Showing posts with label بولوتيكا وحبة مزيكا. Show all posts
Showing posts with label بولوتيكا وحبة مزيكا. Show all posts

Friday, January 02, 2009

تعليقا على ما يحدث: لا أحد غيرك يحمينا

عزيزي الفنان محمد ثروت:

هذه هي الرسالة رقم 261220 التي أكتبها لك. تعبت من كتابة الرسائل. وتعبت من التجاهل المتعمد لها، تعبت من عدم الرد. ولكنني أواصل، هل تعلم لماذا أواصل برغم تجاهلك الدائم لي؟ لأنني أحبك.

واقعيا، بدأت كتابة الرسائل منذ حوالي ست سنوات. أول رسالة أرسلتها لك قلت لك فيها أنني أحب مصر، وأنني عندما استبد بي هذا الحب لم أجد غيرك لأخبرك به، أنت رمز من رموز هويتنا الوطنية، بجانب هاني شاكر ورأفت الهجان واللمبي. أحبكم جميعا، ولكني أحبك أكثر، تكبر تكبر فمهما يكن من جفاك، سأظل أحبك اكثر، يا أخي وصديقي. يالغالي.

أخويا وصاحبي:

منذ أن غبت عن الساحة قطعت بنا جميعا. صرنا نهبا لكل من هب ودب. إنهم يشتموننا يا ريس. إحنا بنتهزأ بعدك يا ريس. إننا نستغيث بك من قلب الهوان والظلام فلا تصلنا إغاثتك. يا صاحب مصريتنا وطنيتنا حماها الله. يا صاحب الدور الريادي لمصر. يا صاحب نظرية مصر أذكى إخواتها، يا صاحب صاحبك أين أنت؟ أناديلك يا عم فما بتسمعلي ندا.

ترى معي الآن الحاقدين في كل مكان. ومن؟ الذين علمناهم. رعاة الغنم، الكلاب، أولاد دين الكلب. ماذا نفعل غير أن ننجرح، وننجرح كثيرا، وأن نظل منكفئين على جراحنا نلعقها. لا أحد غيرنا سيفهمنا. لا أحد غيرنا سيقدر حروبنا التي خضناها لأجلهم. لا أحد غيرنا سيطبطب عليى كتفنا ويمص بتاعنا. لا أحد غيرنا سنحس معه بالأمان. العالم صار قاسيا لا يرحم. كل هذا يحزنني حتى النخاع، كل هذا يجرحني، وأصرخ بها بكل لغات العالم: It hurts me ya prof.

سيدي ومولاي:

بالأمس القريب كنت أكره حسني مبارك. على يدك، خرجت في مظاهرات ضده، نصحتني وقتها. أفهمتني الفولة. ولكنني لم أفهم. كنت مراهقا عنيدا أرعن. الآن فهمت. الآن نضجت خطوة. الآن كبرت حبة. الآن عرفت توتّا. عندما رأيت بحار الحقد تنفتح علينا من كل جانب. عندما شاهدت الأفاعي والسحالي والأبراص تنطلق من أفواه العاهرين الداعرين الموالسين الخائنين عرة الرجالة والنسوان والدنيا والدين، عندها عرفت قيمة الرجل الذي يرعانا والذي لحم كتافنا من خيره. الآن غيرت هويتي السياسية. إن الأب اتشتم يا عزيزي، ومن كلاب السكك. أي قول يقال بعد كل ما قيل إذن؟

بدأت كتابة الرسائل بشكل فعلي منذ سنتين، كنت قد تمرنت كثيرا على هذا النوع الأدبي. أربع سنوات أكتب ولا أرسل. كنت أشكو بثي وحزني، لا إلى الله ولكن إلى نفسي. واضيعتاه يا نفسي. الآن تمرنت جيدا جدا على كتابة الرسائل. في نفس وقت تمرني على كتابة الرسائل لك، كنت أرسل رسائل إلى رموز مصرية أخرى ومتنوعة، محمد علي باشا، أبو تريكة، عفاف راضي، اللمبي، عبد الناصر، أدهم صبري وزكية زكريا. ولكن لا أحد كان يستجيب لي، لا أحد كان يعبرني ولو بشق تمرة. وفوق ذلك اكتشفت، كما قلت لك سابقا، أنني أحبك الآن أكثر.

قلت لك في بداية مراسلتي لك أنني حزين، حزين لأن هناك آخرين صاروا يقتسمون الوطن معنا، نوبيين وسودانيين ويهود وأقباط ونسوان وسيناوية. كل هذا كان مرعبا. الوطن لم يعد ملكنا يا برنس. نحن الذين أسسناه صار ينسحب منا حبة حبة. آه يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء، آه أيتها الأوطان التي تأكل ناسها. الآن ظهر فلسطينيون. لماذا ظهروا؟ شقت صرختي السماوات وأنا أهتف لماذا؟ هل استكثروا علينا أمتاراً من الأرض؟ لماذا لم يتركونا مع نفسنا ننعم بهدوءنا الجميل، بصمتنا البليغ الراقي والمعبر. الشعوب المبدعة الفنانة مثلنا تحتاج الهدوء للتأمل في أحوال الوجود والخير والشر والجمال. سلبت منا وحدتنا التي نحب. سلب منا صفاءنا ونقاءنا. وراح الزمن الذي غنيت له يا سيد الناس.

عزيزي الفنان المصري محمد ثروت:

لا أجد ما أختم به رسالتي إليك إلا كلماتك التي تربينا عليها صغارا وأسست وعينا في سنوات الضياع:

"النور من هنا، والخير من هنا، ليه اسكت أنا ولا اقولش وأعيد"



المخلص دائما: أحمد حلمي

Friday, November 14, 2008

وليس منا من لم يحسن الظن


أعزائي الإنسانيين المتفائلين:

أتفهمكم جيدا. أنتم ترون اللحظة ميلادا عظيما للنور، النور الآتي من الزنوجة، النور القادم من وجه أوباما الأسود المشوب بلمعة طفيفة، من جسمه المشدود النحيل، من بسمته الصافية الطفولية؟ربما، أنا أرى وجه أوباما وسيما أيضا، أراه كاريزميا أيضا، والبعد الرمزي في وصول شخص من الأحراش الأفريقية إلى عرش الكوكب هو أمر له دلالات خطيرة. أنا، من الآخر يا أصدقاء، أتفق معكم تماما، مع بعض التحفظات البسيطة:

أولا: الرجل له خلفية لا يستهان بها أبدا. وهذا تغيير مهم في السياسة الأمريكية، خلفية يسارية، بشرة سوداء، أجداد مسلمون، شيء عجيب. سبحان الله فعلا. ولكن دعوني أشرح لكم نفسي: أي شخص، هو بطبيعة كونه جزءا من هذا العالم، فهو مؤثر في العالم، ولكن تأثيره دائما محدود، لإن فيه ناس تانيين، حوالي ستة مليارات بني آدم، كل منهم مؤثر برضه، ونحن نعرف ان كل واحد أستاذ ف صنعته. يعني، المأزق الوجودي الذي وجدنا نفسنا فيه عندما ولدنا، أن العالم لا يمشي بإرادتي أو بإرادتك، وإنما المسائل أكبر مني ومنك، وداخل فيها أسماء كتيرة جدا، لا تبدأ من سباك عايش في السنغال ولا تنتهي بباراك أوباما. ف الآخر: أنت تريد، وأنا أريد، والله يفعل ما يريد. كله بأمر الله.

ثانيا: عجيب، وغريب، أن يصل الواحد من أقصى الحضيض إلى قمة العالم. عجيب وغريب والله. وتكمن في هذا أبعاد رمزية بنت متناكة جبارة. أتفق معكم طبعا. ولكن الرموز دائما هي ليست جدا مهمة في السياسة. يعني: جيفارا رمز الثورة. ناصر رمز الكرامة. محمد أحمد جاد الحق مصطفى رمز البسكلتة. الرموز أمور مهمة جدا في صنع فيلم سينمائي درجة عاشرة من نوعية "فتاة من إسرائيل"، أو رواية درجة حداشر من عينة "أولاد حارتنا"، ولكن ليس في السياسة، والشعب الذي يحتاج للرموز هو شعب علق بطبيعته (بتصرف عن بريخت). يعني مثلا: هناك شخص ما ضُرب في السعودية وطلع دين أمه، وهذا الرجل بلا شك هو رمز للشعب المصري اللي بيتبهدل في الخليج، لكن هناك شخصا آخر، واحد صاحبي مثلا، لم يتمكن من الزواج إلا بعد سفره السعودية، وهو رمز للمصريين اللي غرقانين في خير الأصولية الوهابية. حد فهم حاجة؟ الرموز بحرها غويط. ومن يركب بحرها لا يخشى من الغرق. لأنه مش هيلحق. هيكون مات قبل كدا للأسف.

ثالثا: أوباما قليل الخبرة كثير الكاريزما، وإذا ذكرت الكاريزما ذكر ناصر وإذا ذكر ناصر ذكرت الكاريزما. والناس في بلادي تحب ناصر لأنها تحب الكاريزما وتتبضن من الخبرة السياسية. لكن الكاريزما، بطبيعة كونها كاريزما، لها عيوبها أيضا. يعني هي قد تكون جيدة وإنت خارج الصبح من البيت والحاج تدعي لك بأن يجعل لك ربنا في وجهك القبول ويحبب فيك خلقه، وهي شيئ مثل أن تعمل عملا لحبيبك حتى يحبك. الكاريزما بهذا المعنى هي عمل معمول لك كي تحب الزعيم السياسي اللي بيتكلم، وهي حاجة ليست جيدة جدا، لأنها زي السحر، وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا لأنهم كانوا يعلمون الناس السحر. وف الآخر طبعا، العلاج بالقرآن هو أحسن من السحر بكتير. مش كدا؟

أعزائي الإنسانيين المتفائلين:

ترون اللحظة ميلادا عظيما للنور، النور الآتي من الزنوجة، النور القادم من وجه أوباما الأسود المشوب بلمعة طفيفة، من جسمه المشدود النحيل، من بسمته الصافية الطفولية؟

إذن أنتم خولات :)

Friday, November 07, 2008

وأما سوء الظن فهو من حسن الفطن

أعزائي الحكماء المتشككين

أحترم حكمتكم جيدا، وأقدر تشككاتكم التي أعتقد أنها في محلها، وأثمن غاليا جميع تحفظاتكم. وفيما يخص الموضوع إياه، فأنا فخور، وبحق، بأنه هناك بين أصدقائي من يقفون كابحا أمام موجة التفاؤل التي تجتاحنا نحن العرب.

طبعا أنا معكم تماما، هناك بعض السذج الذين فرحوا لأن باراك أوباما أسود، ولأنه قادم من خلفية يسارية، ولأن شكله ابن حلال، ولأنه فوق كل هذا وذاك، سوف يحكم أمريكا. هؤلاء، مثلا، بهايم. ولكن على الصعيد الموازي، فكلامكم أيضا لا يبدو لي منطقيا تماما. يعني أنتم تقولون أن أمريكا دولة عظيمة، وأنه، بناء عليه، فليس شخص واحد هو من يمكنه تغييرها. مثلا، والكلام مازال لكم، مكتوب في الدستور الأمريكي أنه على العرب أن يطلع دينهم، وإذا كان أوباما جدع، فالدستور الأمريكي ليس جدعا، وأوباما مواطن أمريكا في النهاية، وهو خاضع لسياسات بلده، قبل أن يصنعها. ثم تختمون قائلين: مفيش فايدة، أو: كل الأحاديث ما بتفيد. انتهى الاقتباس.

طيب، الولايات المتحدة الأمريكية هي دولة مؤسسات. لا أحد ينكر هذا. وهي دولة تسيرها سياسات بعيدة المدى وليس أشخاص. لا أحد ينكر هذا أيضا. والفارق بين أوباما وماكين سيكون في النهاية ضئيلا للغاية (هذه مسألة نسبية، فما يبدو لي ضئيلا قد يبدو لغيري ضخما، وهذا يعتمد على توقعاتي المسبقة). ولكن إذا كان الموضوع كله محصل بعضه بهذا الشكل، فلماذا تقوم انتخابات أصلا؟ يعني هل تتوقعون سيادتكم أن الشعب الأمريكي لا يعرف أن بلده هي دولة مؤسسات، وأنه يعتقد أنها دولة يحكمها الأشخاص ولهذا يذهب كل يوم الصبح بمنتهى النشاط ليستبدلهم، وأن الإدارة الأمريكية اللئيمة تخفي عنه عمدا أن بلده هي بلد مؤسسات، وذلك لكي تفتح باب رزق أمام آخرين يكسبون من الدعاية الانتخابية. هذه هي بعض أسئلتي البريئة التي أتمنى أن تحظى باهتمامكم الحكيم المتشكك.

أعزائي الحكماء المتشككين:

عندما سقط شارون في غيبوبة سمعتكم تحذرون الناس من الفرحة، لأن معنى سقوط شارون في غيبوبة هو أنه سيأتي من هو أوسخ منه، لأن كلهم أوسخ من بعض. وتحققت نبوءتكم، فمن جاء بعد شارون لم يكن تشي جيفارا على أية حال، وهو شخص أشعل حربا لم يكن لها لزوم أبدا والله. المهم: لو فرضنا جدلا بأن من جاء بعد شارون كان رجلا محترما، فماذا سيكون الحال ساعتها؟ إجابتكم الحكيمة المتشككة: كلهم أوسخ من بعض، وإذا كان هناك دعاة سلام إسرائيليون، أو رافضون للخدمة العسكرية هناك، فهم الماكرون الذين يخططون لنا بليل كي ينجحوا فيما فشل فيه متطرفوهم بصياحهم وهبلهم. إسرائيل ليست دولة مؤسسات مثل أمريكا، ولكنها دولة الشر الصافي المتجذر في عمق النفس البشرية الملوثة حتى النخاع، وفي الدولتين، دولة المؤسسات ودولة الشر الصافي، الأفراد لا يغيرون شيئا. وبالتالي، فلا لزوم للديمقراطية. هم، كشعوب متحضرة، يشتغلون أنفسهم.

أعزائي المتشككين الحكماء:

لا أعرف الكثير عن أوباما، ولا الكثير عن ماكين، ولا الكثير عن أي شخص في الدنيا، ولكن ما أعرفه أنه إذا أردتم أن تتحفظوا على شخص، فعليكم أن تستخدموا حججا أكثر منطقية. الثعالب في أوكارها والطيور في أقنانها تعرف أن أمريكا دولة مؤسسات، وأنها لا تنام الليل حتى تقوم بتطليع دين العرب، وأن إسهام شخص واحد في تغيير التاريخ هو دائما إسهام محدود. طيب: وبعدين؟ هل يظل مقعد البيت الأبيض شاغرا حتى يتقدم العلم ونتمكن من استنساخ عبد الحليم قنديل ليجلس هناك. اعتقادي الشخصي، الذي أتمنى أن تشاركوني فيه، هو أننا قد ننتظر كثيرا، وكل شيء جائز على كل حال.

سؤال أخير:

من هو الأفضل بالنسبة للعرب، أوباما أم جورج بوش، أوباما أم ماكين، رابين أم شارون؟ أسمعكم تقولون شارون، لأنه على الأقل أكثر صراحة، مش كدا؟

أعزائي الحكماء المتشككين:

أنتم بقر.

Friday, August 15, 2008

عن تناطحات السلطة: سلطة الشاعر، سلطة الأسطورة، وسلطة "السلطة" الفلسطينية


كانت أم محمود درويش تتمنى أن يدفن ابنها في قرية "جديدة"، وهي قريته التي سكن بها منذ طفولته. قالت: "كنت أريد أن يدفن ابني في جديدة، ولكنه منذ زمن طويل لم يعد ابني، إنه ابن العالم العربي كله."

الصراع الملفت حول جثة درويش انتهى بانتصار السلطة. دار الصراع بين عائلة درويش التي ترغب في دفنه بقريته "جديدة"، وبين السلطة الفلسطينية التي تسعى لدفنه في رام الله. أرادت السلطة الفلسطينية احتكار الابن الطيب لها، قمعت الرغبة العائلية البسيطة بأن يدفن ابنها إلى جانبها. هكذا تم تمزيق ما بين درويش وبين أهله بقوة، لأنه من واجبات السلطة أن تحوز لنفسها النياشين، ودرويش هو النيشان الأكبر. ما جاء ليفعله هذا المقال، هو تأمل هذا الصراع، ومقارنته بحدث آخر، تم منذ أكثر من عام، وهو زيارة درويش لحيفا، ومن هذه المقارنة نعرف كيف تخلق القصة الصحفية، وكيف تخلق السلطة أسطورتها، وتسكت الأساطير الأخرى، وتلغي حتى احتمالات تكونها.

***

في البداية، ومع تواتر الأخبار عن زيارة مرتقبة يقوم بها محمود درويش إلى حيفا بعد مايقرب من أربعين عاما من مغادرتها، بدا الجميع مرتبكا، لم يصدق أحد. بالتدريج، وخلال ساعات، بدأوا في التصديق، وفي ملاحظة أن "القصة"، بمعناها الصحافي، على وشك أن تتحقق الآن. أشارت وقتها جميع المانشيتات الصحفية إلى "العودة"، وأي عودة سوى العودة الى حيفا. الزيارة بشرت بها عناوين صحفية كثيرة وذكية: "محمود درويش عائد إلى حيفا"، "أحمد العربي يصعد كي يرى حيفا ويقفز"، و"محمود درويش على "مشارف" "الكرمل".

كل شيء كان حاضرا في هذه العناوين الثلاثة: غسان كنفاني، وهو الفلسطيني ببيروت، عبر عمله الروائي "عائد إلى حيفا"، سهام داود والتي نظمت الامسية، هي الفلسطينية بإسرائيل، عبر عملها الصحافي، بدورية "مشارف"، ودرويش يحضر عبره هو ذاته، الفلسطيني برام الله وعمّان، وعبر عمله الشعري، "أحمد الزعتر"، والصحافي، "دورية الكرمل". هكذا، تجتمع المنافي، تعود إلى فلسطين الأصلية، التاريخية، فلسطين التي أصبح اسمها إسرائيل، فلسطين 48. هكذا يمكننا ان نفهم "عودة" وليس "زيارة" محمود درويش لحيفا، الفلسطينيون يجتمعون برمز فلسطين، بالشخص الذي خلق فلسطين الأدبية أكثر من أي شخص آخر، الشتات الفلسطيني يلتم ببعضه.

***

ألفا شخص حضروا الامسية وقتها. أية أمسية أدبية في إسرائيل يمكنها أن تجمع ألفين شخصا؟ ولا واحدة. كان هذا مثيرا لغيرة إسرائيليين كثيرين، كما تشهد بذلك تعليقاتهم على تغطيات الأمسية في الصحف العبرية. قال أحدهم أنه أحس كما لو كان في أم الفحم وليس في حيفا. لساعتين تحولت حيفا إلى مدينة فلسطينية، مثلها مثل أم الفحم. بمعنى آخر أدق، ليس فقط أن درويش عاد إلى فلسطينه، وإنما "عادت" حيفا أيضا إلى فلسطينيتها، ليست فقط لأنها تحولت إلى مدينة تشبه أم الفحم، ولكن أيضا باحتشادها لرؤية خالق فلسطين الأدبية.

يصعب العثور على شخص كتب فلسطين، وارتبطت صورتها بصورته، كما فعل درويش، ربما بخلاف عرفات شخصيا. مع النكبة، فر الطفل محمود من قريته الجليلية مع الفارين، كما تسلل إليها عائدا مع المتسللين، رفض الجنسية الإسرائيلية عند سن معين، غادر فلسطين 48، ثم انصهر في مصهر الشتات الفلسطيني، بيروت، مع المنصهرين. بالتزامن مع كل هذا، كانت الأرض تنمو في قصيدته، مثلما ينمو في قصيدته المخيم الذي حل بديلا مؤقتا عن الوطن، ومثلما ينمو الفلسطيني، اللاجئ المولود في نفس المخيم. خلق درويش فلسطين حديثة تشبه تلك التوراتية، سفرجل وزعتر وسنونو، حبقا وزنزلخت، ولكن أيضا، بندقية وبركانا وهوية. الهوية كانت هي كلمة السر في عدد من قصائده الأكثر انتشارا. في النهاية لم تكن صورة وهوية فلسطين لتتكون بالشكل الذي هي عليه الآن من دونه، في هذا الأمر يبدو إنجازه أكبر بما لا يقارن حتى من إنجاز إدوار سعيد نفسه.

يدرك هذا وقتها عباس بيضون، يدرك التماهي بين درويش وفلسطين الى حد صار يمكن بمقتضاه اختزال أحدهما في الآخر، يكتب في السفير اللبنانية قائلا عن زيارة درويش لحيفا بعد 37 عاما من مغادرته لها: "إذ حينما تكون وطنية محمود درويش على المحك فإن الأمر مهول وخطر، فأن تكون وطنية شاعر الهوية الفلسطينية ورمزها الأدبي متهمة فهذا يعني أن الثقافة الفلسطينية التي احتل درويش هذا المقام فيها متهمة وموصومة أيضاً."

***

لم تنطلق كلمة بيضون من الفراغ، كانت إسهاما في سجال جوهري حول توصيف زيارة درويش، هل هي "زيارة" أم "عودة"، هل هي "عودة" أم شيئا يشبه ما يسمى أحيانا ب"التطبيع". بدا بيار أبي صعب وقتها، في الأخبار اللبنانية، وهو يطلب من محمود درويش ألا يزور حيفا مستشهادا بمقاطعة الفريق الإنجليزي "الرولينج ستون" لإسرائيل، بدا وكأنه يضرب في العمق. في الواقع كان أبي صعب مبلبلا، رمز فلسطين يتمرد على أول المحرمات بخصوصها، مقاطعة إسرائيل. أما الفلسطينية عدنية شبلي فلها إطار آخر تضع فيه الزيارة. ترد على أبي صعب في نفس المكان: "فجأة إذاً كي يصبح محمود درويش الفلسطيني مؤازراً لفلسطين، عليه أن يتحول إلى إنكليزي ذي ضمير سياسي، عليه أن يتعامل مع فلسطين المحتلة في عام 1948، بلده، على أنها إسرائيل، عليه أن يعتبر فلسطينيي الداخل على أنهم إسرائيليون، أن يعلن أن حيفا هي أرض العدو!"

محمود درويش غير الرولينج ستون. الرولينج ستون قد "يزورون" حيفا بينما درويش "يعود" إلى حيفا، الرولينج ستون عندما يزورون فلسطين فإن فلسطين تصبح هي إسرائيل، أما لدى درويش، الفلسطيني بألف لام التعريف، فأن الأمر يصبح مختلفا، يصبح التحام الفلسطيني بأرضه. ثمان وأربعون ساعة فقط كان يمكن لها أن تحشد كل العواطف حولها، تصبح الزيارة عودة، أو شبهة عودة. هكذا يضطر درويش للقول في حوار مع هآرتس قبيل سفره: "لا أريد إخافة القراء. فأنا لا أنوي تحقيق حق العودة". كما يضطر للحديث مطولا قبل السفر عن مفهوم العودة مع صحيفة الاتحاد الحيفاوية. ينفى المفهوم، من الناحية الفلسفية، مستشهدا بعوليس وإيثاكا. وللمفارقة فقط، كان درويش قد عمل بصحيفة الاتحاد قبل مغادرته فلسطين 48، والآن "تعود" هي إليه لتحاوره شاعرا كبيرا وتطلب منه استحضار فترة عمله هناك مع إميل حبيبي، أي الرجوع بشكل ما إلى ماضيه. العودة كانت هي العنوان الذي لا مفر منه للحدث.

السؤال الأساسي هنا الآن: لماذا لم يتم إذن طرح مفهوم "العودة"، كعنوان لرغبة عائلة درويش بأن يدفن ابنها بجانبها؟ لماذا تم تغييب المفهوم وإلغاء احتمال تشكل الأسطورة و"القصة الصحفية"؟ ولماذا وصفت رغبة العائلة في حدودها الدنيا: رغبة عائلية فقط وليست رمزية، اشتياق إلى جسد الابن وليس التحاما، تأجل طويلا، بين الشاعر وأرضه؟ على عكس ما حدث في قصة "العودة إلى حيفا"؟ الإجابة: لأن السلطة كانت هي الخصم هذه المرة، والسلطة هي في رام الله، وليست في "جديدة". والسلطة هي ما كانت تعني هذه المرة "فلسطين".

***


كان التئام الجرح في حيفا وقتها مؤلما تماما، تم عبر الجيش الإسرائيلي. منع الجيش درويش من البقاء في حيفا لأكثر من يومين، بينما كانت سهام داود قد أعلنت عن أن درويش لو بقى أسبوعا كما طلبت كان ليتمكن من زيارة أمه التي تبلغ تسعين عاما والمقيمة في قرية "جديدة". لا يصرح الجيش، ولكن درويش يتمكن من زيارة أمه في الثماني وأربعين ساعة التي قضاها ببلده. هكذا، تتطور القصة الخاصة بالجرح الفلسطيني: تم تقصير فترة إقامة درويش بشكل عمدي، عسكري، لمنع الشاعر القومي، شاعر فلسطين، من الالتقاء بأهله وبأرضه بالمعنى الفعلي والمجازي للكلمة. ولكن برغم المنع الإسرائيلي، فقد أمكن للفلسطيني الالتئام بأرضه وبأمه. تشتعل كل العواطف حول الأمسية، لتصبح رمزا لإغلاق الدائرة التي طال فتحها طويلا، والتعبير لمحمود درويش، الذي يقول في حواره لهاآرتس ردا على السؤال عن سبب مغادرته بلدته منذ 37 عاما: "حتى أعود بعد 37 عاما. هذا يعني أنني لم أنزل من الكرمل في 70 ولم أعد في 2007. كل شيء هو مجاز. أنا الآن في رام الله وفي الأسبوع القادم سأكون في الكرمل وأتذكر أنني لم أكن هناك لأربعين عاما، فهذا يعني أن الدائرة أغلقت وكل السفر الذي طال سنوات كان مجازا."

***

العودة مفهوم مستحيل بلا شك. لا أحد يعود وإنما الجميع يسيرون في طرق جديدة، بلا أمل في الالتفات الحقيقي إلى الخلف، ومن استحالته تنبع رومانتيكيته، هو الحلم الذي يطمح الجميع لتحقيقه ولا يستطيعون، كما أنهم في نفس الوقت لا يستطيعون التخلي عنه نهائيا. من هنا حضر عرب إسرائيل، هم ذوو الجنسية الإسرائيلية، الأمسية، بهدف العودة لفلسطينيتهم، ومن ذا قادر على منحهم إياها سوى درويش، وبهدف رؤية درويش عائدا إلى فلسطينه، فلسطينه التي لم يجد المحامي خالد محاميد، وهو أحد حضور أمسية درويش، تعبيرا عنها أكثر احتشادا من بعض أوراق الليمون جمعها من بيت الشاعر الكبير بقرية البروة التي ولد بها. ينتظر محاميد انتهاء درويش من أمسيته ليمنحها له، متخيلا بالتأكيد لحظات عاطفية جياشة، دموعا وعناقا حارا بين الشاعر وتراب أرضه، بين تراب الأرض وشاعره. ولأن لا أحد يعود فعلا، فلم يأخذها درويش. درويش كان يحاول اختزال البعد الدرامي إلى أقصى حد. يغادر القاعة مسرعا غير سامح للصحفيين بطرح أية أسئلة عليه، ومقللا بشكل متعمد من إمكانيات كتابة "قصة" صحفية عن هذه الزيارة. وعلى الرغم من هذا تمت وقتها كتابة القصة.

العكس من هذا تماما يحدث الآن. درويش نفسه، قبل موته بأسبوعين، يعود إلى قريته، يقبل أمه ويخبرها بقرار خضوعه للعملية بأمريكا. كأنه يريد كتابة قصة "عودته"، التحامه بأرضه المتزامن مع الموت، وعلى الرغم من هذا، تقرر السلطة استبعاد عائلته، فصله عن أرضه الأولى، واحتكار جثمانه لنفسها. وتستجيب العائلة، لأنه "منذ زمن طويل لم يعد ابنها. وإنما ابن العالم العربي كله." والعالم العربي يوجد في رام الله، وليس في أي مكان آخر.



المقال منشور في السفير اللبنانية بتاريخ 15/8/08، في إطار ملحق أسبوعي شامل عن محمود درويش

Friday, June 13, 2008

معلومات تنشر للمرة الأولى: المعادي.. حي صهيوني في قلب القاهرة

اليوم نكشف لكم واحدا من أخطر فصول الوجود السري لليهود في مصر.

اليوم نكشف لكم حقيقة المؤامرة اليهودية الصهيونية ضد وطننا العظيم.

اليوم نرد على أكذوبة "اليهود المصريين"، وعلى من روجوها ومن اعتقدوا أنه كان هنا يهود أبرياء انتموا لهذا الوطن حقا. ونقول لهؤلاء المتنطعين: حمرا يا فندم.


1

حي المعادي، والذي ولد في الخطيئة، حيث بناه مستثمرون يهود، كما يؤكد جوئيل بنين في كتابه (شتات اليهود المصريين)، كان يشكل دوما طابورا خامسا لليهود في قلب العاصمة المصرية، وكلامنا هنا لا ينبع عن عواطف وطنية متطرفة، كما سيزعم البعض، وإنما هو بناء على تحليل منطقي للأحداث، ودعونا نراجع المعلومات بلا تحيز ولا تعصب لفكرة مسبقة.

لنتأمل في البداية موقع الحي المصري "الراقي". اختار اليهود بناء حي المعادي جنوب شرق القاهرة، ولأنهم لا يفعلون شيئا اعتباطا فإن لهذا الموقع سرا فريدا، فمن الجنوب يمكن لهم أن يكونوا على الطرف المقابل للجيزة ولأهرامهما، وهم يزعمون أنهم البناة الحقيقيون لها ويطالبون بها، ولا ننسى أن حي المعادي كان تابعا لمحافظة الجيزة قبل الثورة، أما اختيار حيهم على الضفة الشرقية للنيل فهو لكي يكونوا أكثر قربا لفلسطين ولسيناء، حيث يمكن منهما غزو الأراضي العربية كلها. التاريخ أثبت هذا فيما بعد، فلقد أعلنت دولة إسرائيل عام 1948 على أراضي فلسطين، كما أن إسرائيل قد احتلت سيناء عام 1967.

اليهود في هذا الوقت كان يعوزهم الحياء، حتى أن الحي الذي جعلوا منه خندقا صهيونيا في القاهرة، لم يخجلوا من تسميته "الحي المعادي"، أي الحي العدو، وتطورت الكلمة بعد ذلك لتصبح "حي المعادي"، وذلك لأنهم كانوا على يقين من أنهم هم الأعداء الأساسيون لمصر، فهل بعد هذا الدليل القاطع من يأتي ليقول أن اليهود كانوا مصريين مثلهم مثل الباقيين. حمرا يا فندم.

واستكمالا للتحليل اللغوي، فالمعادي تحوي منطقة اسمها "عرب المعادي". ما الذي يعنيه اسم منطقة عرب المعادي؟ في نظري فإن الأمر لا يحتمل إلا تفسيرا واحدا، وهو ندرة عدد العرب في منطقة المعادي، وبالتالي استحقاقهم تسمية خاصة بهم - ليس هناك حي باسم "يهود المعادي مثلا" لأن الحي كان، ولا يزال، مستعمرة يهودية، وكان من الطبيعي أن تمتلئ جميع مناطقه بأحفاد القردة والخنازير - ويعني هذا أيضا أن اليهود لم يكونوا يرون أنفسهم عربا، وهذا دليل على أن اليهود أعداء للعرب والمسلمين حتى يوم القيامة، وأن مصطلح "اليهود العرب" هو مصطلح غير جائز من الناحيتين اللغوية والتاريخية.

2

يكفي أن نتذكر، إذا أردنا الحديث عن حي المعادي، "معبد ميئير عينايم" على أرضه والذي أعيد افتتاحه مؤخرا، - بهذه المناسبة قال يورام ميتال خبير الشؤون المصرية في جامعة بن جوريون انه لو افتتح المعبد للصلاة، فإن هذا يعني أنه سيحدث مجددا نشاطاً يهودياً في القاهرة!! - هل يمكننا أن نتغافل عن توقيت افتتاح المعبد للمرة الأولى، وهو عام 1934، أي في عز ثورة المصريين ضد الإنجليز. استخفافا بالمشاعر الوطنية المحتدمة للمصريين، واستفزازا لهم، بنى اليهود معبدا ليمارسوا فيه طقوسهم الدينية التخريفية وربما ليمارسوا أدوارهم المشبوهة في التجسس لصالح الصهيونية.

يتسلل اليهود إلى حي المعادي بطرق شتى، منها طريق الشيعة على سبيل المثال، ولا يخفى على أحد ما بينهم وبين الشيعة من تقارب فكري وسياسي، حيث يطمح كلاهما إلى تدمير دين الإسلام وإحلال روح الضعف بالأمة. من هنا مثلا نعلم شيئا عن التنظيم الشيعي الإيراني الذي تواجد بحي المعادي وكان يتلقي الدعم من إيران – وهي الدولة ذات الميول الصهيونية - وعن جمعية للشيعة تواجدت في نفس الحي. كما نعرف عن تكية للطريقة البكتاشية التي تجمع بين التصوف والتشيع وانتقلت لنفس الحي النجس عام 1957. هكذا يستطيع اليهود، تحت اسم العقائد الضالة من الإسلام، أن يوجدوا لهم موطأ قدم في المعادي، بعد أن نبذتهم الأمم والشعوب!

3

لا يمكننا أن نختتم حديثنا عن المعادي دون تذكر سفاحها الشهير، ذلك الذي اشتهر بطعن الفتيات في مؤخراتهن واغتصابهن، والطعن من الخلف هو أسلوب صهيوني شهير للقتل، وهو ملائم لطبيعة اليهود الجبانة التي تخشى المواجهة، (يقول الله تعالى: لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر ) في هذا الصدد لنتذكر معا الصهيوني الذي أطلق النار على المصلين في ساحة مسجد الخليل من ظهورهم. إنها خسة تليق باليهود وبأمثالهم ممن لا يحفظون عهدا ولا تأمن لهم ودا، ويعني الأمر أن هذا السفاح لم يكن إلا يهوديا خسيسا أتى لينشر الرعب بين المصريين والمصريات.

حي المعادي أيضا، وهذا لا يخفى على أحد منكم، هو الحي الذي يسكن فيه سفير القردة والخنازير، السفير الإسرائيلي، والذي انتقل وقت ظهور السفاح إلى مقر السفارة بالجيزة زاعما خوفه منه، وذلك لكي يداري على أي شبهة تعاون بينه وبين السفاح ويبعد الأذهان عن هذه العلاقة الصهيونية المشبوهة.

إذن، هل تبقى لدي أحد منكم، مع كل هذه القرائن التي لا تقبل الجدل، الشك في كون حي المعادي أكثر يهودية من تل أبيب نفسها، وسكانه أكثر خطرا على الأمة من شارون وأولمرت؟

ما نطالب به الآن هو الآتي: إلغاء تصنيف حي المعادي كحي مصري يقع في القاهرة، وتصنيفه على حقيقته: حيا صهيونيا يهوديا إسرائيليا، ولو اقتضى الأمر إهداءه لدولة إسرائيل فلا مانع لدينا، وذلك أفضل من أن يتم استخدامه من قبل الدولة الصهيونية كمسمار جحا داخل مصر، وذلك لكي نحاول تطهير مصر العزيزة علينا جميعا من أي وجود لليهود على أرضها. وحتى لا نصحو ذات يوم ونجد القاهرة قد تم تهويدها كلها انطلاقا من المعادي، ليحفظنا الله.

Friday, May 09, 2008

الله عليك يا حاج: التفسير السكسو - لاهوتي للأحداث

"اللبنانيين دا شعب كله فساد" هكذا قال الحاج علي وهو يناولني السيجارة. لم أكن أتوقع بأي شكل من الأشكال أن ينتهي الحوار بهذه الجملة، أي بجملته الأولى بالتحديد. كان لابد من التعقيب بأي شيء، أخرجت ولاعتي وولعت للحاج ثم انتقلت إلى سيجارتي:

"بس دول ناس غلابة يا حاج علي؟"

"غلابة ولا ماغلاباش. دا شعب علوق".

صورة حسن نصر الله كانت معلقة في الدكان. نظرت إليها ثم إليه:

"طب ما حسن نصر الله لبناني زيهم."

"لا يا فندم. دا بقى بالذات ماتحسهوش لبناني. تحسه مصري. أكن أمه زانية فيه. جايباه من دكر مصري. م الشرابية بالأمارة. هع هععععععععع."

"يعني الراجل الطيب دا ابن زانية؟"

"وماله مفيش مشاكل. ربنا سبحانه وتعالى قالك يخلق من ضهر العالم فاسد ومن ضهر الفاسد عالم. صح انا ولا غلط؟ يعني دلوقتي العلماء دول مش ناس منزهين. ممكن يكونوا ولاد وسخة برضه."

"الله عليك يا حاج".

"اه بس دا مش معناه انهم وحشين ولا قللات الاصل. إلا دا. العلماء دولا أحسن ناس ف الدنيا. ومن حقهم علينا اننا نسمع كلامهم، ومن حقهم علينا الشورى والمشورة. وربنا بيحبهم. علشان كدا ربنا قالك اذا جاء نصر الله والفتح. الفتح دا برضك شيخ م المشايخ الجامدين اوي. بيقولك هيظهر ف اخر الزمان وعلى رأسه قنديل من الذهب وبعض الأئمة قالوا قنديلان. دا الحديث بيقول كدا. هيمشي في الشارع وزبه واقف كدا جايب بحر الظلمات، علشان ينيك الكفار. زيه زي الشيخ حسن نصر الله. بتاعه برقابي اللبنانيين كلهم."

(أغمز) "الله. وانت عرفت منين بقى دلوقت يا عمنا؟"

"امشي يا متناك. انا اعرفهم يا معرص. رجالة على حق. شوف يا باشمهندس. الراجل ناك اليهود وهما وقفوا زي الخولات. من حقه بقى ينيكهم هما، ما اذا كانوا خولات، يعني هيتكيفوا من زبه. مش انا بتكلم صح، ولا غلط؟"

"بس دا راجل ظالم. دا قال اللي هيمد ايده هقطعهاله."

"يا فندم يقطع له بتاعه لمؤاخذة كمان. دا راجل جدع. بيحامي عن رجالته. امال هيسيب الناس تدافع له عنهم!؟"

"يعني انت بذمتك يرضيك الدنيا تولع والناس تضرب ف بعض علشان الحكومة قفلت شوية تليفونات؟"

"كسك يا انشراح. يا استاذ يولع في ديك ام البشرية كلها مفيش مشاكل دا حقه. دي حالة إنسانية حضرتك. يعني حضرتك تخيل نفسك لمؤاخذة المدام هتولد وانت جاي تتصل بالتليفون قالولك دا الخط اتقطع، وبعدين انت ماعاكش رصيد على الموبايل. فلا قدر الله معرفتش توصل للدكتور والمدام قامت اتوفت، والجنين مات طبعا. وبعدين جاي زعلان على كام واحد ماتوا؟ كله الا قطع التليفون يا عم الحاج، دا زي قطع العيش."

"طب ما انا ممكن انزل اتكلم بخمسة وسبعين قرش من اي دكان؟"

"قفل. الدكان قفل. مش بتحصل؟ افرض معايا الدكان قفل. هتحط ايدك على خدك ولا هتروح مولع ف البلد كلها."

"لا. ممكن ابعت سلفني شكرا. اجيب رصيد واتصل."

"دا لو انت فودافون يا معلم. افرض انك موبينيل. قل لي بقى هتتصرف ازاي؟ لازم ساعتها تعمل ثورة."

"يعني كل اللي عملوا ثورة كانوا موبينيل".

"مش لازم. كان فيه منهم اتصالات كمان يا برنس. أمال انت فاكر ايه؟"

(أفكر قليلا) "الله عليك يا حاج."

Friday, February 15, 2008

وما كفر المصريون ولكن الأفارقة كفروا عالآخر


تنظرين يا يارا، يا ابنتي الرائعة، من البلكونة وتسألينني عن الأعلام المرفوعة، تسألينني عن الزعيق والكلاكسات، تشيرين بأصابعك البريئة إلى الفرحة على أوجه الشباب والشيوخ وتسألينني: ما هذا؟ أنجعص أنا يا حبيبتي على كرسي وأشرح لك أنه في عالمنا يعيش فريقان، أناس طيبون، اسمهم المصريون، وأشرار اسمهم غير المصريين، أحكي لك اليوم عن انتصار الأخيار على الأشرار، وأبدأ في استرجاع المعركة الحاسمة، أميل على أذنيك هامسا لأحكي لك وأنت على سريرك:

"كان اسمهم أفارقة، كانوا سودا كلون الشيطان، طوال القامة كالمردة، وعراة كالهمج، وكانوا يأكلون لحم البشر أيضا. لم نكن نرغب إلا في التخلص منهم.. أو على الأقل، في أن نثبت أن الخير، الذي هو نحن، هو الباقي أبدا مهما ساد الظلام الذي مثلته لون بشرتهم. وهذا ما حدث: الكرة، يحركها ربنا باتجاه المرمى الكاميروني، هي من أثبتت أننا السادة مهما مر الزمان، كنا الأجمل والأنقى دائما يا حبيبة بابا."

"سامحيني يا ابنتي على خيالي غير المحترم بشكل خاص، تعرفين كم أحسن جدك وجدتك تربيتي، ولكنك أيضا تعرفين سحر وتأثير رفاق السوء على الشاب الذي كنته يوما، ومزاجي الجنسي يا صغيرتي ينقح علي لمدة كام تدوينة، فاعذريني واعذري قلبي العجوز الذي ما فتأ يرتكب الحماقات مرة بعد أخرى. ما أردت قوله هو أن لاعبينا الأخيار تبرعوا بفلوس كثيرة لبناء مسجد في غانا، تسألينني لماذا في غانا؟ لأخبرك. لأنهم قاموا بنيك الأشرار هناك، في دارهم، في دار الأشرار يا ريري، ومن ينيك منكم شريرا فعليه بناء علامة في مكان المواقعة ليذكر المنيوك أنه قد نيك، ليكسر عينه بها إلى الأبد، أقول هذا ويعتصرني الآلم لأنني أتخلى، في الوقت نفسه، عن قواعد التربية السليمة، أحدثك عن شرور العالم، وبلهجة تعوزها اللياقة إلى حد ما، فسامحيني وسامحي قلبي العجوز."

"تعرفين المسجد يا يارا؟ لا. لا ينفع. لابد أن تعرفيه جيدا. إنه بناء من الحجر له مأذنة عالية وطويلة، طويلة جدا حتى لكأنها القضيب الذكري، وستعرفينه يوما، أنا متأكد. وهذه هي الحكمة من أن أية كنيسة، بقبتها المستديرة كمؤخرة محترمة، لابد أن يقوم أمامها مسجد. فهمتي قصدي؟ مش مهم. ستفهمينني يوما، أنا متأكد برضه. كم أنهم عظماء من يريدون نيك الأشرار يا يارا، لأنه، وقد نسيت أن أخبرك، عاشت في عالمنا طائفتان أخريان، المسلمون، وهم الطيبون المسالمون حد الروعة، وغير المسلمين. والغالبية من سكان المدينة الغانية التي أراد الطيبون بناء المسجد فيها كانوا غير مسلمين، وغير المسلمين هم الأشرار يا يارا، ولندع الرب أن ينجنا من الشرير دوما."

"في النهاية خليني أحكي لك: أبناؤنا ذبحوا عجولا في المدينة، ذبحوها لتوزيع لحمها على الفقراء، فقراء المسلمين طبعا وليس فقراء الأشرار، ذبحوها تبركا وحمدا لله، فما كان من الأفارقة الوثنيين السحرة بطبيعتهم إلا أن اعتبروها ضربا من السحر. تذكري يا ورور معي قصة موسى وسحرة فرعون واعرفي أن السحر شيء مش محترم وبركة دعا الوالدين هي شيء محترم، وأنه لا يفلح الساحر حيث أتى، ولكن يفلح دوما من ذكر اسم الله وأخرج عصاه فإذا هي حية تسعى، وما كفر سليمان أبدا ولكن الأفارقة كفروا، ثم لأقرأ عليك هذا الخبر في المصري اليوم لتعرفي معي كم أن الأفارقة كفروا، كفروا على الآخر حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ومازالوا يكفرون."

Friday, February 08, 2008

تحية واجبة إلى حدودنا المقدسة

نحن نكره الفلسطينيين لأنهم قاموا بانتهاك حدودنا، وحدودنا يجب أن تظل مقدسة جدا، مقدسة للغاية، مقدسة آخر حاجة. وبمنتهى الصراحة، فلقد تزلزلت مصريتنا يوم اقتحم الغزاوية الحدود، انتهكت وانشرخت وانفشخت، فلما انفشخت صارت أكثر انفشاخا ومن ثم صارت مفشوخة على الدوام.

***

نكره الفلسطينيين لأنه ليس معقولا أن تقوم مجموعة منهم، واسمها أهل غزة، بغزونا. وقبل مجيء أهل غزة كانت العريش زي الفل، كانت نموذجا راقيا ورائقا لكس ام الرخاء الاقتصادي والأمني. كانت جنة الله فوق الأرض، ولم يكن ناقصا إلا حبة جواري وقيان لتصبح مدينة من ألف ليلة وليلة، عاصمة الخلافة الرشيدية السعيدة.. فلماذا فعلتم كدا يا غزاوية!؟

***

نكره الفلسطينيين لأن العرايشة والسيناوية لا يحبوهم، لأن العرايشة والسيناوية يشعرون بقوة أنهم مصريون، ومصريون بس، ومصريون يعني قهراوية وقهراوية يعني مصريين. لا يشعر السيناوية بأي تعاطف مع غزة، فمشاعرهم تتزبط على حسب خطوط الحدود المصرية، والنوبيون مثلا أقرب إليهم من الفلسطينيين. ولذلك فإن السيناوية يستجيبون دوما للتحذير القاهري بالابتعاد عن أصدقاء السوء الذين يقعون وراء الحدود، الحدود الجامدة، بل وأكثر من ذلك، الحدود التي في منتهى الجمودية.

***

نكره الفلسطينيين لأنه تم نيكهم من جميع شعوب العالم المتمدين، يهود وسوريين وأردنيين ولبنانيين، ثم أنهم يأتون على ازبارنا نحن ويقولون يععع عنصرية. على الفلسطينيين أن يستحْلوا أزبارنا كما استحْلوا أزبار من سبقونا، حتى نطمئن إلى سلامة، وروقان، أداءنا الجنسي. وإن لم يكن، فلا يأتوا لينيكونا نحن، حيث أطيازنا، مثل حدودنا، يجب أن تظل محمية دائما، هذا شيء يتعلق بالأمن القومي قبل أي شيء آخر.

***

نكره الفلسطينيين لأن كلمة فلسطين تعني حماس وكلمة حماس تعني فلسطين، ولأنه لا يمكن للقاهرة – وهي عاصمة العلمانية والليبرالية في العالم الحر- أن يحكمها شوية حمساوية ينتمون بأصولهم إلى الإخوان المسلمين.

***

نكره الفلسطينيين لأنهم – بدلا من أن يصبحوا جميعا شهداء ويقاومون إسرائيل بالحجر ويقاومونها بالرشاش ويقاومونها بسكاكين المطابخ – فإنهم يهربون كالخولات، إلينا الآن، وإلى لبنان وسوريا والأردن سابقا. يجب على الفلسطيني الحق، الفلسطيني الصحيح، الفلسطيني الذي اكتملت فلسطينيته بدرا تام الاستدارة ليلة اربعتاشر، أن لا يكون بني آدم، يجب أن يكون وحشا فتاكا، يقاوم إسرائيل في أرضه حتى يموت، يجب على الفلسطينيين أن يموتوا حتى يكونوا كويسين، كويسين جدا وكويسين للغاية وكويسين آخر حاجة، وحتى نحبهم بنفس القدر، أي: جدا وللغاية وآخر حاجة.

Friday, December 21, 2007

الجزيرة أو من البداية لم تكن هناك أية حكومة


"من النهاردة مفيش حكومة.. أنا الحكومة" هكذا كانت صرخة منصور حفني الراغب في تطهير جزيرته من عساكر الداخلية بعد أن بدأوا يفتحون أعينهم على نشاطه. كانت هي كذلك الصرخة التي دفعت الكثيرين، ومنهم عبدكم المخلص، للتحمس لمشاهدة فيلم "الجزيرة"، إخراج شريف عرفة وقصة محمد دياب وبطولة أحمد السقا، ودفعت الكثير من المشاهدين منهم لكي يهتفوا في الشارع بعد انتهاء الفيلم قائلين "أنا الحكومة" ويصفقون بهستريا أثناء اللحظة الدرامية للنطق بالعبارة، أو أن هذا على الأقل ما حدث في سينما نورماندي وعلى أبوابها.

في جزء منه، فالجزيرة هو نسخة مصرية، وصعيدية بالتحديد، من "الأب الروحي". مايكل كورليوني "آل باتشينو" هو الشاب المثالي الذي يتطوع في الحرب دفاعا عن أمريكا وقيمها، ويرفض الإجرام الذي تمارسه عائلته المافياوية. فجأة يقرر الأب تدشين ابنه الصغير باعتباره الأب الروحي الجديد. يقابل هذا بذهول، ويتم تفسيره على أن عائلة كورليون تسير إلى الضعف، يكون لزاما إذن على مايكل إذن أن يمر باختبارات نار عديدة لترسيخ عائلته وإثبات وجوده على رأسها. وفي الجزيرة، منصور حفني هو "الأستاذ منصور بتاع المدارس" الذي ينظر له أقاربه باستهانة، بينما يقرر الأب "محمود ياسين" إعلانه كبير العائلة، بسبب كونه "ابن المدارس" بالتحديد. يمر منصور باختبار بسيط في البداية، يتحداه عمه حسن "باسم سمرة" للنزال تحطيبا. يكاد ينتصر عليه. يقفز منصور عاليا ليفجر اللمبة، ينصرف لثانية انتباه العم المبارز إليها ويكون هذا كافيا لكي تكون عصا منصور ملامسة لرأسه ومهددة بتهشيمها. اختبار آخر في أثناء تسليم البضاعة ومنصور على رأس العملية، تهجم عائلة على البضاعة لسرقتها والهرب بها، ينجح منصور في استرجاعها بعد مطاردات وأكشن. هكذا يموت الأب مطمئنا على العائلة التي ولد كبيرها أسدا ينهش لحم من أمامه.

***

الفيلم لم يبدأ بعد البداية الحقيقية. سيحدث هذا في جنازة الأب. تهجم عائلة النجايحة، التي رفضت من البداية الانضواء تحت كنف منصور باعتباره الكبير، على سرادق العزاء، يقتلون أم منصور وزوجته. نتابع منصور وقد أصبح بلا رجال، بعد أن دخلوا السجن، وهو مطالب وحده بالثأر من عائلة كبيرة أعلنت عن دفع مبلغ مئة ألف جنيها ثمنا لرقبته. شيئا فشيئا يتمكن من استرداد قوته، يكون جيشا من مطاريد الجبل عن طريق وعدهم بالنزول إلى الجزيرة والعمل بها، ينجح في الحصول على سلاح من السودان بعد أن اختفى السلاح من مصر أيام الإرهاب، يستميل إليه الداخلية عن طريق رشوة ضباطها الفاسدين بالمخدرات والسلاح والإرهابيين ومسجلي الخطر الذين يريدونهم لإحراز ضبطيات كبيرة. شيئا فشيئا يبدأ منصور في إعادة تكوين مملكته الجديدة، ومن الصفر هذه المرة.

تحدث المذبحة التي لا مفر منها لعائلة النجايحة. بيوتهم تنفجر وأراضيهم تحترق ورجالهم يذبحون. وبرغم توسلات كريمة، حبيبة منصور (هند صبري التونسية الأصل.. والتي كانت عظيمة كالعادة، تحدثت الصعيدية كأهلها، في مقابل زينة، مصرية الأصل، فايقة زوجة منصور، والتي كانت صعيديتها كصعيدية مزز نادي هليوبوليس) برغم توسلات كريمة لمنصور بأن يرحم أخاها، أخاها الذي كان قد قتل من قبل زوجة منصور وأمه، فإن الأخير يقتله بطلقة واحدة من مسدسه. بطلقة واحدة يتمكن من الثأر لأهله والقضاء على عدوه وعلى ضعفه الإنساني أمام حبيبته، ثلاثة أهداف في خبطة واحدة. هكذا، في قلب المذبحة، يتم تعميد منصور حفني بالدم، قبل أن يعلن، مرة واحدة وإلى الأبد، إمبراطورا على الجزيرة المزروعة في كل شبر منها بالأفيون والسلاح. بالنسبة لمايكل كورليوني فقد كان لابد أن ينتظر المشاهدون نهاية الجزء الأول من "الأب الروحي" حتى يروا مذبحة تعميدية كتلك، مايكل يقوم بتعميد طفلين في الكنيسة، ينطق القداس كلمة كلمة، بينما رجاله بالخارج يقضون على رؤوس العائلات المنافسة. ينتهي الجزء الأول وقد أصبح مايكل كورليوني ملكا متوجا لعائلة كورليون. هكذا يولد كل من البطلين، تولد لاإنسانيتهم البهية، ويتحولان إلى ما أصبحا عليه طوال الفيلمين، مجرمين أشبه بالآلهة.

***

يبدأ كل فيلم في الافتراق عن الآخر، يصارع منصور من الآن فصاعدا الحكومة "التي يمثلها طارق بيه، الضابط الجديد المتحمس وهو المتحدث في الفيلم باسم خطاب النظام والدولة"، وليس العائلات الأخرى. التركيز على ضباط الشرطة كان لابد له أن يدخل بخطاب فلسفي إلى الفيلم، أو لنقل، أن الفيلم، على قوته، لم يكن مرضيا من الناحية الفنية لصناعه، مما دفعهم لإثقاله بكلام عن حقوق الإنسان وعن النظام في مواجهة الخارجين عليه، أو عن الأقوى الذي يفرض قانونه دائما. يمكن للمشاهدين أن يستعيدوا في هذا الفيلم مشاهد "الهروب" لعاطف الطيب وأحمد زكي وحواراته عن بطولة الخارجين على القانون في مقابل الجبن والخنوثة الدائمين لمن يماهون أنفسهم مع القانون.

للنظام هيبته، قد يسكت على الجريمة بمزاجه، ولكن الكبرياء رداءه والعظمة إزاره ومن نازعه فيهما قصمه. صرخة منصور حفني: "مفيش حكومة.. أنا الحكومة" ثم تفجيره لمبنى استراحة الضباط في أسيوط، هي كلها ما تدفع باتجاه الاقتحام المسلح بالمروحيات والمدرعات لقصره الذي جعل منه قلعة عسكرية محصنة. سؤالي الذي يطرح نفسه: لماذا لم يشر أفيش الفيلم إلى قصة عزت حنفي إمبراطور النخيلة، أو على الناحية الأخرى، لماذا قيل أصلا في الأفيش أن الفيلم مستوحى من قصة حقيقية. بالنسبة لمن يحبون السينما، كان الفيلم ليصبح ممتعا بدون أية إشارة إلى "حقيقة" ما، وبالنسبة لمن يريدون فهم المجتمع، كان الفيلم ليصبح مهما إذا تمت الإشارة صراحة إلى اسم عزت حنفي.

***

أحمد السقا، وصدقوا أو لا تصدقوا، هو ممثل كبير، لا يعوزه إلا شيئان: الاقتناع فعلا أنه ممثل كبير واختيار الأدوار الجيدة. وبرغم أنه ممثل كبير فلم يقم بدور له شأن في حياته باستثناء هذا الدور، والذي ربما كان التدشين الحقيقي له، مثلما كان التخلي عن شخصية ابن المدارس والتحول إلى تاجر سلاح ومخدرات هو التدشين الحقيقي لمنصور حفني، فهكذا هو الأمر بالنسبة للسقا تماما، التخلي عن لهجته القاهرية والتحول إلى صعيدية سلسة كأنما ولد بها، التخلي عن دور الجامد الفشيخ الدكر والمرح خفيف الظل عند اللزوم والتحول إلى دكر من نوع تاني، مجرم، بلا مشاعر إنسانية زائدة، قاتل ولا يعترف إلا بالقوة التي تخيف أعدائه.

هذه صورة مثالية بالطبع عن الفيلم، فصناع الفيلم – وإن كان يحسب لهم عدم إنهاءه بمشهد مقتل منصور الكبير متلقيا زخات الرصاص ومترنحا ببهاء القديسين مثلما كانت عليه نهاية تيتو، وهي النهاية التي كانت متوقعة إلى حد كبير في هذا الفيلم أيضا - أصروا على جعل المرأة، وهي هنا كريمة حبيبته، هي نقطة الضعف الدرامية للبطل، هي التي لأجلها يقرر الصلح مع النجايحة والتخلي عن هيبته وهي التي تستدرجه في النهاية لتسليم نفسه. فكرة قديمة ورومانسية؟ حسنا، ولكنها تتفق مع مجاز البطل التقليدي الذي يهزم الجميع ثم تهزمه المرأة، والفيلم، في وجه منه، يناقش فكرة البطولة لدى الناس، الناس الذين كان أبطالهم دوما وأبدا هم البلطجية والإرهابيون وتجار المخدرات، وفيلم الجزيرة هو دليل جديد ورائع على هذا.

Friday, November 16, 2007

هوس إثبات براءة السلاطة البلدية

الجمهور الذي ذهب ليشاهد فيلم "سلطة بلدي" لنادية كامل في معهد جوتة لم يكن جمهورا بريئا، هذا أولا.

ببساطة شديدة، الناس سمعت كتير عن الحملة التي اتهمت الفيلم بالتطبيع، ولأن الفيلم يتحدث عن اليهود المصريين - مع خلفية لا يمكن تجاهلها وهي كتاب جوئيل بنين حول شتاتهم – فقد واتت جمهور جوتة، وكان في ذلك اليوم خليطا من اليساريين والليبراليين، الفرصة ليثبت أنه ليست لديه أية مشكلة عنصرية مع اليهود، لذا جمعت بينهم الرغبة العميقة في إثبات براءة الفيلم من شبهة التطبيع التي اتهم بها، ومثلما فعل الليبراليون واليساريون في دفاعهم عن "وليمة لأعشاب البحر"، أي محاولتهم بشتى الطرق إثبات "إسلام الرواية"، هكذا قرر الجمهور أن يفعل يومها، هذا ثانيا.

***

الفيلم صادم تماما. نشاهد فيه، يمكن لأول مرة، مصريين يزورون بيت يهود إسرائيليين، وليسوا إسرائيليين فحسب، إنهم يرتدون أيضا الطاقية اليهودية ويخدم أولادهم في الجيش الإسرائيلي، يمزحون معهم ويهيصون وينسون أم السياسة التي تتربص لهم على الباب. لا أستطيع الإجابة عن سؤال إن كان الفيلم يدعو للتطبيع أم لا. لأنني لا أفهم جيدا قصة "يدعو" هذه. ولكنني على يقين أن الفيلم بحد ذاته هو ممارسة للتطبيع. وإلا فما هو الاسم الجدير بفعل الدخول إلى قلب إسرائيل، ليس الضفة أو غزة وإنما إسرائيل، زيارة يهود، ليسوا صباريم، أي لم يولدوا في إسرائيل، وإنما هاجروا بمحض إرادتهم إليها وسكنوا في بيوت عرب تم تهجيرهم، وقول بطل الفيلم – سعد كامل – أنه يفرق بين الحكومة والشعب الإسرائيليين ويضيف: "الشعب الإسرائيلي شعب طيب"، كأنه بيتكلم مثلا عن الشعب الأمريكي أو الفنلندي. إذن الفيلم هو عمل تطبيعي من الدرجة الأولى، مثلما بالضبط هي علاقة نجيب محفوظ ومحمود درويش وإدوارد سعيد بالإسرائيليين، ومثلما هي زيارة أهداف سويف إلى تل أبيب. وهم جميعا رموز لنا يجتاحنا نفس الهوس لتبرئتهم من تهمة التطبيع أو لتبريرها لديهم.

***

هوس إثبات براءة الفيلم كان هو السبب الذي جعل الضحك الهستيري ينتشر في القاعة يومها ردا على مشاهد بعينها، أفيش عمرو خالد الكبير في ميدان التحرير ومشهد الطفل وهو مرتبك أمام جدته – نائلة كامل – التي تقرأ عليه بطاقة هوية أبيها: الديانة إسرائيلي. أراد المشاهدون أن يفهموا كون الطفل يسخر من عنصرية إسرائيل التي لا تفرق بين الدين والجنسية. طبعا جمهور كهذا لم يقنعه تبرير الجدة بأنه قبل قيام دولة إسرائيل كانت كلمة إسرائيلي تعني يهودي، لم يقنعه كون المشكلة لغوية وليست سياسية وأن الحديث هو عما قبل إسرائيل. جمهور جوتة في ذلك اليوم، وهو جمهور ليبرالي ويساري في الغالب، وهو الجمهور المتعاطف مع الفيلم، كان فخورا باستنارته ونكرانه على إسرائيل كونها دولة قامت على الدين. لذا لم يتح الجمهور لأحد، ولا حتى لبطلة الفيلم وأجمل شخصياته، أن تفسد عليه فخره بنفسه هذا، يضاف إلى هذا أن الضحك الهستيري على المشهد كان في ذات الوقت دليلا رادعا على وطنية الفيلم، أي على براءته من التطبيع، لا ينبغي أن ننسى هذا، هذا ثالثا.

***

فيلم "سلطة بلدي" يستحق كل الضجة المقامة حوله، إنه فيلم يدخل إلى قلب إسرائيل ومع هذا يتجرأ على عدم تصوير معاناة الفلسطينيين. فيلم يتحدث عن الإسرائيليين باعتبارهم بشرا، و ما جاء فيه ليؤكد الآراء العربية حول العنصرية الإسرائيلية حدث بشكل عفوي تماما ولم يخطط له أحد. بهذا المعنى، ومن المنظور القومي الوطني، فالفيلم غير بريء أبدا، وربما تكون عدم براءته هذه بالتحديد هي ما جعلته واحدا من أكثر الأفلام أهمية وجمالا في الوقت الحالي.

وكان هذا رابعا وأخيرا.

Friday, June 22, 2007

سبعة أسباب تجعلني أعشق التراب الذي يمشي عليه رجال حماس

أولا: ليس لدى حماس التقسيمات العقائدية الشوفينية التي لدى جميع الحركات الأيديولوجية الأخرى، فهي لا تفرق بين الإسرائيلي المدني والعسكري والفلسطيني الفتحاوي وغير الفتحاوي. تعتقد حماس أن الإنسان، بوصفه إنسانا، ليس حيوانا مفكرا وإنما حيوان مستحق للقتل. وبهذا تنطلق في أيديولوجيتها من أرضية إنسانية عامة، لا تفرق بين دين أو ملة. وهكذا تتجاوز جميع العقائد التي تعتمد على مركزية العرق والدين

ثانيا: حماس حركة إسلامية متخلصة بشكل مذهل من كل الجمود العقائدي والمذهبي الذي يميز سائر التيارات الأخرى، فهي تدخل الانتخابات الفلسطينية تحت راية أوسلو والقبول بها ثم تؤكد أن أوسلو غير ملزمة لها بعد وصولها إلى سدة الحكم، وتواصل هجومها ضد فتح بسبب قبول الأخيرة لأوسلو. وبهذا تحقق حماس مفهوما مرنا وبراجماتيا حديثا للسياسة لا يتسم بالتشنج ولا بالثبات المتصلب على المبدأ

ثالثا: تعتقد حماس أن العمل الداخلي، أي العمل داخل البيت الفلسطيني، هو العمل الأساسي، وتأتي بعده مواجهة الأعداء، ولتركيزها على العمل الداخلي فهي تبدأ بالتخلص من الشعب الفلسطيني، قبل أن تتجه إلى سائر الكائنات البشرية للقضاء عليهم، ولأنها تؤمن أنه ليس للأنا قداسة أو أفضلية على ما عداها، فهي توجه سلاح القتل لنفسها ولشعبها قبل أي شخص آخر

رابعا: تؤمن حماس بوحدة الوجود، وهي فكرة أنطولوجية غاية في الرقي عبر عنها كبار المتصوفة حيث يصبح الكل في واحد، وأنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا، فحماس هي الحكومة والمعارضة في آن. تتواجد حماس في مقاعد السلطة ولكنها أيضا تقود، في الشارع الغزاوي، الشغب والحرب ضد السلطة عينها

خامسا: وانطلاقا من رابعا، تجسد حماس المقولات الفوكوية بامتياز، عن الحرب التي تخترق جسد المجتمع، فسلاحها ليس مجاله ساحة المعركة مثلما في جميع الفلسفات والرؤى التقليدية، وإنما مجاله الشارع واستعراضات النصر والصور الاحتفالية والشجارات العادية. لا تتوقف الحرب عند جنس معين، كما سبق وقلنا في أولا، وإنما تمتد إلى جميع خلايا جسد المجتمع، وهي عينها مقولات فوكو والتي استوحاها من هوبز حول الحرب بوصفها المحرك الأساسي لأي مجتمع مدني، من هنا تواكب حماس أحدث صرعات الفكر الفلسفي الغربي، وتضيف إليه كذلك

سادسا: لحماس خلفية ثقافية نادرة المثال، فمشاهد الاستشاهديين على شرائط الفيديو قبل تنفيذهم عملياتهم الاستشهادية المقدسة، ومشاهد التمثيل بجثث المعارضين، تتم كلها بغرض تدليل بصر المواطن العادي، وهي أقرب إلى أن تكون مشاهد تنتمي للمسرح والسينما الحديثين، والاحتفاء الفني بالقتل هنا يجعل من الموت، بل وحتى القتل والتمثيل بالجثث، عنصرا يستحق الاحتفال. بهذا تجهد حماس لخلق البهجة الفنية في جميع مفردات العملية النضالية الجافة

سابعا: تؤمن حماس بالعدل. تؤمن بأن قضايا التحرر الوطني العادلة لابد لها من رجال لا يعرفون شيئا عن ابجديات التحرر الوطني. فحتى لا يتراكم المجد والبهاء كله في الأيدي الفلسطينية، ويحرم الآخرون، ومنهم الإسرائيليون، من ذلك المجد، فهي تسعى لأن تتكون من أولئك الرجال الذين لا يعرفون شيئا عن نيلسون مانديلا وغاندي وأمريكا اللاتينية بينما يدافعون عن قضيتهم العادلة إياها. بكلمات أخرى: لأن حماس تخجل دوما من الحقائق المطلقة، فهي تقوم بجعل قضية فلسطين أمرا أكثر نسبية، وأكثر صعوبة في الدفاع عنها مع استمرار إمساكها، أي حماس، بمقاليد الأمور. بهذا تُحطم اليقين المطلق، وهو حجر الأساس لسائر الفلسفات التقليدية، وتبدأ في تحقيق النسبية، التي تصل إلى إلقاء الشك على مدى عدالة القضية الفلسطينية، وهو ما يماثل زرع بذرة الحداثة في الفكر الفلسطيني المعاصر، الذي امتاز بطوباويته ودوجمائيته في العهد ما قبل

Friday, June 01, 2007

طريقة فاشلة لتحرير الأقصى



بدون فزلكة كتير، لكي تحرر الاقصى، سافر فورا الى اسرائيل، انزل في القدس الشرقية. دور على المسجد الاقصى واقف قدامه ودافع عنه ضد البلدوزرات، لو كان معاك سلاح دا هيبقى احسن كتير طبعا، ولو حجارة هيمشي الحال. حاجة من اتنين، يا اما تموت، ودا احتمال وارد طبعا، يا اما تنتصر على الدبابات اللي هتنسحب قدامك وتلاقي كل المواقع العسكرية الاسرائيلية في القدس اختفت وانسحبت قدام قوة الار بي جي بتاعك وبالاساس طبعا القوة الروحية اللي بيبثها الاقصى في قلبك. هنا هتكون انت انتصرت يا بطل. هترجع مصر فرحان طبعا وفخور بنفسك. فارد طولك وعامل صباعينك على شكل (في) طول الطريق. هتواجه مشكلة واحدة في مصر، هيبقى فيه ختم اسرائيلي على جوازك طبعا. بمعنى اخر. انت تطبيعي، نظرا لسفرك الى اسرائيل وموافقتك على هذا الختم بالتحديد. للاسف الشديد، برغم النجاح المضمون لهذا النوع من المقاومة في تحرير الاقصى، لاينصح به ابدا. انه نوع من الخيانة الوطنية في ذات الوقت، حتى لو كان اسمك ادوارد سعيد او اهداف سويف
وبالفعل، اكتر لحظاتنا اللي طبعنا فيها مع اسرائيل ماكانتش في التسعينيات، أبدا بالعكس، دي كانت ايام الحروب مع اسرائيل، وكنا بنطبع في نفس الوقت اللي كنا بنحارب فيه. تخيلوا لو عسكري رفض الذهاب الى الجبهة للحرب في 73 بحجة ان هناك اسرائليين وانه مابيتواجدش في مكان فيه اسرائيليين، كانت الحرب ستنتهي بهزيمة ساحقة طبعا، بس اكيد ان الجندي دا كان هيبقى اكتر اعتزازا بنفسه من اي قائد عسكري دنس عينيه برؤية الاسرائيليين لمواجهتهم، او تخيلوا لو قائد عسكري ما شال كلمة اسرائيل وحط بدالها، من منطلق وطني شديد النبل، كلمة فلسطين، على اعتبار ان مفيش حاجة اسمها اسرائيل وانما هي اصلا فلسطين، ودخلنا حرب 73 ضد فلسطين مش ضد اسرائيل، كانت هتبقى مشكلة، صح؟
الحرب هي اول مرحلة لرؤية الشخص اللي قدامك، لمواجهته وللتعامل معه، ويمكن بمعنى من المعاني، للاعتراف به. الحرب تعني بالتحديد، ان فيه جبهتين، المحور والحلفاء، اثيوبيا واريتريا، امريكا والاتحاد السوفييتي، مصر واسرائيل، مش كيان حقيقي وكيان مزعوم. دي هي مشكلتها الاساسية، الرعب الرهيب الكامن في وجودها. حد ممكن يحل المشكلة دي؟
انا شايف ان الحل الوحيد، للحفاظ على مسلماتنا الوطنية والقومية، اللي هي فعلا جديرة بالحفاظ عليها، هو ان نتوقف فعلا، ومنذ هذه اللحظة، عن مواجهة أعدائنا، وكل حي ف حاله، لانه كيف نواجه شخصا غير موجود اصلا؟

Friday, May 25, 2007

الكذبة اللبنانية



في نهاية الامر، وبعد انتهاء كل شيء، أي، بعد ما التاريخ يقعد ويقول كلمته ويدي درجات لكل شعب من الشعوب، هتبقى العشرة على عشرة في النهاية من نصيب الشعب اللبناني. التاريخ هيبقى زهقان. هيكتب جملة مختصرة جنب العشرة على عشرة: لم يفعلوا اي شيء
طبعا تعليق التاريخ مختصر، اما الاجابة المطولة فهي: لم يفعلوا اي شيء سيء، لانهم مجرد اختراع، أو افتكاسة، أو، إذا شئتم، كذبة عظيمة. خلونا نفتكر ان لبنان، او بالاحرى، الشعب اللبناني، ماكانش له اي دور في الصراع الاخير بين الجيش اللبناني وبين حركة فتح الاسلام، اللي هي فلسطينية، او اردنية، أما الجيش اللبناني فهو بيخدم مصالح اسرائيلية طبعا، لانه بيحارب الفلسطينيين، يعني لا داعي للتشكيك في اسرائيليته يا إخواني في الله. السذج بس هم اللي فاكرين ان الضرب دا حصل في لبنان
من ايام الحرب الاهلية في لبنان الفلسطينيين مظهروش هناك. في الفترة ما بين الحرب ولغاية الضرب دا، كان فيه ناس تانيين موجودين في لبنان: ايرانيين وسوريين واسرائيليين وفرنسيين وامريكان بالاساس. طبعا لا نعدم برضه وجود ناس تعتقد ان الحرب الاخيرة دي حصلت في لبنان، سوري يا جناتل، كلنا عارفين ان الحرب كانت في الاساس بين سوريا واسرائيل على ارض لبنان المقدسة، او، اذا حبينا نشم هوا في حتة ابعد شوية، فهي كانت حرب بين امريكا وايران، أما لبنان المسكين، لبنان الطيب، فهو مسكين وهو طيب، بالبداهة يعني. يعني باختصار هو غير موجود. حتى في المظاهرات المليونية اللي كانت بتطلع بين حزب الله وبين اربعتاشر اذار، ماكانش للبنانيين علاقة بيها، حتى وان كانت المظاهرات دي، حسب تقديرات الفضائيات، ضمت اكتر من اتنين مليون لبناني، يعني اكتر من نص الشعب اللبناني نفسه، كلنا عارفين انها كانت عبارة عن عملية تطليع لسان بين سوريا، اللي عاوزة جيشها في لبنان، وفرنسا، اللي مش عاوزة جيش سوريا في لبنان. كيد للعوازل، قرش ملحة متبادل، هذا هو المصطلح الاكثر دقة للتدخلات الخارجية على ارض لبنان وترابه الطاهر، النظيف، الشريف والعفيف
بعد كل دا من حقنا نسأل طبعا: هو الشعب اللبناني بيشتغل ايه؟ الاجابة يا حضرات: الشعب اللبناني مش فاضي يشتغل. بيذاكر. بيجتهد، علشان في النهاية يطلع الاول في امتحان التاريخ، بصفته الشعب الاول الذي لم يفعل اي شيء في حياته


لمزيد من المعلومات يرجى مراجعة الرفيق زياد رحباني في هذا الشأن

Thursday, March 15, 2007

شكرا درويش. شكرا حبيبي

هذا وقد صرح شاعر فلسطين الكبير محمود درويش بأن أحداث العنف الأخيرة في غزة بين حركتي فتح وحماس هي اعتداء على معنى فلسطين وماهية الروح الفلسطينية، ومن جهتنا نحن فقد احتسبنا عند الله عز وجل معنى فلسطين، ومعه الروح الفلسطينية، الذين وقعا ضحية الاعتداء الأثيم لفتح وحماس على بعضهما البعض، في نفس الوقت أو بالتزامن أو في الأعقاب بثوان معدودة

كما طرح درويش، على الضمير العالمي والعربي والمحلي والشرق الأوسطي والبحر متوسطي، مشكلة لوجستية خطيرة، إذ قال إن ما حدث في غزة جرحه كثيراً وأنه مرتبك، وتساءل عن التسمية الأجدر بقتلى الجانبي، جانب فتح وجانب حماس، قائلا: هل نسميهم شهداء أم ضحايا؟

وفي محاولة للاستجابة إلى سؤاله صرح مصدر مسئول بأنه يثمن غاليا اهتمام درويش اللغوي بالمسألة. وأن هذا الاهتمام اللغوي إنما هو متسق مع أجزاء مهمة وحاسمة في مسيرة الشاعر الكبير حول فيها فلسطين إلى معنى كبير بدلا من أن يهتم، كما يفعل السياسيون الحمقى، بالبشر المبتذلين. شكر المصدر المسئول درويش وأضاف أن الأخير كان يلمح إلى أن حل الصراع الدائر إنما يكمن على صفحات مختار الصحاح، وليس في أروقة الأمم المتحدة ولا مكاتب السلطتين، الفتحاوية والحمساوية. وأضاف المصدر: "هذه قراءة جديدة للصراع، شكرا درويش. شكرا حبيبي". وقد لاقت هذه اللفتة العاطفية الأخيرة اهتمام المصورين إذ رافقتها دمعة متحجرة في أعين المصدر المسئول، ونحن بدورنا نشكر مصدرنا على مثل هذه اللفتات الطيبة التي تضفي معان إنسانية رفيعة على الحوار


هذا وطالب درويش في نفس التصريحات بضرورة "عدم التأريخ لهذه المرحلة التي يجب أن ننساها.. وألا نؤرخ لها لأنها نقطة عار في تاريخ فلسطين والحياة الفلسطينية

هنا لم يستطع المصدر الكبير، إلا أن يتهدج صوته وهو يضيف أن درويش عنى دوما بالحفاظ على، وتسجيل، والتأريخ ل، واسترجاع اللحظات المجيدة في حياة الشعب الفلسطيني، لأنها هي معنى فلسطين، وأن عنايته هذه يتم التعبير عنها باستبعاد اللحظات غير المجيدة، لأنها اعتداء على معنى فلسطين، وقال أن معنى فلسطين، كما يبينه كلام درويش، هو مواجهة إسرائيل. حيث الفلسطينيون لا يأكلون ولا يشربون ولا يتقاتلون مع بعضهم البعض، وإنما يقاومون إسرائيل فقط، وحسب، وليس إلا. وأن هذا هو المعنى الوحيد لفلسطين، وأنه لو ظهر معنى آخر، أي معنى، لوجب استبعاده وعدم التأريخ له. وأضاف المصدر وهو ينهي تصريحه الصحفي مبتسما أمام كاميرات التصوير أن الشعراء دائما هم من يعبرون عن معنى أمتهم

Thursday, December 07, 2006

معارضو الشارع


نفترض ان مثلا، بني ادم، مثقف ووطني، قرر يبقى معارض لانه فجع لما سمع عن أحداث عصابة اولاد الشوارع. وشاف ان لهذا دلالات رهيبة على مصير مصر، مصر، مصر، التلات احرف الساكنة اللي شاحنة ضجيج. طبعا مش لازم انه كان ساعتها بيتفرج ف التليفزيون على صورة النيل جنب النيل هيلتون و فلاحات لطاف وموظف مبتسم ف وش العميل
المعارض ابو ضمير صاحي قرر إنه يبقى ضد الحكومة بقوة، لانها ازاي تسمح بوجود اطفال الشوارع، و ازاي يتم تلويث الشارع المصري لهذه الدرجة المشينة، وطبعا زي ما هو معروف: خوفه الاساسي على الروح المصرية اللي بدأت تنتشر فيها امراض خطيرة ورهيبة، الشذوذ و التشرد و البلطجة والعيال اللي مخبية امواس تحت لسانها. صاحبنا مهتم بالروحانيات زي اي شخص مثقف
هو عاوز يلغي ظاهرة اولاد الشوارع باي طريقة، و اي طريقة ممكن تبقى اي طريقة، يعني زي ما هو عاوز يلغي التسول والنشل و البيع على الارصفة، بطريقة اي طريقة برضه. من المنطلق دا ممكن مثلا يكون عتبان على الحكومة لانها مش بتلم كل الحاجات دي في اوتوبيس و تفجره مثلا. وممكن يكون فكر ان لو فيه عيال بتنط على بعضها ف الشارع يبقى من مصلحة الظباط ان العيال دول يفضلوا عايشين علشان الظباط الغلابة كمان يستمتعوا، وبالتالي من مصلحته هو، كمعارض، ان العيال دول يموتوا، ومن هنا تفتق ذهنه ان اعدام العيال دول او حتى حرقهم هو انسب وسيلة ل، واحد: تطهير المجتمع. اتنين: الانتقام منهم لانهم زرعوا الخوف في نفوس اطفاله الابرياء وهو ماشي معاهم بالليل، اخينا بيحب ولاده طبعا زي اي أب مصري. تلاتة: حرمان الضباط والعساكر اللي يا عيني مش هيلاقوا حد يتسلوا بيه في الزنازين القفر اللي هما فيها. يعني هو اعلى درجات من اي معارض عادي. دا كمان ضد الشرطة، مش الحكومة بس، و بيفكر بشكل عملي، (أي: مش بيكتفي بالتنظير) في انجح الاساليب للانتقام المشترك من الشرطة ومن اللي بيلوثوا وجه مصر الحضاري. و قعد اخيرا يرسم خريطة مصر كبلد يستحق اسمه. برافو. انا شخصيا.. أنا.. آي دو لايك إيت، انا شخصيا بهنيه
احم. بالمناسبة: الفرق الإملائي ما بين محاربة الفقر و محاربة الفقراء مش كبير. دا آء بس. والتحول ما بين الاتنين مش هيوقع اي شخص في غلط لغوي رهيب. المشكلة الوجودية بقى والمزعجة اللي مطيرة النوم من عين صاحبنا شخصيا، ان الفرق اللغوي ما بين العدل والفاشية مش بنفس البساطة، و ان الخلط بينهم هيفتح عليه نيران مصححي اللغة العربية، اللي هما كمان ليهم حاجات بيغيروا عليها ومستعدين يحاربوا علشانها

Thursday, November 23, 2006

صليب المسلمين

الحجاب عنوان حياتنا دلوقتي. الحجاب مش فرض ديني، و مش رمز ديني، الحجاب رمز الدين، رمز الإسلام. واحدة مرة بتقولي ان حجاب الست مش لازم يبقى حجاب على العقل. اضطريت اجاريها ف الكلام. هو فعلا مش شرط يبقى حجاب على العقل. كملت كلامها علشان تبرهن لي كمان ان صعب اوي على الست المسلمة انها متبلسش الحجاب: انا بنتي بيفتكروها دايما مسيحية علشان مش محجبة. هنا مقدرتش ماصرخش، كنت مرعوب على المصير الاسود لبنتها: يا خراشي. هي حصلت يفتكروها مسيحية؟
على مدار سنوات طويلة كان الحجاب بيأدي دوره السري، اللي فضل يقوم بيه على مدار السنين اللي فاتت، بخلاف دوره العلني واللي كان التأكيد على الالتزام البنت و درء الفتنة. الدور الخطير هو التمييز بين معسكري المؤمنين و الكافرين. بما إن المسيحيين ساعات مش بيبينوا الصليب، و ساعات كمان بيحاولوا ان اساميهم ما تدلش على دينهم، علشان يعملوا راسهم براس المسلمين، يبقى مفيش بد من ان احنا نميز نفسنا بسرعة، ان احنا نفرز نفسنا بسرعة و نعرف مين فينا تبع معسكر دولم و مين تبع معسكر دوكهما. هكذا يا أحباب رسول الله تدور بسرعة شديدة ماكنة الولاء و البراء
على الناحيتين كانت شغالة الماكنة. ليه الست المسيحية في الجنوب بتحط طرحة. وليه بتختفي الطرحة بس في المدن، و ف الغالب ف مدن بحري بس؟ يمكن لان موضوع الهوية بيبقى مهم كل ما ازدادت ثقافة الشخص وكل ما ازداد اقترابه من مركز الهوس اللي اتربينا فيه، القاهرة، و اقصد هنا الهوية اللي بنعبر عنها بالرموز. بما ان كل رموز حياتنا موجودة في القاهرة: الريس، الوزارات، المطار، و لكن بالتحديد الازهر والكاتدرائية. المسيحيين في الشمال بسرعة بيستجيبوا لاختبار الهوية، بيفرزوا نفسهم بسرعة، بيقرروا انهم ميتحجبوش، ان الطرحة المعتادة اوي في الريف و الصعيد هي امر غير مرغوب في القاهرة و اسكندرية، علشان نعرف من امتلأ قلبه بمحبة ربنا و مخلصنا يسوع ممن لم يمتلئ قلبه. وتزداد اتساعا مملكة البتنجان.. مملكة البتنجان اللي كانت وزارة الثقافة، و معاها الرياسة وسائر الوزارات، هما العنصر الاساسي في تنميتها طول سنوات طويلة قبل كدا
هه يا عم روقة يا شهيد الحرية يا جامد.. ياللي بتولع البلد بتصريحين تلاتة اسم الله عليك. يا بتاع الورد يا رومانتيكي يا عظيم. ياترى الست والدة حضرتك كانت بتروح الجامعة والشغل من غير حجاب من كتر حبها ف الورد و لا لان ماكانش فيه وقتها قتل على الهوية ولان الحجاب كان لسة بدري عليه اوي اوي على ما يبقى هو صليب المسلمين؟

Saturday, August 12, 2006

إسرائيل حتة منا

قرفت. قرفت بجد. عاوز اصرخ و مش عارف. انا مش عاوز اعيش في المنطقة دي. قرفت من الحروب و من الاغتيالات و من الاجتياحات. مش عاوز ابقى جزء من منطقة مسلحة و من شعب محارب. و مش عاوز ابقى جزء من ناس بيتقتلوا كل يوم. قررت الاتي: انا و شعوب الشرق الاوسط هنهاجر. اللي عاوز يحارب يفضل في المنطقة انما باقي الناس، من اسرائيل و الدول العربية و ايران و تركيا، من الاكراد و الارمن و المسيحيين و المسلمين و العرب و الامازيغ يتفضلوا معانا، مش سفينة نوح تانية، احنا مش هننقذ العالم و نطهره، احنا هننقذ نفسنا من العالم، و لا دا كمان بالمعني الديني، يعني مش هنخلص روحنا زي ما ابونا يسوع بيقول و زي ما القران الكريم بيقول، لا، احنا بس عاوزين وقت فاضي شوية علشان ناكل و نمارس الجنس، بيتهيالي دا مش كتير، موقف انهزامي ايوة بس انا قرفت بجد، موقف ضد قناعاتي طبعا بس مش عارف اعمل ايه، اسرائيل مش هتنتهي، و العرب مش هينتهوا، و الحرب مش هتنتهي، و السلام مش هيتحقق، و القتل دا اختراع ابدي، الشيء اللي فضلت اسأل عليه: اهاجر الشرق الاوسط، و معايا بقية الشعوب، و اروح فين؟ يعني اذا كانت الحرب في كل مكان، الحرب تحاصر الانسان يا اخوان، الحرب قرين الوجود يا عبموجود.. الحرب جوانا، و جوانا كلنا اسرائيل و جنوب لبنان، جوانا الحتة اللي عاوزة تطهر نفسها من الزبالة اللي حواليها و جوانا حواليها اللي بيحارب بكل قوته علشان وجوده.. اسرائيل بتبان جوانا في قتل السودانيين و التريقة عليهم عمال على بطال.. بتبان في المطالبة بتطهير القاهرة من الصعايدة و الريفيين.. بتبان في كراهية ناس بس لانهم "بيئة".. فاكرين التعبير دا؟ قل استعمال بس لسة بيواصل وجوده باشكال مختلفة.. اسرائيل هي تجنبنا اليومي لاوتوبيس زحمة علشان ريحة العرق اللي فيه و ركوب السي تي ايه.. اسرائيل مش هي الشر اللي جوانا.. إسرائيل عمرها ما كانت رمز الشر.. انما هي الرغبة في الابتعاد عن اي حاجة بتألم رهافتنا.. عن القطط اللي بتبص لنا بعيون جعانة و احنا بناكل في مطعم عام.. و ان لزم الامر.. تصفيتها.. اسرائيل بالزبط هي رغبتنا في البعد عن العالم اللي بيحارب، هي بالزبط بداية البوست دا.. هي إقامة جدار عازل، منطقة أمنية، بيينا و بين اللي حوالينا، بدل من التوسخ، بدل من اننا نترمي في حضن الناس، الناس اللي بيزعجونا بالتحديد.. بدل ما نحاول نعمل حاجة.. اي حاجة.. و لو حتى مش مجدية.. و لو حتى الهرش في شعرنا كعلامة من علامات الانهيار العصبي في الحرب الخرا دي.. و لو حتى كتابة بوستات زبالة في بلوج زبالة بس كتأكيد اننا لسة عايشين، و مش مهم بقى معنى الحياة دي

Sunday, August 06, 2006

اسئلة سخيفة


في كل المظاهرات اللي رحتها كانت اعلام لبنان ومعاها اعلام حزب الله بترتفع. كنت حذر جدا من التلويح بعلم حزب الله او بصور حسن نصر الله. مبحبهمش. في نفس الوقت، كنت عاوز ادوب في علم لبنان الجميل، شجرة الارز البديعة، طيب، عمري ماكنت مع حزب الله، كان فيه حاجات تفصلني عنه، مش فاهم اسلوبه في المقاومة، طبعا انا فاهم الرد بتاع اسرائيل ، فاهم ان دي دولة عاهرة، دولة شايفة انها مش ممكن تواصل حياتها الا بتدمير اللي حواليها، يعني رجال دين يهود بيقرروا يباركوا مدبحة قانا. ليه؟ علشان الاطفال اللي ماتوا هيبقوا ارهابيين وهيهددوا امن اسرائيل. اتفو. انما فيه اسباب كتير كمان علشان ابقى قلقان من تصرفات حزب الله وقرفان من الحرب كلها، نتخيل الوضع كالتالي، زمان كانت جيش بيحارب جيش، وتبقى خلصت القصة. دلوقتي في الحرب دي حاصلة حاجة تانية، اسرائيل بتدبح الناس العزل، اللي عايشين في بيروت وف الجنوب، الغلابة الطيبين، وحزب الله بيرد بالقصف على مدن في العمق الاسرائيلي، بيقتل مدنيين كمان، منهم عرب ويهود، يمكن مالهمش علاقة بالحرب الدايرة ويمكن هما اصلا، ولو ان دا احتمال ضعيف، ضدها. بفرح جدا لما حزب الله ينجح في قتل جنود اسرائيليين محتلين، اقتل الجندي الذي يحتلك ولا شأن لك بالمدنيين، دلوقتي بنلاقي الخراب بيندفع علشان يلتهم كل حاجة، طبعا الاصل يكمن في الهاجس الامني عند الدولة دي واللي مش ممكن يتحقق تقريبا الا اذا اختفت كل الشعوب والبلاد من حولها، يعني مش ممكن تبقى دولة امنة الا بابادة الشرق الاوسط كله. لكن مع كل دا بفضل قلقان من مقاومة حزب الله. مش هي الحاجة المثالية، مش هي نموذج حركات التحرير، مش هي فيتنام والجزاير. اقدر اصرخ بصوت عالي واقول اني ضد اسرائيل و ف نفس الوقت مش مع حزب الله . محدش يقدر يلوم الضحية، لوم الضحية دا تصرف غير اخلاقي ، زي ما ناس كتير عملوا ف اماكن كتير واتكلموا عن الطبيعية الاصولية والفاشية لحزب الله ونسيوا اصل اسرائيل اللي قايم على الفاشية لكن دا كمان مش لازم يخلينا قطيع. بيتهيالي لازم نطرح الاسئلة السخيفة والمقلقة. الاسئلة اللي بتحط كل حاجة ما بين قوسين. الاسئلة اللي تخلينا نميز بين كذا بيروت، بيروت الاصولية واللي بينتمي دلوقتي ليها حزب الله الاسلامي واللي انتمى ليه الكتائبيين المسيحيين اللي كانوا بيدبحوا في الفلسطينيين باوامر من اسرائيل في صبرا وشاتيلا "مع الفرق البشع ما بين الحالتين لصالح حزب الله طبعا"، وبيروت الشرمطة واللي بتنتمي ليه هيفا وماريا واللي هي فسحة ظريفة للخلايجة، وبيروت فيروز والرحابنة وزياد ومارسيل والمخيمات الفلسطينية وناجي العلي. بيروت السوريين والاسرائيليين والايرانيين والفلسطينيين والفرنسيين والميكس اللبناني الخليجي. القصة طويلة. مبتبتديش من هنا. اسرائيل العاهرة اللي وصفها ربنا بهذا الوصف في التوراة، اسرائيل الجيش اللي بيقتل الناس ، اسرائيل الدموية اللي بتكره كل اللي حواليها، هي كمان اسرائيل اميل حبيبي وسميح القاسم، هي اسرائيل التي يخرج منها، رغم انفها بالطبع، اناس ضد العنصرية، يشعرون دوما انهم في الجانب الخطأ من الصراع، انهم يريدون ان يكونوا على الناحية المقابلة ولكنهم لا يستطيعون. القصة معقدة. مش كدا؟ الحرب دايما بتأجل الاختلافات يا قوم. الحرب بتخلينا اغبيا