Friday, September 26, 2008

من هنا بدأ السيد حجاب، ومن هنا نبدأ

الأشياء في مصر، وربما في غيرها، تبدأ هكذا: صغيرة بسيطة حمقاء

السادة الفاهمون في لحظة من لحظات الملل يلتفتون إليها، ويسألونها لماذا هي صغيرة بسيطة حمقاء، ويبدأون هيلا بيلا في تكبيرها، حتى تصبح جديرة بأن يتكلموا عنها.

خذ عندك مثلا: هناك حتة قماش تضعها المرأة على رأسها، ونحن نعرفها من زمان، نراها في الريف وفي الصعيد وفي مدن بحري، (مع استثناء فترة شخلعة قصيرة – حوالي تلاتين سنة). يعني هذه الحتة من القماش شيء عادي جدا، وبسيط جدا، طبيعي جدا. كانت صغيرة بسيطة حمقاء، كما تبدأ الأشياء في مصر.

تقريبا حصل غلط. السادة الفاهمون في الفقرة قبل السابقة، ليسوا سادة فاهمين، وانما هما سيدان فاهمان، علمنا الاتجاه المعاكس وفيصل القاسم انه ليس هناك سوى سيدان فاهمان في كل موضوع. وبشرط أن يكون كل واحد منهما فاهم عكس ما يفهمه زميله بالزبط عن نفس الموضوع. نظر السيدان الفاهمان إلى حتة القماش الصغيرة المسكينة، وقالوا لها: تعالى يا زغنونة. لماذا أنت صغيرة بسيطة حمقاء؟ تعالى تأكلين من أكلنا وتشربين من شربنا وتلبسين من لبسنا، وتصبحين واحدة منا.

واحد من السيدين كان يحب أمريكا، وهو يحب التدخل الأمريكي في العالم العربي، وهو يحب الحداثة، وهو يحب التقدم، وهو يحب التطور، وهو ضد الإرهاب وهو ضد الأصولية الوهابية الظلامية التكفيرية السعودية الخليجية، والآخر كان يحب الإسلام، ويتمنى العودة إلى ألف ونصف ألف سنة من الزمان، وهو يحب الصحابة وهو يحب السواك ويكره أمريكا والغرب وإسرائيل والدانمارك وأستراليا، ويكره منظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة واليونسكو، وتقريبا هم هكذا منذ زمان أوي، لأن الأشياء في بلادنا، وربما في غيرها، لا تزهق من نفسها بسرعة. ولكنهم لما شافوا حتة القماش، اكتشفوا أنهم زهقوا من كلامهم، لانهم بيقولوه من زمان اوي، وقالوا هناخد حتة القماش دي، ونربيها، يمكن تنفعنا بعدين.

المهم، كبرت حتة القماش. وكبر سيد أمريكا. وكبر سيد إسلام. وتلقت حتة القماش المهمة التي نذرت لها بفرح خاص. تلقت اسمها الجديد "الحجاب" بامتنان لأبويها اللذين ربياها. كانت تقول: لم أعد وحيدة الآن، هناك من الصوحاب ألف، نقاب وإسدال وخمار. وتذكرت أيام كانت شيئا بسيطا صغيرا أحمق، وقالت لأنني كنت صغيرة فلقد كنت وحيدة. ونظرت لأبويها اللذين ربياها، ووجدتهما يتعاركان، واسمها يتردد في العركة، وخمنت أنهما يتعاركان بسببها، وامتلأ قلبها بالأسى، ولما عاد أبواها من الخارج متعانقين، قالت بتنهيدة: إن كان يرضيكما أن أخرج من حياتكما فأنا لا أمانع. مسح الأب الأول، السيد أمريكا، على رأسها وقال: يا عبيطة. مازلت إذن صغيرة بسيطة حمقاء. وباسها الأب الثاني، السيد إسلام، على أورتها وقال: لماذا ربيناكي إذن إن لم يكن علشان نتخانق بسببك؟ كميلة إنتي، وابتسم. واصطحب كل من الأبوين الأب الآخر إلى أودة النوم، وبعد قليل ناديا عليها. ذهبت إليهما مبتسمة ابتسامة خجلى، يشع حياء الأنثى من عينيها، تقدم رجلا وتؤخر أخرى، وفي أود النوم دائما تحدث أشياء لا يشترط أن تكون مهذبة تماما.

كل يوم كان يضيف لها معرفة جديدة، وذاكرة جديدة، وجرحا جديدا. صارت مثقلة بالمعرفة، وبالرموز وبالحقائق. وكانت تجلس في البيت ندمانة تندب أيام جهلها عندما كانت مجرد قطعة قماش لا بها ولا عليها، كانت تجد أبواها يتخانقان حتى يكادا يقطعان بعض فيمتلئ قلبها بالحب والنور والفرح، الفرح لأن القدر ساقها إلى هذين الأبوين الطيبين الذين جعلا منها شيئا مهما إلى كل هذا الحد.

مرض السيد أمريكا، وحزن عليه السيد إسلام فمرض هو الآخر. كان أصحابهما يأتون لزيارتهما في مرضهما فكانا يشيران إليها ويقولان لأصحابهما: هي صاحبة البيت من بعدنا. وصار أصحاب السيد إسلام يقبلون يدها، وصار أصحاب السيد أمريكا يقبلون يدها.

السيد إسلام مات، ولم يستطع السيد أمريكا العيش من بعده، فمات. وهكذا صار أصحابهما وأبناء أصحابهما يتوجهون في البيت إلى السيد حجاب، وهو غير سيد حجاب بطبيعة الحال، وصاروا يعادون بعض من أجله ويصاحبون بعض من أجله، حتى بعد رحيل السيد أمريكا والسيد إسلام. ونسي السيد حجاب عندما كان مجرد حتة قماش صغيرة بسيطة حمقاء، وطويت للأبد هذه الصفحة المظلمة في تاريخه وتاريخ البشر.

و م اليوم دا يا حبايبي والحجاب بقى حاجة كبيييييرة ومهمة اوي ف حياتنا

Friday, September 19, 2008

وجع في روحي.. وجع في بطنك

لم تجد صحيفة "الأسبوع"، للتعبير عن رد فعل، أي رد فعل، إزاء كارثة الدويقة، سوى مانشيت كبير بصفحتها الأولى يعلن: "آه يا وجعي".

ياء

لم تقل لنا "الأسبوع" لمن كان هذا الوجع، خاصة أنه كان مرتبطا بضمير الملكية للمفرد المتكلم، أي أنه وجع شخص واحد، لم تكن "آه يا وجعنا" مثلا. هل كان رئيس التحرير هو الذي يتوجع، رئيس مجلس الإدارة، الشخص الذي يسمى بـ"المصري"؟ لم نعرف، ولم يكن هناك بايلاين يشرح من الذي تكلم من شوية وقال آه يا وجعي.

***

طبعا كلامي إلى الآن كان عن الياء التي في آخر وجعي، وليس عن وجعي نفسه. معلش. دلوقتي نتكلم. تعبتكو معايا انا عارف.

مواجهة مصرية شامية

لا أعرف بالضبط متى عادت كلمة "وجع" لتظهر للوجود بالفصحى، أعني كلمة "وجع" ذات المفهوم الرومانسي: وجع الروح، وجعي الخاص، آه يا وجعي. أي أن يكون لها معنى يتجاوز "رجلي بتوجعني" أو "جاك وجع ف بطنك"، وهو المعنى الذي تربيت عليه وظننت أنه الوحيد المتاح. الوجع، بهذا المعنى الروحاني السامي، ويا سلام لو كانت بالجيم الشامية المعطشة، هي كلمة جديدة، وحلت منذ سنوات فحسب محل كلمة "ألم" التي كانت هي الشائعة لفترة طويلة. لم يكن منطقيا إذن أن تقول الأميرة السورية علياء المنذر – في مسلسل "أسمهان" – للموسيقار داود حسني إنه: "ما فيه حدا متل سيد درويش قدر يعبر عن وجع المصريين". رد داود حسني كان مفحما بالمناسبة، وسيطيب للكثيرين اعتباره نموذجيا بالنسبة لمصريته، مثلما كانت جملتها نموذجية بالنسبة لشاميتها. قال داود وقد انتبه: "على سيرة الوجع، أنا عصافير بطني بتوجعني جدا."

تقسيم العمل

وعلى قدر ما أصبح الوجع، في اللغة الأدبية، وجعا روحانيا، على قدر ما تم حرمانه من دلالته الجسدية، التي تربينا عليها أطفالا. يصعب تخيل راوية أو راو يحكي عن ألم في ساقه ويقول: "رحلة الوجع استمرت طول الليل". سيستخدم حينها كلمة "ألم"، ببساطة، فهو يدخر الوجع للوجع الحقيقي، وجع الروح الخالد، وليس وجع الجسد الفاني. كلمة "ألم" هي كلمة تقنية ومهنية ولا تحتمل سمو الروح. يعني، في اللغة الأدبية، حدث تغير مهم، الألم صار للجسد، والوجع للروح. هذا هو تقسيم العمل المثالي. وهكذا انحاز المثقفون – المثقفون بالتحديد، لا رجل الشارع – للمرة الألف، إلى الروح على حساب الجسد.

***

طيب، على سيرة الوجع، نسيت أن أخبركم أن هذا كان يتزامن مع وجعي أنا الشخصي والذاتي جدا، وجع ضرسي.

إنه يحدد انحيازاته كأي مثقف

قارئي العزيز، أتمنى أن يكون قد وصلك انطباع ما الآن، بأنني أنحاز لكلمة "ألم"، وأني لا أحب "الوجع". أنا عارف، هذا انطباع يضايق بالتأكيد، لأنك قد تكون، وبلا وعي خالص، وبدون التفكير في كل ما قلتُه، تحب كلمة وجع، وترى كلمة "ألم" مبتذلة، وأنت بالتأكيد تريد قراءة تدوينة تجد نفسك فيها، ويؤسفني جدا بالطبع أن هذا لا يحدث هنا. قلبي معاك. طيب، خطوة أبعد: أنا لا أحترم وجع الروح، على قدر ما أحترم جدا ألم الجسد. وجع الروح تجربة مشتركة بين جميع الناس، كل الناس نفسيتها تعبانة، أنا تعبان وإنت تعبان والحاج والحاجة تعبانين. ولكن بعضهم فقط جسمه تعبان. بعضهم فقط يشكو من مرض، من التهاب، من هارت أتاك، من ألم ف سنانه، وهذا الأخير هو أنا، أنا الفقير المسكين المستحق لرحمتكم.

أوبسسسسس، إنه يتحدث عن ذاته

لثلاثة أيام كان الألم يهجم بلا رحمة، ومع الألم، الانتباه له، عدم القدرة على النوم، أو العمل أو التفكير في أي شيء آخر غير بسلامته. ضرس كامل يتصدع، صداع يصعد إلى النافوخ، أمسك ضرسي فيسكن الألم لحظة ثم يعود وبضراوة أشد، والمسكنات لا تعمل. باختصار، لم يكن ممكنا عدم التفكير في زيارة الدكتور الكئيب، وتخيل شناييره التي يضعها في الفك، ثم وضع السيناريو الكئيب لأول الألام الجادة، وأول الزيارات للدكتور، وأول الأدوية، التي سيتبعها بعد ذلك مراحل متدرجة من انهيار الجسد الهائل والقوي، وصولا إلى ومن نعمره ننكسه في الخلق خالص. الأسد تسقط أسنانه تباعا يا أحبائي.

وتنظيرة سريعة

من يحب يستطيع التخفيف عمن يحبه. يمكن للمحبوب، بحضوره، بعطفه الزيادة، بتفهمه الأكثر، بسهوكته الأكثر، أن يخفف عن حبيبه الوجع، بالتحديد، وفقط، لو كان هذا الوجع هو وجع روحه، أي لو كان حبيبه متضايق من حاجة، قافش، مخنوق، تعبان نفسيا، وغير هذا من التعريفات المعتمدة لـ"وجع الروح". ولكن سلطة المحبوب تتوقف أمام ألم الجسد. وهذه نقطة مهمة، لأنها تكون لحظة من اللحظات القليلة التي تثبت أن المحبوب هنا هو مجرد بني آدم وأنه ليس ربنا ولا حاجة. هذا طبعا يكون جارحا للمحبوب، أن يرى سلطاته تتقلص أمام عينيه، ويرى نفسه وقد فقد تأثيره على الشخص الذي على طول يقول له يا روحي ويا حياتي. استمرار المحب في تألمه هو شيء يجرح كرامة محبوبه. إنها صدمة معرفية، وتجرح، بشكل لا فكاك منه، الحبيب والمحبوب في أعز ما يملكان، في السلطة الرهيبة التي يملكها كل منهما على الآخر، وتجعلهما يفكران في أن الشيء الذي يجمعهما ليس قدريا ولا حاجة، وأنه مجرد اشتغالة كبيرة. إنه نزول الإله عن عرشه وبدء زمن الحداثة.

***

وجع السنان بيعدي، ووجع البنج بيعدي، ووجع حقنة البنج بيعدي، ومابيفضلشي ف الأيام المفترجة دي غير الكلمة الطيبة..... يا صاحبي.

Friday, September 12, 2008

موتابي الشرير يتحدث

أعرفكم بنفسي.. إسمي موتابي.. موتابي الشرير إذا شئتم، وأعتقد أنكم تشاؤون.

في الحقيقة أنا لم أولد وغدا شريرا كما أنا الآن. وإنما كنت طول عمري مؤذيا فقط، مؤذيا بمرح، وبسعادة: كنت أفتن للمستر على العيال الذين يزوغون وأخنصر في فلوس الدروس الخصوصية حتى ألعب بلياردو وفي صالة البلياردو كنت أسرق الكور وأحطها في جيبي. وكنت أغري البنات صديقات أصدقائي بمعسول الكلام حتى أخطفهن من أصدقائي. وأحيانا كنت أسوق سيارتي بسرعة شديدة فأقتل في طريقي خمسة أو ستة من خيرة شباب الوطن. وهذا حتى منذ خمستاشر سنة تقريبا، عندما قررت أن أستغل ميولي للأذية في شيء جاد، مؤذي للوطن وللتاريخ ولأهل بلدي، فقررت أن أسافر إلى إسرائيل، لأنني أؤمن أن الشخص الشرير يجب أن يكون شريرا في جميع تفاصيل حياته، وبحسب ما تتطلبه مراحله العمرية المختلفة.

طبعا أنا لا يجب أن أتحدث كثيرا حول تفاصيل زيارتي لإسرائيل. كل ما أريد قوله أنني فور وصولي إلى تل أبيب سألت واحد في الشارع عن مكان فندق "أعداء العرب والمسلمين" الذي سأقيم فيه فقال لي: أهلا سيد أبو علي. أنا شالوم كوهين ضابط في الموساد الإسرائيلي. نحن نعرف جيدا ميولك الكامنة لإيذاء الآخرين. ونعلمك أننا نحب هذه الشخصيات جدا، لأننا مجموعة من الأشرار، الأشرار، الأشرار. ونحن نحب أن نسميك من الآن فصاعدا موتابي. موتابي الشرير. ونحب أن نضع لك وشما على ذراعك، يدل على أنك أصبحت خلاص تبعنا، وأنك أصبحت موتابي الشرير، وأن حياتك قد تكرست من الآن فصاعدا من أجل هدفك، وهدفنا، الأساسي، وهو اختراق جبهة المثقفين المصريين الشرفاء الذين يحبون وطنهم الأحمق اللعين ها ها ها.

المهم من ساعتها أصبحت شريرا جدا، بسبب الوشم على ذراعي، وهو الوشم الذي يحوي كلمات قليلة. "أنا موتابي عميل وشرير. يجب علي أن أخترق المثقفين المصريين." وكلما تحسست هذا الوشم أتذكر هذا الهدف فأصبح شريرا أكتر وأزمجر من كتر الشر. وهذا لغاية اليوم المشئوم إياه.

كنت أسير في شوارع القاهرة وأنا أسمم أفكار شباب مصر وفي نفس الوقت أفكر في أساليب جديدة لتخريب الوطن، عندما رن تليفوني المحمول ووجدت صوتا غاضبا يقول لي: أنت مفصول يا أفندي من عضوية اتحاد الكتاب. مفصول. مفصول. مفصول. سألته من أنت. قال له. اكتب هذا الاسم لأنك ستسمعه كثيرا. اسمي سوبر موكاتي. وأنا أعرفك جيدا وأعرف أن اسمك موتابي الشرير. صرخت فيه: عليك اللعنة يا سوبر موكاتي. لقد كسبت أنت المعركة ولكن الحرب لم تنته بعددددددددددد.

كلمة أخيرة: أستطيع القول أنني انتصرت، بفضل الوشم إياه، على جميع أعدائي، أنني قوي وشرير وعدواني ومكار بشكل لا يقارن. ولكن الوحيد الذي تصدى لمحاولاتي الشريرة والعميلة هو سوبر موكاتي، سوبر موكاتي الذي يملك سلاحا لا أملك مثله، وهذا السلاح اسمه (الشرف المهول)، وهو عبارة عن خاتم يضعه في بنصره الأيسر، ويجعله يصبح سوبر موكاتي بمجرد أن يسمع عن مثقف مصري جديد استطعت أن أخترقه وأجعله ينضم لجبهة الموتابين. كل ما أتمناه أن يأتي اليوم الذي أستطيع فيه سرقة هذا الخاتم وتحطيمه تماما. وعندها فقط، يتحول سوبر موكاتي إلى موكاتي عادي، وتحسم الحرب لصالحي.. وانس آند فوريفر.


Friday, September 05, 2008

كتابة الجسد.. جسد الكتابة


"هذا ليس مانيفستو، فأنا لستُ من محبّذي المانيفستات والعرائض والبيانات." هكذا تبدأ جمانة حداد مقالها المنشور في كيكا حول المجلة المزمع إصدار عددها الأول قريبا من بيروت، مجلة (جسد)، والتي أسستها ورأست تحريرها. وبرغم هذه البداية الصاخبة، فهي تنتج مانيفستو، أو على الأقل، مقالا يحوي جميع مواصفات المانفيستوهات: وهم السبق، اليقين التام، طغيان السياسي على الفني، ورؤية الكفر كله ملة واحدة، هو ملة المشككين في نجاح المجلة أو المعترضين عليها.

"جسد" هي مجلة تعني بآداب الجسد وفنونه، ترسم لنا جمانة من البداية المحظورات التي تنتهكها مجلتها:

"مجلة ورقية تُعنى بـ"آداب الجسد وفنونه". وهي، كي "تزيد الطين بلّةً"، مجلة باللغة العربية. وهي، فوق هذا كلّه، مجلة ترأس تحريرها امرأة. أي أنها "كوكتيل مولوتوف" برسم الانفجار".

تعي حداد البعد السياسي للمجلة، تعي أنها جاءت لتعادي أناسا ولتهدم ثقافة ولتحل ثقافة محلها. بل وما يتجاوز الوعي بقليل: على طول بيانها لا ترى غير هذا البعد السياسي، لا ترى الجسد الذي تدافع عنه، وإنما ترى حربها ضد أعداء الجسد الذي تدافع عنه. ترى عداءهم له وترى عداءها لهم. بهذا المعنى، بدا البيان – على الرغم من عدم تفضيل الكاتبة لكلمة بيان – غاضبا بشدة، يعرف أعداءه بشدة، ولكنه لا يعرف أصدقاءه، ولا يعرف نفسه. الجنس في البيان التحم بالتابو، وباختراقه، بلا انفصال. ليس من جنس مرتاح هنا، وإنما جنس محارب. ليس من جنس رائق ومسترخ، وإنما جنس يستهلك طاقته في محاججة خصومه، في تخليص نفسه من قيوده وتابوهاته (تتحدث جمانة في هذا الفيديو عن لوجو المجلة وكونه اللوجو المثالي: كلمة جنس تتخلص من قيودها). لا جسد هنا وإنما الدفاع عنه فحسب، وإذا لم يكن الجسد موجودا، فدفاعا عن أي شيء نحارب إذن؟ هذا لا يحدث بالطبع إلا في المانيفستوهات والبيانات التأسيسية.

2

على العموم، ليست تلك إلا مشكلة هامشية، أما الخطر الأساسي من وجهة نظري في المقال، فهو مماهاة مفهوم الجسد بمفهوم الجنس. الجسد الذي تتصوره جمانة حداد هو جسد لا ينفصل عن الجنس، وبرغم أهمية ما يسمى بالجنس، إلا إنه يتقاطع فحسب مع الجسد، ولكنه لا يتماهى معه. أجسادنا كثيرة، أجسادنا تسمن وتنحف، ويتم تسمينها وتنحيفها، أجسادنا تتشوه ويتم تشويهها، نقوم بالتعذيب ويتم تعذيبنا في أقسام الشرطة انطلاقا منها، يتم التدخل الطبي فيها بمشارط الجراحين، أجسادنا تنمو، تترهل، تضعف، يتم التحكم فيها عن طريق صالات الجيم ومراكز التجميل، كل هذا تم تغييبه لصالح جسد واحد، هو الجسد الجنساني. ربما لأن الجسد الجنساني هو الذي تم تصوره أكثر تسيسا، أكثر إثارة للجدل، وأكثر تحطيما للتابو.

ولكن، على الناحية المقابلة، فالجسد الذي يتعرض للتعذيب في أقسام الشرطة، والجسد الخاضع لعملية تجميل، والجسد الخاضع للريجيم، بإمكانه أن يكون جسدا سياسيا هو الآخر، مثيرا للجدل ونستطيع من خلاله تأمل ما هو أبعد منه.

3

وحتى لو قبلنا بهذا الاختزال للجسد في الجسد الجنساني، فإن البيان يبدو محتشما وجماليا لحد كبير. (جسد) ليست مجلة بورنوغرافية، هذا ما تقوله جمانة وهي تعدد التعريفات السلبية لمجلة (جسد)، وأي وهي تعدد كل ما ليست (جسد) عليه. تستدرك أنها لا تتنصل من مفهوم البورنوغرافية. هل يعني هذا أنها ترى البورنوجرافيا أمرا جميلا، أو طبيعيا؟ لا. بالعكس تماما. تضيف:

"نحن نعيش في لبنان ما يكفي من البورنوغرافيا السياسية والاجتماعية والاعلامية والفنية والثقافية والعقلية والفكرية والأخلاقية، كي لا نخشى الأقل ضرراً بين أنواع من البورنوغرافيا: أي النوع الحرفي والمباشر."

أي هي تنسب للبورنوغرافيا كل الكوارث التي يمر بها لبنان الآن، تستعمل "بورنوغرافيا" كوصمة لكي تسب وضع البلد. تستجيب لسائر المجازات التي تربط أفعال الجنس بالشر، تقول وهي تعدد مظاهر النفاق الاجتماعي في الوطن العربي:

"ننهى عن المنكر بيد، ونمارس الدعارة الفكرية (وهي الأدهى (الجنسية) باليد الثانية".

أو:

"نسمّي نشر قصائد أو قصص أو نصوص أو ترجمات تنتمي الى الكتابات الأدبية الايروتيكية في مجلة ثقافية عربية: بورنوغرافيا."

هكذا يمكننا أن نفهم عدم تنصل الكاتبة من لفظ "البورنوغرافيا". لم يكن هذا نابعا من فرط التحرر، وإنما من فرط الاحتشام، على ما يبدو.

4

تعدد جمانة التعريفات السلبية ل"جسد". ليست "جسد" مجلة بورنوغرافية، وليست مجلة نضالية ذات قضية، وليست مجلة وعظ وإرشاد، وليست نزوة ظريفة، وليست مجلة منوعات فنية. هكذا تقلب الطاولة على التعريفات المتوقعة للمجلة، ولكنها عندما تبحث عن تعريف إيجابي، يبدو هذا أصعب ما في الموضوع. فتلجأ للتهويم:

"(جسد) مشروع ثقافي وفكري وأدبي وفني جدّي، تطلّب الكثير من التفكير والتمحيص قبل أن يتبلور ويتكوّن. وهو مشروع ينتمي الى الجسد، جسد الحياة، جسد العقل وجسد القلب وجسد اللغة."

جسد الحياة وجسد العقل وجسد القلب وجسد اللغة، أي جسد يتعلق بالحياة والعقل واللغة؟ الكاتبة هنا تلجأ للتهويمات لأجل توسيع حدود الموضوع الذي تتحدث عنه، وهذا التوسيع المبالغ فيه، يهدم جذريا علاقة العنوان بالموضوع. ما الذي تعنيه كلمات مثل جسد الحياة، وجسد اللغة؟ لا أعتقد انها تعني الكثير، وربما أزيد فأقول أنها أتت فقط لسبغ القيمة على موضوع المجلة. الجسد في حد ذاته موضوع هامشي، ولابد من ربطه بالحياة والعقل واللغة، حتى تصير له قيمته الفكرية. حتى يصبح أمرا جادا.

5

ليس ما هنا هو مجرد تهويم، وإنما أمر مضمر بالاستجابة له وتصديقه. الأمر لا يتعلق بقصيدة نكتب فيها هواجسنا وإنما بمقال يتخذ، رغما عنه، من "الحقيقة" معيارا. وإذا ما تم دمج الخيال الشعري في المقال، فإن الأمر يثير الدهشة. تبرر جمانة كون مجلتها "ورقية" وليست إلكترونية قائلة:

سؤال: "لماذا لم تجعلي "جسد" مجلة الكترونية، لتجتنبي بذلك أي رقابة محتملة عليها؟"
جواب: "لأن الورق من أرقى الاجساد التي يؤتى لنا أن نلامسها، ومن أشهاها. ولأن "الدخول من الباب الضيّق"– مثلما قال أحد العظماء منذ نحو الفي عام– أجمل من رحابة الطريق الانترنتية؛ أليس كذلك؟!

ليس كذلك بالطبع. أو على الأقل، ليس هناك ما يفرض بأن يكون الأمر كذلك، سواء أحد العظماء وهو يتحدث عن الباب الضيق أو جمانة وهي تقرر أن الورق من أشهى وأرقى الأجساد، فكلاهما يتحدث عن مجازه الرومانتيكي الخاص، والشخصي تماما، ولا يفترض أبدا أن يشاركهما القارئ هذا المجاز. أليس كذلك؟!

لا أنكر الإثارة التي انتابتني وأنا أقرأ عن مجلة تختص ب"آداب الجسد وفنونه"، ولا أنكر أنني أتمنى منها الكثير، وأعتقد أنها ستكون من أهم الإصدارات في الفترة الحالية. ولست مؤهلا للحكم على مجلة لم أقرأها ولم يصدر منها عددها الأول بعد. كل ما أردت قوله هو بعض الملاحظات على مقالة جمانة حداد بخصوصها، وعلى خطاب يتحايل على الجنس بالزعيق العالي حوله، وبتجميله بالإيروتيكا، ويرى الجنس جسدا والجسد جنسا.

Friday, August 29, 2008

زعلان ليه مني يا زميلي؟


انا عاوز اتكلم معاكو النهاردة عن ظاهرة بتدمر حياتنا دلوقتي. انتو أكيد ملاحظين كم التوتر اللي بقى يحيط كل مظاهر حياتنا، ملاحظين مظاهر التنشنة في الشارع وف الشغل وف البيت, مين دلوقتي يقدر يقعد زي زمان يستمتع بأغنية حلوة. لوحة فنية جميلة. كتاب فيه معلومات مفيدة؟ ماحدش. ودا بسبب موضوع حلقتنا النهاردة. الزعل.

فيه مشاهدة بعتت لي من اسبوع تحكيلي عن مشكلتها. قالت انها اتخانقت مع جوزها علشان هو بيطفي السجاير على الأرض برغم أنها اشترت له طفاية ف كل أودة ف الشقة. الحقيقة سائر الأحداث كان مؤسف جدا. بسبب دا حصل بينهم، أنا أسف، ديفورس، والولدين اتحكم عليهم أن كل واحد يعيش ف بيت. في الحقيقة ماتتصوروش الموضوع دا أثر فيا قد إيه. كنت بسوق العربية وانا بفكر ف الموضوع دا.. والحقيقة كنت بفتكر مشكلة حصلت في حياتي أنا من كام شهر، لما اضطريت اطلق مراتي اللي انا بحبها علشان خناقة تافهة، من وقتها، ولغاية دلوقتي، وانا ندمان جدا.

***

الحقيقة إن احنا مبقاش يعدي يوم من غير ما نسمع عن منتج زعلان مع مغني، وبلد زعلانة مع بلد تانية، وأديب شاب زعلان مع أديب شاب تاني، ملاحظين؟ هه؟ انا كررت كلمة زعل في جملة واحد قد ايه؟ مالاحظتوش. طب ياللا نعيد تاني، وعدّوا معايا. أديب شاب زعلان مع أديب شاب تاني، ومنتج زعلان مع مغني، وبلد زعلانة مع بلد تانية. يعني تلات مرات قلنا كلمة زعل ف جملة واحدة. دا بيدل على إيه في رأيكو؟ على إن الزعل هو محور حياتنا دلوقتي.

انا عاوز أتكلم معاكو عن بعض النظريات اللي طلعها علماء غربيين بخصوص الزعل، العالم هنري ماكس مثلا بيتكلم ان الزعل بيزود إفرازات الغدد اللمفاوية وهي بتنقل نشاطها الى خلايا الشعر وبتضعفها مما يصيب بالصلع، اما العالم جورج ميشيل فبيأكد إن الزعل بيضعف القدرة الإنجابية للرجل، وبيختتم كتابه "عالم بلا زعل" بجملة مؤثرة جدا بيقول فيها: إن عالما من الزعلانين لن يقدر له الاستمرار حيث سوف تضعف قدراته الإنجابية إلى درجة العقم الكامل. طبعا فيه مؤتمر كبير حضره العالمين دول وواجههم شخص باكستاني مسلم بالآية القرآنية اللي بتقول: "ولا تهنوا ولا تحزنوا" مما يدل على إن العرب من ألف وربعمية سنة وهما عارفين إن الزعل مش كويس علشان البني ادم، العالمين الغربيين دول أعلنوا إسلامهم طبعا بمجرد ما سمعوا الآية القرآنية الكريمة. نسيت أقول إن العالم جلاوديوس فايبر طلع بنتيجة علمية مهمة بيؤكد فيها إن مش لازم البني آدم يزعل لأن مفيش حاجة ف الدنيا تستاهل.

***

طبعا فيه تفسيرات كتير للموضوع دا. يعني مثلا جلاوديوس بيقول إن الضغوط بتاعة الحياة اليومية هي اللي مخلية محدش طايق نفسه. أما إنريك روجر فبيقول إن الناس قلوبها مابقتش صافية لبعض زي الأول. هاهاها. طب إيه رأيكوا، وانا بركن عربيتي ديك النهار قام السايس قال لي كلمة جميلة اوي. تحبوا تسمعوها؟ قال لي: الشيطان دخل بين الناس خلاص ومش عاوز يطلع. انا قعدت افكر كتير إيه ياترى معنى الجملة دي. إيه معنى إن الشيطان دخل بين الناس. اقول لكو. يعني إنت دلوقتي زعلان مع مراتك. ومراتك زعلانة مع أختها، وهكذا، لغاية ما يوصل الموضوع لرئيس دولة يزعل مع رئيس دولة تاني، وتحصل الحروب. شفتوا الموضوع بسيط ازاي. وشفتوا ان معظم النار من مستصغر الشرار. أنا قعدت افكر إن ازاي الراجل البسيط دا، اللي هو السايس، قدر يوصل للحكمة العميقة دي؟ ودا راجل لا معاه دكتوراه من السوربون ولا معاه جايزة نوبل ولا حاجة. منين قدر يعرف إن الشيطان فعلا دخل بين الناس ومش عاوز يطلع؟ سبحان الله فعلا.

في نهاية الحلقة، أنا بقترح حملة كبيرة. يعني طبعا كل واحد يقدر يشارك فيها باللي يقدر عليه. مش عاوزين نجبر أي حد على حاجة مش عاوزها. وبقترح عنوان للحملة يكون مثلا: (إنت زعلان ليه مني يا زميلي "محاولة لرأب الصدع"). ياريت تبعتولنا اقتراحاتكوا على إيميل البرنامج

Friday, August 22, 2008

رضا يعود إلى حضن مصر

رضا عاد من شغله تعبانا يوم التلات، ولكن برغم إنه تعبان إلا أنه قرر ينزل وسط البلد علشان يشتري بنطلون. رضا يحب البنطلونات جدا. وهو يشتري البنطلونات أكثر مما يشتري القمصان، ولأن البنطلونات تدوب من عند الفخد والقمصان لا تدوب من عند الفخد، فشراء البنطلونات أبدى من شراء القمصان، هكذا يرى رضا، ولكن رضا لا يعرف أن القمصان تدوب من عند الكوع والبنطلونات لا تدوب من عند الكوع، كما أنها قليلة هي القمصان الدايبة من عند الكوع لأنها قليلة هي القمصان التي بكم طويل، ونحن الآن في الصيف، ومازال بدري على الشتا، ولهذين السببين، يحب رضا شراء البنطلونات أكثر.

المهم أن رضا طلع من محطة مترو السادات علشان يروح شارع طلعت حرب. ولكن في محطة المترو وهو طالع قالوا له إن البلد بتولع، ورضا لم يفهم. ولكنه طلع ووجد الناس كلهم يتفرجوا على شارع القصر العيني وبيصوروا، ولذا قرر رضا أن يقترب منهم ويصور هو كمان، ولإن معه عدة سامسونج جديدة بكاميرا فلقد قرر أن يستغلها. ووقف بعيد وأخذ يصور الدخان الطالع. وكان مبسوط جدا لأن المزيد من اللهب في الصورة سيجعلها أظرف. ووجد رضا امرأة تسير بجانبه وتقول حرامية بيولعوا في حرامية و لم يفهم رضا من هم الحرامية الاولانيين ولا من هم التانيين. ولكنه سأل نفسه طبعا وهو متضايق ماذا حدث للمصريين. ثم مر رجل عجوز بجواره وضحك حتى بانت سنانه الواقعة وقال كانت ناقصة بس المعلم الكبير يكون جواها وبرضه لم يفهم رضا من هو المعلم الكبير، ولكنه شعر أن في الأمر شيئا خطيرا، لأن معنى أن تكون هناك حريقة جامدة بهذا الشكل والناس غير مهتمة بهذا الشكل الجامد (عدم الاهتمام هو الذي له شكل جامد، وليس الاهتمام)، فهذا يعني أن هناك أزمة في الشخصية المصرية، ورضا لم يكن يفهم هذا الكلام الكبير من قبل ذلك وكان يتريق على من يقولونه في التليفزيون، ولكنه الآن شعر بأن الشرخ أصبح أوسع من أن يتم رتقه (ولقد استعمل رضا في أفكاره كلمة "رتقه"). كما أن الشخصية المصرية لم تعد تغسل سنانها. وكان رضا زعلانا من منظر سنان الرجل الواقعة. المهم أن رضا أخد الموبايل بتاعه وحطه في جيب البنطلون، ولقد اكتشف أن هناك خرما في جيب البنطلون فوضعه في جيب البنطلون التاني. طبعا تذكر رضا أنه عليه أن يشتري بنطلونا جديدا ولكن لم يعد لهذا أي معنى من الآن فصاعدا. سار رضا في شارع طلعت حرب ففوجئ بأطفال الشوارع يسيرون بجوار رجال الأعمال، والشيوخ الملتحين بجوار محلات اللانجيري، فاتضايق رضا زيادة، وأصبح يفكر ف الوطن أكتر.

رضا عاد من شارع طلعت حرب إلى بيته بعزبة النخل ولم يشتر البنطلون، وكمان لم يلمع الجزمة، لأن مزاجه كان متعكر جدا. وأول شيء فعله عندما جلس على الكمبيوتر هو أنه مسح الستاتوس بتاع امبارح وكان "اشتري بنطلون لونه إيه يا بشر؟" وعمل جروب على الفيسبوك سماه "ما تفوقوا بقى يا مصريين.. جرالكو إيه؟" وهكذا نام رضا يوم الثلاثاء 19/8/08 وهو حاسس إنه قدر أخيرا يعمل حاجة في البلد.

Friday, August 15, 2008

عن تناطحات السلطة: سلطة الشاعر، سلطة الأسطورة، وسلطة "السلطة" الفلسطينية


كانت أم محمود درويش تتمنى أن يدفن ابنها في قرية "جديدة"، وهي قريته التي سكن بها منذ طفولته. قالت: "كنت أريد أن يدفن ابني في جديدة، ولكنه منذ زمن طويل لم يعد ابني، إنه ابن العالم العربي كله."

الصراع الملفت حول جثة درويش انتهى بانتصار السلطة. دار الصراع بين عائلة درويش التي ترغب في دفنه بقريته "جديدة"، وبين السلطة الفلسطينية التي تسعى لدفنه في رام الله. أرادت السلطة الفلسطينية احتكار الابن الطيب لها، قمعت الرغبة العائلية البسيطة بأن يدفن ابنها إلى جانبها. هكذا تم تمزيق ما بين درويش وبين أهله بقوة، لأنه من واجبات السلطة أن تحوز لنفسها النياشين، ودرويش هو النيشان الأكبر. ما جاء ليفعله هذا المقال، هو تأمل هذا الصراع، ومقارنته بحدث آخر، تم منذ أكثر من عام، وهو زيارة درويش لحيفا، ومن هذه المقارنة نعرف كيف تخلق القصة الصحفية، وكيف تخلق السلطة أسطورتها، وتسكت الأساطير الأخرى، وتلغي حتى احتمالات تكونها.

***

في البداية، ومع تواتر الأخبار عن زيارة مرتقبة يقوم بها محمود درويش إلى حيفا بعد مايقرب من أربعين عاما من مغادرتها، بدا الجميع مرتبكا، لم يصدق أحد. بالتدريج، وخلال ساعات، بدأوا في التصديق، وفي ملاحظة أن "القصة"، بمعناها الصحافي، على وشك أن تتحقق الآن. أشارت وقتها جميع المانشيتات الصحفية إلى "العودة"، وأي عودة سوى العودة الى حيفا. الزيارة بشرت بها عناوين صحفية كثيرة وذكية: "محمود درويش عائد إلى حيفا"، "أحمد العربي يصعد كي يرى حيفا ويقفز"، و"محمود درويش على "مشارف" "الكرمل".

كل شيء كان حاضرا في هذه العناوين الثلاثة: غسان كنفاني، وهو الفلسطيني ببيروت، عبر عمله الروائي "عائد إلى حيفا"، سهام داود والتي نظمت الامسية، هي الفلسطينية بإسرائيل، عبر عملها الصحافي، بدورية "مشارف"، ودرويش يحضر عبره هو ذاته، الفلسطيني برام الله وعمّان، وعبر عمله الشعري، "أحمد الزعتر"، والصحافي، "دورية الكرمل". هكذا، تجتمع المنافي، تعود إلى فلسطين الأصلية، التاريخية، فلسطين التي أصبح اسمها إسرائيل، فلسطين 48. هكذا يمكننا ان نفهم "عودة" وليس "زيارة" محمود درويش لحيفا، الفلسطينيون يجتمعون برمز فلسطين، بالشخص الذي خلق فلسطين الأدبية أكثر من أي شخص آخر، الشتات الفلسطيني يلتم ببعضه.

***

ألفا شخص حضروا الامسية وقتها. أية أمسية أدبية في إسرائيل يمكنها أن تجمع ألفين شخصا؟ ولا واحدة. كان هذا مثيرا لغيرة إسرائيليين كثيرين، كما تشهد بذلك تعليقاتهم على تغطيات الأمسية في الصحف العبرية. قال أحدهم أنه أحس كما لو كان في أم الفحم وليس في حيفا. لساعتين تحولت حيفا إلى مدينة فلسطينية، مثلها مثل أم الفحم. بمعنى آخر أدق، ليس فقط أن درويش عاد إلى فلسطينه، وإنما "عادت" حيفا أيضا إلى فلسطينيتها، ليست فقط لأنها تحولت إلى مدينة تشبه أم الفحم، ولكن أيضا باحتشادها لرؤية خالق فلسطين الأدبية.

يصعب العثور على شخص كتب فلسطين، وارتبطت صورتها بصورته، كما فعل درويش، ربما بخلاف عرفات شخصيا. مع النكبة، فر الطفل محمود من قريته الجليلية مع الفارين، كما تسلل إليها عائدا مع المتسللين، رفض الجنسية الإسرائيلية عند سن معين، غادر فلسطين 48، ثم انصهر في مصهر الشتات الفلسطيني، بيروت، مع المنصهرين. بالتزامن مع كل هذا، كانت الأرض تنمو في قصيدته، مثلما ينمو في قصيدته المخيم الذي حل بديلا مؤقتا عن الوطن، ومثلما ينمو الفلسطيني، اللاجئ المولود في نفس المخيم. خلق درويش فلسطين حديثة تشبه تلك التوراتية، سفرجل وزعتر وسنونو، حبقا وزنزلخت، ولكن أيضا، بندقية وبركانا وهوية. الهوية كانت هي كلمة السر في عدد من قصائده الأكثر انتشارا. في النهاية لم تكن صورة وهوية فلسطين لتتكون بالشكل الذي هي عليه الآن من دونه، في هذا الأمر يبدو إنجازه أكبر بما لا يقارن حتى من إنجاز إدوار سعيد نفسه.

يدرك هذا وقتها عباس بيضون، يدرك التماهي بين درويش وفلسطين الى حد صار يمكن بمقتضاه اختزال أحدهما في الآخر، يكتب في السفير اللبنانية قائلا عن زيارة درويش لحيفا بعد 37 عاما من مغادرته لها: "إذ حينما تكون وطنية محمود درويش على المحك فإن الأمر مهول وخطر، فأن تكون وطنية شاعر الهوية الفلسطينية ورمزها الأدبي متهمة فهذا يعني أن الثقافة الفلسطينية التي احتل درويش هذا المقام فيها متهمة وموصومة أيضاً."

***

لم تنطلق كلمة بيضون من الفراغ، كانت إسهاما في سجال جوهري حول توصيف زيارة درويش، هل هي "زيارة" أم "عودة"، هل هي "عودة" أم شيئا يشبه ما يسمى أحيانا ب"التطبيع". بدا بيار أبي صعب وقتها، في الأخبار اللبنانية، وهو يطلب من محمود درويش ألا يزور حيفا مستشهادا بمقاطعة الفريق الإنجليزي "الرولينج ستون" لإسرائيل، بدا وكأنه يضرب في العمق. في الواقع كان أبي صعب مبلبلا، رمز فلسطين يتمرد على أول المحرمات بخصوصها، مقاطعة إسرائيل. أما الفلسطينية عدنية شبلي فلها إطار آخر تضع فيه الزيارة. ترد على أبي صعب في نفس المكان: "فجأة إذاً كي يصبح محمود درويش الفلسطيني مؤازراً لفلسطين، عليه أن يتحول إلى إنكليزي ذي ضمير سياسي، عليه أن يتعامل مع فلسطين المحتلة في عام 1948، بلده، على أنها إسرائيل، عليه أن يعتبر فلسطينيي الداخل على أنهم إسرائيليون، أن يعلن أن حيفا هي أرض العدو!"

محمود درويش غير الرولينج ستون. الرولينج ستون قد "يزورون" حيفا بينما درويش "يعود" إلى حيفا، الرولينج ستون عندما يزورون فلسطين فإن فلسطين تصبح هي إسرائيل، أما لدى درويش، الفلسطيني بألف لام التعريف، فأن الأمر يصبح مختلفا، يصبح التحام الفلسطيني بأرضه. ثمان وأربعون ساعة فقط كان يمكن لها أن تحشد كل العواطف حولها، تصبح الزيارة عودة، أو شبهة عودة. هكذا يضطر درويش للقول في حوار مع هآرتس قبيل سفره: "لا أريد إخافة القراء. فأنا لا أنوي تحقيق حق العودة". كما يضطر للحديث مطولا قبل السفر عن مفهوم العودة مع صحيفة الاتحاد الحيفاوية. ينفى المفهوم، من الناحية الفلسفية، مستشهدا بعوليس وإيثاكا. وللمفارقة فقط، كان درويش قد عمل بصحيفة الاتحاد قبل مغادرته فلسطين 48، والآن "تعود" هي إليه لتحاوره شاعرا كبيرا وتطلب منه استحضار فترة عمله هناك مع إميل حبيبي، أي الرجوع بشكل ما إلى ماضيه. العودة كانت هي العنوان الذي لا مفر منه للحدث.

السؤال الأساسي هنا الآن: لماذا لم يتم إذن طرح مفهوم "العودة"، كعنوان لرغبة عائلة درويش بأن يدفن ابنها بجانبها؟ لماذا تم تغييب المفهوم وإلغاء احتمال تشكل الأسطورة و"القصة الصحفية"؟ ولماذا وصفت رغبة العائلة في حدودها الدنيا: رغبة عائلية فقط وليست رمزية، اشتياق إلى جسد الابن وليس التحاما، تأجل طويلا، بين الشاعر وأرضه؟ على عكس ما حدث في قصة "العودة إلى حيفا"؟ الإجابة: لأن السلطة كانت هي الخصم هذه المرة، والسلطة هي في رام الله، وليست في "جديدة". والسلطة هي ما كانت تعني هذه المرة "فلسطين".

***


كان التئام الجرح في حيفا وقتها مؤلما تماما، تم عبر الجيش الإسرائيلي. منع الجيش درويش من البقاء في حيفا لأكثر من يومين، بينما كانت سهام داود قد أعلنت عن أن درويش لو بقى أسبوعا كما طلبت كان ليتمكن من زيارة أمه التي تبلغ تسعين عاما والمقيمة في قرية "جديدة". لا يصرح الجيش، ولكن درويش يتمكن من زيارة أمه في الثماني وأربعين ساعة التي قضاها ببلده. هكذا، تتطور القصة الخاصة بالجرح الفلسطيني: تم تقصير فترة إقامة درويش بشكل عمدي، عسكري، لمنع الشاعر القومي، شاعر فلسطين، من الالتقاء بأهله وبأرضه بالمعنى الفعلي والمجازي للكلمة. ولكن برغم المنع الإسرائيلي، فقد أمكن للفلسطيني الالتئام بأرضه وبأمه. تشتعل كل العواطف حول الأمسية، لتصبح رمزا لإغلاق الدائرة التي طال فتحها طويلا، والتعبير لمحمود درويش، الذي يقول في حواره لهاآرتس ردا على السؤال عن سبب مغادرته بلدته منذ 37 عاما: "حتى أعود بعد 37 عاما. هذا يعني أنني لم أنزل من الكرمل في 70 ولم أعد في 2007. كل شيء هو مجاز. أنا الآن في رام الله وفي الأسبوع القادم سأكون في الكرمل وأتذكر أنني لم أكن هناك لأربعين عاما، فهذا يعني أن الدائرة أغلقت وكل السفر الذي طال سنوات كان مجازا."

***

العودة مفهوم مستحيل بلا شك. لا أحد يعود وإنما الجميع يسيرون في طرق جديدة، بلا أمل في الالتفات الحقيقي إلى الخلف، ومن استحالته تنبع رومانتيكيته، هو الحلم الذي يطمح الجميع لتحقيقه ولا يستطيعون، كما أنهم في نفس الوقت لا يستطيعون التخلي عنه نهائيا. من هنا حضر عرب إسرائيل، هم ذوو الجنسية الإسرائيلية، الأمسية، بهدف العودة لفلسطينيتهم، ومن ذا قادر على منحهم إياها سوى درويش، وبهدف رؤية درويش عائدا إلى فلسطينه، فلسطينه التي لم يجد المحامي خالد محاميد، وهو أحد حضور أمسية درويش، تعبيرا عنها أكثر احتشادا من بعض أوراق الليمون جمعها من بيت الشاعر الكبير بقرية البروة التي ولد بها. ينتظر محاميد انتهاء درويش من أمسيته ليمنحها له، متخيلا بالتأكيد لحظات عاطفية جياشة، دموعا وعناقا حارا بين الشاعر وتراب أرضه، بين تراب الأرض وشاعره. ولأن لا أحد يعود فعلا، فلم يأخذها درويش. درويش كان يحاول اختزال البعد الدرامي إلى أقصى حد. يغادر القاعة مسرعا غير سامح للصحفيين بطرح أية أسئلة عليه، ومقللا بشكل متعمد من إمكانيات كتابة "قصة" صحفية عن هذه الزيارة. وعلى الرغم من هذا تمت وقتها كتابة القصة.

العكس من هذا تماما يحدث الآن. درويش نفسه، قبل موته بأسبوعين، يعود إلى قريته، يقبل أمه ويخبرها بقرار خضوعه للعملية بأمريكا. كأنه يريد كتابة قصة "عودته"، التحامه بأرضه المتزامن مع الموت، وعلى الرغم من هذا، تقرر السلطة استبعاد عائلته، فصله عن أرضه الأولى، واحتكار جثمانه لنفسها. وتستجيب العائلة، لأنه "منذ زمن طويل لم يعد ابنها. وإنما ابن العالم العربي كله." والعالم العربي يوجد في رام الله، وليس في أي مكان آخر.



المقال منشور في السفير اللبنانية بتاريخ 15/8/08، في إطار ملحق أسبوعي شامل عن محمود درويش

Friday, August 08, 2008

لهيب الغضب الجامد

قهوة. اثنان يتناقشان بحدة. على الترابيزة أمامهما مكتوب بخط كبير "مثقفين". فجأة يسكت الجميع. أبصارهم تتعلق بباب القهوة. في ترقب ربما. في خوف ربما. في مزيج من الترقب والخوف ربما. الكاميرا تنتقل بسرعة إلى الباب. ظل بخارجه. فجأة ينفتح الباب بقوة. يظهر شخص طويل. بنظارة تخينة. دقنه منبتة. الجميع يهتفون: "سوبر موكاتي. إنه سوبر موكاتي. كم أننا نحب سوبر موكاتي". ينحني نصف انحناءة وهو مكشر ثم يتجه نحو الترابيزة المكتوب عليها "مثقفين".

***

الاتنين الذين يتناقشون أصبحوا تلاتة. الكاميرا تنظر إلى موكاتي مباشرة. لا ينطق تقريبا. ينظر إلى المتناقشين بعبوس حكيم. بين الحين والآخر يخرج سيجارة كيلوباترا ويدخنها. تبدأ الكلمات التي ينطقها الإتنين المثقفين في الوضوح. الشخص على اليمين مكتوب فوقه "نائل سخصية" مع سهم يشير له، ويقول: زيارة فنان الكاريكاتير عبد الحق مساهل أبو عرب لإسرائيل لن تمر بالساهل. لابد من أخذ موقف. الثاني مكتوب فوقه "أمير الحزن الرومانسي" مع سهم يشير له، وهو مستسلم للاكتئاب وينطق مقاطعه ببطء: أنا حزين. أنا حزين. أنا حزين. أنا مودي وحش أوي بسبب دا. لقد انخدعت في هذا الرجل كل السنوات الماضية.

***

الآن الكاميرا تقترب أكثر من وجه موكاتي. إنها لا تقترب. إنها تتوغل. إنها تخترق. الآن نحن داخل رقبة موكاتي ونرى شلالات الدم وهي تصعد من تحت إلى فوق. بعنف هائج. بثورة رهيبة. المشهد كله أحمر. كرات الدم البيضاء تندحر بسرعة. كرات الدم الحمراء التي تغزو المشهد تهتف بقوة: الغضب الغضب. الانتقام الانتقام. الكاميرا تصعد لفوق. عند المخ، جزء مكتوب عليه "مركز الذاكرة" مع سهم يشير إليه. نرى صلاح الدين الأيوبي وهو يحرر القدس. قطز وهو يدحر التتار. سليمان خاطر وهو يقتل الصهاينة. عبد الناصر وهو يقول: سنقاتل سنقاتل سنقاتل. المصريين وهم ينتفضون في سبعتاشر وتمنتاشر يناير. تعود الكاميرا إلى خارج موكاتي. وجهه أحمر جدا، فجأة يندفع الدم من ودانه وعينيه ومناخيره بغضب. يصرخ بعنف: موكاتااااااااااه. المشهد أحمر تماما. لا نرى شيئا.

***

الكرة الأرضية. موكاتي (وقد تحول إلى سوبر موكاتي وطلع له جناح من وراء ظهره) يقف على الحتة التي فيها مصر. ظهره إلى الكاميرا. ينظر قدامه ثم ينطلق. يطير في السماء. الكاميرا على وجهه وهو يطير. يضم قبضته إلينا. ويده الثانية جنب ظهره. وبالونة كلام تظهر فوقه ومكتوب فيها "جرررررررررررررررر" كبيرة. ينزل في حتة مكتوب عليها "لندن ترحب بكم. حافظوا على نظافة عروس التايمز". سوبر موكاتي ينهج من الطريق. يشاور لتاكسي فيقف له. يقول: "آي وونت مستر عبد الحق مساهل أبو عرب بليز." سواق التاكسي يقول بعنف: "هي إيز باد مان. هي جو تو إسرائيل." يبتسم سوبر موكاتي برضا وتظهر بالونة كلام فوق راسه: "عمار يا لندن بناسك وبأهلك الطيبين". وعندما يتوقف التاكسي أمام بيت عبد الحق مساهل أبو عرب يعطيه سوبر موكاتي جنيه ونص فوق حسابه، لأنه انبسط منه خالص، لأن سواق التاكسي لم ينس أبوه الطيب الذي استشهد في الحرب ضد إسرائيل، لأنه لم ينس تاره. ولذلك قالّه يستناه وهو طالع كمان، وهيكرمه في الحساب خالص.

***

أودة نوم عبد الحق مساهل أبو عرب من الداخل. عبد الحق مساهل أبو عرب يتكلم في التليفون مع أصدقائه من المطبعين حول كل الأمور التطبيعية. فجأة يشعر بدَرْبكة جامدة. يقول لصاحبه في التليفون: انتظر قليلا. سأرى ماذا هناك ثم سنعود لنواصل حديثنا حول أهمية التطبيع وكيفية اختراق جبهة المثقفين الشرفاء. يخرج إلى الصالة. يفاجئ بسوبر موكاتي أمامه. يقول مرتجفا: سوبر موكاتي. كيف عرفت مكاني هنا؟ لم أكن أظن أن الشرفاء والمهمومين بالوطن سيعرفون مكاني أبدا. في هذه الأثناء يكون يبكي بقوة. ينزل على السجادة. يمسح دموعه فيها. سوبر موكاتي يقف أمامه منتصب القامة، مرفوع الهامة. يصرخ بقوة: سيف الحااااااااق. ويخرج من تحت حزامه سيف طويل، ولكن عبد الحق مساهل أبو عرب يكون قد اختفى. سوبر موكاتي يصرخ: عيووووووووون الوطااااااان. تظهر له ست عيون في وجهه يتمكن بها من أن يرى كل شيء. يرى عبد الحق مساهل أبو عرب وهو مستخبي تحت الترابيزة. يذهب إلى الترابيزة. يوطي لكي يجيبه، ولكن عضلة ضهره تشد فيقرر أن يشيل الترابيزة من فوقه. ولكنه يكتشف أن فوقها الكمبيوتر وهو ثقيل جدا. يصرخ: عضلات التاريييييييخ. تنبت في ذراعه عضلات جامدة جدا فيشيل الترابيزة. يظهر عبد الحق مساهل أبو عرب من تحتها. ينظر في عيني سوبر موكاتي برعب. يضربه سوبر موكاتي بالسيف ولكنه لا يهتز لأن أصدقائه المطبعين أهدوه قميص واقي ضد السيوف. يصرخ سوبر موكاتي: موتابيييييييييييييييييييييييييييييييي. يو موتابييييييييي.

"موسيقي متوترة جدا". الكاميرا على وجه عبد الحق مساهل أبو عرب الذي يتذكر أنه موتابي. يعرف أنه دمر تاريخه. أنه دمر كل ذكرى حلوة في الوطن. يتشنج. يصرخ. يتقلب على ظهره وبطنه. يظل يضرب الأرض بقبضته وهو يصرخ: لأه. لأه. لأااااااااااااااه. يظل يصغر ويصغر حتى يختفي. سوبر موكاتي يعود إلى الهدوء شيئا فشيئا. يعود إلى طبيعته كموكاتي عادي. تختفي العيون الستة التي ظهرت له وتختفي العضلات ويختفي السيف. يخرج الموبايل علشان يبص في الساعة فيفاجأ بأن الأمير تشارلز بعت له رسالة بيهنيه فيها بجهوده في تخليص الوطن من الموتابين. ويقرر أن يخرج بسرعة علشان يلحق سواق التاكسي قبل أن يزهق ويمشي.

Friday, August 01, 2008

الخلطة السحرية أو القواعد العشر لكتابة رواية ذهنية

عزيزي الكاتب الشاب

أتيتني منذ ساعات. طلبت مني أن أساعدك على كتابة رواية ذهنية. حذرتك وقتها لو تذكر. رددتَ عليّ بأن الكثيرين من قبلي قد حذروك. الآن، وقد علمت أن الطريق طويل وصعب وغير ممهد من قبلك، فإنني ملزم بمساعدتك بناء على طلبك، وها أنا أفصل لك بعض قواعد الرواية الذهنية، لتساعدك على كتابة نصك الأول، ولكن تذكر دائما: إنت اللي اخترت، ولقد قلنا لك بلاش يا أبا بدوي


أولا: قاعدة المصلحة دي ماتخصنيش يا باشا:

ابدأ بالتبرؤ من الرواية، أنت لم تكتب هذه الرواية وإنما كانت جزءا من مخطوط عثرت عليه في أحد الأماكن الغامضة، دير كبير، تكية لا تزال قائمة، شخص ظهر في حياتك مرة واحدة ليسلمه لك. يستحسن أن تكون بعض صفحات المخطوط قد تهرأت أو احترقت أطرافها، وأضف في هوامش روايتك بعض الاقتراحات للكلمات غير الواضحة بفعل قدم المخطوط.


ثانيا، قاعدة فيه سر غامض في عينيكي:

لغز غامض يحوط أبطال الرواية، البطل يبحث عن حل اللغز. اللغز يهدد حياتنا، يحوطها، ويقترب منا. لاحظ أن البطل لا يبحث عن قاتل بعينه مثلا، فهو ليس في ملف المستقبل، وإنما يبحث عن حل للغز كبير، لا يشترط أن واحدا بعينه قد قام به. في بداية بحثه تتكاثر الخيوط التي تصله بالحل، ولكنها كلها، ويا عجبا، تناقض بعضها. قبل نهاية الرواية يكون الكلام قد قل عن حل اللغز، في النهاية بالضبط يكون القراء قد اقتنعوا بأن الطريق إلى حل اللغز، مثل الطريق إلى إيثاكا، هو ألذ وأطعم من الحل نفسه. بمعى آخر: البطل حتى نهاية الرواية يفشل في الكشف عن الحل، لكن لأن المؤلف هو واسطته الجامدة، فإنه يتم الصهينة على الموضوع.


ثالثا، قاعدة أحسن ناس الناس بتوع زمان:

أنت لا تكتب رواية وإنما عثرت على مخطوط، لذا يستحسن أن تكون قد درست الفترة التي تتحدث عنها جيدا. وعليه فلا يجب أن تظهر أية ملامح مشتركة بين الناس في روايتك والناس في أيامنا، يجب أن يظهروا كناس تاريخيين، وتاريخيين فحسب، كل ملامحهم هي ملامح تاريخية. لا تمر سريعا على التفاصيل فأنت لا تكتب رواية عادية، استنى وروق وطول بالك عند التفاصيل لأنها هي التي ستثبت للناس أنك بتكتب رواية تاريخية، طبعا من المفضل جدا الحديث مطولا عن عقائد الناس بتوع زمان، ووصفها بشكل غامض جدا بحيث تبدو مختلفة تمام الاختلاف عن عقائد الناس بتوع اليومين دول.


رابعا، قاعدة الحاجات اللي مالهاش علاقة ببعض:

اقطع السرد فجأة، تحدث مثلا عن حفرة وقع بها أحد الصليبيين في بيت المقدس، تابع تاريخ الحفرة بالموازاة مع تاريخ الجندي الصليبي، لا تدعهما يفلتان منك أبدا، في النهاية، يموت الجندي والحفرة يتم ردمها فلا تعود حفرة. اقطع الحديث وعد إلى السرد الأصلي، ببراءة وبشكل طبيعي وكأنك لم تفعل شيئا منذ قليل.


خامسا، قاعدة ذهبية، مين مايحبش نيتشة:

هناك دائما حوار فلسفي بين جميع الأبطال، في النادي، في العربية، على القهوة، يتحدث الأبطال عن هيجل ونيتشة وشبنهاور (انتبه، ليس هابرماس أو هايدجر أو باختين). وعلى الرغم من أن روايتك ذهنية، فإنه لا يستحب الحديث عن الأفكار المجردة لهؤلاء الفلاسفة العظام، الحديث عن نساء الفلاسفة وعيوبهم الخلقية ومشاكلهم مع الجمهور دوما هو حديث أكثر ظرفا، حتى لو تعلق الأمر بروايتك الذهنية، ودوما ما يجد أبطال الرواية ذلك القهوجي الذي يجلس متأملا وفجأة يلقي جملة عن نيتشة تبين أنه فاهم كل حاجة ابن الأروبة.


سادسا، قاعدة الغرض مرض أو اللي فيه داء مايبطلوش:

البطل مصاب بهاجس، يسعى لتحقيق فكرة غريبة، تبدو تافهة لكن لأنها مسيطرة عليه بقوة فإنها تتحول إلى أساس الرواية، هذا الهاجس، التافه لكن المسيطر، هو الذي يجعل البطل يكتشف أسرار الحياة والموت والميلاد والتاريخ.


سابعا، قاعدة جابوا للمجنون ألف عقل على عقله:

البطل مصاب بهاجس كما قلنا، ولكن ليس هذا فقط، أحيانا بتيجي له حالة نفسية أيضا، أحيانا يرى ناس وعندما يسأل عليهم بعد ذلك يكتشف أنهم ماتوا من زمان، يكلم شخصا على التليفون وفي نفس الوقت يشاهده من بلكونة بيته وهو ماشي مع المزة وعمالين يقولوا كلام حب لبعض. احذر من أن تصف البطل بأنه تعبان ف دماغه، هو فقط يعاني من بعض المشاكل الوجودية، يعاني مشكلة اليقين في ذاته وفي الآخرين، كما سيقول النقاد عنه، وليس أنت. أما انت بقى يا بطل، تعامل مع الأمر بشكل طبيعي جدا، لا شيء حدث يستحق التبرير.


ثامنا، قاعدة قولي لي يا مرايتي أو أنا مش عارفني أنا مش لاقيني:

المراية عنصر مهم جدا. فيها يتعرف البطل على نفسه. ومنها يتأكد من وجوده، لأنه دائم المعاناة مع فكرة وجوده غير اليقيني. والمرايا هي ما تجعله يتأكد من وجوده. ولكن ماذا لو كانت المرايا تقدم له كل يوم صورة مختلفة مثلا عن وجهه. وماذا لو كان يضحك ورأى صورته في المراية مكشرة، وماذا لو كانت المرايا مكسورة ورأى أورته عريضة جدا بشكل كوميدي وعينيه مضغوطة جدا بشكل كوميدي أيضا. العب يا بطل، عيش مع المراية. هتعمل معاها احلى شغل.


تاسعا، قاعدة الفيلم دا كله مواعظ:

الموعظة مهمة، على عكس ما تتخيل, ضع موعظة على لسان أحد الأبطال أو على لسان الكاتب – كاتب المخطوط – شخصيا. يفترض في الموعظة ألا تكون تقليدية: بدلا من الروايات غير الذهنية التي ينصح فيها الناس بالخير، فانصح أنت الناس بالضحك، بالرقص، باللعب، بالأكل كثيرا، بعدم الحنين. هذه القاعدة دقيقة وحساسة، لأن جزءا من شرعية ظهور روايتك هو أنها لا تعظ الناس، مع أن الموعظة مهمة لأن المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص، عليك إذن جعل الموعظة غير واضحة، على القارئ أن يتشرب بها بدون أن يحسها.


عاشرا، قاعدة الاتنين احسن م الواحد والتلاتة احسن م الكل:

استخدام قاعدة واحدة من دولا لا يصنع رواية ذهنية، كما أنها قليلة جدا الروايات التي استخدمت العشرة مجتمعين، يمكننا القول أن الروايات الذهنية تتدرج في الذهنية صعودا وهبوطا، ولكن دوما فاستخدام قاعدتين هو أفضل من استخدام قاعدة واحدة، والثلاثة أفضل من الاثنين، والعشرة هي الرواية الحلم. هي الرواية الذهنية بألف لام التعريف.

Friday, July 25, 2008

البراءة غير الكاملة لضحايا التحرش


استنادا إلى التقرير الصحفي المنشور في البديل "17/7/08"، وكتبته هدير المهدوي، فإن المخرجة الصحفية الشابة، نهى الرشدي، عندما تحرش بها سائق النصف نقل، طلبت العون من الواقفين في الشارع. قال بعضهم لها: "ماتشوفوا أنتو لابسين إيه؟". صدمت نهى، وهي تقوم بدور الضحية في القصة، من منطق رجل الشارع، وكذلك صدم الكثيرون ممن علقوا على الخبر. ما أريد ادعاؤه أن الموضوع لم يكن صادما لهذه الدرجة، ولا الفتاة كانت ضحية لهذه الدرجة، وأنه ربما كان عليها فعلا أن "تشوف هي لابسة إيه"، وهذا ما أتت التدوينة لتفعله.

أبعد شيء عن أهداف التدوينة هو تبرئة السائق، أو الادعاء الساذج بأن الذنب الأساسي هو ذنب الفتاة، كما يدعي دوما مجتمعنا، ولكن التدوينة لم تأت أيضا لتبرئ الفتاة بشكل مطلق، وإنما لتبين كم أن كل الناس يقعون في منطقة بين البراءة الكاملة والإجرام الكامل.. سموها لعبة إن شئتم، ولكن الهدف هنا هو رصد المجتمع، كما يرى نفسه لا كما تراه نخبته المثقفة، و يتم ذلك الرصد عبر تضخيم الذنب الصغير وتجاهل الجرم الخطير، فقط لكشف أن العنف، ما كان منه بدنيا أو رمزيا، ما كان تافها أو جسيما، ليس مقصورا على فئة دون فئة، وأنه العنوان الأوسع لحياتنا الآن.

***

لنبدأ من البداية: إذا افترضنا أن هناك فتاة ما، تلبس ملابس قصيرة، شفافة، ضيقة، أو مكشوفة، أو لا تغطي شعرها، أي أنها تمارس ما يسمى "بالتبرج"، في بلد تحول الاحتشام فيها بالتدريج ليصبح هوسا، فما الذي تفعله تلك الفتاة هنا؟ إنها تعلن عن تحكمها في جسدها وملكيتها له في وجه مجتمع لا يقنع بهذا التحكم ولا هذه الملكية. هذا الإعلان هو فعل عنيف، إنه محاولة لكسر تقليد مجتمعي، وتحطيم عقلية وبناء أخرى جديدة، هذا هو الغرض "السياسي" من فعل التبرج (ناهيك عن أن هذا الفعل العنيف جاء ردا على فعل مجتمعي عنيف آخر يفرض على المرأة الاحتشام/ الاختفاء). والحديث هنا بالطبع عن المسلمات، هن من يكون "سفورهن" فعلا واعيا بذاته ومعروفة أبعاده. وهناك أغراض أخرى وراء التبرج بالطبع: ترغب الفتاة "المتبرجة"، (ويشاركها الفتى المتأنق في نفس الرغبة، حتى لو لم يكن هو موضوعنا) في التأكيد على اختلافها وعدم عاديتها. هي تريد إثارة عدة مشاعر في نفس الوقت، ليس أولها هو الشهوة الجنسية، يسبقها أحيانا الإعجاب، والتعجب، والاستهجان، والسخرية ربما. باختصار، هي لا تريد أن تكون مثل "الآخرين العابرين"، وإنما أن يكون هؤلاء "الآخرون" منفعلين بها، معجبين، مستثارين، أو غاضبين. وأن تكون ذاتها، هي الفاعلة بهم، هذا هو المبدأ العدواني الكامن في "ما يسمى بالتبرج"، مبدأ الفاعل والمفعول، ولفظ "العدواني" هنا ليس سبة، وإنما هو صفة بشرية تماما، خاصة إذا ما تعلق الأمر بالعدوانية الرمزية، لا البدنية.

ما سبق يؤكد أن الحديث هنا ليس هو الحديث الساذج عن "فتاة تسير "في حالها" فهجم عليها الأشرار لاغتصابها." خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار شخصية الفتاة ضحية التحرش: كونها مخرجة سينمائية، أي انتمائها لما يعرف "بالإنتلجنسيا"، وكونها تملك بعضا من المظاهر الاجتماعية للثراء، وفي النهاية، قوة شخصيتها التي دفعتها لاقتياد السائق إلى قسم الشرطة وتحرير محضر ضده ولامبالاتها بجميع من وقفوا ضدها. هذا يقطع أنها كانت تعي جيدا ما تفعله، وأنها لم تكن أبدا الضحية المقهورة التي تواجه مجتمعا من الأشرار غلاظ القلب. المسألة أبعد ما تكون عن صورة الأبيض والأسود التي ترتسم في صحافتنا لدى الكلام عن حوادث من هذا النوع، مع اختلاف مواقع الأبيض والأسود بينها. والدهشة هنا هي ما تثير الدهشة، أعني هنا المندهشين من المجتمع الذي يلوم الفتاة. ردود أفعال مثل "الفجيعة" و"الصدمة" في أخلاق الشعب المصري لا تثير إلا السخرية في واقع الأمر. وتدفعنا للتساؤل عن المكان الذي يعيش فيه المندهشون. هل فوجئوا بمجتمعهم؟ ألم يعايشوا تحول المجتمع لحظة بلحظة إلى مجتمع أصولي ومعاد للمرأة، وساهم بعضهم في هذا التحول أيضا؟ هل تصوروا للحظة أن مصر هي "وسط البلد"؟ فعل تحطيم قيم المجتمع لبناء قيم جديدة، لابد أن يتم الرد عليه بقوة من قبل المجتمع. نعرف من أدبيات الثورة أن "الحرية" لا تمر دون دماء كثيرة، كثيرة ومتوقعة وعادية تماما.

***

بشكل ما، يعتقد المغتصب أو المتحرش أنه يلبي الاحتياج الجنسي "للمتبرجة". هو يتصور إنها "تتبرج" لأنها تريد أن يتم التحرش بها، وهو من يحقق لها أمنيتها. قال السائق للفتاة وهو يعتذر لها لم يكن يتصور أنها "ستزعل". نعم، لقد تصور أنها ستكون سعيدة بالتحرش. و لكن في الحقيقة فالمتبرجة (أو المتبرج، طالما لا يوجد وصف أفضل للشاب "الغندور") لم تكن لتصبح "سعيدة"، لقد كانت فقط تطمح في درجة معينة من إثارة الشخص المقابل لها، درجة لطيفة، ترضي نرجسيتها، مثلما يرضي نرجسية أي شاب أن يكون مثيرا بالنسبة للفتيات. وما الذي فعله المغتصب أو المتحرش في هذه الحالة؟ لقد بالغ كثيرا في تصوره عن رغباتها. هذا ما حدث فقط، إذا ما رددنا الأمر إلى أبعاده الطبيعية، وليس تلك الأبعاد الشيطانية التي يتصورها أي وصف لصراع بين "مجرم" بالكامل و"ضحية" بالكامل.

نعرف جميعا تعريف المجرم، ليس هو من يؤذي الناس، بحسب التعريف المدرسي، ولكن هو الذي يتمرد على القواعد الموضوعة سلفا، ويحاول وضع قواعد جديدة، أو فرض مفهوم مختلف عن الجسد والحياة، وهذا ما فعلته الفتاة، وبهذا المفهوم فهي مجرمة، من وجهة نظر المجتمع الذي يضع قواعد البراءة والإجرام.

Friday, July 18, 2008

super mu-ka-ti



أعرفكم بنفسي.. اسمي سوبر مو-كا-تي super mu-ka-ti.


أنا بطل خارق.. وأنتم عارفين إن الأبطال الخارقين لا تكون أسماؤهم غريبة.. وإنتم فاكرين إن إسمي غريب ولكنه مش غريب.. أصلا هو سوبر مُقاطع، ولكن من أجل التسهيل على الناس الذين لا يتحدثو عربي فأنا سميت نفسي سوبر موكاتي.. وأنا شايف إن غلطنا الجامد هو أننا لا نحدث الغرب بلغته.


أنا قضيتي الأساسية هي التطبيع.. وأنا الناس الذين يطبّعون مع إسرائيل يجعلوني أزعل وأتضايق خالص.. وهم اسمهم مطبعين.. ولكن أنا أنده عليهم باسم لا أحد يعرفه غيري.. وهو الذي أتمكن به من أن أهزمهم.. وهذا الاسم هو "موتابين" والمفرد هو "مو-تا-بي".


وأنا عندما أسمع عن واحد منهم كان صاحبي ثم أصبح موتابي أظل متضايقا، والضيق اللي عندي يظل يكتر حتى يجعلني أتحول أنا كمان إلى سوبر موكاتي، ويطلع لي جناح من وراء ظهري، وأطير فورا علشان أطلع دين أبوه، وأنا أنادي بقوة: "موكاتاااااااا". ثم عندما أقترب منه أنادي عليه بكلماتي السحرية: "يو موتابي. يو موتابي خالص." وأظل أقول له يو موتابي خالص حتى يشعر بألم رهيب ثم يختفي من الوجود وهو مكسوف على الآخر.


ولذلك فإن الشعوب العربية بتحبني أوي وعندما تشوفني بتقول لي بحنية:

وي لوف يو يا مستر سوبر موكاتي we love u ya mr. super mukati .

Friday, July 11, 2008

من أجل معرفة أكثر حلاوة بالآلة الكاتبة

يقول الحاج كمال:

لما رحت الكويت بقيت اقولهم دا أنا بكتب آلة كاتبة، المهم عدا تلات تشهر مافيش شغل، ليه؟.... كل ما اروح لواحد، يقول لي والله تعرف تكتب آلة كاتبة، اقول له اه، يقولي طب اِعمل لي كدا، بتاع. المهم طبعا، ألخبط. يقول لي مينفعناش الكلام دا. طب يا عم سلامو عليكو، التاني التالت الرابع، المهم مفيش. لغاية عن طريق ناس كدا، عن طريق العيال اللي انا كنت ساكن معاهم دول عرفوني بناس، المهم قالولي فيه واحد مقاول، يعني مقاول مباني، هو على قده يعني، بيشتغل من الباطن كدا، يعني فيلا مثلا بيجيبلها شوية حديد، شوية كدا، المهم عايز واحد إيه، يقعد معاه. يقعد في المكتب، يبقى زي ما تقول سكرتير كدا كإن، هو لما يخرج الراجل المقاول دا يروح يشوف شغله، يبقى فيه واحد في المحل، على اساس زبون ييجي، حد، بتاع، يرد عليه. المهم رحت له. قعدت كدا إيه، زي ما تقول إسبوع. الراجل زي ما تقول في الاسبوع دا اداني حاجات بسيطة، فلوس يعني، على اساس آكل واشرب يعني.

***

المهم شوية أبص ألاقي إيه، الراجل دا مابيجيش، بيقعد باليومين تلاتة ماشوفوش، المهم انا معايا ايه، المفتاح، بروح افتح واقعد، بس كان فيه عنده بقى آلة كاتبة، جاب آلة كاتبة عربي انجليزي، قلت بدل ما اقعد عالفاضي كدا، اتمرن بقى آلة كاتبة انجليزي وعربي. ماهو الراجل بيسيبني وانا الآلات قدامي، وهو مايمنعش ان انت بتتمرن عليها، المهم اتقنت إيه، الآلة الكاتبة العربي والانجليزي، لدرجة كنت اجي امشي بعد آخر النهار لما آجي اروح، ابقى عينيا دي مش قادر لا أوديها يمين و شمال، من كتر مانا قاعد باصص ف الورقة. ماهو بقى اقول ايه الفترة دي هتبقى محدودة. انا مش عارف هاقعد هنا قد إيه. شهر شهرين، بس انا عاوز اترقى. عاوز اخد وظيفة احسن من كدا. الراجل دا على قده.

***

بعد خمستاشر، عشرين يوم يتضح الراجل دا نصاب، ونصب على كذا واحد، واخد مقاولات ومابيسددش، وضيع الفلوس وكدا، لدرجة بقى ييجوا ناس يتخانقوا معايا، فين الراجل، أقولهم الراجل هييجي مثلا، ماهو انا بدافع عنه. ازاي وبتاع، أمال ماجابلناش الحديد ليه، المهم بريحه، لا هيجيبلكوا الحديد، لا هيجيبلكو الاسمنت. على حسب التاني (المقاول) ما كان بيقولي. بيقولي بالراحة اصل انا ليا فلوس ف البنك متعطلة، يعني اي كلام نصب كدا. المهم شوية وبصيت لقيت واحد جاي يقول لي دا الراجل المقاول بتاعك دا ف السجن، آه والله، ف السجن ازاي، المهم طبعا قفلت الدكانة مثلا، المحل دا، ورحت رايح له، لقيته فعلا ف السجن، كان راجل ايراني، اصله ايراني، ايراني بس يعني عايش ف الكويت، المهم يعني رحت له ف السجن، قال لي والله معلش هي ظروف، المهم خليك زي ما انت وبرضه اي واحد ييجي طمنّه كدا، أنا أسبوع ولا حاجة كدا وهاطلع.

***

المهم ايه، قلت بقى اتكّ على نفسي في الآلة الكاتبة أكتر وأكتر... قلت ياد دي فرصة وممكن الوظيفة دي هتروح، والراجل كان بيديني شوية روبيات، كان بالروبية، كان العملة بتاعتهم ف الكويت، ماكانتش الدينار الكويتي، كانوا هما لسة تابعين لانجلترا وانجلترا لها علاقة بالهند، والهند مع الكويت، المهم العملة بتاع الكويت كانت روبية هندية، المهم كان اداني شوية روبيات كدا ف الأول، ولما دخل السجن مفيش حد هيديني حاجة، بقيت يعني ايه، ماكلش طقتين، اكل لي طقة باسكوت بروبية ولا حاجة، عشان امشّي، انما اتكيت على الالة الكاتبة على اساس إن أنا الفرصة خلاص بتقل بقى، باينة كدا.

***

المهم يجولي ناس عارفين بقى، زي ما تقول اتعرفت عليهم، وعرفوا بقى إن الراجل ف السجن. قالولي ان دلوقتي مصلحة ونقولهالك، انت دلوقتي الراجل دا ف السجن وانت مابدكش، انت هتقبض منين؟ محدش هيقبضك، انت خد الآلات الكاتبة دي وبيعها... قلت افرض الراجل إيه، جه. قال لي قل له ان الآلات في البيت، اي حاجة، المهم انت هتشتغل ببلاش؟ هو قال لك روح وانت عاوز تاكل، تشرب، المهم مارضيتش، قلت لأ دا مش اسلوبي، ومش طريقتي اني اعمل حاجة زي كدا، المهم شوية وانا رايح مرة الصبح كدا عالعادة لقيت إيه، المحل متشمع بالشمع الأحمر، يعني زي ما تقول قفلوهوله. كان ليا بقى شوية كتب وشوية قواميس وحاجات كدا كنت جايبها معايا جوا. المهم بسأل الجيران قالولي ماتقدرش تفتح المحل دا، دا الحكومة اللي مشمعاه، تفتحه ازاي؟ دا عليه قضية والراجل عليه فلوس. والمهم قالولي عوضك على الله ف الحاجات بتاعتك اللي جوا. ومشيت ادور على شغل تاني، بس زي ما تقول إيه، كنت عرفت الآلة الكاتبة بدرجة حلوة.