Friday, October 24, 2008

الخلطة السحرية أو القواعد العشر لشتيمة الرواية الذهنية

عزيزي الأديب والناقد الكبير:

أتيتني من أيام. هائش الشعر حزينا.. أشعلت سيجارة وشكوت لي من الرواية الذهنية الجديدة. وقتها ربت على كتفك وطلبت منك ألا تشغل بالك بها، فهي موجة وسرعان ما تنتهي، كما انتهت سابقاتها، وكما ستنتهي، إن شاء الله، لاحقاتها. وقتها أخبرتني أن الأمر صار أصعب من أن يتم السكوت عليه. وطلبت مني أن أسعفك.

وعليه، والتزاما مني بمبادئ الاحترام والمودة اللذين أكنهما لك، فإنني أمدك ببعض القواعد التي تتمكن بها من إنهاء أي أثر للرواية الذهنية في مصر والعالم العربي، وأنت جالس في مكانك، تحرك الأشخاص من مقعدك الثابت بالجريون:

أولا: قاعدة "ليكو راجل يترد عليه":

هاجم كونديرا. كونديرا هو أساس الرواية الذهنية وهو من لعب في عقول أولادنا حتى يمشيهم في سكة الغلط. كونديرا كان عميلا للغرب كما تعلم، وهو يهاجم الاتحاد السوفييتي بأوامر من الغرب. لا تلتفت لما أثير مؤخرا عن عمالة كونديرا للروس. هي مجرد أقوال تهدف للتشويش على الحقيقة الخالدة: وهي أن كونديرا كان، ولا زال، وسيظل، عميلا للغرب الذي هو ضد مصالحنا العربية، والرواية الذهنية التي كتبها، والتي يكتبها الأطفال هنا أيضا، تصب في نفس الهدف. أقول لك؟ سب الدين لكونديرا.

ثانيا، قاعدة "إحم، أنا آسف جدا، لكن مضطر اقول إن زبي ماوقفش":

من المهم بالنسبة لشخص قاسى الكثير في حياته مثلك أن يستمتع بانتصاب قضيبه بين الحين والآخر. الرواية الذهنية كما تعرف هي رواية ذهنية، وهذا يعني أنها لا تهتم بالجنس، وإذا اهتمت به فهذا سيكون لصالح أغراضها الذهنية البغيضة، وأنت إنسان يا باشا، وتحتاج لمن يثبت لك أنه لازال فيك الرمق، على صعوبة هذه المهمة، فأنت سنك كبير، وربما يحتاج الروائي لبعض الجهد حتى يجعلك تستمتع بالانتصاب اللذيذ إياه تحت بنطلونك. هذه النصيحة معقدة، لأنك عندما تلتفت إلى الرواية الحديثة بشكل عام، غير الذهنية، سيلزمك أن تهاجم الجنس فيها، ليس بوصفه جنسا طبعا –فأهلك لم يربوك على هذه الأباحة – ولكن بوصفه غير مبرر دراميا ولا فنيا، بوصفه (وهي كلمة أنت تحبها) "مجانيا". من المهم جدا التمييز بين قرفك من غياب الجنس وقرفك من وجوده، أي، من المهم جدا التمييز بين الرواية الذهنية وغير الذهنية.

ثالثا، قاعدة "أهمية اللحمة في المسرحية":

شوف. الروائيون الذهنيون غالبا ما لا تكون شخصياتهم من لحم ودم. وأنت تموت في اللحم والدم. هاجم الرواية الذهنية لأن كاتبها غير معني بأن "تصدقه" أو تصدق شخصياته. يعني بطل الرواية قد يرتكب عملا جنونيا مفاجئاً، مثل ارتكاب جرائم قتل متتابعة ضد أفراد من عائلة البستاني مثلا، لأن بطرس، جدها الأكبر، ترجم بشكل خاطئ إحدى جمل سفر التكوين. سيكون مجديا هنا أن تسأل الروائي عن مصدر السلاح الذي حصل عليه بطله، ومن أين توفر له المال لهذا وهو مجرد مدرس ابتدائي (جرس الإنذار يدق في عقلك: الروائي لم يذكر هذه التفصيلة لأنه يريد تجنب الحديث عن مشاكل العاملين بوزارة التربية والتعليم)، وسيكون مهما أن تسأله لماذا لم يتم اكتشاف جرائم البطل المتتالية من جانب أي أمين شرطة يمر في الشارع (هل أراد الروائي القفز على تفصيلات تتعلق بالتعذيب داخل أقسام الشرطة؟ هل يقبض الروائي مرتبه من وزارة الداخلية؟ هذا سؤال مشروع طبعا).

رابعا، قاعدة "إديله القاضية، في الحتة الفاضية":

الجهل السياسي للروائيين الذهنيين يستفزك. غير معقول مثلا أن يتحدث واحد منهم عن كرسي الاعتراف في القرن التاسع عشر بينما هو لم يستمتع بالجلوس مع عم إبراهيم منصور أو وهو لما يشوف كمال خليل لا يسلم عليه وبهذا يكشف عن كونه عبيطا بشكل لا يمكن السكوت عليه (أم أن هذا ليس عبطا، وأنه استعباط. بكلمات أخرى: هل الروائي الذهني موجه في هذا)!؟ وارتباطا بالملاحظة السابقة: لا يمكنك أن تهاجم الروائي الذهني لأنه عميل، فهو مازال طفلا ومش من دورك حتى تتعافى عليه، ولكن عليك أن تلمح دوما إلى أن روايته التي يكتبها هي تلك بالضبط التي يروجها السي أي إيه، ولا تنس في هذا الصدد معلومة أن نصف ميزانية البنتاجون تذهب لتمويل الرواية الذهنية في مصر. ابعد هنا عن ساراماجو شوية، فهو لن يفيدك، الرجل يساري عتيد حتى مع كونه يكتب رواية ذهنية. شوف: إعمل نفسك ما تعرفوش، ولو شفته ماتسلمش عليه، وبهذا تنتقم لكمال خليل في نفس الوقت.

خامسا، قاعدة "شايفك يا حرامي":

الرواية الذهنية – بطبيعة كونها كذلك – هي رواية مسروقة. وهي بنت التقاليد والثقافية الغربية وليست بنت عاداتنا وتقاليدنا، التي جاءت رواية جيلك أنت فقط لتؤكدها. وإذا كانت الرواية الذهنية مسروقة من الرواية الغربية، فالأجدى أن نقرأ الرواية الغربية نفسها، مش كدا؟ هنا ستضطر لتهدئة المسائل مع كونديرا، هو راجل طيب على كل حال، وهو كاتب كبير على كل حال، وهو المسروق منه على كل حال. والمشكلة فقط فيمن يسرقونه هنا. فتش عن تليفون ناشره. حذره من اللصوص المصريين لكتبه. قل له أن حالة السرقة واضحة: فهو، أي كونديرا، يفكر، والروائي الذهني، أيضاً، يفكر. أرسل تحذيرك في مسج للناشر. واجلس في بيتك منتظرا رد الفعل.

سادسا، قاعدة "أهم حاجة الشباك":

أنت حبيب الشعب. ولقد عملت، وتعمل، وسوف تعمل، من أجل عيون الشعب الطيبين. الرواية الذهنية هي رواية بلا شعبية، وهي صعبة على الشعب، وهي تسهم في تعميق الفجوة بين الأدب والشعب – وهي الفجوة التي قام جهدك كله، عبثا، على هدمها. وإذا حدث وصار لرواية ذهنية ما شعبية، فهذا لا يعني أنها اقتربت من الشعب، سيخدمك هنا أن تتشنج قليلا، وتقول إن الشعب الحقيقي لا يفهم هذه الألغاز، (وتناس قليلا أن الشعب الحقيقي لم يفهم أعمالك أنت أيضا، حتى على الرغم من كونها ليست ألغازا). أنت مخلص لتاريخك بالمناسبة، والذي قام كله على أن تطالب للشعب بالأشياء التي لا يريدها الشعب، أو حتى التي يكرهها الشعب.

سابعا، قاعدة "أنا لو وقعت أسامي كبيرة أوي هتقع معايا":

وسع رقعة المعركة.. الحرب لا تدور رحاها في القاهرة فقط، والحل ليس لبنانيا لبنانيا، كما تعرف. ورط جميع دول العالم في ما يحدث. أمام كافكا وبورخس وكونديرا وصمويل بيكيت وآلان روب جرييه، لا تمل من ترداد أسماء أخرى بعينها، لكي توقف الأسماء المذكورة عند حدها. ردد أسماء مثل تولستوي وتشيكوف وهيمنجواي، وفي حالة كونك ناقدا أريبا فاضرب بدوستويفسكي الجميع، ومن الذي لا يحب دوستويفسكي!؟ وعرضا، بجانب هذه الأسماء، اذكر محفوظا. محفوظ كاتب عالمي ولا حرج إن استعملته في حرب الكواكب التي تديرها من أتيليه القاهرة. السن مهم في هذه الحالة، فكونديرا وبول أوستر مثلا هم عيال، على الرغم من أنهما قد يكونان أكبر منك سنا، وكونهما عيالا يجعل لك كلمة عليهما. ومن المؤسف، بهذه المناسبة، أنك لا تستطيع اعتبار كافكا عيلا، على الرغم من أنه مات عيلا فعلا. قلبي عندك.

ثامنا، قاعدة "اللهم اهلك الظالمين بالظالمين":

أنت بالطبع، كما يليق باي شخص يعمل بالثقافة، تحقد على علاء الأسواني. هذا حقك الطبيعي، ولا جدال في مشروعيته. ولكن سوري، علاء الأسواني لا يمثل خطرا، أما الرواية الذهنية فهي تمثل خطرا. هكذا ستحسب جيدا انتماءاتك ومصالحك وتقرر أن تضرب نموذج الرواية الذهنية بنموذج علاء الأسواني، وتعلن أمام حشد من الروائيين الذهنيين أن الأسواني عاد للشعب فأحبه الشعب. اللعبة معقدة. ستبرق عيون الروائيين الذهنيين حقدا، سينصرف بعضهم إلى كتابة الرواية الأسوانية والتخلي عن الرواية الذهنية، وسينصرف البعض الآخر إلى محاولة تشويه وتحطيم صورة علاء الأسواني. وفي الحالتين أنت الكسبان، بنظرة البراءة في عينيك والتي أتمنى أن تلازمك في الأيام الصعبة القادمة.

تاسعا: قاعدة "اعترافات ليلية":

هناك بعض الوصمات في تاريخك. فأنت بدأت عملك معادياً للجمهور. وأنت بدأت عملك بما تصورته وقتها تجريبا. وأنت بدأت عملك رافعا لشعار "لا للحدوتة"، أي أن عملك من البداية كانت له بعض مواصفات الرواية الذهنية، إذا وسعنا المصطلح شوية بسيطة. ما الذي تفعله في هذه الحالة؟ حسنا. تبرأ من تاريخك الأسود. ولكن تبرأ بحب، بروعة، بإشراق. ابتسم بحنين: "ياااااه. كم كنا سذجا. كم كنا ثوريين". هذا الحنين والتعاطف مع الماضي الأسود ليس أبديا. هو ينقلب إلى ثورة عنيفة ضد من يتصورون أنهم يكتبون تجريبا اليوم. الخطأ من حقك أنت وحدك. استخدم سحر الشيخوخة في هذا. وعلى قدر مهارتك، والأهم: على قدر سنك، سيتعاطف من أمامك معك.

عاشرا، قاعدة "فعلا، هو حلال علينا حرام على غيرنا":

متصلة بما سبقها. الذهنية ليست غلطا في المجمل. لاحظ أنك قطعت السرد كثيرا في رواياتك، لتكتب عن سحر الاشتراكية، وعن ثورتك ضد عبد الناصر وحبك له في نفس الوقت، وعن السد العالي وعن انقلاب السادات على ناصر. راجع جميع رواياتك وروايات زملائك، إعمل جردا بالمواضيع التي أوقفتَ السرد عندها وكتبت تأملات مجردة. وهي مواضيع كثيرة، لسوء حظك، لا تبدأ بحريق القاهرة ولا تنتهي عند حروب الخليج. المهم. أصدر أنت وزملاؤك مانيفستو جديدا يشرح أن هذه المواضيع فقط هي التي يمكن التوقف عندها وكتابة فقرات ذهنية، (ومن المهم جدا أن يكون الموقف السياسي للكاتب واضحا في هذه الفقرات، وأن يكون متسقا، ومتطابقا، مع الموقف العام للمثقفين المصريين)، وعندئذ فلن تسمى تلك الكتابة "كتابة ذهنية"، بل ربما يطلق عليها في المانيفستو: "سردا تأمليا رائقا لأوضاع الوطن"، وهو وصف أظرف وأشيك بكثير، كما تلاحظ، من بديله المرعب "كتابة ذهنية."

Friday, October 17, 2008

لقاء السحاب: في تعريف مصر والمصريين

"عام 92. قهوة شعبية في شبرا، رمز مصر العنيد. أوسؤس وطفطف قاعدين مع بعض. يشيشان ويتبادلان الكلام حول فيلمهما القادم والسابق"

أوسؤس سرحان. يفكر في معضلة كبيرة. وجهه مهموم:

"ولا يا طفطف. فاكر من تلات سنين؟"

(ابتسامة حنين) "ودي حاجة تتنسى يا أوسؤس؟ (يستدرك) بس ايه اللي فكرك بالموضوع دا دلوقتي."

"امبارح قعدت افكر مع نفسي.. طلع إننا كنا غلطانين يا أبو الطفاطيف. وغلط كبير كمان."

"ازاي بس؟"

"احنا اتكلمنا عن الوطن، عن الجيش والعساكر ، الظاهر إنه ماكانش لازم نتكلم عليهم، المشكلة أكبر منهم بكتير، احنا كدا زيفنا وعي الجماهير اللي دخلت فيلمنا."

"ليه يا جدع؟ احنا مجتمع مهزوم ولازم نتكلم عن الهزيمة ونعرف مين اللي هزمنا. مش هو فرج الاكتع اللي هزمنا؟ مش هو اللي هزم حسن ونعيمة وسرق مرتبات العساكر وهما بيحاربوا؟"

(لحظات صمت. لا صوت سوى كركرة ماء الشيشة ولا حركة سوى حركة الدخان الطالع بقوة من أنفيهما وفميهما)

"ماتزعلش مني يا طفطف. احنا بنفكر مع بعض. أنا بفكر ان الاسرة المصرية هي اللي اتهزمت أول حاجة ف البلد دي، مش الجيش والعساكر، المجتمع انهار لما الأسرة انهارت."

(طفطف يفكر. يعاني مشكلة في التفكير) "طب فهمني. دي فكرة صعبة أوي."

"افهمك. انا ابني امبارح اشترى له قميص بخمسين جنيه. طيب. افرض انا كاتب كبير وبكتب مسلسل ميت حلقة في شهرين. بس يعمل إيه رب الأسرة المصرية. فهمني؟ هو حتة موظف غلبان."

(يبدأ في التقاط الخيط) "مافيش غير إنه يرتشي طبعا."

"طب وافرض إنه شريف."

"يبقى يرفض الرشوة لحد آخر لحظة (تبرق عيناه بفرح جنوني) فهمتك يا أوسؤس يا جامد. فيلم جديد. رب الأسرة المصرية اللي هو موظف غلبان لكن ابن بلد وجدع، يرفض الرشوة لحد آخر لحظة، يقوم رجال الأعمال المجرمين حاطينله حتة حشيش ف بيته علشان يأدبوه. وف المحكمة ييجي وفد من المحامين العرب يتضامن معاه. الله عليك يا كبير."

(أوسؤس لا يشارك طفطف فرحته الجنونية. ملامحه هادئة ومستسلمة وحزينة) "ياريت دا كان الواقع يا طفطف. الواقع إن الأسرة المصرية مهزومة في أخلاقها. مهزومة في مبادئها. مهزومة في شرفها."

(دقيقتان من الصمت حدادا على شرف الأسرة المصرية. طفطف مازال محتارا. حتى وهو عامل نفسه متأثر)

القسوة

طفطف:

"طيب يا أوسؤس. إيه الحل. إزاي الموظف هيجيب لابنه قميص بخمسين جنيه؟"

"أنا لما كنت بقول إن الأسرة المصرية اتدمرت أنا ماكنتش ببالغ يا طفطف. أنا كنت اقصد كل حرف قلته. الواحد دلوقتي بقى يسمع عن بانجو وهيروين ومخدرات وبنات بترقص مع الشباب وحاجة تغم. جيل يقرف والله يا طفطف. (صمت) أنا شايف الحل الوحيد اللي بيبقى قدام أي بيت من الطبقة المتوسطة إن الولد يدمن المخدرات. والبنت تبيع جسمها في الأوتيلات أم خمس نجوم."

(يتهدج صوته) "لكن دا حل قاسي أوي."

"مش أقسى من الواقع صدقني."

(بعنف. بثورة. بعيون دامعة) "لأ. أقسى. انهزامي. وسوداوي. ومش ثوري."

(الناس في القهوة ينظرون ثم يعودون إلى مصالحهم. طفطف يشعر بالخذلان عندما لا يجد هناك أي رد فعل على وجه أوسؤس الذي يواصل الاكتئاب: مهنته النبيلة)

"إحنا سممنا أفكار جيلنا بالحلول الثورية. الواقع دلوقتي بقى يتجاوز كل خيال يا طفطف."

(شحنة الاكتئاب تنتقل إلى طفطف) "طيب والحل؟"

"مفيش حل. احنا مش لازم نزوق الواقع. مش دا مبدئك لما رفضت تشارك في أفلام المقاولات اللي بتزيف الحقيقة وبتشوه الوعي؟"

(طفطف ينظر له بامتنان وبنوع من العرفان لأنه حافظ تاريخه المشرف. ثم يسرح بعيدا. فجأة ينتبه) "يبقى الأب موظف. متهم بالرشوة. الأب مرتشي. الابن مدمن. البنت شرموطة. ثلاثي هايل لفيلم. للأسف معاك حق، (وبحزن وبنبرة اعتراف) واضح إن هي دي الأسرة المصرية دلوقتي."

(ينظر لـطفطف.. لأول مرة يتسلل الحماس إلى صوته) "خلي بالك يا طفطف. الأب مش مرتشي. الأب دا من جيلنا. يعني راجل طيب ومؤمن بالمبادئ. ماينفعش يبقى مرتشي."

مراجعة النفس

طفطف:

(يسرح بعينيه بعيدا. في الماضي السحيق. فلاش باك. صور لجنازة عبد الناصر. صور لزيارة السادات للقدس) "لكن جيلنا مش بريء. جيلنا شاف الغلط وماتكلمش."

"يبقى جيل معرص يا كبير. لكن مش هو اللي باع نفسه. هو شاف البلد بتبيع نفسها وسكت."

(طفطف يكتب بأصابعه في الهواء كأنه يكتب مانشيت صحفي) "الأب يشعر أن ابنته شرموطة ولا يتكلم لأنه يحتاج للفلوس. الابن مدمن مخدرات."

(يشاركه أوسؤس في الكتابة على الهواء) "الأب متهم بقضية رشوة، أو قضية سرقة، ولكن الحقيقة أن الابن هو الذي سرق، والأب الطيب – ابن جيلنا المحترم – هو الذي بيلبس."

(ينظران لبعضهما. نظرات طويلة ومعبرة. لقد استطاعا الوصول إلى صيغة مناسبة لفيلمها القادم، واقعية وتضع أصابعها على الجرح الحقيقي الحاصل في نسيج المجتمع المصري. لحظات صمت مشحونة بالعواطف. بعدها:

"تعرف يا طفطف. أنا واحد صاحبي لسة جاي من البلد الاسبوع دا. اخر مرة جا فيها القاهرة كانت من عشر سنين. هو نفسه لاحظ التغير اللي حصل ف اخلاق الاسرة المصرية."

(طفطف يفكر. هناك سؤال يحرقه ولكنه لا يجرؤ على توجيهه. في النهاية يتغلب على تردده) "وهو الأسرة اللي عنده ف البلد مش أسرة مصرية ولا إيه.. يا أستاذنا؟"

(يضحك بشدة حتى يسقط لي الشيشة من يده) "لا لا لا. انت فكرك راح فين؟ انا لما باقول الاسرة المصرية يعني الاسرة اللي قاعدة ف مصر، القاهرة يعني. هي دي الاسرة اللي اتغيرت. مش اي اسرة تانية خلي بالك."

منذ 86، مياه كثيرة جرت

طفطف:

(يردد عدة عبارات يتذكرها كلما جت سيرة الأسرة المصرية القاهرية) "أسرة مصرية. طبقة متوسطة. موظفين. ناس غلابة، لكن مستورين. بطالة. مبادئ. جامعة. مظاهرات. شباب مش عارفة تتجوز. بنات مش محجبين بس محترمين. الاسرة المصرية: الاب والأم بيتفرجوا على الشيخ شعراوي ف البيت. الشاب بيكره الشيخ شعراوي لانه مش بيحل له مشاكله."

(أوسؤس ينظر له بتشجيع) "يبقى انت فهمتني دلوقتي يا طفطف. فين أيام الحب فوق هضبة الهرم. فين أيام ستة وتمانين دلوقتي. احنا بقينا اتنين وتسعين. الاسرة المصرية اتغيرت كتيير."

"ومين اللي هيلاحظ دا، مين المعادل الموضوعي لصاحبك اللي جاي من البلد؟"

"الولد، اللي هو كان ابن الاسرة المصرية قبل ما تتغير. الولد الشاطر اللي بيروح يدرس برة وعاوز ييجي يغير مجتمعه، فيفوجئ بهزيمة الأسرة المصرية."

(بنظرة تأنيب خفيفة ولكن معبرة) "عاوز يغير مجتمعه ولا يرجعّه للأصله.. يا صاحبي؟"

(بنظرة خجل وندم وعرفان) "معاك حق ف دي.. يرجعه لأصله ياكبير."

جه وقتك يا تفاصيل

طفطف:

"الولد دا يبقى نور الشريف. انا بحب الولد دا موت، كل ما اشوفه والله بافتكر الاسرة المصرية المتوسطة."

(يجرب نطق بعض الكلمات على لسانه) "ثناء. سناء. وفاء. آلاء. علاء. ولاء. (ثم يلتفت لطفطف) الأخ الكبير. اللي سافر ونجح هو سناء. دكتور سناء. واخته ولاء واخوه علاء. الأب اللي اتهم بالسرقة يطلع براءة، عشان هو راجل شريف. والابن المدمن الحرامي يدخل السجن والدولة ترجع لها هيبتها. والبنت اللي بتبيع شرفها تنتحر وتخلص الأسرة المصرية الطيبة من عارها."

(لحظات صمت. بعدها يهتفان سويا بصوت عال وهما يخبطان أكفهما في بعض) "هو دا الكلام. هي دي اللحظة الثورية."

(يواصلان النظر لبعضهما بمحبة وامتنان للقدر الذي جمعهما مع بعض. في النهاية يضع كل منهما يده في يد زميله وهو يردد: على بركة الله. نسمع صوت سورة الفاتحة يتمتمان بها ممزوجة بزغاريد من الجمهور، رواد القهوة الطيبين)

***

*****

*******

وهكذا كانت ولادة فيلم "دماء على الأسفلت"، قوية، مبهرة، وملأى بالدلالات والمفاجآت.

Saturday, October 11, 2008

نائل يحب التدوين

نائل يحب التدوين، والمدونات، والمدونين، وهو يرى أن المدونات سوف تعمل نقلة جامدة في تاريخ مصر.

نائل يصحى الصبح فيبحث في كل المدونات الجديدة، ويضيف أصحابها على المسنجر، وبهذا يتمكن من صنع شبكة علاقات اجتماعية كبيرة لا تخرج عن المدونين، وعندما يقابل شخصا جديدا على البورصة يبادر بسؤاله هل أنت مدون فإذا كان مدونا سيجمعهما الكثير جدا مما يمكن الحديث عنه وهو – بإذن الله – أكبر مما يفرقهما، وإن لم يكن مدونا يسأله نائل لماذا ويظل يتحدث طيلة القعدة عن التدوين حتى يقتنع صاحبه بأن التدوين حاجة عظيمة فيقرر إنشاء مدونة، وعندئذ لا يكون نائل قد جلس معه هباء، فالأخ مدون باعتبار ما سيكون.

نائل يدور على جميع الناشرين فيقنعهم بأهمية التدوين، ويحدثهم عن نماذج دار الشروق كثيرا، حتى يقرر الناشرون نشر كتب للمدونات، وحينها يبتسم نائل راضيا، لأنه فاز بكون المدونات أخيرا سترى النور وسيعرض للنور هذا العالم السحري المتمثل في تلك الكلمة السحرية –مدونة، بخمسة أحرف أفقية التكوين لي: ميم المتيم والميتم والمتمم ما مضى، إلخ إلخ – ولأنه بهذا استطاع تقديم خدمة لإخوانه المدونين، وبهذا فقد استحق لقب عمو نائل، وقد ناله بالعرق أخيرا وليس لأن أخاه اجتهد فخلف ولدين.

نائل يرى التدوين ملة واحدة، والمدونون جميعا إخوة وشعبه الحبيب، وهم جسد واحد إذا شكا منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، ولذا فجزء كبير من وقته يضيع في كتابة البيانات دفاعا عن مدون أو مدونة، أو هجوما على محام رفع قضية على مدون أو مدونة، وهو لا يفعل هذا مع الصحفيين، ولا مع الإعلاميين، ولا مع الكتاب، لأن التدوين نقلة جامدة في تاريخ الصحافة والكتابة، ونائل لا يدافع إلا عن أصحاب النقلة الجامدة، ولا يحب غيرهم، أو على الأقل، هو غير متحمس لهم، أو غير مهتم.

نائل مشغول هذه الأيام بمحاولة إقامة تجمع لمدوني العالم، أفريقيا وأسيا وأوروبا وأمريكا الجنوبية والشمالية وأستراليا، وهو لا يعرف كيف يصل إليهم، ولكه يؤمن أن أي شيء يبدأ صغيرا ثم يكبر، ولذلك بدأ في الفيسبوك بإقامة جروب لمدوني الشرقية، وهو ينتظر رد الفعل على هذا الجروب، حيث سيكون خطوة جيدة لتعريف مدوني فلوريدا بمدوني ديرب نجم، ثم سيكون خطوة لكي يقيم مدونو فلوريدا جروبا باسمهم على الفيسبوك يكون هو الأدمن بتاعه. وبالتالي سيتمكن نائل من تنفيذ حلمه القديم، وهو صالون أسبوعي لكل المدونين في كل الدنيا، حيث يقعدون على قهوة البورصة، ويتحدثون عن شئون التدوين والمدونات، ولإصراره على تنفيذ هذا الحلم فإن كل المدونين يحبوه ويعتبروه أبوهم الروحي، وهو يتكلم على طول باسمهم، لأنهم عمرهم ما هيكسفوه ويقولوا له لا تتكلم باسمنا.

نائل في كل الندوات والمؤتمرات التي يحضرها دائما ما يواجه الضيف والمحاضرين بسؤال واحد وهو عن علاقتهم بالمدونات وهل يتابعون ما يحدث في عالم التدوين أم لا، وإذا أجابوا بالنفي يعود إلى البيت على الفور ويكتب تدوينة عنهم، تكون ساخرة وحادة وقوية ولا تهادن. ولهذا فهو يتعرض هذه الأيام لحرب شرسة. فلقد حاول الدخول مرة على مدونته ولكن النور قطع، وعندما عاود المحاولة في المساء كان النت واقع. ولقد أصدر نائل بيانا يرجع فيه هذه الحرب إلى محاولته الدؤوبة والمستميتة للدفاع عن المدونين، ولمواقفه الصلبة ضد أعداء التدوين ولمحاولته جعل التدوين قلعة صلبة لكل الشرفاء الراغبين في الحرية والمؤمنين بها. وهو عندما يحدث أحدا من الصحفيين عن هذه المحاولات لقمعه لا يبدأ الكلام بذكر اسمه. هو لا يقول مثلا "نائل يتعرض للقمع"، وإنما "المدونون يتعرضون للقمع". وهكذا ينشر الخبر في الصحافة المصرية. أما الصحفيون الأجانب فيبدأ نائل كلامه معهم عن نفسه بالقول "المدونون المصريون يتعرضون للقمع"، لأن مواقف نائل أبدا لم تكن شخصية أو ذاتية، ولهذا يحترمه جميع المدونين.

نائل يمشي هذه الأيام شريدا هائما عصبيا ويصرخ بعلو صوته في الشارع أن الفيسبوك لم يأخذ الناس من المدونات، بنفس العصبية التي كان يصرخ بها قبل أشهر بأن التدوين أجمل من الصحافة، برغم أن أحدا لم يسأله في الحالتين، أو أنه أحيانا ما يُسئل، وأحيانا ما لا يُسئل، ولكنه في الحالتين يجيب، وبنفس القوة والوضوح والصراحة والألفاظ التي لا تحمل إلا معنى واحدا.

Friday, October 03, 2008

نداء أخير إلى أم ماريو وآندرو: دا الإسلام دا دين جميل والله

في الفيديو، الذي قام بتصويره موقع أقباط متحدون وأتاحه للتحميل على صفحته الرئيسية، تندهش السيدة كاميليا –أم ماريو وأندرو- لسير إجراءات المحكمة، تشير إلى الزوجة المسلمة لطليقها:

وبعدين جاية بتشهد بتقول ايه، بتقول ان هي، بتشهد على اسلام مدحت. القضية، فعلا الحكم تشوفه تلاقيها دي قضية اثبات اسلام، مش قضية ضم خالص، ماحدش اتكلم عن صلاحية الاب للضم للحضانة، كل الكلام على انه مسلم او مش مسلم . كون ان هو صالح للحضانة ولا مش صالح، كون ان نفسية الولاد اللي انت بتسحبهم وبتنزعهم من والدتهم وبتديهم لمرات الاب علنا، ماشفتهاش انا ف قضية ضم، منافية لكل القواعد النفسية بتاعتي كمان.

***

معلش يا دكتورة. قلبي معاكي والله. انا كمان زعلان، لبش وكلام فارغ. الإسلام دين السلام، دين مالوش ف اللبش، بس ساعات اللبش بيبقى ضروري، هانعمل إيه بقى؟

اسمحيلي بس ألفت نظرك لخطأ بالغ حضرتك وقعتي فيه: حضرتك متضايقة إن المحكمة كات بتتكلم عن اسلام الأب مش عن الحضانة، اللي هي أساس الدعوة. ودا لإن تفكير حضرتك، يعني ممكن نقول، قاصر شوية، يعني مابتشوفيش المسائل من كل النواحي، وإذا شفتيها مابتربطيش بينها، زي ما احنا بنعمل.

المهم، خليني افكرك بمعلومة: أنا كمسلم، راجل بؤمن باليهودية والمسيحية والإسلام، بينما حضرتك كمسيحية بتؤمني بالمسيحية واليهودية بس، صح كدا؟ يعني أنا في الإسلام عندي حتة جامدة بتقول: "لا نفرق بين أحد من رسله". يعني إيه بقى، يعني انا عندي سيدنا عيسى زي خير الخلق أجمعين رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، خدتيلي بالك من سماحة الإسلام!؟ يعني انا لما اكون لامؤاخذة أب مسلم يبقى أنا مؤتمن على ابني، حتى لو كان مسيحي، لأن لو هتقولي لي يا مسيحية اقولك انا مسيحي احسن من اتخن تخين ف الكنيسة بتاعتكو. شفتي بقى الكلام!؟ ليه بقى؟ لأن انا عندي الانجيل الصحيح، مش المحرف، وعندي ان سيدنا عيسى عليه السلام قال ابشركم بنبي يأتي من بعدي اسمه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقالوا كيف يا سيدنا عيسى فقال هو كدا. بينما انتو الناس القساوسة بتوعكو ضحكو عليكوا وقالولكو مافيش الكلام دا، وبعد كدا يرجع يقولك ايران دي عندها سلاح نووي. الله! ماتشوفوا اسرائيل ولا جيتو عندها وعميتو!؟ مافيش بيننا زعل يا ست كاميليا احنا بنفضفض.

الإسلام دا دين عقلاني، ورسول الله عليه الصلاتو والسلام قالك يكون عهد على أمتي يكونون فيه كثرة فقالوا كيف يا رسول الله فقال كثرة كغثاء السيل. يعني بالبلدي كدا علشان اقربلك التشبيه اقولك العدد ف اللمون. معناه ايه الكلام دا؟ معناه ان الاسلام مش هيزيد بواحد يدخل فيه ولا هيقل بواحد يخرج منه. ولذلك تلاقي زي ما حضرتك قلتي، الناس ف المحكمة كانوا بيثبتوا بالادلة والبراهين القاطعة ان الراجل جوزك كان مسلم بجد، مش مسلم اي كلام، مع ان كان سهل اوي الراجل اول ما ينطق الشهادتين يبقى كدا حاجة حلوة والناس تفرح وتنبسط وخلاص على كدا، انما لأ، المسلمين دول ناس منطقيين. ويبعد كدا يرجع ويقولك الاسلام انتشر بحد السيف. حسبي الله ونعم الوكيل. (شخرة) سيف ايه يا ولاد الشرموطة!؟ (ثم بابتسامة)، احم، ماتزعليش مني يا ست كاميليا. الواحد مش متمالك اعصابه م اللي بيشوفه والله، والفضائيات والفيديوكليب والإنترنت بتساهم في تغييب جيل الشباب دلوقت .

والله العظيم انا زعلان علشانك يا أبلة، يرضي مين دا يا اخواتي أم تتحرم من ضناها بس؟ ف شرع مين؟ لكن ارجع واقولك يمكن ربنا يكون مقدر لعيالك يتربوا ف بيت إسلامي صحيح علشان يشوفوا بعنيهم سماحة الإسلام. وبعدين يعني فيه كلمة بصراحة حارقاني وعاوز اقولها وابقى بنافقك لو ماقلتهاش: يعني لما الاولاد يكتبوا ف ورق الامتحان انا مسيحي دا يعني ايه؟ يعني مستكبرين يعني يبقوا مسلمين!؟ ولا مفتخرين يعني بموضوع المسيحي دا !؟ والنبي خلي الواحد ساكت يا ست كاميليا دا البني ادم مننا معبي م اللي بيشوفه. وابقي علميهم ان دين الاسلام دا احسن دين، وانه حبيبي وحبيبك رسول الله دا خاتم الانبياء والرسل والبشر أجمعين.

وبعدين يعني (بغمزة) سيبك من كلام الستات دا والراجل اتجوز ولا ماتجوزش، ياباي، هئ هئ، على غيرة النسوان!! الراجل عندنا ف الاسلام من حقه طالما بيعدل ما بين ستاته يجوز مثنى وثلاث ورباع، ليه بقى؟ لإن الرجال دول قوامون على النساء، شفتي الرحمة اللي ف دين الاسلام؟ ولا اقولك عاللي احسن من دا ومن دا، لنفرض يعني، يعني مثلا، إنك أعلنتي إسلامك بكرة الصبح، حد هيبقى له عندك كلمة؟ مش انتي متخانقة مع الراجل عشان هو مسلم وانتي مسيحية. طب ما تعلني اسلامك. دا الاسلام دا دين جميل. بس جربيه انتي. وساعتها ولا حد هياخد عيل من عيالك، ولا حد هيمشي كلمة عليكي، باستثناء طبعا جوزك وابوكي واخوكي الكبير وابنك لما يكبر وشيخ الجامع وأولي الأمر وباقي الرجالة. بصي. انا مش عاوزك تردي دلوقتي. خدي وقتك وفكري فيها. عندك مصحف ولا اجيب لك المصحف بتاعي؟ دا الإسلام دا دين جميل واللهي.


Friday, September 26, 2008

من هنا بدأ السيد حجاب، ومن هنا نبدأ

الأشياء في مصر، وربما في غيرها، تبدأ هكذا: صغيرة بسيطة حمقاء

السادة الفاهمون في لحظة من لحظات الملل يلتفتون إليها، ويسألونها لماذا هي صغيرة بسيطة حمقاء، ويبدأون هيلا بيلا في تكبيرها، حتى تصبح جديرة بأن يتكلموا عنها.

خذ عندك مثلا: هناك حتة قماش تضعها المرأة على رأسها، ونحن نعرفها من زمان، نراها في الريف وفي الصعيد وفي مدن بحري، (مع استثناء فترة شخلعة قصيرة – حوالي تلاتين سنة). يعني هذه الحتة من القماش شيء عادي جدا، وبسيط جدا، طبيعي جدا. كانت صغيرة بسيطة حمقاء، كما تبدأ الأشياء في مصر.

تقريبا حصل غلط. السادة الفاهمون في الفقرة قبل السابقة، ليسوا سادة فاهمين، وانما هما سيدان فاهمان، علمنا الاتجاه المعاكس وفيصل القاسم انه ليس هناك سوى سيدان فاهمان في كل موضوع. وبشرط أن يكون كل واحد منهما فاهم عكس ما يفهمه زميله بالزبط عن نفس الموضوع. نظر السيدان الفاهمان إلى حتة القماش الصغيرة المسكينة، وقالوا لها: تعالى يا زغنونة. لماذا أنت صغيرة بسيطة حمقاء؟ تعالى تأكلين من أكلنا وتشربين من شربنا وتلبسين من لبسنا، وتصبحين واحدة منا.

واحد من السيدين كان يحب أمريكا، وهو يحب التدخل الأمريكي في العالم العربي، وهو يحب الحداثة، وهو يحب التقدم، وهو يحب التطور، وهو ضد الإرهاب وهو ضد الأصولية الوهابية الظلامية التكفيرية السعودية الخليجية، والآخر كان يحب الإسلام، ويتمنى العودة إلى ألف ونصف ألف سنة من الزمان، وهو يحب الصحابة وهو يحب السواك ويكره أمريكا والغرب وإسرائيل والدانمارك وأستراليا، ويكره منظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة واليونسكو، وتقريبا هم هكذا منذ زمان أوي، لأن الأشياء في بلادنا، وربما في غيرها، لا تزهق من نفسها بسرعة. ولكنهم لما شافوا حتة القماش، اكتشفوا أنهم زهقوا من كلامهم، لانهم بيقولوه من زمان اوي، وقالوا هناخد حتة القماش دي، ونربيها، يمكن تنفعنا بعدين.

المهم، كبرت حتة القماش. وكبر سيد أمريكا. وكبر سيد إسلام. وتلقت حتة القماش المهمة التي نذرت لها بفرح خاص. تلقت اسمها الجديد "الحجاب" بامتنان لأبويها اللذين ربياها. كانت تقول: لم أعد وحيدة الآن، هناك من الصوحاب ألف، نقاب وإسدال وخمار. وتذكرت أيام كانت شيئا بسيطا صغيرا أحمق، وقالت لأنني كنت صغيرة فلقد كنت وحيدة. ونظرت لأبويها اللذين ربياها، ووجدتهما يتعاركان، واسمها يتردد في العركة، وخمنت أنهما يتعاركان بسببها، وامتلأ قلبها بالأسى، ولما عاد أبواها من الخارج متعانقين، قالت بتنهيدة: إن كان يرضيكما أن أخرج من حياتكما فأنا لا أمانع. مسح الأب الأول، السيد أمريكا، على رأسها وقال: يا عبيطة. مازلت إذن صغيرة بسيطة حمقاء. وباسها الأب الثاني، السيد إسلام، على أورتها وقال: لماذا ربيناكي إذن إن لم يكن علشان نتخانق بسببك؟ كميلة إنتي، وابتسم. واصطحب كل من الأبوين الأب الآخر إلى أودة النوم، وبعد قليل ناديا عليها. ذهبت إليهما مبتسمة ابتسامة خجلى، يشع حياء الأنثى من عينيها، تقدم رجلا وتؤخر أخرى، وفي أود النوم دائما تحدث أشياء لا يشترط أن تكون مهذبة تماما.

كل يوم كان يضيف لها معرفة جديدة، وذاكرة جديدة، وجرحا جديدا. صارت مثقلة بالمعرفة، وبالرموز وبالحقائق. وكانت تجلس في البيت ندمانة تندب أيام جهلها عندما كانت مجرد قطعة قماش لا بها ولا عليها، كانت تجد أبواها يتخانقان حتى يكادا يقطعان بعض فيمتلئ قلبها بالحب والنور والفرح، الفرح لأن القدر ساقها إلى هذين الأبوين الطيبين الذين جعلا منها شيئا مهما إلى كل هذا الحد.

مرض السيد أمريكا، وحزن عليه السيد إسلام فمرض هو الآخر. كان أصحابهما يأتون لزيارتهما في مرضهما فكانا يشيران إليها ويقولان لأصحابهما: هي صاحبة البيت من بعدنا. وصار أصحاب السيد إسلام يقبلون يدها، وصار أصحاب السيد أمريكا يقبلون يدها.

السيد إسلام مات، ولم يستطع السيد أمريكا العيش من بعده، فمات. وهكذا صار أصحابهما وأبناء أصحابهما يتوجهون في البيت إلى السيد حجاب، وهو غير سيد حجاب بطبيعة الحال، وصاروا يعادون بعض من أجله ويصاحبون بعض من أجله، حتى بعد رحيل السيد أمريكا والسيد إسلام. ونسي السيد حجاب عندما كان مجرد حتة قماش صغيرة بسيطة حمقاء، وطويت للأبد هذه الصفحة المظلمة في تاريخه وتاريخ البشر.

و م اليوم دا يا حبايبي والحجاب بقى حاجة كبيييييرة ومهمة اوي ف حياتنا

Friday, September 19, 2008

وجع في روحي.. وجع في بطنك

لم تجد صحيفة "الأسبوع"، للتعبير عن رد فعل، أي رد فعل، إزاء كارثة الدويقة، سوى مانشيت كبير بصفحتها الأولى يعلن: "آه يا وجعي".

ياء

لم تقل لنا "الأسبوع" لمن كان هذا الوجع، خاصة أنه كان مرتبطا بضمير الملكية للمفرد المتكلم، أي أنه وجع شخص واحد، لم تكن "آه يا وجعنا" مثلا. هل كان رئيس التحرير هو الذي يتوجع، رئيس مجلس الإدارة، الشخص الذي يسمى بـ"المصري"؟ لم نعرف، ولم يكن هناك بايلاين يشرح من الذي تكلم من شوية وقال آه يا وجعي.

***

طبعا كلامي إلى الآن كان عن الياء التي في آخر وجعي، وليس عن وجعي نفسه. معلش. دلوقتي نتكلم. تعبتكو معايا انا عارف.

مواجهة مصرية شامية

لا أعرف بالضبط متى عادت كلمة "وجع" لتظهر للوجود بالفصحى، أعني كلمة "وجع" ذات المفهوم الرومانسي: وجع الروح، وجعي الخاص، آه يا وجعي. أي أن يكون لها معنى يتجاوز "رجلي بتوجعني" أو "جاك وجع ف بطنك"، وهو المعنى الذي تربيت عليه وظننت أنه الوحيد المتاح. الوجع، بهذا المعنى الروحاني السامي، ويا سلام لو كانت بالجيم الشامية المعطشة، هي كلمة جديدة، وحلت منذ سنوات فحسب محل كلمة "ألم" التي كانت هي الشائعة لفترة طويلة. لم يكن منطقيا إذن أن تقول الأميرة السورية علياء المنذر – في مسلسل "أسمهان" – للموسيقار داود حسني إنه: "ما فيه حدا متل سيد درويش قدر يعبر عن وجع المصريين". رد داود حسني كان مفحما بالمناسبة، وسيطيب للكثيرين اعتباره نموذجيا بالنسبة لمصريته، مثلما كانت جملتها نموذجية بالنسبة لشاميتها. قال داود وقد انتبه: "على سيرة الوجع، أنا عصافير بطني بتوجعني جدا."

تقسيم العمل

وعلى قدر ما أصبح الوجع، في اللغة الأدبية، وجعا روحانيا، على قدر ما تم حرمانه من دلالته الجسدية، التي تربينا عليها أطفالا. يصعب تخيل راوية أو راو يحكي عن ألم في ساقه ويقول: "رحلة الوجع استمرت طول الليل". سيستخدم حينها كلمة "ألم"، ببساطة، فهو يدخر الوجع للوجع الحقيقي، وجع الروح الخالد، وليس وجع الجسد الفاني. كلمة "ألم" هي كلمة تقنية ومهنية ولا تحتمل سمو الروح. يعني، في اللغة الأدبية، حدث تغير مهم، الألم صار للجسد، والوجع للروح. هذا هو تقسيم العمل المثالي. وهكذا انحاز المثقفون – المثقفون بالتحديد، لا رجل الشارع – للمرة الألف، إلى الروح على حساب الجسد.

***

طيب، على سيرة الوجع، نسيت أن أخبركم أن هذا كان يتزامن مع وجعي أنا الشخصي والذاتي جدا، وجع ضرسي.

إنه يحدد انحيازاته كأي مثقف

قارئي العزيز، أتمنى أن يكون قد وصلك انطباع ما الآن، بأنني أنحاز لكلمة "ألم"، وأني لا أحب "الوجع". أنا عارف، هذا انطباع يضايق بالتأكيد، لأنك قد تكون، وبلا وعي خالص، وبدون التفكير في كل ما قلتُه، تحب كلمة وجع، وترى كلمة "ألم" مبتذلة، وأنت بالتأكيد تريد قراءة تدوينة تجد نفسك فيها، ويؤسفني جدا بالطبع أن هذا لا يحدث هنا. قلبي معاك. طيب، خطوة أبعد: أنا لا أحترم وجع الروح، على قدر ما أحترم جدا ألم الجسد. وجع الروح تجربة مشتركة بين جميع الناس، كل الناس نفسيتها تعبانة، أنا تعبان وإنت تعبان والحاج والحاجة تعبانين. ولكن بعضهم فقط جسمه تعبان. بعضهم فقط يشكو من مرض، من التهاب، من هارت أتاك، من ألم ف سنانه، وهذا الأخير هو أنا، أنا الفقير المسكين المستحق لرحمتكم.

أوبسسسسس، إنه يتحدث عن ذاته

لثلاثة أيام كان الألم يهجم بلا رحمة، ومع الألم، الانتباه له، عدم القدرة على النوم، أو العمل أو التفكير في أي شيء آخر غير بسلامته. ضرس كامل يتصدع، صداع يصعد إلى النافوخ، أمسك ضرسي فيسكن الألم لحظة ثم يعود وبضراوة أشد، والمسكنات لا تعمل. باختصار، لم يكن ممكنا عدم التفكير في زيارة الدكتور الكئيب، وتخيل شناييره التي يضعها في الفك، ثم وضع السيناريو الكئيب لأول الألام الجادة، وأول الزيارات للدكتور، وأول الأدوية، التي سيتبعها بعد ذلك مراحل متدرجة من انهيار الجسد الهائل والقوي، وصولا إلى ومن نعمره ننكسه في الخلق خالص. الأسد تسقط أسنانه تباعا يا أحبائي.

وتنظيرة سريعة

من يحب يستطيع التخفيف عمن يحبه. يمكن للمحبوب، بحضوره، بعطفه الزيادة، بتفهمه الأكثر، بسهوكته الأكثر، أن يخفف عن حبيبه الوجع، بالتحديد، وفقط، لو كان هذا الوجع هو وجع روحه، أي لو كان حبيبه متضايق من حاجة، قافش، مخنوق، تعبان نفسيا، وغير هذا من التعريفات المعتمدة لـ"وجع الروح". ولكن سلطة المحبوب تتوقف أمام ألم الجسد. وهذه نقطة مهمة، لأنها تكون لحظة من اللحظات القليلة التي تثبت أن المحبوب هنا هو مجرد بني آدم وأنه ليس ربنا ولا حاجة. هذا طبعا يكون جارحا للمحبوب، أن يرى سلطاته تتقلص أمام عينيه، ويرى نفسه وقد فقد تأثيره على الشخص الذي على طول يقول له يا روحي ويا حياتي. استمرار المحب في تألمه هو شيء يجرح كرامة محبوبه. إنها صدمة معرفية، وتجرح، بشكل لا فكاك منه، الحبيب والمحبوب في أعز ما يملكان، في السلطة الرهيبة التي يملكها كل منهما على الآخر، وتجعلهما يفكران في أن الشيء الذي يجمعهما ليس قدريا ولا حاجة، وأنه مجرد اشتغالة كبيرة. إنه نزول الإله عن عرشه وبدء زمن الحداثة.

***

وجع السنان بيعدي، ووجع البنج بيعدي، ووجع حقنة البنج بيعدي، ومابيفضلشي ف الأيام المفترجة دي غير الكلمة الطيبة..... يا صاحبي.

Friday, September 12, 2008

موتابي الشرير يتحدث

أعرفكم بنفسي.. إسمي موتابي.. موتابي الشرير إذا شئتم، وأعتقد أنكم تشاؤون.

في الحقيقة أنا لم أولد وغدا شريرا كما أنا الآن. وإنما كنت طول عمري مؤذيا فقط، مؤذيا بمرح، وبسعادة: كنت أفتن للمستر على العيال الذين يزوغون وأخنصر في فلوس الدروس الخصوصية حتى ألعب بلياردو وفي صالة البلياردو كنت أسرق الكور وأحطها في جيبي. وكنت أغري البنات صديقات أصدقائي بمعسول الكلام حتى أخطفهن من أصدقائي. وأحيانا كنت أسوق سيارتي بسرعة شديدة فأقتل في طريقي خمسة أو ستة من خيرة شباب الوطن. وهذا حتى منذ خمستاشر سنة تقريبا، عندما قررت أن أستغل ميولي للأذية في شيء جاد، مؤذي للوطن وللتاريخ ولأهل بلدي، فقررت أن أسافر إلى إسرائيل، لأنني أؤمن أن الشخص الشرير يجب أن يكون شريرا في جميع تفاصيل حياته، وبحسب ما تتطلبه مراحله العمرية المختلفة.

طبعا أنا لا يجب أن أتحدث كثيرا حول تفاصيل زيارتي لإسرائيل. كل ما أريد قوله أنني فور وصولي إلى تل أبيب سألت واحد في الشارع عن مكان فندق "أعداء العرب والمسلمين" الذي سأقيم فيه فقال لي: أهلا سيد أبو علي. أنا شالوم كوهين ضابط في الموساد الإسرائيلي. نحن نعرف جيدا ميولك الكامنة لإيذاء الآخرين. ونعلمك أننا نحب هذه الشخصيات جدا، لأننا مجموعة من الأشرار، الأشرار، الأشرار. ونحن نحب أن نسميك من الآن فصاعدا موتابي. موتابي الشرير. ونحب أن نضع لك وشما على ذراعك، يدل على أنك أصبحت خلاص تبعنا، وأنك أصبحت موتابي الشرير، وأن حياتك قد تكرست من الآن فصاعدا من أجل هدفك، وهدفنا، الأساسي، وهو اختراق جبهة المثقفين المصريين الشرفاء الذين يحبون وطنهم الأحمق اللعين ها ها ها.

المهم من ساعتها أصبحت شريرا جدا، بسبب الوشم على ذراعي، وهو الوشم الذي يحوي كلمات قليلة. "أنا موتابي عميل وشرير. يجب علي أن أخترق المثقفين المصريين." وكلما تحسست هذا الوشم أتذكر هذا الهدف فأصبح شريرا أكتر وأزمجر من كتر الشر. وهذا لغاية اليوم المشئوم إياه.

كنت أسير في شوارع القاهرة وأنا أسمم أفكار شباب مصر وفي نفس الوقت أفكر في أساليب جديدة لتخريب الوطن، عندما رن تليفوني المحمول ووجدت صوتا غاضبا يقول لي: أنت مفصول يا أفندي من عضوية اتحاد الكتاب. مفصول. مفصول. مفصول. سألته من أنت. قال له. اكتب هذا الاسم لأنك ستسمعه كثيرا. اسمي سوبر موكاتي. وأنا أعرفك جيدا وأعرف أن اسمك موتابي الشرير. صرخت فيه: عليك اللعنة يا سوبر موكاتي. لقد كسبت أنت المعركة ولكن الحرب لم تنته بعددددددددددد.

كلمة أخيرة: أستطيع القول أنني انتصرت، بفضل الوشم إياه، على جميع أعدائي، أنني قوي وشرير وعدواني ومكار بشكل لا يقارن. ولكن الوحيد الذي تصدى لمحاولاتي الشريرة والعميلة هو سوبر موكاتي، سوبر موكاتي الذي يملك سلاحا لا أملك مثله، وهذا السلاح اسمه (الشرف المهول)، وهو عبارة عن خاتم يضعه في بنصره الأيسر، ويجعله يصبح سوبر موكاتي بمجرد أن يسمع عن مثقف مصري جديد استطعت أن أخترقه وأجعله ينضم لجبهة الموتابين. كل ما أتمناه أن يأتي اليوم الذي أستطيع فيه سرقة هذا الخاتم وتحطيمه تماما. وعندها فقط، يتحول سوبر موكاتي إلى موكاتي عادي، وتحسم الحرب لصالحي.. وانس آند فوريفر.


Friday, September 05, 2008

كتابة الجسد.. جسد الكتابة


"هذا ليس مانيفستو، فأنا لستُ من محبّذي المانيفستات والعرائض والبيانات." هكذا تبدأ جمانة حداد مقالها المنشور في كيكا حول المجلة المزمع إصدار عددها الأول قريبا من بيروت، مجلة (جسد)، والتي أسستها ورأست تحريرها. وبرغم هذه البداية الصاخبة، فهي تنتج مانيفستو، أو على الأقل، مقالا يحوي جميع مواصفات المانفيستوهات: وهم السبق، اليقين التام، طغيان السياسي على الفني، ورؤية الكفر كله ملة واحدة، هو ملة المشككين في نجاح المجلة أو المعترضين عليها.

"جسد" هي مجلة تعني بآداب الجسد وفنونه، ترسم لنا جمانة من البداية المحظورات التي تنتهكها مجلتها:

"مجلة ورقية تُعنى بـ"آداب الجسد وفنونه". وهي، كي "تزيد الطين بلّةً"، مجلة باللغة العربية. وهي، فوق هذا كلّه، مجلة ترأس تحريرها امرأة. أي أنها "كوكتيل مولوتوف" برسم الانفجار".

تعي حداد البعد السياسي للمجلة، تعي أنها جاءت لتعادي أناسا ولتهدم ثقافة ولتحل ثقافة محلها. بل وما يتجاوز الوعي بقليل: على طول بيانها لا ترى غير هذا البعد السياسي، لا ترى الجسد الذي تدافع عنه، وإنما ترى حربها ضد أعداء الجسد الذي تدافع عنه. ترى عداءهم له وترى عداءها لهم. بهذا المعنى، بدا البيان – على الرغم من عدم تفضيل الكاتبة لكلمة بيان – غاضبا بشدة، يعرف أعداءه بشدة، ولكنه لا يعرف أصدقاءه، ولا يعرف نفسه. الجنس في البيان التحم بالتابو، وباختراقه، بلا انفصال. ليس من جنس مرتاح هنا، وإنما جنس محارب. ليس من جنس رائق ومسترخ، وإنما جنس يستهلك طاقته في محاججة خصومه، في تخليص نفسه من قيوده وتابوهاته (تتحدث جمانة في هذا الفيديو عن لوجو المجلة وكونه اللوجو المثالي: كلمة جنس تتخلص من قيودها). لا جسد هنا وإنما الدفاع عنه فحسب، وإذا لم يكن الجسد موجودا، فدفاعا عن أي شيء نحارب إذن؟ هذا لا يحدث بالطبع إلا في المانيفستوهات والبيانات التأسيسية.

2

على العموم، ليست تلك إلا مشكلة هامشية، أما الخطر الأساسي من وجهة نظري في المقال، فهو مماهاة مفهوم الجسد بمفهوم الجنس. الجسد الذي تتصوره جمانة حداد هو جسد لا ينفصل عن الجنس، وبرغم أهمية ما يسمى بالجنس، إلا إنه يتقاطع فحسب مع الجسد، ولكنه لا يتماهى معه. أجسادنا كثيرة، أجسادنا تسمن وتنحف، ويتم تسمينها وتنحيفها، أجسادنا تتشوه ويتم تشويهها، نقوم بالتعذيب ويتم تعذيبنا في أقسام الشرطة انطلاقا منها، يتم التدخل الطبي فيها بمشارط الجراحين، أجسادنا تنمو، تترهل، تضعف، يتم التحكم فيها عن طريق صالات الجيم ومراكز التجميل، كل هذا تم تغييبه لصالح جسد واحد، هو الجسد الجنساني. ربما لأن الجسد الجنساني هو الذي تم تصوره أكثر تسيسا، أكثر إثارة للجدل، وأكثر تحطيما للتابو.

ولكن، على الناحية المقابلة، فالجسد الذي يتعرض للتعذيب في أقسام الشرطة، والجسد الخاضع لعملية تجميل، والجسد الخاضع للريجيم، بإمكانه أن يكون جسدا سياسيا هو الآخر، مثيرا للجدل ونستطيع من خلاله تأمل ما هو أبعد منه.

3

وحتى لو قبلنا بهذا الاختزال للجسد في الجسد الجنساني، فإن البيان يبدو محتشما وجماليا لحد كبير. (جسد) ليست مجلة بورنوغرافية، هذا ما تقوله جمانة وهي تعدد التعريفات السلبية لمجلة (جسد)، وأي وهي تعدد كل ما ليست (جسد) عليه. تستدرك أنها لا تتنصل من مفهوم البورنوغرافية. هل يعني هذا أنها ترى البورنوجرافيا أمرا جميلا، أو طبيعيا؟ لا. بالعكس تماما. تضيف:

"نحن نعيش في لبنان ما يكفي من البورنوغرافيا السياسية والاجتماعية والاعلامية والفنية والثقافية والعقلية والفكرية والأخلاقية، كي لا نخشى الأقل ضرراً بين أنواع من البورنوغرافيا: أي النوع الحرفي والمباشر."

أي هي تنسب للبورنوغرافيا كل الكوارث التي يمر بها لبنان الآن، تستعمل "بورنوغرافيا" كوصمة لكي تسب وضع البلد. تستجيب لسائر المجازات التي تربط أفعال الجنس بالشر، تقول وهي تعدد مظاهر النفاق الاجتماعي في الوطن العربي:

"ننهى عن المنكر بيد، ونمارس الدعارة الفكرية (وهي الأدهى (الجنسية) باليد الثانية".

أو:

"نسمّي نشر قصائد أو قصص أو نصوص أو ترجمات تنتمي الى الكتابات الأدبية الايروتيكية في مجلة ثقافية عربية: بورنوغرافيا."

هكذا يمكننا أن نفهم عدم تنصل الكاتبة من لفظ "البورنوغرافيا". لم يكن هذا نابعا من فرط التحرر، وإنما من فرط الاحتشام، على ما يبدو.

4

تعدد جمانة التعريفات السلبية ل"جسد". ليست "جسد" مجلة بورنوغرافية، وليست مجلة نضالية ذات قضية، وليست مجلة وعظ وإرشاد، وليست نزوة ظريفة، وليست مجلة منوعات فنية. هكذا تقلب الطاولة على التعريفات المتوقعة للمجلة، ولكنها عندما تبحث عن تعريف إيجابي، يبدو هذا أصعب ما في الموضوع. فتلجأ للتهويم:

"(جسد) مشروع ثقافي وفكري وأدبي وفني جدّي، تطلّب الكثير من التفكير والتمحيص قبل أن يتبلور ويتكوّن. وهو مشروع ينتمي الى الجسد، جسد الحياة، جسد العقل وجسد القلب وجسد اللغة."

جسد الحياة وجسد العقل وجسد القلب وجسد اللغة، أي جسد يتعلق بالحياة والعقل واللغة؟ الكاتبة هنا تلجأ للتهويمات لأجل توسيع حدود الموضوع الذي تتحدث عنه، وهذا التوسيع المبالغ فيه، يهدم جذريا علاقة العنوان بالموضوع. ما الذي تعنيه كلمات مثل جسد الحياة، وجسد اللغة؟ لا أعتقد انها تعني الكثير، وربما أزيد فأقول أنها أتت فقط لسبغ القيمة على موضوع المجلة. الجسد في حد ذاته موضوع هامشي، ولابد من ربطه بالحياة والعقل واللغة، حتى تصير له قيمته الفكرية. حتى يصبح أمرا جادا.

5

ليس ما هنا هو مجرد تهويم، وإنما أمر مضمر بالاستجابة له وتصديقه. الأمر لا يتعلق بقصيدة نكتب فيها هواجسنا وإنما بمقال يتخذ، رغما عنه، من "الحقيقة" معيارا. وإذا ما تم دمج الخيال الشعري في المقال، فإن الأمر يثير الدهشة. تبرر جمانة كون مجلتها "ورقية" وليست إلكترونية قائلة:

سؤال: "لماذا لم تجعلي "جسد" مجلة الكترونية، لتجتنبي بذلك أي رقابة محتملة عليها؟"
جواب: "لأن الورق من أرقى الاجساد التي يؤتى لنا أن نلامسها، ومن أشهاها. ولأن "الدخول من الباب الضيّق"– مثلما قال أحد العظماء منذ نحو الفي عام– أجمل من رحابة الطريق الانترنتية؛ أليس كذلك؟!

ليس كذلك بالطبع. أو على الأقل، ليس هناك ما يفرض بأن يكون الأمر كذلك، سواء أحد العظماء وهو يتحدث عن الباب الضيق أو جمانة وهي تقرر أن الورق من أشهى وأرقى الأجساد، فكلاهما يتحدث عن مجازه الرومانتيكي الخاص، والشخصي تماما، ولا يفترض أبدا أن يشاركهما القارئ هذا المجاز. أليس كذلك؟!

لا أنكر الإثارة التي انتابتني وأنا أقرأ عن مجلة تختص ب"آداب الجسد وفنونه"، ولا أنكر أنني أتمنى منها الكثير، وأعتقد أنها ستكون من أهم الإصدارات في الفترة الحالية. ولست مؤهلا للحكم على مجلة لم أقرأها ولم يصدر منها عددها الأول بعد. كل ما أردت قوله هو بعض الملاحظات على مقالة جمانة حداد بخصوصها، وعلى خطاب يتحايل على الجنس بالزعيق العالي حوله، وبتجميله بالإيروتيكا، ويرى الجنس جسدا والجسد جنسا.

Friday, August 29, 2008

زعلان ليه مني يا زميلي؟


انا عاوز اتكلم معاكو النهاردة عن ظاهرة بتدمر حياتنا دلوقتي. انتو أكيد ملاحظين كم التوتر اللي بقى يحيط كل مظاهر حياتنا، ملاحظين مظاهر التنشنة في الشارع وف الشغل وف البيت, مين دلوقتي يقدر يقعد زي زمان يستمتع بأغنية حلوة. لوحة فنية جميلة. كتاب فيه معلومات مفيدة؟ ماحدش. ودا بسبب موضوع حلقتنا النهاردة. الزعل.

فيه مشاهدة بعتت لي من اسبوع تحكيلي عن مشكلتها. قالت انها اتخانقت مع جوزها علشان هو بيطفي السجاير على الأرض برغم أنها اشترت له طفاية ف كل أودة ف الشقة. الحقيقة سائر الأحداث كان مؤسف جدا. بسبب دا حصل بينهم، أنا أسف، ديفورس، والولدين اتحكم عليهم أن كل واحد يعيش ف بيت. في الحقيقة ماتتصوروش الموضوع دا أثر فيا قد إيه. كنت بسوق العربية وانا بفكر ف الموضوع دا.. والحقيقة كنت بفتكر مشكلة حصلت في حياتي أنا من كام شهر، لما اضطريت اطلق مراتي اللي انا بحبها علشان خناقة تافهة، من وقتها، ولغاية دلوقتي، وانا ندمان جدا.

***

الحقيقة إن احنا مبقاش يعدي يوم من غير ما نسمع عن منتج زعلان مع مغني، وبلد زعلانة مع بلد تانية، وأديب شاب زعلان مع أديب شاب تاني، ملاحظين؟ هه؟ انا كررت كلمة زعل في جملة واحد قد ايه؟ مالاحظتوش. طب ياللا نعيد تاني، وعدّوا معايا. أديب شاب زعلان مع أديب شاب تاني، ومنتج زعلان مع مغني، وبلد زعلانة مع بلد تانية. يعني تلات مرات قلنا كلمة زعل ف جملة واحدة. دا بيدل على إيه في رأيكو؟ على إن الزعل هو محور حياتنا دلوقتي.

انا عاوز أتكلم معاكو عن بعض النظريات اللي طلعها علماء غربيين بخصوص الزعل، العالم هنري ماكس مثلا بيتكلم ان الزعل بيزود إفرازات الغدد اللمفاوية وهي بتنقل نشاطها الى خلايا الشعر وبتضعفها مما يصيب بالصلع، اما العالم جورج ميشيل فبيأكد إن الزعل بيضعف القدرة الإنجابية للرجل، وبيختتم كتابه "عالم بلا زعل" بجملة مؤثرة جدا بيقول فيها: إن عالما من الزعلانين لن يقدر له الاستمرار حيث سوف تضعف قدراته الإنجابية إلى درجة العقم الكامل. طبعا فيه مؤتمر كبير حضره العالمين دول وواجههم شخص باكستاني مسلم بالآية القرآنية اللي بتقول: "ولا تهنوا ولا تحزنوا" مما يدل على إن العرب من ألف وربعمية سنة وهما عارفين إن الزعل مش كويس علشان البني ادم، العالمين الغربيين دول أعلنوا إسلامهم طبعا بمجرد ما سمعوا الآية القرآنية الكريمة. نسيت أقول إن العالم جلاوديوس فايبر طلع بنتيجة علمية مهمة بيؤكد فيها إن مش لازم البني آدم يزعل لأن مفيش حاجة ف الدنيا تستاهل.

***

طبعا فيه تفسيرات كتير للموضوع دا. يعني مثلا جلاوديوس بيقول إن الضغوط بتاعة الحياة اليومية هي اللي مخلية محدش طايق نفسه. أما إنريك روجر فبيقول إن الناس قلوبها مابقتش صافية لبعض زي الأول. هاهاها. طب إيه رأيكوا، وانا بركن عربيتي ديك النهار قام السايس قال لي كلمة جميلة اوي. تحبوا تسمعوها؟ قال لي: الشيطان دخل بين الناس خلاص ومش عاوز يطلع. انا قعدت افكر كتير إيه ياترى معنى الجملة دي. إيه معنى إن الشيطان دخل بين الناس. اقول لكو. يعني إنت دلوقتي زعلان مع مراتك. ومراتك زعلانة مع أختها، وهكذا، لغاية ما يوصل الموضوع لرئيس دولة يزعل مع رئيس دولة تاني، وتحصل الحروب. شفتوا الموضوع بسيط ازاي. وشفتوا ان معظم النار من مستصغر الشرار. أنا قعدت افكر إن ازاي الراجل البسيط دا، اللي هو السايس، قدر يوصل للحكمة العميقة دي؟ ودا راجل لا معاه دكتوراه من السوربون ولا معاه جايزة نوبل ولا حاجة. منين قدر يعرف إن الشيطان فعلا دخل بين الناس ومش عاوز يطلع؟ سبحان الله فعلا.

في نهاية الحلقة، أنا بقترح حملة كبيرة. يعني طبعا كل واحد يقدر يشارك فيها باللي يقدر عليه. مش عاوزين نجبر أي حد على حاجة مش عاوزها. وبقترح عنوان للحملة يكون مثلا: (إنت زعلان ليه مني يا زميلي "محاولة لرأب الصدع"). ياريت تبعتولنا اقتراحاتكوا على إيميل البرنامج

Friday, August 22, 2008

رضا يعود إلى حضن مصر

رضا عاد من شغله تعبانا يوم التلات، ولكن برغم إنه تعبان إلا أنه قرر ينزل وسط البلد علشان يشتري بنطلون. رضا يحب البنطلونات جدا. وهو يشتري البنطلونات أكثر مما يشتري القمصان، ولأن البنطلونات تدوب من عند الفخد والقمصان لا تدوب من عند الفخد، فشراء البنطلونات أبدى من شراء القمصان، هكذا يرى رضا، ولكن رضا لا يعرف أن القمصان تدوب من عند الكوع والبنطلونات لا تدوب من عند الكوع، كما أنها قليلة هي القمصان الدايبة من عند الكوع لأنها قليلة هي القمصان التي بكم طويل، ونحن الآن في الصيف، ومازال بدري على الشتا، ولهذين السببين، يحب رضا شراء البنطلونات أكثر.

المهم أن رضا طلع من محطة مترو السادات علشان يروح شارع طلعت حرب. ولكن في محطة المترو وهو طالع قالوا له إن البلد بتولع، ورضا لم يفهم. ولكنه طلع ووجد الناس كلهم يتفرجوا على شارع القصر العيني وبيصوروا، ولذا قرر رضا أن يقترب منهم ويصور هو كمان، ولإن معه عدة سامسونج جديدة بكاميرا فلقد قرر أن يستغلها. ووقف بعيد وأخذ يصور الدخان الطالع. وكان مبسوط جدا لأن المزيد من اللهب في الصورة سيجعلها أظرف. ووجد رضا امرأة تسير بجانبه وتقول حرامية بيولعوا في حرامية و لم يفهم رضا من هم الحرامية الاولانيين ولا من هم التانيين. ولكنه سأل نفسه طبعا وهو متضايق ماذا حدث للمصريين. ثم مر رجل عجوز بجواره وضحك حتى بانت سنانه الواقعة وقال كانت ناقصة بس المعلم الكبير يكون جواها وبرضه لم يفهم رضا من هو المعلم الكبير، ولكنه شعر أن في الأمر شيئا خطيرا، لأن معنى أن تكون هناك حريقة جامدة بهذا الشكل والناس غير مهتمة بهذا الشكل الجامد (عدم الاهتمام هو الذي له شكل جامد، وليس الاهتمام)، فهذا يعني أن هناك أزمة في الشخصية المصرية، ورضا لم يكن يفهم هذا الكلام الكبير من قبل ذلك وكان يتريق على من يقولونه في التليفزيون، ولكنه الآن شعر بأن الشرخ أصبح أوسع من أن يتم رتقه (ولقد استعمل رضا في أفكاره كلمة "رتقه"). كما أن الشخصية المصرية لم تعد تغسل سنانها. وكان رضا زعلانا من منظر سنان الرجل الواقعة. المهم أن رضا أخد الموبايل بتاعه وحطه في جيب البنطلون، ولقد اكتشف أن هناك خرما في جيب البنطلون فوضعه في جيب البنطلون التاني. طبعا تذكر رضا أنه عليه أن يشتري بنطلونا جديدا ولكن لم يعد لهذا أي معنى من الآن فصاعدا. سار رضا في شارع طلعت حرب ففوجئ بأطفال الشوارع يسيرون بجوار رجال الأعمال، والشيوخ الملتحين بجوار محلات اللانجيري، فاتضايق رضا زيادة، وأصبح يفكر ف الوطن أكتر.

رضا عاد من شارع طلعت حرب إلى بيته بعزبة النخل ولم يشتر البنطلون، وكمان لم يلمع الجزمة، لأن مزاجه كان متعكر جدا. وأول شيء فعله عندما جلس على الكمبيوتر هو أنه مسح الستاتوس بتاع امبارح وكان "اشتري بنطلون لونه إيه يا بشر؟" وعمل جروب على الفيسبوك سماه "ما تفوقوا بقى يا مصريين.. جرالكو إيه؟" وهكذا نام رضا يوم الثلاثاء 19/8/08 وهو حاسس إنه قدر أخيرا يعمل حاجة في البلد.

Friday, August 15, 2008

عن تناطحات السلطة: سلطة الشاعر، سلطة الأسطورة، وسلطة "السلطة" الفلسطينية


كانت أم محمود درويش تتمنى أن يدفن ابنها في قرية "جديدة"، وهي قريته التي سكن بها منذ طفولته. قالت: "كنت أريد أن يدفن ابني في جديدة، ولكنه منذ زمن طويل لم يعد ابني، إنه ابن العالم العربي كله."

الصراع الملفت حول جثة درويش انتهى بانتصار السلطة. دار الصراع بين عائلة درويش التي ترغب في دفنه بقريته "جديدة"، وبين السلطة الفلسطينية التي تسعى لدفنه في رام الله. أرادت السلطة الفلسطينية احتكار الابن الطيب لها، قمعت الرغبة العائلية البسيطة بأن يدفن ابنها إلى جانبها. هكذا تم تمزيق ما بين درويش وبين أهله بقوة، لأنه من واجبات السلطة أن تحوز لنفسها النياشين، ودرويش هو النيشان الأكبر. ما جاء ليفعله هذا المقال، هو تأمل هذا الصراع، ومقارنته بحدث آخر، تم منذ أكثر من عام، وهو زيارة درويش لحيفا، ومن هذه المقارنة نعرف كيف تخلق القصة الصحفية، وكيف تخلق السلطة أسطورتها، وتسكت الأساطير الأخرى، وتلغي حتى احتمالات تكونها.

***

في البداية، ومع تواتر الأخبار عن زيارة مرتقبة يقوم بها محمود درويش إلى حيفا بعد مايقرب من أربعين عاما من مغادرتها، بدا الجميع مرتبكا، لم يصدق أحد. بالتدريج، وخلال ساعات، بدأوا في التصديق، وفي ملاحظة أن "القصة"، بمعناها الصحافي، على وشك أن تتحقق الآن. أشارت وقتها جميع المانشيتات الصحفية إلى "العودة"، وأي عودة سوى العودة الى حيفا. الزيارة بشرت بها عناوين صحفية كثيرة وذكية: "محمود درويش عائد إلى حيفا"، "أحمد العربي يصعد كي يرى حيفا ويقفز"، و"محمود درويش على "مشارف" "الكرمل".

كل شيء كان حاضرا في هذه العناوين الثلاثة: غسان كنفاني، وهو الفلسطيني ببيروت، عبر عمله الروائي "عائد إلى حيفا"، سهام داود والتي نظمت الامسية، هي الفلسطينية بإسرائيل، عبر عملها الصحافي، بدورية "مشارف"، ودرويش يحضر عبره هو ذاته، الفلسطيني برام الله وعمّان، وعبر عمله الشعري، "أحمد الزعتر"، والصحافي، "دورية الكرمل". هكذا، تجتمع المنافي، تعود إلى فلسطين الأصلية، التاريخية، فلسطين التي أصبح اسمها إسرائيل، فلسطين 48. هكذا يمكننا ان نفهم "عودة" وليس "زيارة" محمود درويش لحيفا، الفلسطينيون يجتمعون برمز فلسطين، بالشخص الذي خلق فلسطين الأدبية أكثر من أي شخص آخر، الشتات الفلسطيني يلتم ببعضه.

***

ألفا شخص حضروا الامسية وقتها. أية أمسية أدبية في إسرائيل يمكنها أن تجمع ألفين شخصا؟ ولا واحدة. كان هذا مثيرا لغيرة إسرائيليين كثيرين، كما تشهد بذلك تعليقاتهم على تغطيات الأمسية في الصحف العبرية. قال أحدهم أنه أحس كما لو كان في أم الفحم وليس في حيفا. لساعتين تحولت حيفا إلى مدينة فلسطينية، مثلها مثل أم الفحم. بمعنى آخر أدق، ليس فقط أن درويش عاد إلى فلسطينه، وإنما "عادت" حيفا أيضا إلى فلسطينيتها، ليست فقط لأنها تحولت إلى مدينة تشبه أم الفحم، ولكن أيضا باحتشادها لرؤية خالق فلسطين الأدبية.

يصعب العثور على شخص كتب فلسطين، وارتبطت صورتها بصورته، كما فعل درويش، ربما بخلاف عرفات شخصيا. مع النكبة، فر الطفل محمود من قريته الجليلية مع الفارين، كما تسلل إليها عائدا مع المتسللين، رفض الجنسية الإسرائيلية عند سن معين، غادر فلسطين 48، ثم انصهر في مصهر الشتات الفلسطيني، بيروت، مع المنصهرين. بالتزامن مع كل هذا، كانت الأرض تنمو في قصيدته، مثلما ينمو في قصيدته المخيم الذي حل بديلا مؤقتا عن الوطن، ومثلما ينمو الفلسطيني، اللاجئ المولود في نفس المخيم. خلق درويش فلسطين حديثة تشبه تلك التوراتية، سفرجل وزعتر وسنونو، حبقا وزنزلخت، ولكن أيضا، بندقية وبركانا وهوية. الهوية كانت هي كلمة السر في عدد من قصائده الأكثر انتشارا. في النهاية لم تكن صورة وهوية فلسطين لتتكون بالشكل الذي هي عليه الآن من دونه، في هذا الأمر يبدو إنجازه أكبر بما لا يقارن حتى من إنجاز إدوار سعيد نفسه.

يدرك هذا وقتها عباس بيضون، يدرك التماهي بين درويش وفلسطين الى حد صار يمكن بمقتضاه اختزال أحدهما في الآخر، يكتب في السفير اللبنانية قائلا عن زيارة درويش لحيفا بعد 37 عاما من مغادرته لها: "إذ حينما تكون وطنية محمود درويش على المحك فإن الأمر مهول وخطر، فأن تكون وطنية شاعر الهوية الفلسطينية ورمزها الأدبي متهمة فهذا يعني أن الثقافة الفلسطينية التي احتل درويش هذا المقام فيها متهمة وموصومة أيضاً."

***

لم تنطلق كلمة بيضون من الفراغ، كانت إسهاما في سجال جوهري حول توصيف زيارة درويش، هل هي "زيارة" أم "عودة"، هل هي "عودة" أم شيئا يشبه ما يسمى أحيانا ب"التطبيع". بدا بيار أبي صعب وقتها، في الأخبار اللبنانية، وهو يطلب من محمود درويش ألا يزور حيفا مستشهادا بمقاطعة الفريق الإنجليزي "الرولينج ستون" لإسرائيل، بدا وكأنه يضرب في العمق. في الواقع كان أبي صعب مبلبلا، رمز فلسطين يتمرد على أول المحرمات بخصوصها، مقاطعة إسرائيل. أما الفلسطينية عدنية شبلي فلها إطار آخر تضع فيه الزيارة. ترد على أبي صعب في نفس المكان: "فجأة إذاً كي يصبح محمود درويش الفلسطيني مؤازراً لفلسطين، عليه أن يتحول إلى إنكليزي ذي ضمير سياسي، عليه أن يتعامل مع فلسطين المحتلة في عام 1948، بلده، على أنها إسرائيل، عليه أن يعتبر فلسطينيي الداخل على أنهم إسرائيليون، أن يعلن أن حيفا هي أرض العدو!"

محمود درويش غير الرولينج ستون. الرولينج ستون قد "يزورون" حيفا بينما درويش "يعود" إلى حيفا، الرولينج ستون عندما يزورون فلسطين فإن فلسطين تصبح هي إسرائيل، أما لدى درويش، الفلسطيني بألف لام التعريف، فأن الأمر يصبح مختلفا، يصبح التحام الفلسطيني بأرضه. ثمان وأربعون ساعة فقط كان يمكن لها أن تحشد كل العواطف حولها، تصبح الزيارة عودة، أو شبهة عودة. هكذا يضطر درويش للقول في حوار مع هآرتس قبيل سفره: "لا أريد إخافة القراء. فأنا لا أنوي تحقيق حق العودة". كما يضطر للحديث مطولا قبل السفر عن مفهوم العودة مع صحيفة الاتحاد الحيفاوية. ينفى المفهوم، من الناحية الفلسفية، مستشهدا بعوليس وإيثاكا. وللمفارقة فقط، كان درويش قد عمل بصحيفة الاتحاد قبل مغادرته فلسطين 48، والآن "تعود" هي إليه لتحاوره شاعرا كبيرا وتطلب منه استحضار فترة عمله هناك مع إميل حبيبي، أي الرجوع بشكل ما إلى ماضيه. العودة كانت هي العنوان الذي لا مفر منه للحدث.

السؤال الأساسي هنا الآن: لماذا لم يتم إذن طرح مفهوم "العودة"، كعنوان لرغبة عائلة درويش بأن يدفن ابنها بجانبها؟ لماذا تم تغييب المفهوم وإلغاء احتمال تشكل الأسطورة و"القصة الصحفية"؟ ولماذا وصفت رغبة العائلة في حدودها الدنيا: رغبة عائلية فقط وليست رمزية، اشتياق إلى جسد الابن وليس التحاما، تأجل طويلا، بين الشاعر وأرضه؟ على عكس ما حدث في قصة "العودة إلى حيفا"؟ الإجابة: لأن السلطة كانت هي الخصم هذه المرة، والسلطة هي في رام الله، وليست في "جديدة". والسلطة هي ما كانت تعني هذه المرة "فلسطين".

***


كان التئام الجرح في حيفا وقتها مؤلما تماما، تم عبر الجيش الإسرائيلي. منع الجيش درويش من البقاء في حيفا لأكثر من يومين، بينما كانت سهام داود قد أعلنت عن أن درويش لو بقى أسبوعا كما طلبت كان ليتمكن من زيارة أمه التي تبلغ تسعين عاما والمقيمة في قرية "جديدة". لا يصرح الجيش، ولكن درويش يتمكن من زيارة أمه في الثماني وأربعين ساعة التي قضاها ببلده. هكذا، تتطور القصة الخاصة بالجرح الفلسطيني: تم تقصير فترة إقامة درويش بشكل عمدي، عسكري، لمنع الشاعر القومي، شاعر فلسطين، من الالتقاء بأهله وبأرضه بالمعنى الفعلي والمجازي للكلمة. ولكن برغم المنع الإسرائيلي، فقد أمكن للفلسطيني الالتئام بأرضه وبأمه. تشتعل كل العواطف حول الأمسية، لتصبح رمزا لإغلاق الدائرة التي طال فتحها طويلا، والتعبير لمحمود درويش، الذي يقول في حواره لهاآرتس ردا على السؤال عن سبب مغادرته بلدته منذ 37 عاما: "حتى أعود بعد 37 عاما. هذا يعني أنني لم أنزل من الكرمل في 70 ولم أعد في 2007. كل شيء هو مجاز. أنا الآن في رام الله وفي الأسبوع القادم سأكون في الكرمل وأتذكر أنني لم أكن هناك لأربعين عاما، فهذا يعني أن الدائرة أغلقت وكل السفر الذي طال سنوات كان مجازا."

***

العودة مفهوم مستحيل بلا شك. لا أحد يعود وإنما الجميع يسيرون في طرق جديدة، بلا أمل في الالتفات الحقيقي إلى الخلف، ومن استحالته تنبع رومانتيكيته، هو الحلم الذي يطمح الجميع لتحقيقه ولا يستطيعون، كما أنهم في نفس الوقت لا يستطيعون التخلي عنه نهائيا. من هنا حضر عرب إسرائيل، هم ذوو الجنسية الإسرائيلية، الأمسية، بهدف العودة لفلسطينيتهم، ومن ذا قادر على منحهم إياها سوى درويش، وبهدف رؤية درويش عائدا إلى فلسطينه، فلسطينه التي لم يجد المحامي خالد محاميد، وهو أحد حضور أمسية درويش، تعبيرا عنها أكثر احتشادا من بعض أوراق الليمون جمعها من بيت الشاعر الكبير بقرية البروة التي ولد بها. ينتظر محاميد انتهاء درويش من أمسيته ليمنحها له، متخيلا بالتأكيد لحظات عاطفية جياشة، دموعا وعناقا حارا بين الشاعر وتراب أرضه، بين تراب الأرض وشاعره. ولأن لا أحد يعود فعلا، فلم يأخذها درويش. درويش كان يحاول اختزال البعد الدرامي إلى أقصى حد. يغادر القاعة مسرعا غير سامح للصحفيين بطرح أية أسئلة عليه، ومقللا بشكل متعمد من إمكانيات كتابة "قصة" صحفية عن هذه الزيارة. وعلى الرغم من هذا تمت وقتها كتابة القصة.

العكس من هذا تماما يحدث الآن. درويش نفسه، قبل موته بأسبوعين، يعود إلى قريته، يقبل أمه ويخبرها بقرار خضوعه للعملية بأمريكا. كأنه يريد كتابة قصة "عودته"، التحامه بأرضه المتزامن مع الموت، وعلى الرغم من هذا، تقرر السلطة استبعاد عائلته، فصله عن أرضه الأولى، واحتكار جثمانه لنفسها. وتستجيب العائلة، لأنه "منذ زمن طويل لم يعد ابنها. وإنما ابن العالم العربي كله." والعالم العربي يوجد في رام الله، وليس في أي مكان آخر.



المقال منشور في السفير اللبنانية بتاريخ 15/8/08، في إطار ملحق أسبوعي شامل عن محمود درويش