Showing posts with label العائلة المقدسة. Show all posts
Showing posts with label العائلة المقدسة. Show all posts

Friday, July 11, 2008

من أجل معرفة أكثر حلاوة بالآلة الكاتبة

يقول الحاج كمال:

لما رحت الكويت بقيت اقولهم دا أنا بكتب آلة كاتبة، المهم عدا تلات تشهر مافيش شغل، ليه؟.... كل ما اروح لواحد، يقول لي والله تعرف تكتب آلة كاتبة، اقول له اه، يقولي طب اِعمل لي كدا، بتاع. المهم طبعا، ألخبط. يقول لي مينفعناش الكلام دا. طب يا عم سلامو عليكو، التاني التالت الرابع، المهم مفيش. لغاية عن طريق ناس كدا، عن طريق العيال اللي انا كنت ساكن معاهم دول عرفوني بناس، المهم قالولي فيه واحد مقاول، يعني مقاول مباني، هو على قده يعني، بيشتغل من الباطن كدا، يعني فيلا مثلا بيجيبلها شوية حديد، شوية كدا، المهم عايز واحد إيه، يقعد معاه. يقعد في المكتب، يبقى زي ما تقول سكرتير كدا كإن، هو لما يخرج الراجل المقاول دا يروح يشوف شغله، يبقى فيه واحد في المحل، على اساس زبون ييجي، حد، بتاع، يرد عليه. المهم رحت له. قعدت كدا إيه، زي ما تقول إسبوع. الراجل زي ما تقول في الاسبوع دا اداني حاجات بسيطة، فلوس يعني، على اساس آكل واشرب يعني.

***

المهم شوية أبص ألاقي إيه، الراجل دا مابيجيش، بيقعد باليومين تلاتة ماشوفوش، المهم انا معايا ايه، المفتاح، بروح افتح واقعد، بس كان فيه عنده بقى آلة كاتبة، جاب آلة كاتبة عربي انجليزي، قلت بدل ما اقعد عالفاضي كدا، اتمرن بقى آلة كاتبة انجليزي وعربي. ماهو الراجل بيسيبني وانا الآلات قدامي، وهو مايمنعش ان انت بتتمرن عليها، المهم اتقنت إيه، الآلة الكاتبة العربي والانجليزي، لدرجة كنت اجي امشي بعد آخر النهار لما آجي اروح، ابقى عينيا دي مش قادر لا أوديها يمين و شمال، من كتر مانا قاعد باصص ف الورقة. ماهو بقى اقول ايه الفترة دي هتبقى محدودة. انا مش عارف هاقعد هنا قد إيه. شهر شهرين، بس انا عاوز اترقى. عاوز اخد وظيفة احسن من كدا. الراجل دا على قده.

***

بعد خمستاشر، عشرين يوم يتضح الراجل دا نصاب، ونصب على كذا واحد، واخد مقاولات ومابيسددش، وضيع الفلوس وكدا، لدرجة بقى ييجوا ناس يتخانقوا معايا، فين الراجل، أقولهم الراجل هييجي مثلا، ماهو انا بدافع عنه. ازاي وبتاع، أمال ماجابلناش الحديد ليه، المهم بريحه، لا هيجيبلكوا الحديد، لا هيجيبلكو الاسمنت. على حسب التاني (المقاول) ما كان بيقولي. بيقولي بالراحة اصل انا ليا فلوس ف البنك متعطلة، يعني اي كلام نصب كدا. المهم شوية وبصيت لقيت واحد جاي يقول لي دا الراجل المقاول بتاعك دا ف السجن، آه والله، ف السجن ازاي، المهم طبعا قفلت الدكانة مثلا، المحل دا، ورحت رايح له، لقيته فعلا ف السجن، كان راجل ايراني، اصله ايراني، ايراني بس يعني عايش ف الكويت، المهم يعني رحت له ف السجن، قال لي والله معلش هي ظروف، المهم خليك زي ما انت وبرضه اي واحد ييجي طمنّه كدا، أنا أسبوع ولا حاجة كدا وهاطلع.

***

المهم ايه، قلت بقى اتكّ على نفسي في الآلة الكاتبة أكتر وأكتر... قلت ياد دي فرصة وممكن الوظيفة دي هتروح، والراجل كان بيديني شوية روبيات، كان بالروبية، كان العملة بتاعتهم ف الكويت، ماكانتش الدينار الكويتي، كانوا هما لسة تابعين لانجلترا وانجلترا لها علاقة بالهند، والهند مع الكويت، المهم العملة بتاع الكويت كانت روبية هندية، المهم كان اداني شوية روبيات كدا ف الأول، ولما دخل السجن مفيش حد هيديني حاجة، بقيت يعني ايه، ماكلش طقتين، اكل لي طقة باسكوت بروبية ولا حاجة، عشان امشّي، انما اتكيت على الالة الكاتبة على اساس إن أنا الفرصة خلاص بتقل بقى، باينة كدا.

***

المهم يجولي ناس عارفين بقى، زي ما تقول اتعرفت عليهم، وعرفوا بقى إن الراجل ف السجن. قالولي ان دلوقتي مصلحة ونقولهالك، انت دلوقتي الراجل دا ف السجن وانت مابدكش، انت هتقبض منين؟ محدش هيقبضك، انت خد الآلات الكاتبة دي وبيعها... قلت افرض الراجل إيه، جه. قال لي قل له ان الآلات في البيت، اي حاجة، المهم انت هتشتغل ببلاش؟ هو قال لك روح وانت عاوز تاكل، تشرب، المهم مارضيتش، قلت لأ دا مش اسلوبي، ومش طريقتي اني اعمل حاجة زي كدا، المهم شوية وانا رايح مرة الصبح كدا عالعادة لقيت إيه، المحل متشمع بالشمع الأحمر، يعني زي ما تقول قفلوهوله. كان ليا بقى شوية كتب وشوية قواميس وحاجات كدا كنت جايبها معايا جوا. المهم بسأل الجيران قالولي ماتقدرش تفتح المحل دا، دا الحكومة اللي مشمعاه، تفتحه ازاي؟ دا عليه قضية والراجل عليه فلوس. والمهم قالولي عوضك على الله ف الحاجات بتاعتك اللي جوا. ومشيت ادور على شغل تاني، بس زي ما تقول إيه، كنت عرفت الآلة الكاتبة بدرجة حلوة.

Friday, April 04, 2008

وخلق الله من صلبه نائلا

في البدء كان الطوخي.. والطوخي كان من عند الله.. ثم خلق الله من صلبه نائلا..

في البداية بالزبط لم أكن مبسوطا. أحسست أن شخصا ما ضربني بمطوا في وشي فصار شكلي علامة أمام الرايح والجاي، وان يكون وشك علامة فهذا ليس شيئا جيدا، خصوصا إذا وضعنا في الاعتبار أنني لم أكن أبدا شخصيا اجتماعيا تماما. عندما كان أحدهم يسألني عن اسمي وكنت أقول له نائل، كان يستوضحني ثانية. كثيرون استوقفهم اسمي، استوقفهم بمعنى توقفوا عنده، وتوقفوا عنده ليس لأن المطلوب هو المزيد من الفهم، وإنما المزيد من الاستماع، وكان هذا مربكا بالنسبة لي.

أن يحيا المرء باسم غريب فهو أمر يشبه الندبة، ويشبه الديفوه في وجهك الذي يحدثك عنه كل الناس، وأنت لا تريد منهم الحديث عنه، ليس لأنك تكره هذا الديفو فحسب، وانما أيضا لأنك زهقت من الكلام عنه، وتحاول ان توضح هذا للناس، وهم لا يقتنعون، لان كل واحد منهم يكلمك عنه يكون غير الذي قبله، والجديد يمارس لاول مرة اللعبة ويراها مسلية، وانت لعبتها من قبل كثيرا وتراها مملة. وكان لدي في الكلية زميلة اسمها آثار الحكيم. سألتها السؤال الحتمي: أيهما سبق الآخر، اسمك أم اسم الممثلة؟ أجابتني بأنه اسم الممثلة، وأضافت أنها سُئلت هذا السؤال عدد شعر رأسها (ملحوظة عابرة: لم أعرف أبدا عدد المرات التي سُئلتْ فيها هذا السؤال، لأنها كانت، ببساطة يعني، محجبة). المهم، عرفت حينئذ أن هذه اللعنة ليست مرتبطة بي فحسب، وإنما بآخرين أيضا، واللعنة كلمة تحبها نهى محمود[1] (مضافا إليها كلمات أخرى مثل "التعاويذ السرية" أو "السحرية"، مثل "الحب" و"التراتيل" و"الساحرات" و"جنون العشق الأبدي"). ونهى بالمناسبة سألتني مرة عن شعوري عندما عرفتُ أنني أملك الاسم الأجمل بين أسماء جميع إخوتي، فرددت عليها بابتسامة ودود ورائقة: الله يخليكي يا نهى. وتقريبا فلقد اعتبرتها إجابة مقنعة، لأنها لم تسألني بعد ذلك نفس السؤال، فشكرا نهى.

في باص المدرسة في الاسكندرية كانت الدادة تناديني باستخدام صيغة فاتنة "يا ناير"، وكنت أحكي هذا لماما فكانت تضحك وتقول لي: قل لها أنا فبراير مش يناير، وتقعد تضحك، وانا لم أعتقد أن قولي لها أنا فبراير مش يناير سيحل الموضوع. بالعكس، فقد كان العيال سيضحكون أكثر، وضحك العيال لم يكن شيئا مبهجا تماما بالنسبة لي، وتقريبا فلقد اعتقدت أن ماما كانت تضحك طول عمرها ف سرها على اسمي، طيب يا بنت الحلال ليه وافقتي عليه ف الاول؟ لا أحد يعلم. وأنا اسمي ليس لا أحد. اسمي، كما تعرفون، هو نائل، ولولاه لما كتبت هذه التدوينة.

قرأت مرة رواية اسمها "بابل مفتاح العالم[2]". قرأتها بشغف، لسبب أكثر بساطة بكثير من الحبكة والزمن والشخصيات وكلام المثقفين: البطل كان اسمه نائل، وأنا لم أقابل في حياتي شخصا اسمه نائل، وفي المرات النادرة التي سمعت فيها هذا الاسم يتردد أمامي عن شخص غيري، كنت أحس أنني في فيلم. المهم، عندما قرأت الرواية (وبالمناسبة، فالرواية أيضا تتحدث عن الندبة، وهي تشير في عبارة قصيرة للغاية إلى أن نائل هو اسم غريب جدا، ومضحك، وكان صاحب الجملة يشفع جملته بضحكة سوقية على ما أذكر)، أقول عندما قرأت الرواية شعرت أن الدنيا مازال فيها خير يا أولاد، فهل يعقل أن يناقش كاتب، يحمل أيضا ذات الاسم، في جملة واحدة مشكلة حياتي الأبدية، ويربطها بالندبة وبتشوه الوجه!؟ لم أكن أحلم بأكثر من هذا طول عمري، فشكرا نائل.




[1] أديبة جميلة وصافية، تعشق الورد والشوكولاتة والدباديب، لها آراء ثورية في الكتابة، فهي ترى أن من يكتبون كتابة بذيئة عليهم تقليد كتابة الرومانسيين والشرفاء والمستحميين، لا العكس.

[2] "بابل مفتاح العالم" هي رواية للكاتب المصري نائل الطوخي، تناقش عدة إشكاليات في ذات الوقت، أهمها فيما أتصور هي الإشكالية التي سأتحدث عنها في الأسطر القادمة.

Friday, February 29, 2008

كمال الطوخي يعني اكتماله


صيف 96: أقترب مترددا. أقول له أنني دخلت آداب قسم عبري. لا يستوعب في البداية. ينظر لي طويلا، والنظرة الطويلة علامة على صعوبة الاستيعاب. يسألني: إشمعنى؟ ولا ينتظر إجابة. يقول ببطء: ازاي تدخل قسم عبري إذا كان خلال خمسة وعشرين سنة مش هتبقى إسرائيل موجودة.

تأملوا معي، انظروا ولا تستسلموا لغواية ملاحظات الوهلة الأولى. كمال الطوخي لم يكن مجنونا وطنيا، ولا قوميا مهووسا. هو لم يكن شيئا على الإطلاق. كان فقط، مثل أي أب، يريد لابنه أن يعمل بعد ما يتخرج. ويرى أنه حين يتخرج ستكون العبرية قد أصبحت لغة ميتة، وبالتالي فسيقعد ابنه عاطلا، لأن إسرائيل، وهذه معلومة أكيدة في رأيه ولا صلة لها بأية أيديولوجيا، ستكون قد انتهت.

***

كمال الطوخي هو إنسان النظريات. كل شيء يحدث في رأسه وما يحدث خارجها إنما يحدث بفضلها هي فحسب. فوضوي وغير مسئول ولا يعتمد عليه ويحب دماغه أكتر من أي حاجة. تجرأت مرة وقلت له أن ما يبهرني فيه هو عدم إحساسه بأي مسئولية، تجاه زوجته وأولاده وأي شخص ف الدنيا. ابتسم بثقة. قال لي: أنا بس بخطط لها كويس. من هي التي كان كمال الطوخي يخطط لها كويس؟ الدنيا، الشغل، رحلة الكفاح، خطواته؟ لا أحد يعرف. إنها لزمته المفضلة. يرى نفسه ناجحا لأنه لا يدخل أي شيء بدون تخطيط. هو يقلب المنطق وينطقني ما لم أقله، عكس ما قلته بالتحديد، ويقول أنه يخطط لها كويس، ولا يشعر لوهلة بتأنيب ضمير لأنه واصل كلامه بعدي وكأنه يكمل ما أقوله ولا يهدمه. ذات يوم، رأى كمال الطوخي جملة مكتوبة بخط عريض في الجرنان ، النجاح لا يأتي صدفة، قص الجملة بعناية وعلقها على دولابه، أصبح هو والجملة شيئا واحدا، حرص أن يلفت نظرنا للجملة طول الوقت، وله، ويقول أنا النجاح وهذا نجاحي وهو لم يأت صدفة. كمال الطوخي الذي لم يكمل أي مشروع لآخره أبدا، كمال الطوخي الذي لم يخطط لها، بصرف النظر عمن تكون هي، ولا مرة في حياته. كمال الطوخي الذي هو إنسان النظريات.

***

كمال الطوخي سافر إلى الكويت وهو عنده تمنتاشر سنة، مرض أبوه فسافر، يحكي عن هذه الفترة: "كنا بنفتح حصالات عماتك علشان نجيب بالفلوس اللي فيها أكل." سافر أبي إذن، الذي هو "أبيه كمال" على لسان عماتي الأصغر سنا، وهناك وكّل أمه لكي تشتري له أرضا تلو الأرض، في مدينة نصر والهرم والعامرية وعزبة النخل، تم إنقاذ الأربع عائلات للأربعة أعمام، وبقى أبي وحده في الكويت، وسنعرف في السطر التالي أن هذا لم يكن مصيرا مشرقا بما فيه الكفاية.

كمال الطوخي طرد من الكويت بعد غزو صدام، وقعد في البيت بلا شغل، بلا فلوس بعد أن ضاعت فلوسه هناك، وتقريبا بلا أولاد لأنه اكتشف أنه غريب بين أولاده. ثم تذكر أن له أرضا في العامرية وأرضا في مدينة نصر، وفكر في زراعة أرض العامرية أو بناء عمارة في أرض مدينة نصر، وصلى صلاة الاستخارة وأتاه الهاتف أن عليك بالعامرية. وسبب آخر يضيفه الطوخي: "الفلاحين هينصبوا عليا في عشرة عشرين جنيه، بس مقاولين العمارة هينصبوا عليا في مية ولا ميتين ألف". اختيارا لأهون الشرين إذن، واقتناعا منه بأنه منصوب عليه لابد، ذهب وزرع أرض العامرية، عاونه في زراعتها فلاحون كان يصفهم دائما بأنهم أولاد كلب، وأولاد الكلب كانوا على مستوى توقعاته تماما وأفضل: عندما زهق من الزراعة أخذ يؤجر لهم الأرض قطعة قطعة. فصاروا يدفعون مرة ومرة لا يدفعون، ويسرقون الوصولات التي يكتبها عليهم، ينطون على سقف بيته ويسرقون شنطة الوصولات.

***

كمال الطوخي تزوج تلات مرات، أم اخواتي ثم أمي ثم مراته التي لن تكون أما لأي شيء. بعد موت أمي كان يحاول تقريب الفكرة لنا بكل الأشكال، كان يشرح لنا أنه يخاف أن يموت وحده في الأرض، على هذا الأساس كان احتياجه لامرأة أربعينية: "مش عاوزها عندها تلاتين سنة. دي هتبقى عاوزاني أهشكها". هكذا قال أبي بحكمة من أكمل الخامسة والستين بجدارة. ولأنه لا يريدها بثلاثين سنة فقد تزوجها بخمس وعشرين.. إنه إله في جسم إنسان يا أولاد.

.....................................

...................................

...............................

يجلس مع ماما، وإعلان التليفزيون عن لبن ميلكي شغال. يقول لها بعد لحظة تأمل طويلة وشفطة من الشاي: عارفة يعني إيه ميلكي؟ تنتظر أن يرد بنفسه على سؤاله فيعتبر صمتها علامة جهل منها. يشرح: ملكي يعني بتاعي. يعني علبة اللبن دي بتاعتي. تقول له، كم كانت متحمسة زيادة عن اللزوم، الفاتحة لها يا إخواني: ميلك يعني لبن. ينظر لها نظرة طويلة ويبتسم باحتقار. تقريبا لا يرد. كم أحن الآن لتلك النقاشات اللغوية الفيلولوجية الرصينة حول جذور المفردات والعائلات المختلفة للغات الحية.

Friday, February 22, 2008

أغنية حب رومانسية إلى مزتي

عزيزتي ز، مزتي الجميلة، لم يكن من داع لكل هذا أبدا، كان هذا أكثر مما أريد أو مما أحلم به. كان حبك عظيما، رهيبا، كان فوق ما أتمناه بقليل، فوق ما أتمناه بكثير، لأنه كان أيضا مصحوبا بقدر لا تخطئه العين من السهوكة، طبعا لا يمكن النظر إلى سهوتك الحبيبة ودلعك المرئ الناعم إلا بشيء من السخرية، خاصة أننا قد توقفنا عن أن نكون مرتبطين منذ ما يقرب من عام ونصف. لم تستمر علاقتنا.. لم تستمر يا عروسة، لم تستمر يا أبلة، وأنا أصبر وأحتسب كل شيء عند الله.. والنعمة.

أنا لم أكن معنيا بهذا، لم أكن معنيا بأن تقولي لي بحبك كثيرا، ولا بأن تناديني بحبيبي، لم أكن معنيا بأن تحولي أي نقاش بيننا إلى نبوءة تدور حول استمرارنا معا على طول. بالمناسبة، أحيانا ما كنت أريد أن أتحدث بجد عن شيء ما وأشخاص ما غيرنا، وأكون صادقا في عدم نيتي تلقيح كلام عن علاقتنا. أحيانا ما تراود الإنسان هذه الرغبة، وفي أحيان أقل تكون هذه الرغبة صادقة، وفي أحيان أكثر قلة يكون الصدق شيئا كويسا.

في الأمثال يا يمامتي يقولون أن المليان يكب على الفاضي، وأنا كنت أريد هذا. يعني، لو كنتِ قللت بعض الشيء من فوراتك العاطفية اللذيذة، من جنونك الرومانسي الرائع، وفي مقابل ذلك استمررنا مع بعضنا، بهدوء وبدون أفوَرة، كان هذا ليصبح أكثر عدلا، استواء، استقامة، كان الأمر ليصبح على منسوب واحد، كان ليصبح نوعا من البيضان الجميل، الملل المثير للشهية، الرتابة المبهجة، وهذا ما كنت أريده.

كان واضحا مدى الجهد الذي كنت تقومين به لأجل قول كلمة حلوة، كان هذا بالتأكيد يضغط على أعصابك، مثلما أنه كان يشعرني أحيانا – أحيانا كثيرة ولكن ليس دائما – بالرغبة في الترجيع، ومع ذلك، فلم تتوقفي عن قول كل الكلمات الحلوة، حتى جزعت نفسي، شفتي ازاي؟ ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

يشكو الشاعر العربي القديم قائلا: ما ساعة بتعتبرني كتير تقيل الدم/ وساعة بدك ياني بشي ضروري. قطتي العسولة، ألا تلاحظين معي داخل هذه الأبيات طلبا صادقا ما، رجاء حارا ويائسا، مناشدة تتفتت لها الأكباد، بأن يتم تقسيم الوقت والمشاعر، ألا يكون بدك ياني بشي ضروري بهذه الطفاسة ولكن في نفس الوقت ألا تعتبرني كتير تقيل الدم في الأوقات الأخرى. منذ فجر البشرية إذن، منذ لحظة كتابة هذه الأبيات، وثمة حنين قاتل لدى الرجال للعدل العاطفي، ثمة رغبة جارحة في ذلك البيضان الجميل، الملل المثير للشهية، الرتابة المبهجة، وهذا ما كنت أريده، ما ضر إذن لو كان فعلا المليان قد قام بالكب على الفاضي؟

عزيزتي، مزتي الجميلة والرقيقة، لماذا فشختيني كل هذا الحد إذن؟

Friday, December 28, 2007

لهذه الأسباب، طلقت ليلى

أصدقائي وأعزائي، تعودنا أن نتحادث معا في أوقات السراء والضراء، أن أشكو إليكم فتشيرون علي أو تشكون لي فأمدكم بالرأي السليم. ومنذ البداية، منذ قررت أن اجعل حياتي الخاصة مشاعا لكم، لعيونكم وآذانكم الراغبة في المعرفة، على ستاتوس الفيسبوك أو في بعض التدوينات، منذئذ وأنا أؤمن بأن مصارحتي إياكم هي الطريق الأمثل للمواجهة.

عرفت أن كثيرا منكم قد اعتصره الألم لانفصالي عن ليلى، خاصة الذين تابعوا قصتنا من البداية، أؤكد أن الألم اعتصرني مثلكم بالضبط، مع فارق بسيط، فأنا يا أصدقاء يعتصرني الألم منذ خمس سنوات بالضبط، خمس سنوات وأنا أعيش جحيما يوميا، جحيما من قلة التواصل وعدم وجود أي تفاهم من أي نوع مع المرأة التي يفترض أنني أشاركها نفس السقف ونفس الجدران في علاقة يفترض أن اسمها هو زواج.

العذاب بدأ منذ خمس سنوات، ولكن وتيرته غدت أكثر تسارعا وشدة في العام الأخير، عندها بدأت ليلى في التحول إلى امرأة مقيتة، بدت كأنها تريد هدم كل ما كنت أحاول بنائه منذ زواجي بها.

أصدقائي الأعزاء، لا يتسع وقتي ولا وقتكم لأشرح كل شيء، ولكن لأسرد قصة واحدة معبرة: منذ أربعة أشهر ثارت خناقة كبيرة بيني وبينها، خناقة تافهة إذا جاز التعبير، أنا أريد نقل فوتيه من الأنتريه إلى غرفة المكتب، قدام الكمبيوتر، شرحت لها، هذا سيكون مريحا لي أكثر، فوجئت بها ترفض، ساقت وقتها عددا من الحجج مثل عدم ملائمة لون الفوتيه لغرفة المكتب وما إلى ذلك، يا بنت الحلال نحن في غرفة المكتب، من سيزورنا هناك ومن سيرانا؟ استيقظت يارا، بدأت تراقبنا بعيون مذهولة، شاهدت أمها وهي تعترض على أبيها بصوت عال، وهي تتجادل معه وتدخل في نقاش معه. شاهدت البنت كل هذا بعينيها، اضطررت أنا وقتها للصراخ بل ربما قد أكون مددت يدي عليها بشكل ما، لا أذكر بالضبط، فماذا فعلت رفيقة عمري، حياتي، حبيبة قلبي؟ تركت البيت ليومين عند أبوها، كم كانت هذه أياما كريهة.

كان يمكن لليلى أن تعارضني قبل ذلك، بل وأكثر من هذا، فلقد سمحت لها أكثر من مرة بالدخول في جدل معي حول ما يصح وما لا يصح، على الرغم من أنها تعرف جيدا كراهيتي للجدال، خاصة لو كانت امرأة، وأعتذر للجنس اللطيف، تجادل رجلا، وليلى لم تكن استثناء أبدا. فما بالك لو حدث ذلك أمام الصغيرة، التي لا تزال تتعلم بعد مبادئ الحياة، تتعلم أن الرجل رجل والمرأة مرأة. تتعلم كيف على الرجل أن يكون مطاعا في بيته، تتعلم احترام أبيها واحترام الذي لأجله وبفضله قام هذا البيت ووجدت هي نفسها!؟ اضطررت وقتها للذهاب إلي بيت نسايبي لإحضار ليلى. وكان هذا كريها ومشينا، كما تعرفون.

بعدها صارت السيدة ليلى تناقشني في كل كبيرة وصغيرة، متعمدة استفزازي، تتأخر بقصد عن إعداد الشاي، تبدأ في التذمر بمجرد أن أطلب منها شيئا، وتتحول إلى مجنونة إذا ما شرعت بالضرب الهين غير المبرح لها تنفيذا لأمر الله، وتتعمد أن توافق أو تتمنع بدون منطق محدد عندما أرغب بإقامة الواجبات الزوجية معها، بدون سبب مقنع توافق أو تتمنع، بدون مواعيد محددة توافق أو تتمنع، كأنها ترغب في وضعي على الدوام تحت رحمتها، وكل هذا تراه وتتعلمه يارا الصغيرة، تتعلم ميزان الكون مقلوبا. باختصار، بدت ليلى عازمة على طلاقها.

المهم، وحتى لا أطيل عليكم، لم يكن ممكنا أبدا للسيدة ليلى أحمد علوان أن تجعل مني أضحوكة أو أن تخلصني من سيادتي عليها، باعتباري ذكرا، وأنا هنا حريص على عدم تنميق الكلام، وبالفعل، فالذكورة هي مجد العالم، هي جوهرته، وذكورتي أنا لا تعني إلا سيادتي، ذكورتي لا تعني إلا قضيبي، وقضيبي يعني أني قادر على منح المتعة ومنح الأطفال والإيلام في نفس اللحظة، ولذا فأنا سيد وأنا مسيطر، ودعونا لا نعير أذانا لسائر المخنثين في العالم.

الآن أنا مع يارا، الآن نؤسس عالمنا الجديد والجميل، الآن اعدها لتنتقم لأبيها من زوجته السابقة، السيدة التي أذته أكثر من أي شخص آخر. الآن تتعلم الكون على استقامته مرة أخرى، تتعلم كيف يؤدي كل شخص دوره في هذا الحياة، ومن خرج عن دوره فليتحمل، أسترجع أمام يارا ما فعلته أمها، ألقنها إياه، لا أدعها تنساه أبدا، حتى إذا صارت يوما امرأة ناضجة، استطاعت الثأر للشخص الذي لولاه لما كان لها وجود.

أصدقائي وأعزائي، يوما ما، كتبت عن ليلى رواية، وقتها أسميت شخصية الرواية، وكان اسمها هو عنوان الرواية، نفس الاسم الذي لليلى ومنحت اسم أبيها الحرف الأول من اسم حمايا، أبو زوجتي الفاضل، لا أبو زوجتي الفاضلة، هذا توضيح فحسب. لا أنكر أنني أحببت ليلى يوما، وأنني حلمت أن نعيش إلى الأبد في نفس البيت ومع نفس الطفلة. الآن كل هذا ذهب أدراج الريح. ما علمته لي الحياة كان قاسيا للغاية، وأبرزه أن لا أحد يتخلى عما يعتقده لأجل شخص آخر، أو، لنكن أكثر صراحة، لأجل امرأة. هن جعلن لتتم مضاجعتهن، وحتى الآن لم أعرف لهن وظيفة أخرى ذات جدوى.

أعتذر للجميع وأشكر الجميع وأتمنى لو كان كل شيء على ما يرام لدى الجميع.

المخلص لكم دائما: نائل



Friday, July 13, 2007

في رثاء الجسد ذي التسعين عاما

بداية خميسية لطيفة. أنا في الجريدة أستريح بعد اسبوع طويل من العمل. تليفون. نينا ماتت. هتيجي تحضر الدفنة؟

من شهرين كانت آخر مرة رحت زرتها بعد ما تعبت وقعدت عند عمتي في اسكندرية. كانت المرة الوحيدة اللي اشوفها وهي تعبانة. عمتي دخلت بيا على اودتها. الاودة اللي نايمة فيها. من برة الاودة شفت سريرين. سرير عليه كوفرتة مكرمشة، مش مترتبة كويس. والتاني عليه كوفرتة مفروشة. أين هي إذن؟
جدتي يا حضرات كانت قد صغرت. صغرت كثيرا. كانت موجودة تحت إحدى طيات الكوفرتة. هذا كان اكتشافي المأساوي. أزاحت عمتي الكوفرتة فظهرت من تحتها، عظام متلاحمة وبعض اللحم. عينان تبرقان وفم بلا أسنان، هي ذات التسعين عاما. ماكانش ممكن مفتكرش اورسولا، الجدة في مائة عام من العزلة، ظلت تهرم وتصغر، تهرم وتصغر، تهرم وتصغر حتى اضطر أولادها إلى حملها معهم في علبة كبريت، تقريبا كانت علبة كبريت. وأنا بطبطب عليها اكتشفت أنني تقريبا أكاد أحتويها بقبضة يدي.


رجعت البيت راكبا الأوتوبيس. في الأوتوبيس يظهر الرجل الحتم، الضرورة، الذي لا مفر منه: أخي المؤمن أختي المؤمنة، تبرعوا لبناء بيت الله. افكر في انني لو كنت بطلا من ابطال روايات الستينيات او من افلام صلاح ابو سيف لهتفت ثائرا ولماذا أتبرع لبيت الله والله لم يمنع الموت، ولضربت الراجل ولطلعت تلاتة مايتين امه. لكني ماعملتش كدا، لاني اولا مش بطل في روايات الستينيات ولإني كمان مش شايف ان منع ربنا لموت ستي كان هيبقى حاجة مهمة، او على الاقل حاجة تستاهل خناقة عشانها.

- أصريت أنزل أدفنها بنفسي وشفت القبر من جوا.

- وكان إحساسك إيه؟

- أودة صغيرة وفاضية بس بتنزلي لها بسلم واطي اوي وانا طويل وبضطر اتني نفسي.

- لا لا مش قصدي. قصدت إحساسك كان إيه؟

- مش عارف. بس ماكنتش خايف، لو دا اللي بتسالي عليه. كان عندي فضول بس.


ولأنني أعلم أعزك الله عزيزي القارئ، أنك تملك عين الفضول الرهيب لمعرفة كيف يبدو القبر، هذا إن لم تكن تُرَبِيا بطبيعتك، أو لم تسبق لك معاينته كما فعلت أنا وعاينت، لهذا بالتحديد، فسوف لن أحدثك عنه، فقط سوف أتذكر عبلة كامل في الحلقة الأخيرة من حديث الصباح والمساء وهي تجلس بداخله وقد تعبت من عد الداخلين الذين لا يخرجون وقالت عن الموت كلمة حكمة لكنها في النهاية فانتاستيكا.