حدث للهنديين


خالد يوسف هو مخرج من العيار الثقيل

عندما قدم لنا خالد يوسف رائعته "حين ميسرة" لم يدرك كيف كان العالم ينتظرها، بلهفة وشوق كان العالم يسعى للتعرف على تلك المناطق الخفية في مجتمعنا. يااااه يا خالد، كم فتحت أعيننا على قلب الوطن المجروح. بدونك لم نكن لنعرف شيئا. وظيفة الفن الأصيل في كل زمان ومكان هي أن يكشف لنا عورات المجتمع المصري، وأن يرد على السؤال الرصين، للدكتور جلال أمين، ماذا حدث للمصريين.

استمتعت اليوم الماضي بمشاهدة فيلم المخرج الإنجليزي داني بويل "ذي سلومدوج مليونير". الفيلم مبهر بجميع المقاييس، ألوان جميلة، صورة جميلة، معلومات كثيرة، ولكن للأسف، فالحلو لا يكتمل أبدا، الفيلم هو النسخة المعدلة من "حين ميسرة": العشوائيات، الفقر، التشرد الأطفالي، أقسام الشرطة، التعذيب، المخدرات، وقصة حب تنمو في الظلام. كل ما قاله المخرج بويل عن مومباي قد قاله قبله مخرجنا الأسمر ذو اللحية خالد يوسف عن القاهرة. لا شيء جديد. المصري دائما مشهور بجبروته.

طيب، أخونا الإنجليزي هو مخرج شاطر، يسوق لنفسه جيدا، ولهذا وصل إلى التمانية أوسكار، أما أخونا المصري، فلأنه مصري، ولأنه أسمر، ولأن له لحية، ولأن اسمه خالد على اسم سيف الله المسلول سيدنا خالد بن الوليد رضى الله عنه، فلقد عامله الغرب بعنصرية بالغة، على الرغم من كونه الأسبق في إنتاج فيلمه. ولكن ماذا نقول في العداء الغربي المستفحل للإسلام والمسلمين؟

برغم التشابه الكبير بينهما، فهناك بعض الأشياء التي يتفوق بها المخرج الإنجليزي على نظيره المصري. يعني مثلا الفتنة الطائفية، فالولد جمال، وهو ولد حكيم على الرغم من كونه طفل شوارع، يقرر في رصانة أنه لولا الصراع بين الله والإله راما، أي بين إله المسلمين وإله الهندوس، لما كان بيتهم اتحرق وأمه ماتت وهو إتشرد، هذه لمحة مهمة جدا نعرف منها أن الفتنة الطائفية هي شيء سيء.. سيء.. سيء.. وأنها جزء من إجابة بويل الأساسية على السؤال الذي يشغله بقوة هو أيضا: ماذا حدث للهنديين؟ خالد يوسف في المقابل صور مشهدا يبين فيه كيف أن العلاقات المحرمة بين الناس هي التي تنتج أطفال الشوارع. بفضل المشهد نعرف أن العلاقات المحرمة هي محرمة، بينما العلاقات الحلال هي حلال، المخرج الإنجليزي من جانبه نسى (أو لنقل: تناسى، لأنه غربي) أن يشير لهذا الملمح المهم.

واختلاف آخر: فبينما أراد مخرجنا المصري أن يرى الأمور بوضوح ويرى أن الفقر هو شيء مش كويس وأنه يجعل الناس تزعل من بعضها وترمي بعضها من فوق القطر، (أية حكمة)، فإن المخرج الإنجليزي رأى أنه، بالعكس، فإن الإنسان الفقير من الممكن أن يشتغل بجد ويطلع في برنامج "من سيربح المليون" ويربح المليون فعلاً، وفوق هذا، يجد البنت صاحبته التي يبحث عنها من زمان، وبالتالي فإننا نتعلم من النهاية المشوقة للفيلم أنه ماحدش يعرف أبداً الخير فين. نعرف من المخرج الإنجليزي أيضا أهمية الحب في حياتنا، فعندما تكون عندك واحدة صاحبتك فلا تتركها تضيع منك، لأنك أكيد تحبها حب حقيقي، وإذا تركتها تضيع منك فعليك أن تبحث عنها على طول الفيلم، ومن أراد شيئا بإخلاص فإن الكون يتآمر حتى يأتيه بهذا الشيء، كما يعلمنا الحكيمان الشرقيان الكبيران، أحمد السقا وباولو كويلهو.

يشترك المخرجان في أشياء كثيرة، بالإضافة لما سبق: أنهما شايفين أن العشوائيات والفقر وأطفال الشوارع هي أمور داخلة فيها أسامي كبيرة جدا، رجال أعمال ورجال سياسة وأمن دولة، وبهذا كشفوا لنا (أو لأكن أكثر تواضعا وأقل : لي) أسراراً خطيرة لم نكن لنعرفها لولا جهودهما، لأننا (لأقل: لأنني) كنت أظن أن الأسماء الكبيرة هي أسماء كبيرة، وهي تعمل أسماء كبيرة، وبفضل الفيلمين عرفت أنها تعمل أشياء أخرى أيضا، منها مثلا أنها على طول مكشرة، وعلى طول تستغل الآخرين جنسيا، وعلى طول تضربهم بالاقلام والشلاليت وعلى طول تسرح صبيانها لكي يثبتوا الناس في الشارع. الآن أقول: وداعا للجهل، وداعا لحسن النية، وداعا للقشرة.

لا أحب لهذه التدوينة أن تفهم باعتبارها هجوما على المخرج الإنجليزي وعلى تحيز لجنة الأوسكار ضد العرب والمسلمين. كل ما أردته هو بث الوعي في نفوس القراء الأعزاء بأن منتجنا المصري قد يرقى أحيانا ليكون على نفس مستوى المنتج الغربي، وأنه ليس شرطا للجودة أن يكون صاحب العمل إنجليزياً. كل ما أردت قوله هو أن بلدنا جميلة جدا... صدقوني.

Friday, October 17, 2008

لقاء السحاب: في تعريف مصر والمصريين

"عام 92. قهوة شعبية في شبرا، رمز مصر العنيد. أوسؤس وطفطف قاعدين مع بعض. يشيشان ويتبادلان الكلام حول فيلمهما القادم والسابق"

أوسؤس سرحان. يفكر في معضلة كبيرة. وجهه مهموم:

"ولا يا طفطف. فاكر من تلات سنين؟"

(ابتسامة حنين) "ودي حاجة تتنسى يا أوسؤس؟ (يستدرك) بس ايه اللي فكرك بالموضوع دا دلوقتي."

"امبارح قعدت افكر مع نفسي.. طلع إننا كنا غلطانين يا أبو الطفاطيف. وغلط كبير كمان."

"ازاي بس؟"

"احنا اتكلمنا عن الوطن، عن الجيش والعساكر ، الظاهر إنه ماكانش لازم نتكلم عليهم، المشكلة أكبر منهم بكتير، احنا كدا زيفنا وعي الجماهير اللي دخلت فيلمنا."

"ليه يا جدع؟ احنا مجتمع مهزوم ولازم نتكلم عن الهزيمة ونعرف مين اللي هزمنا. مش هو فرج الاكتع اللي هزمنا؟ مش هو اللي هزم حسن ونعيمة وسرق مرتبات العساكر وهما بيحاربوا؟"

(لحظات صمت. لا صوت سوى كركرة ماء الشيشة ولا حركة سوى حركة الدخان الطالع بقوة من أنفيهما وفميهما)

"ماتزعلش مني يا طفطف. احنا بنفكر مع بعض. أنا بفكر ان الاسرة المصرية هي اللي اتهزمت أول حاجة ف البلد دي، مش الجيش والعساكر، المجتمع انهار لما الأسرة انهارت."

(طفطف يفكر. يعاني مشكلة في التفكير) "طب فهمني. دي فكرة صعبة أوي."

"افهمك. انا ابني امبارح اشترى له قميص بخمسين جنيه. طيب. افرض انا كاتب كبير وبكتب مسلسل ميت حلقة في شهرين. بس يعمل إيه رب الأسرة المصرية. فهمني؟ هو حتة موظف غلبان."

(يبدأ في التقاط الخيط) "مافيش غير إنه يرتشي طبعا."

"طب وافرض إنه شريف."

"يبقى يرفض الرشوة لحد آخر لحظة (تبرق عيناه بفرح جنوني) فهمتك يا أوسؤس يا جامد. فيلم جديد. رب الأسرة المصرية اللي هو موظف غلبان لكن ابن بلد وجدع، يرفض الرشوة لحد آخر لحظة، يقوم رجال الأعمال المجرمين حاطينله حتة حشيش ف بيته علشان يأدبوه. وف المحكمة ييجي وفد من المحامين العرب يتضامن معاه. الله عليك يا كبير."

(أوسؤس لا يشارك طفطف فرحته الجنونية. ملامحه هادئة ومستسلمة وحزينة) "ياريت دا كان الواقع يا طفطف. الواقع إن الأسرة المصرية مهزومة في أخلاقها. مهزومة في مبادئها. مهزومة في شرفها."

(دقيقتان من الصمت حدادا على شرف الأسرة المصرية. طفطف مازال محتارا. حتى وهو عامل نفسه متأثر)

القسوة

طفطف:

"طيب يا أوسؤس. إيه الحل. إزاي الموظف هيجيب لابنه قميص بخمسين جنيه؟"

"أنا لما كنت بقول إن الأسرة المصرية اتدمرت أنا ماكنتش ببالغ يا طفطف. أنا كنت اقصد كل حرف قلته. الواحد دلوقتي بقى يسمع عن بانجو وهيروين ومخدرات وبنات بترقص مع الشباب وحاجة تغم. جيل يقرف والله يا طفطف. (صمت) أنا شايف الحل الوحيد اللي بيبقى قدام أي بيت من الطبقة المتوسطة إن الولد يدمن المخدرات. والبنت تبيع جسمها في الأوتيلات أم خمس نجوم."

(يتهدج صوته) "لكن دا حل قاسي أوي."

"مش أقسى من الواقع صدقني."

(بعنف. بثورة. بعيون دامعة) "لأ. أقسى. انهزامي. وسوداوي. ومش ثوري."

(الناس في القهوة ينظرون ثم يعودون إلى مصالحهم. طفطف يشعر بالخذلان عندما لا يجد هناك أي رد فعل على وجه أوسؤس الذي يواصل الاكتئاب: مهنته النبيلة)

"إحنا سممنا أفكار جيلنا بالحلول الثورية. الواقع دلوقتي بقى يتجاوز كل خيال يا طفطف."

(شحنة الاكتئاب تنتقل إلى طفطف) "طيب والحل؟"

"مفيش حل. احنا مش لازم نزوق الواقع. مش دا مبدئك لما رفضت تشارك في أفلام المقاولات اللي بتزيف الحقيقة وبتشوه الوعي؟"

(طفطف ينظر له بامتنان وبنوع من العرفان لأنه حافظ تاريخه المشرف. ثم يسرح بعيدا. فجأة ينتبه) "يبقى الأب موظف. متهم بالرشوة. الأب مرتشي. الابن مدمن. البنت شرموطة. ثلاثي هايل لفيلم. للأسف معاك حق، (وبحزن وبنبرة اعتراف) واضح إن هي دي الأسرة المصرية دلوقتي."

(ينظر لـطفطف.. لأول مرة يتسلل الحماس إلى صوته) "خلي بالك يا طفطف. الأب مش مرتشي. الأب دا من جيلنا. يعني راجل طيب ومؤمن بالمبادئ. ماينفعش يبقى مرتشي."

مراجعة النفس

طفطف:

(يسرح بعينيه بعيدا. في الماضي السحيق. فلاش باك. صور لجنازة عبد الناصر. صور لزيارة السادات للقدس) "لكن جيلنا مش بريء. جيلنا شاف الغلط وماتكلمش."

"يبقى جيل معرص يا كبير. لكن مش هو اللي باع نفسه. هو شاف البلد بتبيع نفسها وسكت."

(طفطف يكتب بأصابعه في الهواء كأنه يكتب مانشيت صحفي) "الأب يشعر أن ابنته شرموطة ولا يتكلم لأنه يحتاج للفلوس. الابن مدمن مخدرات."

(يشاركه أوسؤس في الكتابة على الهواء) "الأب متهم بقضية رشوة، أو قضية سرقة، ولكن الحقيقة أن الابن هو الذي سرق، والأب الطيب – ابن جيلنا المحترم – هو الذي بيلبس."

(ينظران لبعضهما. نظرات طويلة ومعبرة. لقد استطاعا الوصول إلى صيغة مناسبة لفيلمها القادم، واقعية وتضع أصابعها على الجرح الحقيقي الحاصل في نسيج المجتمع المصري. لحظات صمت مشحونة بالعواطف. بعدها:

"تعرف يا طفطف. أنا واحد صاحبي لسة جاي من البلد الاسبوع دا. اخر مرة جا فيها القاهرة كانت من عشر سنين. هو نفسه لاحظ التغير اللي حصل ف اخلاق الاسرة المصرية."

(طفطف يفكر. هناك سؤال يحرقه ولكنه لا يجرؤ على توجيهه. في النهاية يتغلب على تردده) "وهو الأسرة اللي عنده ف البلد مش أسرة مصرية ولا إيه.. يا أستاذنا؟"

(يضحك بشدة حتى يسقط لي الشيشة من يده) "لا لا لا. انت فكرك راح فين؟ انا لما باقول الاسرة المصرية يعني الاسرة اللي قاعدة ف مصر، القاهرة يعني. هي دي الاسرة اللي اتغيرت. مش اي اسرة تانية خلي بالك."

منذ 86، مياه كثيرة جرت

طفطف:

(يردد عدة عبارات يتذكرها كلما جت سيرة الأسرة المصرية القاهرية) "أسرة مصرية. طبقة متوسطة. موظفين. ناس غلابة، لكن مستورين. بطالة. مبادئ. جامعة. مظاهرات. شباب مش عارفة تتجوز. بنات مش محجبين بس محترمين. الاسرة المصرية: الاب والأم بيتفرجوا على الشيخ شعراوي ف البيت. الشاب بيكره الشيخ شعراوي لانه مش بيحل له مشاكله."

(أوسؤس ينظر له بتشجيع) "يبقى انت فهمتني دلوقتي يا طفطف. فين أيام الحب فوق هضبة الهرم. فين أيام ستة وتمانين دلوقتي. احنا بقينا اتنين وتسعين. الاسرة المصرية اتغيرت كتيير."

"ومين اللي هيلاحظ دا، مين المعادل الموضوعي لصاحبك اللي جاي من البلد؟"

"الولد، اللي هو كان ابن الاسرة المصرية قبل ما تتغير. الولد الشاطر اللي بيروح يدرس برة وعاوز ييجي يغير مجتمعه، فيفوجئ بهزيمة الأسرة المصرية."

(بنظرة تأنيب خفيفة ولكن معبرة) "عاوز يغير مجتمعه ولا يرجعّه للأصله.. يا صاحبي؟"

(بنظرة خجل وندم وعرفان) "معاك حق ف دي.. يرجعه لأصله ياكبير."

جه وقتك يا تفاصيل

طفطف:

"الولد دا يبقى نور الشريف. انا بحب الولد دا موت، كل ما اشوفه والله بافتكر الاسرة المصرية المتوسطة."

(يجرب نطق بعض الكلمات على لسانه) "ثناء. سناء. وفاء. آلاء. علاء. ولاء. (ثم يلتفت لطفطف) الأخ الكبير. اللي سافر ونجح هو سناء. دكتور سناء. واخته ولاء واخوه علاء. الأب اللي اتهم بالسرقة يطلع براءة، عشان هو راجل شريف. والابن المدمن الحرامي يدخل السجن والدولة ترجع لها هيبتها. والبنت اللي بتبيع شرفها تنتحر وتخلص الأسرة المصرية الطيبة من عارها."

(لحظات صمت. بعدها يهتفان سويا بصوت عال وهما يخبطان أكفهما في بعض) "هو دا الكلام. هي دي اللحظة الثورية."

(يواصلان النظر لبعضهما بمحبة وامتنان للقدر الذي جمعهما مع بعض. في النهاية يضع كل منهما يده في يد زميله وهو يردد: على بركة الله. نسمع صوت سورة الفاتحة يتمتمان بها ممزوجة بزغاريد من الجمهور، رواد القهوة الطيبين)

***

*****

*******

وهكذا كانت ولادة فيلم "دماء على الأسفلت"، قوية، مبهرة، وملأى بالدلالات والمفاجآت.

Friday, December 21, 2007

الجزيرة أو من البداية لم تكن هناك أية حكومة


"من النهاردة مفيش حكومة.. أنا الحكومة" هكذا كانت صرخة منصور حفني الراغب في تطهير جزيرته من عساكر الداخلية بعد أن بدأوا يفتحون أعينهم على نشاطه. كانت هي كذلك الصرخة التي دفعت الكثيرين، ومنهم عبدكم المخلص، للتحمس لمشاهدة فيلم "الجزيرة"، إخراج شريف عرفة وقصة محمد دياب وبطولة أحمد السقا، ودفعت الكثير من المشاهدين منهم لكي يهتفوا في الشارع بعد انتهاء الفيلم قائلين "أنا الحكومة" ويصفقون بهستريا أثناء اللحظة الدرامية للنطق بالعبارة، أو أن هذا على الأقل ما حدث في سينما نورماندي وعلى أبوابها.

في جزء منه، فالجزيرة هو نسخة مصرية، وصعيدية بالتحديد، من "الأب الروحي". مايكل كورليوني "آل باتشينو" هو الشاب المثالي الذي يتطوع في الحرب دفاعا عن أمريكا وقيمها، ويرفض الإجرام الذي تمارسه عائلته المافياوية. فجأة يقرر الأب تدشين ابنه الصغير باعتباره الأب الروحي الجديد. يقابل هذا بذهول، ويتم تفسيره على أن عائلة كورليون تسير إلى الضعف، يكون لزاما إذن على مايكل إذن أن يمر باختبارات نار عديدة لترسيخ عائلته وإثبات وجوده على رأسها. وفي الجزيرة، منصور حفني هو "الأستاذ منصور بتاع المدارس" الذي ينظر له أقاربه باستهانة، بينما يقرر الأب "محمود ياسين" إعلانه كبير العائلة، بسبب كونه "ابن المدارس" بالتحديد. يمر منصور باختبار بسيط في البداية، يتحداه عمه حسن "باسم سمرة" للنزال تحطيبا. يكاد ينتصر عليه. يقفز منصور عاليا ليفجر اللمبة، ينصرف لثانية انتباه العم المبارز إليها ويكون هذا كافيا لكي تكون عصا منصور ملامسة لرأسه ومهددة بتهشيمها. اختبار آخر في أثناء تسليم البضاعة ومنصور على رأس العملية، تهجم عائلة على البضاعة لسرقتها والهرب بها، ينجح منصور في استرجاعها بعد مطاردات وأكشن. هكذا يموت الأب مطمئنا على العائلة التي ولد كبيرها أسدا ينهش لحم من أمامه.

***

الفيلم لم يبدأ بعد البداية الحقيقية. سيحدث هذا في جنازة الأب. تهجم عائلة النجايحة، التي رفضت من البداية الانضواء تحت كنف منصور باعتباره الكبير، على سرادق العزاء، يقتلون أم منصور وزوجته. نتابع منصور وقد أصبح بلا رجال، بعد أن دخلوا السجن، وهو مطالب وحده بالثأر من عائلة كبيرة أعلنت عن دفع مبلغ مئة ألف جنيها ثمنا لرقبته. شيئا فشيئا يتمكن من استرداد قوته، يكون جيشا من مطاريد الجبل عن طريق وعدهم بالنزول إلى الجزيرة والعمل بها، ينجح في الحصول على سلاح من السودان بعد أن اختفى السلاح من مصر أيام الإرهاب، يستميل إليه الداخلية عن طريق رشوة ضباطها الفاسدين بالمخدرات والسلاح والإرهابيين ومسجلي الخطر الذين يريدونهم لإحراز ضبطيات كبيرة. شيئا فشيئا يبدأ منصور في إعادة تكوين مملكته الجديدة، ومن الصفر هذه المرة.

تحدث المذبحة التي لا مفر منها لعائلة النجايحة. بيوتهم تنفجر وأراضيهم تحترق ورجالهم يذبحون. وبرغم توسلات كريمة، حبيبة منصور (هند صبري التونسية الأصل.. والتي كانت عظيمة كالعادة، تحدثت الصعيدية كأهلها، في مقابل زينة، مصرية الأصل، فايقة زوجة منصور، والتي كانت صعيديتها كصعيدية مزز نادي هليوبوليس) برغم توسلات كريمة لمنصور بأن يرحم أخاها، أخاها الذي كان قد قتل من قبل زوجة منصور وأمه، فإن الأخير يقتله بطلقة واحدة من مسدسه. بطلقة واحدة يتمكن من الثأر لأهله والقضاء على عدوه وعلى ضعفه الإنساني أمام حبيبته، ثلاثة أهداف في خبطة واحدة. هكذا، في قلب المذبحة، يتم تعميد منصور حفني بالدم، قبل أن يعلن، مرة واحدة وإلى الأبد، إمبراطورا على الجزيرة المزروعة في كل شبر منها بالأفيون والسلاح. بالنسبة لمايكل كورليوني فقد كان لابد أن ينتظر المشاهدون نهاية الجزء الأول من "الأب الروحي" حتى يروا مذبحة تعميدية كتلك، مايكل يقوم بتعميد طفلين في الكنيسة، ينطق القداس كلمة كلمة، بينما رجاله بالخارج يقضون على رؤوس العائلات المنافسة. ينتهي الجزء الأول وقد أصبح مايكل كورليوني ملكا متوجا لعائلة كورليون. هكذا يولد كل من البطلين، تولد لاإنسانيتهم البهية، ويتحولان إلى ما أصبحا عليه طوال الفيلمين، مجرمين أشبه بالآلهة.

***

يبدأ كل فيلم في الافتراق عن الآخر، يصارع منصور من الآن فصاعدا الحكومة "التي يمثلها طارق بيه، الضابط الجديد المتحمس وهو المتحدث في الفيلم باسم خطاب النظام والدولة"، وليس العائلات الأخرى. التركيز على ضباط الشرطة كان لابد له أن يدخل بخطاب فلسفي إلى الفيلم، أو لنقل، أن الفيلم، على قوته، لم يكن مرضيا من الناحية الفنية لصناعه، مما دفعهم لإثقاله بكلام عن حقوق الإنسان وعن النظام في مواجهة الخارجين عليه، أو عن الأقوى الذي يفرض قانونه دائما. يمكن للمشاهدين أن يستعيدوا في هذا الفيلم مشاهد "الهروب" لعاطف الطيب وأحمد زكي وحواراته عن بطولة الخارجين على القانون في مقابل الجبن والخنوثة الدائمين لمن يماهون أنفسهم مع القانون.

للنظام هيبته، قد يسكت على الجريمة بمزاجه، ولكن الكبرياء رداءه والعظمة إزاره ومن نازعه فيهما قصمه. صرخة منصور حفني: "مفيش حكومة.. أنا الحكومة" ثم تفجيره لمبنى استراحة الضباط في أسيوط، هي كلها ما تدفع باتجاه الاقتحام المسلح بالمروحيات والمدرعات لقصره الذي جعل منه قلعة عسكرية محصنة. سؤالي الذي يطرح نفسه: لماذا لم يشر أفيش الفيلم إلى قصة عزت حنفي إمبراطور النخيلة، أو على الناحية الأخرى، لماذا قيل أصلا في الأفيش أن الفيلم مستوحى من قصة حقيقية. بالنسبة لمن يحبون السينما، كان الفيلم ليصبح ممتعا بدون أية إشارة إلى "حقيقة" ما، وبالنسبة لمن يريدون فهم المجتمع، كان الفيلم ليصبح مهما إذا تمت الإشارة صراحة إلى اسم عزت حنفي.

***

أحمد السقا، وصدقوا أو لا تصدقوا، هو ممثل كبير، لا يعوزه إلا شيئان: الاقتناع فعلا أنه ممثل كبير واختيار الأدوار الجيدة. وبرغم أنه ممثل كبير فلم يقم بدور له شأن في حياته باستثناء هذا الدور، والذي ربما كان التدشين الحقيقي له، مثلما كان التخلي عن شخصية ابن المدارس والتحول إلى تاجر سلاح ومخدرات هو التدشين الحقيقي لمنصور حفني، فهكذا هو الأمر بالنسبة للسقا تماما، التخلي عن لهجته القاهرية والتحول إلى صعيدية سلسة كأنما ولد بها، التخلي عن دور الجامد الفشيخ الدكر والمرح خفيف الظل عند اللزوم والتحول إلى دكر من نوع تاني، مجرم، بلا مشاعر إنسانية زائدة، قاتل ولا يعترف إلا بالقوة التي تخيف أعدائه.

هذه صورة مثالية بالطبع عن الفيلم، فصناع الفيلم – وإن كان يحسب لهم عدم إنهاءه بمشهد مقتل منصور الكبير متلقيا زخات الرصاص ومترنحا ببهاء القديسين مثلما كانت عليه نهاية تيتو، وهي النهاية التي كانت متوقعة إلى حد كبير في هذا الفيلم أيضا - أصروا على جعل المرأة، وهي هنا كريمة حبيبته، هي نقطة الضعف الدرامية للبطل، هي التي لأجلها يقرر الصلح مع النجايحة والتخلي عن هيبته وهي التي تستدرجه في النهاية لتسليم نفسه. فكرة قديمة ورومانسية؟ حسنا، ولكنها تتفق مع مجاز البطل التقليدي الذي يهزم الجميع ثم تهزمه المرأة، والفيلم، في وجه منه، يناقش فكرة البطولة لدى الناس، الناس الذين كان أبطالهم دوما وأبدا هم البلطجية والإرهابيون وتجار المخدرات، وفيلم الجزيرة هو دليل جديد ورائع على هذا.

Friday, November 16, 2007

هوس إثبات براءة السلاطة البلدية

الجمهور الذي ذهب ليشاهد فيلم "سلطة بلدي" لنادية كامل في معهد جوتة لم يكن جمهورا بريئا، هذا أولا.

ببساطة شديدة، الناس سمعت كتير عن الحملة التي اتهمت الفيلم بالتطبيع، ولأن الفيلم يتحدث عن اليهود المصريين - مع خلفية لا يمكن تجاهلها وهي كتاب جوئيل بنين حول شتاتهم – فقد واتت جمهور جوتة، وكان في ذلك اليوم خليطا من اليساريين والليبراليين، الفرصة ليثبت أنه ليست لديه أية مشكلة عنصرية مع اليهود، لذا جمعت بينهم الرغبة العميقة في إثبات براءة الفيلم من شبهة التطبيع التي اتهم بها، ومثلما فعل الليبراليون واليساريون في دفاعهم عن "وليمة لأعشاب البحر"، أي محاولتهم بشتى الطرق إثبات "إسلام الرواية"، هكذا قرر الجمهور أن يفعل يومها، هذا ثانيا.

***

الفيلم صادم تماما. نشاهد فيه، يمكن لأول مرة، مصريين يزورون بيت يهود إسرائيليين، وليسوا إسرائيليين فحسب، إنهم يرتدون أيضا الطاقية اليهودية ويخدم أولادهم في الجيش الإسرائيلي، يمزحون معهم ويهيصون وينسون أم السياسة التي تتربص لهم على الباب. لا أستطيع الإجابة عن سؤال إن كان الفيلم يدعو للتطبيع أم لا. لأنني لا أفهم جيدا قصة "يدعو" هذه. ولكنني على يقين أن الفيلم بحد ذاته هو ممارسة للتطبيع. وإلا فما هو الاسم الجدير بفعل الدخول إلى قلب إسرائيل، ليس الضفة أو غزة وإنما إسرائيل، زيارة يهود، ليسوا صباريم، أي لم يولدوا في إسرائيل، وإنما هاجروا بمحض إرادتهم إليها وسكنوا في بيوت عرب تم تهجيرهم، وقول بطل الفيلم – سعد كامل – أنه يفرق بين الحكومة والشعب الإسرائيليين ويضيف: "الشعب الإسرائيلي شعب طيب"، كأنه بيتكلم مثلا عن الشعب الأمريكي أو الفنلندي. إذن الفيلم هو عمل تطبيعي من الدرجة الأولى، مثلما بالضبط هي علاقة نجيب محفوظ ومحمود درويش وإدوارد سعيد بالإسرائيليين، ومثلما هي زيارة أهداف سويف إلى تل أبيب. وهم جميعا رموز لنا يجتاحنا نفس الهوس لتبرئتهم من تهمة التطبيع أو لتبريرها لديهم.

***

هوس إثبات براءة الفيلم كان هو السبب الذي جعل الضحك الهستيري ينتشر في القاعة يومها ردا على مشاهد بعينها، أفيش عمرو خالد الكبير في ميدان التحرير ومشهد الطفل وهو مرتبك أمام جدته – نائلة كامل – التي تقرأ عليه بطاقة هوية أبيها: الديانة إسرائيلي. أراد المشاهدون أن يفهموا كون الطفل يسخر من عنصرية إسرائيل التي لا تفرق بين الدين والجنسية. طبعا جمهور كهذا لم يقنعه تبرير الجدة بأنه قبل قيام دولة إسرائيل كانت كلمة إسرائيلي تعني يهودي، لم يقنعه كون المشكلة لغوية وليست سياسية وأن الحديث هو عما قبل إسرائيل. جمهور جوتة في ذلك اليوم، وهو جمهور ليبرالي ويساري في الغالب، وهو الجمهور المتعاطف مع الفيلم، كان فخورا باستنارته ونكرانه على إسرائيل كونها دولة قامت على الدين. لذا لم يتح الجمهور لأحد، ولا حتى لبطلة الفيلم وأجمل شخصياته، أن تفسد عليه فخره بنفسه هذا، يضاف إلى هذا أن الضحك الهستيري على المشهد كان في ذات الوقت دليلا رادعا على وطنية الفيلم، أي على براءته من التطبيع، لا ينبغي أن ننسى هذا، هذا ثالثا.

***

فيلم "سلطة بلدي" يستحق كل الضجة المقامة حوله، إنه فيلم يدخل إلى قلب إسرائيل ومع هذا يتجرأ على عدم تصوير معاناة الفلسطينيين. فيلم يتحدث عن الإسرائيليين باعتبارهم بشرا، و ما جاء فيه ليؤكد الآراء العربية حول العنصرية الإسرائيلية حدث بشكل عفوي تماما ولم يخطط له أحد. بهذا المعنى، ومن المنظور القومي الوطني، فالفيلم غير بريء أبدا، وربما تكون عدم براءته هذه بالتحديد هي ما جعلته واحدا من أكثر الأفلام أهمية وجمالا في الوقت الحالي.

وكان هذا رابعا وأخيرا.