Friday, November 30, 2007

الرجوع إلى الوراء

في البداية أحببت أن أرجع إلى الوراء خطوة، عادي، دست باك، رجعت إلى الصفحة السابقة على شاشة الكمبيوتر، الكمبيوتر كان شغالا لمدة ثلاثة أيام، كنت أحمل عليه أفلاما لثلاثة أيام، وأنا فاتح شاشة الفيسبوك، وفاتح المدونة، وفاتح الإيميل، وشغال، لتلات أيام كنت شغال، بلا راحة، والجهاز لا يشتكي يا عين أمه، رجعت إلى الوراء خطوة على الشاشة، الإيميل الذي رجعت فيه خطوة كانت فيه رسالة غير مقروءة، أشاهدها الآن تحمل إشارة unread message بينما أنا أعرف جيدا ما بها، وخطوة دائما تجيب خطوة، وطريق التنازلات لا نهاية له، دست باك مرة أخرى، ومرة ثالثة ورابعة، فجأة وجدت نفسي فاضي، كنت قد حملت الأفلام التي أريد تحميلها، وليس وراء جهازي أي حاجة غير اللعب المجرد، اللعب الصافي، إلا أن يكون خادم الاستمتاع الشخصي لي، أن يكون معرصي الخاص، وسيلتي لاسترجاع ما حدث في الأيام الثلاثة الماضية، شيئا ما يشبه العودة إلى الماضي، ويعرف الجميع طبعا أن العودة إلى الماضي فعل عبثي، لأنه حتى ونحن نركب آلة الزمن ونعود إلى الأربعينيات فلن يتوقف الزمن عن المضي أماما، عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، ومن كان منكم يملك ساعة في يديه فلينظر فيها وهو جوا آلة الزمن، ومن كان لا يملك فليخرج موبايله، المهم، بإرجاعي الصفحة باك ثم باك ثم باك، أمكنني أن أشاهد من جديد الأراضي البكر التي كنت قد اقتحمتها بعد ذلك، أشاهدها ببكارتها الأولى، مساحة فارغة لتعليق كنت قد ملأته واتشتمت بسببه، تدوينة كنت لم أكتبها وقتها، شتيمة تراجعت عنها فيما بعد، تزهر على جانبي الطريق الذي أسير فيه عائدا آلاف الاحتمالات البديلة لما حدث في الأيام الثلاثة، لثلاثة أيام أخرى كنت أدوس باك وراء باك، "وراء باك" قد يقرأها أحدهم بشيء من الركاكة باعتبارها و"اراقبك"، أراقب نفسي، ليس بالضبط، أراقب تقدمي، وأمارسه مقلوبا، أعود من نفس الطريق التي أتيت منها، أشاهدني وأنا أصغر وأصغر في الزمن أياما ثلاثة، أراقبني معكوسا، وأنا أتحول إلى الطفل – أو، على الأقل، الأكثر طفولة – الذي كنته من ثلاثة أيام، الفايرفوكس يعمل بديلا عن الذاكرة وعن آلة الزمن، يريني ما كان عليه الأمر سابقا، يسألني، هو قوادي كما اتفقنا، حلو كدا يا باشا فأقول له شغال، فيعيد اقتحام صفحة أخرى، وينتقص من عمري ثوان أخرى، ويعيد تكوين غشاء بكارة الصفحات التي كنت قد فضضتها من قبل، ويعيد انتهاكي لبكارتها، أنا المؤمن الذي يفض حور عينه طوال الوقت وطوال الوقت لا يتوقف غشاءهن عن التكون لدرجة عودتهن أبكارا من أول وجديد كل تلات دقايق يا برنس، تصور إنت!


Friday, November 23, 2007

يوم القيامة المائل إلى الاحمرار دوما

يوم القيامة لم يعد يحظى بالاهتمام في عالمنا المعاصر، وهذا دليل جديد على انحطاط الحضارة.

نعلنها بأسى، أنه على قدر ما يتزايد الاهتمام بالمسائل الحقوقية واضطهاد المرأة والحروب والتفرقة ضد الأعراق المختلفة، وعلى قدر ما يتم علف الأسواق العالمية بالمزيد من الاستثمارات، وعلى قدر ما تتم المناداة بالمساواة، وكأن العالم ناقص، بل وعلى قدر ما يهتم البشر الآن بعذاب القبر والجنة والنار والصراط المستقيم، فإن الاهتمام يذوي تماما بيوم القيامة، وهو ما يفترض أنه مسرح لكل شيء، للخارجين من قبورهم مثل الخارجين من أود نومهم، أي أنه مسرح يثير خيال حتى موظفي شئون العاملين. أي دليل آخر يريده القراء على أننا نعيش عصر انحطاط الخيال؟


***

ذات يوم بعيد، كنا في مدارسنا لا نزال، قالوا لنا أننا سنكون يوم القيامة هكذا، وأشاروا بأصبعيهم السبابة والسبابة من كل كف، ولفوهما حول بعضهما مصداقا لقوله تعالى والتفت الساق بالساق. ومن حوالي اتناشر سنة، أتذكر هذا جيدا وكأنه حدث بالأمس القريب يا إخواني، أظلمت الدنيا نهارا. هبت رياح وأتربة. وتدريجيا تحول اللون العام إلى الاحمرار. وعليه تم تشغيل القرآن في جميع محلات إبراهيم اللقاني حيث أسكن. قيل أنه يوم القيامة. هذا جيد، يوم القيامة أحمر إذن. وصلنا إلى معلومة مفيدة. وكانت هذه آخر المعلومات التي أعرفها عن ذلك اليوم.

***

لم يتسائل أحد عن مزاج الناس قبل القيامة بخمس دقائق: هل سيكونون مبسوطين حتى يأخذهم الله على غفلة وهو المنتقم الجبار، أم حزانى حتى يمهد لهم الله وهو العفو الرحيم؟ هل سيكون يوم أجازة، جمعة مثلا، يخرج الناس من بيوتهم فيه إلى الجنة أو النار أم يضطرون للخروج من الشغل؟ أم سيكون بمثابة كبسة ويحدث الخميس بالليل، حيث الجميع متلبسون، والله كما نعلم لا يحتاج إلى شعرة، لأنه السميع البصير. لا أحد يعرف عن هذه التفاصيل شيئا، بل، وهو الأنكى، بدا أنها لا تشغل ولو سنتيمترا من فضول الناس، على الرغم من أهميتها لترتيب المرء لأوضاعه وأشغاله ومواعيده يومها. قُل علمها، أي علم الساعة، عند ربي، هذا هو القانون الصارم الذي لم يستطع تجاوزه أحد حتى الآن، ولو حتى بانطلاقة لخيال غير محدود.

***

يوم القيامة هو يوم الحقيقة أيضا. أرشيف كامل من المعلومات والآراء النقدية الصحيحة يصبح أخيرا مشاعا لمن هب ودب. يقول لنا الله مبتسما: طول عمركو فاكرين أن صنع الله يكتب أحسن من بهاء طاهر، لا يا عبادي. الحقيقة هي أن بهاء أفضل من صنع الله بلا جدال، أو العكس طبعا. ونضرب نحن كفا بكف لأننا كنا مخدوعين طول عمرنا. أو نعرف أن أحمد زكي ليس ممثلا جيدا وأن طلعت زكريا لو كان أدى أدواره لكان أفضل بما لا يقاس، أو أن رولان بارت كان هو الناقد بألف لام التعريف، في مقابل دريدا الذي لم يكن مجازه الخاص بالاستمناء وتناثر المني دقيقا بحال. أو أن سائق الاوتوبيس عندما وصف الراكبة التي طلبت النزول في غير المحطة بأنها تحتاج رجلا يزبطها كان كاذبا، لأن احتياجها في هذه اللحظة كان إلى معرص يوفر لها مكانا هي والرجل الذي كان موجودا بوفرة، ودعنا لا نقول بابتذال.

***

لنقل أن مقصدنا من التدوينة هو الآتي: ساهموا يا إخواني بكتابتكم في خلق تصور عن شكل مقبول ليوم القيامة الآن. شكرا جزيلا. نراكم على خير.

Friday, November 16, 2007

هوس إثبات براءة السلاطة البلدية

الجمهور الذي ذهب ليشاهد فيلم "سلطة بلدي" لنادية كامل في معهد جوتة لم يكن جمهورا بريئا، هذا أولا.

ببساطة شديدة، الناس سمعت كتير عن الحملة التي اتهمت الفيلم بالتطبيع، ولأن الفيلم يتحدث عن اليهود المصريين - مع خلفية لا يمكن تجاهلها وهي كتاب جوئيل بنين حول شتاتهم – فقد واتت جمهور جوتة، وكان في ذلك اليوم خليطا من اليساريين والليبراليين، الفرصة ليثبت أنه ليست لديه أية مشكلة عنصرية مع اليهود، لذا جمعت بينهم الرغبة العميقة في إثبات براءة الفيلم من شبهة التطبيع التي اتهم بها، ومثلما فعل الليبراليون واليساريون في دفاعهم عن "وليمة لأعشاب البحر"، أي محاولتهم بشتى الطرق إثبات "إسلام الرواية"، هكذا قرر الجمهور أن يفعل يومها، هذا ثانيا.

***

الفيلم صادم تماما. نشاهد فيه، يمكن لأول مرة، مصريين يزورون بيت يهود إسرائيليين، وليسوا إسرائيليين فحسب، إنهم يرتدون أيضا الطاقية اليهودية ويخدم أولادهم في الجيش الإسرائيلي، يمزحون معهم ويهيصون وينسون أم السياسة التي تتربص لهم على الباب. لا أستطيع الإجابة عن سؤال إن كان الفيلم يدعو للتطبيع أم لا. لأنني لا أفهم جيدا قصة "يدعو" هذه. ولكنني على يقين أن الفيلم بحد ذاته هو ممارسة للتطبيع. وإلا فما هو الاسم الجدير بفعل الدخول إلى قلب إسرائيل، ليس الضفة أو غزة وإنما إسرائيل، زيارة يهود، ليسوا صباريم، أي لم يولدوا في إسرائيل، وإنما هاجروا بمحض إرادتهم إليها وسكنوا في بيوت عرب تم تهجيرهم، وقول بطل الفيلم – سعد كامل – أنه يفرق بين الحكومة والشعب الإسرائيليين ويضيف: "الشعب الإسرائيلي شعب طيب"، كأنه بيتكلم مثلا عن الشعب الأمريكي أو الفنلندي. إذن الفيلم هو عمل تطبيعي من الدرجة الأولى، مثلما بالضبط هي علاقة نجيب محفوظ ومحمود درويش وإدوارد سعيد بالإسرائيليين، ومثلما هي زيارة أهداف سويف إلى تل أبيب. وهم جميعا رموز لنا يجتاحنا نفس الهوس لتبرئتهم من تهمة التطبيع أو لتبريرها لديهم.

***

هوس إثبات براءة الفيلم كان هو السبب الذي جعل الضحك الهستيري ينتشر في القاعة يومها ردا على مشاهد بعينها، أفيش عمرو خالد الكبير في ميدان التحرير ومشهد الطفل وهو مرتبك أمام جدته – نائلة كامل – التي تقرأ عليه بطاقة هوية أبيها: الديانة إسرائيلي. أراد المشاهدون أن يفهموا كون الطفل يسخر من عنصرية إسرائيل التي لا تفرق بين الدين والجنسية. طبعا جمهور كهذا لم يقنعه تبرير الجدة بأنه قبل قيام دولة إسرائيل كانت كلمة إسرائيلي تعني يهودي، لم يقنعه كون المشكلة لغوية وليست سياسية وأن الحديث هو عما قبل إسرائيل. جمهور جوتة في ذلك اليوم، وهو جمهور ليبرالي ويساري في الغالب، وهو الجمهور المتعاطف مع الفيلم، كان فخورا باستنارته ونكرانه على إسرائيل كونها دولة قامت على الدين. لذا لم يتح الجمهور لأحد، ولا حتى لبطلة الفيلم وأجمل شخصياته، أن تفسد عليه فخره بنفسه هذا، يضاف إلى هذا أن الضحك الهستيري على المشهد كان في ذات الوقت دليلا رادعا على وطنية الفيلم، أي على براءته من التطبيع، لا ينبغي أن ننسى هذا، هذا ثالثا.

***

فيلم "سلطة بلدي" يستحق كل الضجة المقامة حوله، إنه فيلم يدخل إلى قلب إسرائيل ومع هذا يتجرأ على عدم تصوير معاناة الفلسطينيين. فيلم يتحدث عن الإسرائيليين باعتبارهم بشرا، و ما جاء فيه ليؤكد الآراء العربية حول العنصرية الإسرائيلية حدث بشكل عفوي تماما ولم يخطط له أحد. بهذا المعنى، ومن المنظور القومي الوطني، فالفيلم غير بريء أبدا، وربما تكون عدم براءته هذه بالتحديد هي ما جعلته واحدا من أكثر الأفلام أهمية وجمالا في الوقت الحالي.

وكان هذا رابعا وأخيرا.

Friday, November 09, 2007

حفل التوقيع أو الرغبة الفيتشية في لحس الكتب

1

في الأيام الأخيرة التقيت بأكثر من شخص، أكدوا جميعا على أن المناقشة التي عقدت مؤخرا لروايتي كانت، بجانب كونها مناقشة، حفلة توقيع عظيمة للرواية. رددت عليهم برد ظننته كافيا، وهو أنها لم تكن حفل توقيع، ولكن على ما يبدو فإن رغبتهم في مجاملتي جعلتهم يصرون على خطأهم التاريخي والمنطقي، التاريخي لأن الحدث كان مناقشة وليس حفل توقيع. هذه حقيقة تاريخية مثلها مثل أن الحملة الفرنسية على مصر تمت عام 1798. والمنطقي لأنني لم أوقع يومها سوى عدد من النسخ المحدودة للأصدقاء فحسب، أي أن الحدث لم يكن توقيعا ناهيك عن أن يكون "حفلا" له. النوايا الطيبة يا أصدقاء لا يجب أن تجعلنا نتجنى على علمين مهمين مثل التاريخ والمنطق.

2

حب القراء للكاتب هو حب منحرف جنسيا، حب قائم على الفيتش بالأساس (يعرف كل من قرأ ثلاثة كتب في حياته أن الفيتش هو الرغبة الجنسية في أشياء ليست هي المواضيع التقليدية للإثارة، وإنما هي آثار فحسب من المحبوب: قدماه، أصابعه أو شراباته أو ملابسه الداخلية). ليس أهم ما في حب القراء للكاتب هو فعل النيك، ليس أهم ما في الكاتب بتاعه، أي قضيبه أو فرجه، أي كتابته، أي المتعة المباشرة من وراه، وإنما أثر بعيد، توقيع صغير خطه قلمه المقدس، ورقة يرتبط فيها اسم القارئ بكاتبه المفضل، الذي كان أخينا القارئ يراه رأي العين في مكان ما، آه والله - وااااااو، وكان شكله عامل ازاي؟ - انا قعدت ربع ساعة متنحة قدامه مش عارفة اتكلم - يا بختك يا ديدييييي أنا كمان بحبه مووت، وآه يا قلبي. حتى الآن لا أفهم أهمية توقيع الكاتب على كتبه إلا بوصفه هكذا. تعلق القراء بتوقيع الكاتب أو بكلماته المؤثرة التي قيلت لهم بشكل شخصي هو تعلق فيتشي بأعضاء، مثل البيضان، لا تنيكهم، ولكنها، على خلافه، تخلو من النجاسة. أشياء مثلها مثل سائر الأعضاء ببساطة، مثل الأظافر أو الغدة الدرقية أو شعر صوابع الرجلين، هل لشعر صوابع الرجلين أهمية في العملية الجنسية؟ بالتأكيد. عند الفيتشيين. وكلنا بمعنى ما فيتشيون.

3

وبشكل ما، فانبهار الناس وهم يقابلون كاتبا أو آخر، مع أن الكتاب مرطرطون على القهاوي، هو انبهار استمنائي، هو انبهار يداخله اليقين بأن الكاتب مظلوم لأنه ليس نجما، وليس مثله كمثل نجم السينما والتليفزيون والكورة. يفكر القارئ الطيب: على الكاتب أن يكون نجما، وحتى يكون نجما لابد أن يكون له جمهور يحبه ويتعقب خطواته، وعلى الجمهور، الذي هو أنا، ألا يصدق أنه يقف بحضرة الكاتب شخصيا، أن ينبهر بحضرة الكاتب ويفشخ بقه شبرين. ولأن الجمهور لا يصدق أنه قابل الكاتب بنفسه، فهو يحتاج إلى ختم من الكاتب، وأي ختم أفضل من توقيع الكاتب على كتابه، وتحويل ذلك التوقيع إلى طقس. مسيرة سرتنية طويلة تتم حتى وصول الجمهور، بيده هو، بدون الإضطرار لتحديد إن كانت اليمنى أو اليسرى، إلى الأورجازم المشتهى للقاء الكاتب النجم.

.................

...................

.....................

ومن وقتها يا قرائي الأعزاء وحفل التوقيع شيء مهم جدا في حياة أي كاتب منا.

Friday, November 02, 2007

تحولات الباضن والمبضون في المسألة الإسلامستية

يوما ما، اصطادني أحد الإخوة وأنا خارج من بيتي. مشي معي قليلا. بعد قليل كسر تردده وفتح الموضوع الذي كان يؤجل فتحه من يومين. قال: يا أخي ابقي خلي اختك اللي كانت معاك من يومين تلبس حجاب. سألت نفسي عن القدرة السحرية التي جعلته لا يرى الصليب الكبير على صدر "أختي". بس دي مش أختي يا عبد الرحمن. دي صاحبتي. يفكر عبد الرحمن قليلا. يصمت قليلا: آه. وماله. ابقي خليها تلبس الحجاب برضه.

بعد سنوات، وكنت قد انفصلت عن الإخوة الملتزمين تماما، بل كنت أتحاشى النظر إليهم أحيانا كي لا اضطر للسلام، واجهني عبد الرحمن نفسه، ولم تكن يعيبه إلا إصراره على تقبيل إخوته الملتزمين من أكتافهم. سألني بوضوح: مبقيتش تيجي الجامع ليه؟ قلت له: بصلي في الشغل. قال لي: انا بصراحة حاسس ان عندك مشاكل نفسية. صح؟

أي رد يمكنه مواجهة هذه الضربة غير المتوقعة!؟


كانت هذه حكاية حول كيف يمكن أن يكون الإخوة الملتزمون مفاجئين وجنونيين أما من يقفون على الطرف المقابل فهم العاجزون قليلو الحيلة والخيال معا.

***

كان لي صديق اسلاميست. متعصب وفاشيست. كان دمه خفيفا ابن الجزمة، وكان مبهرا، أشبه بشخصيات عباس العبد، وكان بيتبضن، كما يجدر بالناس على شاكلته، من كل كلام له علاقة بحرية التعبير وحرية الفكر وحرية الاعتقاد وحرية الأي حاجة، ومعه حق طبعا.

***

نخش في الموضوع. دائما أبدا، مشكلة هؤلاء الذين يؤمنون بحرية الأي حاجة، الفكر والتعبير والاعتقاد، أنهم فعلا بضينون. خطوط دفاعهم مهما زادت لن تخرج عن ثلاثة او اربعة، على حسب تدرجهم الوظيفي في مرتبة المدافعين عن الحرية. الأولى: هو مسلم واهو الدليل من كتاباته ولا تقرؤوا النصوص مقتطعة من سياقها يا ولاد الوسخة يا تكفيريين يا ظلاميين. التانية: من له الحق ان يفتش في الضمائر؟ الحجة التالتة والأكثر جذرية: من حق اي حد يفكر زي ما هو عاوز.

***

ماكينة دعاية عملاقة تدور حول ثلاث حجج دفاعية ليس اكثر، تتكرر بالاف الاشكال وفي آلاف المواقف كل يوم. كيف يمكن ألا تكون هذه ماكينة مخصوصة للبضن على أناس يملكون خيالا إيروتيكيا فذا يمكنهم من تخيل الخيارة قضيبا "هل مازال أحد يذكر التسعينيات؟"، والسافرة الوجه يتخيلونها مرتدية البيكيني ليطلعوا دين ابوها، أو يعيبون على غير الملتزمين ليس بعدهم عن الله وإنما كونهم مرضي نفسيين. يستحق التكفيريون احترام الجميع لخيالهم الرهيب، خيالهم الذي لا تقف أمامه عوائق المسافة ولا اللون ولا الدين بالأساس. ليس هناك من هو من اكثر إملالا من شخص يقول فكرة صحيحة. وليس هناك من هو أكثر إبهارا من شخص يقول أفكارا جنونية بلا رابط بينها. لنتخيل دعوى تطالب بقتل كل أطفال الأقباط الذكور أو قطع قضبانهم الصغيرة، أو لنتخيل الوقع الساحر لفكرة حرق اليهود في أفران الغاز، أو فكرة الفسطاطين العظيمة، فسطاطي الكفر والإيمان، وداري الحرب والسلام. نحن بإزاء خيال دموي ابن حرام لا تسعه أرض ولا سماء، وفي المقابل فلا نملك لمواجهته إلا أن نكرر هذا صح وهذا غلط! أليس هذا عيبا بحق تاريخ الجنون في العصر الحديث.

***

نصيحة: عندما يقول لك شخص أنت مرتد ووجب قتلك، فلا تجادله. بمجادلته تهين خياله الروائي. زايد عليه. قل له ووجب علينا قتل كل من يقبلون الآخرين من أكتافهم. هو ينتقم منك لانك جرحت مشاعره الدينية، انتقم منه لأن شكله لا يعجبك، لأنه مقرف بالنسبة لك، لأنك لا تحب رائحة المسك الذي يتعطر به، ولأن منظر السواك في جيبه يصيبك في مقتل. عبث بعبث والبادي دوما هو الأكثر ابداعا.

Friday, October 26, 2007

أدهم وسر العروبة المحمولة


"اول طريق الهرب/ شربوا العطش و الصهد/ وف عز عز التعب/ لقيوا عرب عن بعد/ وقربوا قربوا/ يا عطشانين اشربوا/ دانتو عرب واحنا عرب". هكذا هرب أدهم الشرقاوي من سجنه يوما ما، والعهدة على عبد الحليم حافظ ومرسي جميل عزيز. والعهدة عليهما أيضا في أن العروبة تظهر بلسما وروحا طيبة بين الإخوة في الشدائد.

***

المصريين بشكل عام يطلقون على البدو أو قاطني الصحراء اسم العرب. وبسهولة نستطيع تخيل أن الروح القومية الثورية في الستينيات كانت بتتبضن من هذه التسمية، لأنها ترى أن كل ما بين المحيط للخليج هم عرب، حتى الثعالب في أوكارها والطيور في أقنانها. وبالتالي فقد تولى السيد جميل عزيز، في محاولته لتطويع الملحمة لصالحه عندما كتب كلماتها لعبد الحليم حافظ، مهمة بستفة الوعي المصري كله، حينما جعل واحدا من العرب يقول لأدهم الفلاح إنتو عرب واحنا عرب. كان يهدم تراثا عفويا يسمي قاطني الصحراء بالعرب، مما يعني، بداهة، أن غيرهم مش عرب.

ولكن، يظل السؤال قائما: إذا كان أدهم ورفاقه عربا، زيهم زي الناس الذين لاقوهم في رحلة هربهم، فما معنى تخصيص الناس اللي لاقوهم باسم العرب في عبارة "لقيوا عرب عن بعد"؟ وليه مثلا لم يتم وصف ادهم ورفاقه قبل هذا الموضع بانهم عرب؟ ولماذا حضرت عروبتهم فقط لتواجه عروبة البدو، العرب الاصليين، العرب العاربة، في مقابل العرب المستعربة اللي هما أدهم وصحابه، الذين أصبحوا فجأة عربا من المحيط الثائر إلى الخليج الهادر، حسب ما أراده قوميو الستينيات الجدد؟ لا تنسوا أن عم أدهم نفسه كان هو من شهد زورا ضده، مع أنه وفقا لذات المنطق، هما الاتنين عرب. لا تظهر الروح العربية في الأغنية إلا لتآخي بين اثنين، العاربة والمستعربة، لترد على دعاوى الفتنة المفرقة بين الجنسين، ولتثبت أن مصر والزودان هيتة واهد، في ملحمة هي أصلا انتصار لشرقاوية بطلها، وليس لمصريته حتى ناهيك عن عروبته.

***

معلومة لا أعرف مدى أهميتها: في يوم من الايام، يمكن قبل حرب العراق واحتلالها، وكانت وقتها كوريا الشمالية تثير العالم ببرنامجها النووي وامريكا اللاتينية تشاغب كالعادة، والدول العربية كانت متواطئة ضد العراق ومع الاحتلال، ظهرت صيحة في المظاهرات ضد الحرب: "عاشت كوريا حرة عربية. عاشت كوبا حرة عربية. وانتم جتكو خيبة قوية." بمعنى اخر: انه فورا - وبشكل ساخر- تم منح العروبة هدية للدول المشاغبة، اللي هي برة المحيط العربي جغرافيا، فقط بفضل تحديها لأمريكا، ومنحت الخيبة القوية للعرب "العاربة"، يعني الأصليين، مع سلب عروبتهم عنهم بالبداهة ، لأنهم تواطئوا مع أمريكا ضد اختهم العربية.

..........

............

...............

وهذا يا سادتي الأفاضل كان مثالا واحدا على ان العروبة هي متاع بورتابل، نقال أو محمول، يمكن تحريكه من مكان لمكان بسهولة وبراحة تامة. هو أكثر أمانا من أي شيء آخر لا يسبب مشاكل في نقله ولا يجرح الباركيه.

Friday, October 19, 2007

نعناع وعيون اللغة العربية


أرسلت لي عناية تطلب مني أن أخبرها بأخباري، ببساطة يعني.

كتبت لها على مساحة الإيميل الفارغة "عينيا يا عناية". ولم أرسل الإيميل. أصابني الاكتئاب فجأة. لسبب ما، داهمني خاطر بأن شخصا لا يعرف العربية يقرأ الإيميل. أو يسمعني وأنا أردد "عينيا يا عناية"، ويفكر ساعتها بشكل حتمي في أن العربية لا تحوي إلا أصوات ثلاثة، هي أصوات عينيا يا عناية، العين والنون والياء. وهكذا، مدفوعا بالرغبة في الحفاظ على صورة اللغة العربية في عيون الغرب، كنت لأتراجع عن إرسال الإيميل، لولا تذكري أمر آخر.

منذ ثماني سنوات كنت قد كتبت قصة عن لغة لا تحوي إلا كلمة واحدة تتكرر الواحدة إثر قرينتها، بلا أي اختلاف في تشكيلها أو طريقة نبر أحرفها، لم تكن إلا كلمة مفردة، هي HAHY، تعبر عن جميع معاني اللغة اللانهائية. هكذا إذن، بما أن الكلمة تتكرر بشكل لا نهائي، وهي وحدها تعبر عن جميع معاني اللغة، فلم يكن إذن من معنى جديد دخيل يؤرق اللغة أو يثبت عجزها. لم تكن إلا مرونة اللغة اللامحدودة بكلمتها التي لا تحوي غيرها. فكرت، إزاء إيميل عناية، أنه كلما ازداد فقر مفردات اللغة زاد ثراء دلالاتها، وهكذا لم تكن "عينيا يا عناية" عارا على اللغة العربية، العكس تماما، وهكذا كنت لأعود وأضغط Send، لولا فكرة قاتمة حلت علي من جديد:

"عينيا يا عناية" ليست كلمة واحدة كما كان في القصة القديمة، انها عبارة من كلمتين وحرف نداء، تقترب أطرافها من بعضها الى حد الالتصاق، انها "عي. نا. يا. - يا – عي. نا. يا."، مع اختلافات بسيطة، التشديد والنبر وما الى ذلك، وهذه الاختلافات هي ما تجعل من قصتي القديمة وواقعة عناية الحديثة محض أمرين مختلفين.

يضاف إلى هذا أن الأجنبي أجنبي، ومعنى أجنبيته أنه لا يعرف العربية، وهذا يعني أنه سيسمع العبارة فحسب، لن يفهمها، والمفاجأة المؤسفة أنه قد لن يميز أصلا بين مقاطعها، بما يعني أنه قد يتصورها كلمة واحدة، سبعة مقاطع تكرر بشكل ببغائي العين والنون والياء، كأنك بالضبط تكرر كلمة "عين" سبع مرات، عينعينعينعينعينعينعين، أو تكرر كلمة نعناع ثلاث مرات ونصف، نعناعنعناعنعناعنع، ومطلوب من أي ابن وسخة أن يصدق أنك تقول كلمة واحدة لم تغادرها الى التي تليها. إذن، هكذا سيقول الأجنبي، الشعب العربي بيشتغلنا، لا مفر من الوصول الى هذه النتيجة النهائية.

...........

...............

...................

لكل هذه الأسباب لم أجد ما أقوله لعناية عندما سألتني عن أخباري

Friday, October 12, 2007

حول الفرخة المقدسة لحبنا

يحب المصريون الفراخ، هذا لا جدال فيه، مطبوخة، مسلوقة، مشوية أو محمرة بالبصل ومن غيره. يفضلونها على اللحم دائما. اللحم البقري هو النزاهة أما الفراخ فهي تنزيه النزاهة. ويسمى فرخة بكشك من عظم المغنم من وراءه أو كان محبوبا كمحبة الناس للفرخة بالكشك.

***

ما أريد قوله هو أنه على العكس، في ميدان النحنحة والرومانتكيات، لم ينظر أحد إلى الفراخ بوصفها أطرافا مناسبة لمطارحة الغرام، وعلى قدر ما أشبعوا العصافير والبلابل واليمام والحمام بتشبيهاتهم، ولهذا حديث، فإن الدجاج ظل بعيدا ونائيا عن أغاني الحب. للعصافير غرامياتها وللفراخ موائدنا العمرانة. كانت هذه هي التفرقة التي وضعت كلا من اطراف المعادلة في مكانه، العصافير والفراخ، الغرام والموائد العمرانة.

***

ليس الغرض من إنشاء هذه المدونة بالتأكيد هو تحطيم الصور الرومانسية لمرتاديها الأفاضل، ولكن القافية تحكم أحيانا. يمكننا أن نتصور مطربا او مطربة كبيرين، وليكن صباح فخري أو فيروز، وقد أحلوا دجاجا محل عصافيرهم وبلابلهم التي تناغي أغصان الفل. لن يكون هذا أكثر من أمر مرح، بارودي ظريف لأغنية أصلية غير موجودة، يؤديه هنيدي أو سمير غانم. بصعوبة يتذكر المرء "فرخة حبنا"، ويتذكر أيضا انفجارات الضحك التي تصاحب هذه الجملة. لنراجع معا تصنيفات الأشياء: العصفور هو المحب، البلبل هو المغني العلماني، الكروان هو المغني الديني أو ذاكر الله ومداح رسوله، اليمامة هي بنت ثانوي التي لما تنضج بعد والحمامة هي المزة التي نضجت واستوت وصار صدرها يملا العين، أما البطة فهي، كما هو معروف، تدليع فاطمة، ويقال لها أيضا بطوط. في كل هذا لم ينحصر كائن بين الشوك والسكاكين قدر الفراخ، الموضوع الأساسي لحلقتنا اليوم.

***

استطاعت لعبة كمبيوتر مرة، وعن طريق نفي أي صفة رومانسية ممكنة عن الدجاج، أن تحولها، بالعكس، إلى عنصر شرير. الفراخ تغزو المجرة. في نهاية اللعبة تظهر الدجاجة الأم، بشعة،عنيدة، لا يتأثر جلدها السميك بأشعة الليزر التي لنا، ومنقارها العملاق ونظرتها القاسية كلها تقطع بأننا إزاء وحش كوحوش الكارتون الياباني. الفرخة هنا اسمها الدجاجة الأم، كيف يمكن لفرخة، وأم أيضا، مثل تلك أن تكون طرفا في مشهد رومانسي صنع لعصفورين يتناجيان؟ في اعتقادي الشخصي أنه لا أحد يقرن الدجاج بمشاعرنا المقدسة والطاهرة إلا لو كان هازلا أو غير فاهم، أو لم يقرأ هذه التدوينة بطبيعة الحال.

***

إليكم أغنية "نحنا دجاجات الحب نحنا ديوك الأحلام" لفيروز والأخوين رحباني

Friday, October 05, 2007

انفراد: آخر كفار قريش يتحدث

في إطار انفراداتها المتتالية، تفرد المدونة هذه المرة صفحاتها لتقديم حوار صحفي مع أحد كفار قريش ممن عاصروا دخول الإسلام وانتشاره. يصرح مصدرنا، والذي رفض ذكر اسمه تماما أو حتى ملابسات اللقاء، بعدد من الحقائق كفيلة بتغيير نظرتنا لتاريخ شبه الجزيرة العربية في القرن السادس وأن تكون ردا على من يحاولون التشكيك بأن الكفار كفار أما المسلمون، بطبيعة الحال، فهم المسلمون

.................

لا. يا باشا هو احنا كنا قاعدين نتفرج؟ والله شوف. لا يكلف الله نفسا الا وسعها، واحنا عملنا اللي نقدر عليه علشان نمنع انتشار الإسلام، مفيش حد بقى ييجي يقولنا كنتو مقصرين وبتاع.

.................

كنا بنقعد في قهوة جنب الكعبة ندرس الموضوع. اهم حاجة كنا عاوزين نعرف هما ازاي بيلموا الناس لدين الاسلام، دا كان استقطاب رسمي. قعدنا نتكلم عن الحكاية دي بتاع سنتين، وهو كان في يثرب لمؤاخذة. ماكانش موجود يعني.

.................

اه.. عندنا خطط لو بس كات اتطبقت كان الكفر هيسود في الدنيا كلها. احنا كان معانا عيال جامدة ودماغها شغالة. سيبك من الناس ابو جهل وابو لهب وبتاع. الشغل الاصلي كان عندنا احنا.

.................

دول كانوا زي ما تقول كدا نجوم، يعني محدش يعرف يكلمهم وفاكرين ان هما اللي ممشيين ام البشرية ولولاهم ماكانش هيبقى فيه كفر في العالم، هما كانوا فرحانين ان اساميهم اتذكرت في القرآن وبتاع، بس وحياة المصحف الشريف ان العالم دي عالم رمة وزبالة كفار قريش وان الناس اللي بجد هما الناس بتوعنا احنا.

.................

إديني إنت عقلك يا أستاذ. دا راجل معاه ربنا واحنا حيالّه ناس كفار، يعني واسطتنا في الدنيا شوية الهة لا تضر ولا تنفع، يعني بالعقل، مين فينا اللي ربنا هينصره؟ ابو اله حقيقي طبعا. المسألة واسطة يعني. انا شايف ان غلطتنا اننا ما اتفقناش الاول مع الناس بتوع الاسلام على لعب نضيف، يعني من غير آلهة ومعجزات وحوارات من دي. لو دا حصل، كنت شوف بقى يا برنس احنا ممكن نعمل ايه. كات كل حاجة هتتغير يا معلم.

.................

احنا كنا بنعرف ان الراجل من بتوعنا دخل الاسلام لما كنا بنشوف وشه باسم الله ما شاء الله نوّر وبقى يلبس ابيض وبقى يتكلم كلام كله إيمان وموعظة يخليك عاوز تعيط.

.................

أه طبعا. اليهود والنصارى كانوا حبايبنا. ما هما دول اللي ربنا سبحانه وتعالى سماهم المنافقين، أمال الكفار، اللي هما احنا، كانوا بيحبوهم ليه؟

.................

أمال إيه يا أستاذ؟ يعني انت فكرك محمد رسول الله جا يقول لنا خشوا في الاسلام كل الناس خشت. عيب يا باشا دانت راجل متعلم. احنا كان أهم حاجة مثلا عندنا الشرك بالله الواحد الأحد وعبادة الاصنام، تاني حاجة النسوان والخمرة، تالت حاجة، ان الناس بتوع الاسلام كانوا نحانيح، يقعدوا يقولوا العدل واحنا كنا نحب الظلم زي عينينا، رابع حاجة ان شكلنا كان يقرف وحواجبنا تخينة ولمؤاخذة الراجل مننا لما يضحك تحس انك عاوز ترجع. دي كات حاجات احنا استحالة نتنازل عنها ولو دبحونا دبح.

Friday, September 28, 2007

تأملات رمضانية عن العالم السفلي أو صورة الشيطان في أحلام نائل الطوخي


منذ يومين، أي في العمق الرمضاني، حلمت بكابوس لا أذكره الآن. صحوت. بقيت، في عادة لم أستطع التخلي عنها حتى الآن، أتف على اليسار ثلاثا وأردد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأنا ألهث مرعوبا، رحت في النوم وأنا أردد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. التفت لأجد رجلا جميل الهيئة بجانبي. الرجل أخذ يردد: أعوذ بالله من الشيطان. كداهو! تأملوا غرابة جرس العبارة بعد أن تخلت عن رجيمها. نظرت إليه بدهشة. سألته عن الرجيم وأين ذهبت. نظر لي وقال بهدوء، عيناه كانتا مبتسمتين وصوته كان صافيا ونورانيا: هو انا عمري اقدر اشتم نفسي يا ابني!؟

***

كنت غرا غريرا في الكويت، سنتين أو ثلاثا، والحلم الذي تعاودني ذكراه من تلك الأيام هو الآتي بالصلا عالنبي: أنا مع شخص ما، شخص حنون وطيب، خيِر بلا منازع. قرب نهاية الحلم فقط تلمع عيناه بنظرة ما. نظرة شر عميق، حقد، نظرة أتية من عمق العالم السفلي، أعرف منها على الفور أنه ليس ذاك الشخص الذي تصورته، أعرف أنه كائن شرير يسعى لإيذائي، لنكن مباشرين ونقول أنه الشيطان. فور إدراكي لهذا ينتهي الحلم، ينتهي بالمفاجأة الصاعقة، يتحول الرجل، مع ضحكة مدوية، إلى شيطان كامل، ينتهي الحلم هنا، أصحو من فرط الرعب.

في الحلم شخص كاسر عين التاني، كسرت أنا عين الشيطان إذ عرفت حقيقته، كسرت عينه لكن عينه لم يتم كسرها، بالعكس، بدا مبتهجا أكثر بمعرفتي لحقيقته، لأنها هي ما ستسوغ ضحكته العالية التالية، بشكل ما مختلف، وأكثر تعقيدا، فهو من كسر عيني بمعرفتي لحقيقته. كثيرا ما تمنيت لو انتهى الحلم قبل أن تكشف عنه تلك النظرة.

***

تذكرون جميعا الشخص الذي قابل رجلا بساقي معيز فهام على وجهه حتى لمح في البعيد شيخا مهيبا احتضنه وأواه وسأله عما به فلما حكي له الشخص كشف الشيخ عن ساقي المعيز التي له وقال زي دي يابني؟ في النهاية، دعونا نقول أن غرض الشيطان أو العفريت من الدنيا إيه غير ساعة حظ. غير شوية ضحك على البني أدمين. وعلى كثرة ما سمعت، لم أسمع عن عفاريت، أي جن وشياطين، قتلوا آدميين أو أذوهم، ونحن طبعا لا نتحدث عن عفاريت الموتى التي تعود لتنتقم وتطلع دين اللي قتلوها. إننا نتحدث عن الكائنات السفلية المأصلة. التي لم تتلوث يوما بأن كانت بشرا.

من قصص الجن الشعبية لا يبدو أن للجن غرضا غير الشو، غير الكشف عن هويتها أمام الإنسان والاستمتاع برد فعله ثم الاختفاء، والبني أدمين علوق طبعا، يشيبون أو يموتون أو يفقدون عقولهم بدون مبررات منطقية. تذكرون يا أصحاب حكاية الذي تزوج جنية فعاهدها على أن تعيش كإنسانة وألا تستخدم أيا من قدراتها السحرية أثناء فترة زواجهما الطويل، فلما أرادا النوم يوما قالت له طفي النور فقال له طفيه انتي انا تعبان. فما كان منها إلا أن مدت يدها التي استطالت جدا حتى آخر الغرفة فانطفأ النور ومات الزوج رعبا من حينه. سؤالي الذي أطرحه هو: لماذا مات؟ هل كان هناك من أذاه؟ والاجابة لا تخرج عن اثنين: هو يتدلع أو يتعولق.

***

وختاما، تروى عن طارق إمام النكتة التالية:

عفريت يسأل عفريتا زميلا: هو الإنسان كائن حقيقي ولا خرافة. فما يكون من العفريت الزميل إلا أن يرد عليه وقد فكر طويلا: يا أخي كائن حقيقي. الإنسان دا مذكور في القرآن.

Friday, September 21, 2007

الذي لم يحدث زمان

منذ آلاف السنين، منذ عهد الطوفان وما بعده بقليل، ويقول المتظارفون، منذ عهد سيدنا خشبة أو سيدنا كتكوت، حدث أمر جلل، فاق في ضخامته حدث الطوفان وخلق الإنسان. ونعني هنا: عدم تفرع اللغة السامية الأولى إلى لغات مختلفة، كونه ظلت هناك لغة واحدة تجمع بابل بآرام وكنعان بالجزيرة العربية، أي، عدم ظهور اللغات العربية ولا العبرية ولا السريانية والأرامية والكنعانية والأكادية. الآن نعرف، نحن المنحدرون من نسل سام بن نوح، أننا نتحدث اللغة السامية بلهجة واحدة بلا أي اختلاف بين قوم وقوم آخرين. كان هذا 11/ 9 الأزمنة القديمة.

***

نتذكر جميعا أن العربية لم تصبح أبدا هي لغة القرآن، وهذا شيء مهم، لأنه لم يكن هناك ما يسمى لغة عربية أصلا. كذلك اليهودية لم ترتبط أبدا في أي من مراحلها بالعبرية، لأنه برضه مفيش حاجة اسمها عبري. نتذكر أن كلا من القرآن والتوراة وشروحهما قد كتبت جميعا بلغتنا السامية الواحدة التي ليس لنا غيرها. وحدها المسيحية ارتبطت بنا، كساميين، ولكن باليونان أيضا، وحدها ظلت مزدوجة الانتماء. وحدها ذكرتنا أن هناك آخرين، وفتحت علينا أبواب لها أول وليس لها آخر.

لنتذكر سويا كيف اعتمدت الغزوات العربية على هذه النقطة، فهي لم تأت لضم المنطقة تحت لواء الإسلام فحسب، وإنما لاستعادتها إلى مملكة سام، لضم الإخوة كلهم في أسرة واحدة يحكمها خليفة واحد. أي أن بطل الإسلام واليهودية الثقافي لم يكن هو إبراهيم، وإنما سام بلا نقاش، وتطلب هذا شحذا لذاكرة العالم، لكي يتمكن من استعادة السيرة الذاتية الخاصة بابن نوح. نعرف كيف نمت قصص كثيرة حوله وحول زيجاته المختلفة لكي تبرر لنا اختلاف البشر برغم لسانهم الواحد.

***

كانت وطأة سبي كل من نبوخذ نصر وبختنصر لليهود لا تذكر عليهم. كان اليهود يستمتعون في وطنهم الثاني، أشور وبابل، لدرجة أن أحدا منهم لم يغن أبدا قائلا: "لتنسني يميني إن نسيتك يا قدس"، أو: "على ضفاف نهر بابل جلست وبكيت"، لأنه لم يكن هناك محل للبكاء في الوطن السامي السعيد، كما أن القدس وبابل كانوا هيتة واهد، مش ستين هيتة. كان أولى بالحرب من لا يفهمون كلامنا ولا نفهم كلامهم: ونعني هنا فارس، التي كانت ليمونة في بلد قرفانة، شوكة في حلق وطن غرب أسيوي جميل يفهم بعضه البعض على بعد ألاف الأميال بلا حاجة إلى مترجم واحد. فقط هدم الهيكل على يد تيتوس الروماني في القرن الأول كان هو العامل الرئيسي في تشتت طائفة من الساميين تدين باليهودية في بلاد العالم.

***

وفي العصور الحديثة أيضا، نذكر أن الدفاع عن الإسلام أبدا لم يقم على أكتاف القوميين، المؤمنين بالعروبة. أصبح المدافعون عن الإسلام إسلاميين، ببساطة يعني، وليس ميكسا قوميا يساريا إسلاميستيا. وفي نفس الوقت فالعداء للصهيونية ولد خافتا وهينا وظريفا جدا، فاليهود، القادمون الجدد من أوروبا، يحاولون الحديث بلغتنا، التي نتحدثها جميعا منذ آلاف السنين في هذا المكان. نظر الكثيرون لمحاولات اليهود الأوروبيين الفاشلة نطق حرفي الحاء والعين بسخرية، ولكنهم أيضا برموا شنباتهم بفخر وهم يتذكرون فضل لغتهم الواحدة على سائر لغات العالم، وهم يستقبلون إخوتهم في الدم العائدين إلى أحضانهم بعد أن برموا بلغات أوروبية ليست منهم ولا هم منها. نتذكر جميعا التيارات القومية المصرية المتطرفة في الستينيات التي نادت بالإخوة الأبدية بين الإقليم الشمالي، إسرائيل، والجنوبي، مصر، ومحاولات الوحدة التي أقامتها بين القطرين والتي انتهت بفشل ذريع كان له أكبر الأثر على انهيار مفهوم القومية السامية. كانت هذه الوحدة أحد أهم أسباب اتهام الإخوان المسلمين للأحزاب القومية بالتخلي عن ثوابت الأمة وتخوينها لدرجة أن شاع في خطابهم شعار يهتف به شبابهم بشكل إنشادي: إخوة في الدم آه، إخوة في اللغة آه، لكن في الدين لأ وألف لأ. اليهود أعداء الإسلام. أو: كلامنا واحد وشكلنا واحد، لكن دينا عمره ما كان واحد، سام مش هو الإسلام.

حافظوا على ذاكرتكم يا سادة. فهي هويتكم التي لا غنى عنها

Friday, September 14, 2007

عن النوبة والحجاب معنا من القاهرة هاني مصطفى


بمنتهى الصراحة، لست معاديا كبيرا للحجاب، الحجاب الذي لا يمنع البنات من أن يتشرمطن وأن يرقصن وأن يمشين بحضن شباب على الكورنيش وهن عارفات بأنهم بيضحكو عليهن، الحجاب الذي لا يمنع البنت أن تكون مبسوطة وأن يتم تقفيشها في كل الأماكن، الجغرافية والجسمانية، هو حجاب جدير بأن نرفع له قبعاتنا تحية. بالمناسبة، وللعلم فقط، فأنا لا أملك موقفا حاسما ضد النفاق.

***

عندما شاهدته لأول مرة في الكلية، ظننته إسلاميا، كان يرتدي طاقية بيضاء كالتي يرتديها الشباب الذي صار "ملتزما"، شيئا فشيئا بدأ هاني مصطفى يكشف عن نفسه وعن أنه يمكن للشخص أن يلبس ما يحبه بدون أن يكون لهذا علاقة بالالتزام، ببساطة يعني. وهكذا، وبعد ذلك، في الوقت الذي كان فيه زملاء المرحلة التالية يتعرفون على بعض في ندوة محمد جبريل الخميسية كنت أنا أسهر ليال متوالية مع هاني في رمسيس والتحرير والقلعة أحيانا لنتحدث حول السينما والمزيكا والكتابة. لم يكن هاني مخلصا لفن بعينه، كان يتحدث عن السينما مثلما يتحدث عن الغنا وعن المسرح زي الكورة، وعن الفن التشكيلي زي الرقص. بعد ذلك، وعندما أصبحت لقاءاتنا أكثر تقطعا، عرفت أنه ينشر صوره الفوتوغرافية في مجلات أمريكية، كان قد أصبح مهووسا كاملا بالفوتوغرافيا.

***

كنت مع هاني مصطفى يوما ما نعد عددا خاصا عن الكتابة المصرية الجديدة لموقع أكسجين، هو بالفوتوغرافيا وأنا باختيار النصوص. تشاجرنا كثيرا حول صورة بعينها، كانت له صورة تظهر فيها بنت سافرة ترقص وسط مجموعة من البنات المحجبات، انبهرت بالصورة وألححت في طلبها منه أما هو فألح في الرفض مفضلا عليها صورة لبنت واحدة محجبة ترقص وسط مجموعة من الشباب، كانت تتثنى بغنج وبدلع كاملين، نصفها الاسفل ثابت على الارض اما الاعلى فمائل على الشباب تضحك بسلطنة وبدلال، ويداها تومئان في الهواء أن ياللي مابتشوفش شوف، الآن أقول يا الله ما أعظمها، أما وقتئذ فقد كان لي رأي آخر. عرفتم إذن لماذا ابتدأت التدوينة بالحجاب. الصورتان في البانر الجانبي المخصص كله هذه المرة للمسيو مصطفى.

الرقص هو شيء مهم جدا في صور هاني، والرقص النوبي بالتحديد، نتيجة لعوامل تتعلق بالجينات، ولكن ليس أي رقص نوبي. قال لي مرة إن النوبي مينفعش يطلع في أي فيلم إلا وهو في النيل على مركب بيرقص بجلابية بيضا، النوبي كائن لا يعيش إلا في المياه زي التماسيح. يدخل ضمن هوية النوبي كونه حيوانا منقرضا. والنوبة لا تعني إلا الماء مع الصخور والراقصين والجلاليب البيضا. والمقادير من كل شيء كثيرة جدا. هذا هو التعريف المعتمد للنوبة. وهو تعريف سهل ولا يتطلب تفكيرا عميقا. النوبة في صور هاني تحوي اشياء اكثر قليلا من هذه الأشياء بالمناسبة.

***


استطاع هاني مرة أن يجعل من وجهي شيئا مهما عندما التقط له صورة وأنا أحدق في البعيد وقص أطرافها وزبطها. كانت صورة ممتازة، ولهذا السبب بالتحديد، فقد كانت لا تشبهني. فور ما رأيتها سألته مين دا، وهكذا سألني كل من رآها. لم تكن صورة جميلة، كانت مهمة، كأنني أفكر، كأنني مهموم، كأني قلق على مصير الوطن.

***

اعتراف خطير: ربما أكون بغير من هاني، بل أكيد أنني بغير، وكثيرا جدا أيضا. فتيات المدونات الرقيقات يحببن كتابة عبارات من نوعية "وش أحمر من الكسوف". الآن أجد نفسي مضطرا لقولها.

***

بإيحاء أسلوبي من بيسو:

أعزائي القراء. من أجلكم أنتم، من أجل سعادتكم ورضاكم، سهر هاني مصطفى يعد صوره. ذرف الكثير من العرق والجهد لكي تخرج صوره في الشكل الذي تحبونه. مجردا من الأهداف باستثناء حبكم تعلم ودرس وأنجز شغله على الوجه الاكمل. يشكركم هاني على تشجيعكم له ويعلن أنه لولا هذا التشجيع لما كانت هذه الصور قد خرجت للنور.

إليكم يا حضرات الموقع الشخصي لهاني مصطفى

Friday, September 07, 2007

كل شيء هو لعبة مكعبات

1

كانت إحدى تدويناتي قد أثارت ذات يوم سخط إحداهن، فكتبت تعليقا مختصرا في مدونتي. نبرة اللوم لم تكن واضحة، كان تعليقا مختصرا لا ينوي الدخول في جدل وإنما كتب بهدف أن يكون هو التعليق الأول والأخير. لم أعرف كيف أرد، واستفزني هذا، فأرسلت لها، ولنسمها من الآن فصاعدا باسم "إكس"، على الإيميل المدون في مدونتها برسالة ألومها فيه، الومها لأنها لم تتح لي إمكانية الرد لأنها لم تلم، فقط شحنت تعليقها بنبرة اللوم. وفي نفس الوقت تذكرت أنها مسجلة ضمن أصدقائي على الفيسبوك، أرسلت لها نفس الرسالة هناك. رسالة واحدة أرسلتها مرتين ورسالتان مختلفتان وصلتاني. رسالة من صديقة الايميل تشرح لي تعليقها بشيء من الأناقة، أما رسالة الفيسبوك فقد كانت رسالة مندهشة تسألني أي تعليق الذي أتحدث عنه.

سلسلة من الرسائل بيني وبين صديقة الفيسبوك تأكدت بعدها أنها ليست هي صديقة الإيميل، أنهما شخصان مختلفان يحملان نفس الاسم ونفس التوقيع التدويني. استدعى هذا مراجعة لتاريخ طويل، حذف مشاهد وتثبيت أخرى، فصديقة الفسبوك شاهدتها، في الواقع، اكثر من مرة. واعتقدت في جميعها أنها عين صديقة الإيميل التي كانت المعلومة الوحيدة التي أعرفها عنها أنها صديقة لصديقتي، ولأسمي صديقتي هذه "زد"، وأنها تكرهني لأنها تكره نوعية ما أكتبه، أما صديقة الفيسبوك، ولنسمها هنا "إكس تو"، في المرتين التي شاهدتها فيهما عاملتني بلطف، إذن فهي لم تكن تستعبط، هكذا قلت لنفسي. هي فعلا شخص آخر. عدت بذاكرتي قليلا، في حفل أقيم لصديقتنا المشتركة، والتي سميناها زد، قالوا أنها، أي إكس، موجودة، ونادوا عليها باسمها وقامت ولم أفهم أنا لأنني رأيت أن من قامت كانت غير من نادوا اسمها.

2

بهذا الاكتشاف انقسم شخص كان مكتملا في ذهني إلى جزئين، شخصين، على عكس الحبكة السائدة للقصة البوليسية والتي تعتمد في الغالب على الطريقة العكسية، دمج شخصين في شخص واحد، نكتشف سويا أن البواب الطيب هو القاتل وأنهما نفس الشخص، أحيانا ما يتم استبعاد شخص من الشبهة، بما يعني فصل شخص واحد إلى شخصين، أي أن البارمان لا يكون هو القاتل وكنا ظنناه هو، ولكن هذا لا يتم كثيرا.

3

منذ عام علق في المدونة عندي صاحب مدونة لا أذكر اسمها، أو أذكره وأستعبط، علق باسم "أنا"، ورددت عليه قائلا، بدون أي شبهة نرجسية، بادئا ب: "عزيزي أنا". أرسل لي "أنا" بعدها بيومين على الإيميل سائلا إياي عن شعوري عندما قلت "عزيزي أنا" ولا أذكر بم رددت عليه. وعندما أعددت مقتبسات من المدونات المصرية للصحيفة التي أعمل بها اقتبست من مدونته. كانت تستحق فعلا. منذ أسبوعين تقريبا، كنت أشرب في ستيلا مع صديقي المقرب، وأمام الجميع اعترف لي بأنه هو صاحب المدونة القديمة. خبطت قزازة البيرة بالترابيزة بعنف وفتحت عيني على اتساعهما. وتذكرت أنني اقتبست أيضا من صديقي هذا في الجريدة التي أعمل بها. بهذا اصبح لنفس الشخص نصيبان من الاقتباس، أو، لنقل، حل الشخصان في جسد واحد.

كل شيء هو نفس الشيء أحيانا

أرأيتم إذن كيف أنها قصة بوليسية جيدة

أو حتى لعبة مكعبات

Friday, August 31, 2007

طلاق ولا مش طلاق

....................

ص: زي ما تقول اخويا كان بيتخانق مع مراته وانا بحوش.. اخويا الصغير.. المهم ايه، قعد يخبط بالروسية، خبطني هنا.. المهم اتعورت. جه واحد صاحبنا ماشي؟ بيقول اخوك ومش اخوك قلت لا، يا عم اخوك وصالحه قلت لا، لا اصالحه ولا حاكلمه. تكون مراتي حرمانة عليا ومتطلقة بالتلاتة ان كلمته. جيت حصلت مشكلة بعد كدا اخويا دا تعب. طبعا ايه اتلمينا على بعضينا تاني واتكلمت معاه

....................

ص: عاوز اعرف دا طلاق ولا مش طلاق. تاني حاجة كانت مراتي برضه ايه زعلانة مع بنت خالتها وبتاع وفيه مشاكل. قلت لها لا تكوني طالقة لو رحتي كلمتيها. انا سافرت، كلمتها. تالت مرة انا جاي، قبل ما اجي بقى، انا في الصعيد اصلا، قالت لازم اتطلق دلوقتي. حصلت مشكلة وبتاع، إلا اتطلق. اتخنقت. قلتلها انتي طالق. فعاوز اسال بقى، في البلد عندنا قالوا منقدرش نفتيك

....................

ص: بمعنى ان منقدرش نقول لك على حاجة لان دي حاجات كبيرة علينا ومش قادرين احنا ايه نقولك، يا دار افتا الازهر يا دار الافتا

....................

ص: لا هما بصراحة عندنا ناس اخوة جامدة جامدة، بس برضك قالت لا. منقدرش نتعرض للمسائل دي، لان انا بعد كدا كمان جامعت مراتي، بعد دا كله جامعتها. عاوز اعرف حرام حلال بتاع صالح كدا

....................

ص: لا انا شغال هنا بقالي فترة

....................

ص: جاي الازهر مخصوص والله، جيت لقيتو قفل، ولازم اتطمن. انا مابنامش على فكرة لان لو كانت طالق صحيح يبقى الموضوع دا موضوع زنا

أمام لجنة الافتاء بالازهر، كان صاد يحكي شارحا لي سبب لجوئه لطلب فتوى، وكنت أنا أسجل ما يقوله. مطلوب منك عزيزي القارئ شرح ثلاثة دروس مستفادة من هذا الحوار مع الاستعانة بإحدى العبارات الآتية أو كلها: "الطلاق كنظام ذكوري. تغييب المجتمع. المواطن العادي والقضايا اليومية"

Friday, August 24, 2007

عن موضوع الشاي والشعرة صرح مصدر غير مسئول

بما أنني أشرب الشاي أحيانا، وهذا ليس سرا، إذن فلا ضير من الحديث بحرية عن المدلولات السيميوطيقية لتجربة شرب الشاي.

***

بعد بضعة شفطات يكون الشاي قد أوشك على الانتهاء، يكون التفل، يحيط به بعض السائل، قد شكل بحيرة راكدة في قعر الكوباية. يأنف ذوو الأنفس العفيفة من إكمال شايهم، أما أنا فألحقهم بعد شفطة. أشفط شفطة من البحيرة الراكدة بالأسفل، والنتيجة الحتمية هي أن خيطا من تفل الشاي، أو بالأحرى، مجموعة من الخيوط المتجاورة المرصوصة بشكل منتظم وهندسي بديع كأنها سرب من النمل، تتكون على جدار الكوباية الداخلي واصلة ما بين حافتها الفوقانية حتى قعرها التحتاني. الوصل بين الأعلى والأسفل، وإذا شئتم، بين السماء والأرض، هو مغزى الشكل الدرامي لتفل الشاي في هذه اللحظة المصيرية.

***

شعر عانة المرأة، ويسميه العوام من أهل مصر شِعرتها، هو شيء ما قريب، خيط من الشعر، المقرف بالمناسبة، أو بالأحرى، مجموعة من الخيوط المتجاورة المرصوصة بشكل منتظم وهندسي بديع كأنها سرب من النمل، تصل من تحت السرة بقليل إلى قعرها بالضبط، إلى فرجها، ويسميه نفس العوام إياهم كسا. الأثر هنا، الtrace، الشيء الذي يلمّح فقط بوجود الأصل، هو المهم. هذا الأثر هو الشِعرة أو خيوط تفل الشاي، وهو لا يتجه من فوق إلى تحت، كما تبين لنا القصص الدينية عن الملائكة المتجهين من الله دائما إلى الإنسان، وإنما من تحت إلى فوق بالضرورة. تعلمون يا أحبابي أنه لولا التفل لما كانت خيوط التفل ولولا العانة لما كان شعر العانة.

***

ولكن، لا ينتهي الموضوع عند هذا الحد، فذاك الأثر الصاعد إلى فوق، متحديا قانون الجاذبية، المنجذب من جلال القاع إلى بهجة السرة، أو، لنكن أكثر اباحة، السوة، أو حتى إلى حواف الكوباية، يجد له منافسا قادما من الناحية المقابلة. يحكي سلفادور دالي أنه بينما كان يرسم اندلقت القهوة عليه وتخللت مسام القميص لتصل، متحركة بحريتها أسفل القميص، إلى بطنه. يقول أن كل الناس كانت لتشعر بالضيق من هذا ولكنه هو فقط، لأنه عبقري كما يصف نفسه، فقد استثير من ملمس القهوة لصدره نازلا على جلده وصولا إلى عانته، التي يطلق عليها البعض، في خيال بديع، عش الحمام، وتم تشبيهها هنا بالبحيرة التي ترسل دائما الإشارات إلى فوق، وتلقت هي الإشارة من فوق هذه المرة.

***

عش الحمام، الدغل الذي تختبئ فيه الحمامة ببيضتيها، بالنسبة للرجل، هو مجاز دقيق، ولكنه يغدو أقل دقة فيما يتعلق بالمرأة، ليس للمرأة حمامة ولا لحمامتها غير الموجودة بيض. شط الترعة هو مجاز أكثر دقة، الترعة، ذاك الشق الغائر في الأرض القابل دوما للارتواء والمزروع على جانبيه بالعشب، ويستمر العشب في النمو، بعد انتهاء الترعة لمسافة ما، بقوة القصور الذاتي ربما، هو مجاز من ابتكار كاتب هذه السطور، وأي اقتباس منه أو نقل عنه فهو شيء طبيعي، لأن الناس أحيانا تفكر شبه بعضها.

***

في رواية عيد العشاق لسامر أبو هواش يشاهد الزوج فيلم بورنو مع زوجته. يشاهد امرأة قد حلقت عانتها بعناية. يشهق. تسأله إن كان هذا يثيره، ويجيب بأن نعم. انا مش فاكر ايه اللي حصل بعدين، لكن ليا واحد صاحب واحد صاحبي يقطع بأن امرأة حلقت شعر إبطها هي امرأة لا تسوى في سوق الحريم نكلة. حاولت اتخيل موقفه دا او افهمه ولم افهمه. الشيء الوحيد المفهوم بالنسبة لي ان هو أن امرأة بلا حواجب او بلا شعر رأس، وأعتقد أن هذا يسري على الكثيرين غيري أيضا، هي امرأة فضائية بلا جدال، إليان، وهذا مقرف.

***

وحدهم الرجال، في مملكة الذكورة الهانئة التي نعيش فيها، لهم الحق في أن يحلقوا ما شاءوا أو يطيلوا ما شاءوا، وحدهم لهم الحق، من الناحية الشعرية، في أن يكونوا إليانز، يعني بالعربي ألايين.



Friday, August 17, 2007

الحشيش، تاريخ الإنسانية المشرق

درس الحشيش الأول: لا "تنفق" نفسك، لا تفكك دماغك وتصرفها وتوزعها على المارة والسابلة والشارع وسواقين الميكروباص، أنت الأحق براسك، ودماغك ليس لها إلا أنت، هذا غيض من فيض الحكم التي تعلمنا إياها سيجارتان ملغومتان مع أحد الأصدقاء.

***

يطالب يحيي مجاهد بمعاملة الحشيش معاملة الخمرة. وأزايد عليه وأقول بل أفضل. الخمرة، وهي كائن سخيف على أية حال، كل شيء جائز معها، ومثال الناس اللي بترجع وحوش والناس اللي بترجع بشر هو مثال شهير، وهو لا يسري أبدا على الحشيش. ليس للحشيش إلا طريق واحد، يتجه إلى أعلى بالضرورة، يرتفع بك حتى لتخال نفسك واحدا من المتصوفة العظام، بلا طاقة للأذى ولا حتى لرده، بلا طاقة إلا للروقان الداخلي يا معلم. الدين أفيون الشعوب، صحيح فعلا، وهذا لا يعني إلا أمرا واحدا: أنه بإمكاننا النظر إلى الدين بمزيد من الاهتمام.

***

ميل الإنسان تجاه الحشيش هو ميل فطري، حتى ليبدو الحشيش أحيانا أكثر بداهة من الشاي الذي يحتاج الطفل لمرة تلو مرة من ارتشافه حتى يتعلم كيفية استطعامه. من أول قعدة يعرف الإنسان أن الحشيش حاجة زي الفل، طبعا أنا لا أتحدث عمن لم يجربه، بالتأكيد أن المئات من قصص الرعب المخيفة عن الحشيش وما يفعله بالإنسان ستقف عائقا دون أن يحاول الكثيرون تجربته حتى.

***

إذن، فإذا استثنينا من لم يجربه، فسنجد أن جوهر، أو مبدأ، أو مفهوم، أو الفكرة وراء الحشيش هي كلها أشياء مزروعة بداخل الإنسان، في فطرته بشكل ما، واللجوء إليه يدل على أن الإنسان هو بشكل ما كائن غير شرير، وأعنى بالشرير هنا، منعا لأي التباس، شخص يسعى للتدمير، تدمير أعصابه هو بهدف أن يكون الأفضل. الحشيش يبني الإنسان، لا يدعه يفكر في غيره أصلا، الآخر هنا هو مجرد كائن خرافي. في مجاز الحشاشين الأجمل يصبح كل فرد منا مقيما في في اودة لوحده، بعيدا، مع نفسه تماما، مع تخيلاته وأنفاسه ، حتى وهو محاط بالرفاق.

***

الحشيش، وقد كثرت فوائده وقلت مضاره وأدخل السرور على قلب شاربه، هو الفصل الأكثر إشراقا في تاريخ الإنسانية، هو الدليل الوحيد على أن الإنسان هو كائن كان بيفهم يوما ما. وبالمناسبة، كان الامتياز الأساسي لفيلم أرض الخوف هو أنه أول فيلم فيما أعرف يدافع عن الحشيش، ويصور الصراع بين تجار الهيروين وتجار الحشيش وكأنه صراع بين الأشرار والأخيار، ويتحول تاجر الحشيش، في لحظة تحشيشه، إلى ما يشبه قديسا يلقي بالحكم. وحتى في فيلم أخلاقي تافه زي ثرثرة فوق النيل، لم يكن منطق ماجدة الخطيب واضحا، هي ترى في التحشيش تغييبا ولذا تحتقره، تمام، ولكن للحشاشين أنفسهم منطقا آخر. يقترح أحدهم أن يأتوا بالأمريكان والروس ليحششوا مع بعض وكل حاجة بينهم هتبقى زي الفل. واحدة طموحها أن خمس ست أنفار يفوقوا وناس طموحهم إنهاء الحرب الباردة بأكملها وتغيير مصير العالم. أي الرغبتين أكثر سموا بالله عليك عزيزي القارئ؟

***

إذن: انتخبوا الحشيش. مع الحشيش، دماغ أكبر، تفكير أكثر، الوصول إلى حلول مبتكرة لجميع مشكلاتك المستعصية. الحشيش يستحق صوتك فلا تبخل بصوتك على من أعطاك رأسك، مع الحشيش ذلك أفضل جدا.

Friday, August 10, 2007

في البحث عن معنى لكس أمك

أنا في الجيش.

الشاويش هشام يستبقيني عنده: انت تعرف عبري؟ اقول آه. يسألني السؤال البضين: طيب ما تقولنا حاجة بالعبري؟ يفكر قليلا: لو اعوز اقول لعسكري كس امك. انا لا اعرف معنى الكلمة. افكر في كلمة تبدو قريبة: بوتيم امخا يا فندم. يضحك كأبله. بعدها بأسابيع، صف العساكر، وأنا منهم، جالسين أمام الشاويش هشام والصول رفاعي، صول مرعب وضخم وكريه. ينادي الشاويش هشام على العسكري: روح ياض يا بوتيم امخا. الصول رفاعي يسأله: يعني إيه بوتيم إمخا يا شاويش؟ يشير إلي: إسأله. دا بتاع العبري. يسألني. يحمر وجهي خجلا بحياء العذارى: ماقدرش يا فندم. رفاعي، في لحظة من لحظات مزاجه الرائق القليلة: يا أخي قول. أنظر إلى عينيه مباشرة: لامؤاخذة يا فندم. كس امك يا فندم. يذهل للحظة. بعد لحظة يتذكر. يشير إلي بيديه في حركة ملوكية أن لا عليك إنا قد أعطيناك الأمانا. ويضطر للابتسام مربتا على كرشه كديك منفوخ في رد فعل على تحطم هيبته أمام العساكر الضاحكين بصخب.

***

كس أمك عبارة لا تقول شيئا. مبتدأ بلا خبر. فاعل، أو مفعول، بلا فعل ولا مفعول، أو فاعل. كس أمك، هي اقتحام للرجل، أي رجل، لأنه على حد علمي، لم يولد رجل حتى الآن بلا أم، وعلى حد علمي أيضا، لم توجد امرأة حتى الآن بلا كس، وإن وجدت، في خارقة طبيعية، فهي لم تلد، أي أنها لم تصبح أما، أي أنه لم يوجد لها رجل طويل عريض يمكن أن يقال له كس امك. بكلمات أخرى: كس أم جميع البشر. هذا أمر بديهي.

***

أن يقول رجل لرجل كس أمك فهذا يعني تمزيقا عنيفا لرجولته، تذكيره بأن أمه هي ست في الأول وفي الآخر. الاقتحام تنبع قوته من كونه ليس معلوماتيا، أنت لا تقول أمك شرموطة فيكذب هذه المعلومة، ولا تصفه بابن الوسخة فيقول لك أنت اللي ابن ستين وسخة. إنها شتيمة بلا منفذ، مقفولة على نفسها، غير مفهومة. وإذا كنا نعيش في مجتمع من العقلاء، فالرد الوحيد على كلمة كس امك هو سؤال مندهش: ماله؟

***

ذكورة كل من الجاني والضحية تتحالف لخلق الشتيمة، بالأصح لخلق كونها شتيمة. المشتوم يشعر بالإهانة فورما يتذكر أن أمه هي امرأة ذات فرج، وأن هذا الفرج، علامة ضعفها الأزلي، هو السبب في وجوده، أن وجوده ملوث بالعار، ملوث بالكس، والشاتم يعرف كيفية النفاذ إلى المشتوم بتذكيره بهذا العار الذي لا يمحى. في هذا تتحالف كس امك مع يا ابن المتناكة، ولأن كلنا كائنات بشرية طبيعية فكلنا أولاد متناكة بلا شك، أو بالأصح، كلنا أولاد متناكات، كلنا ملوث بخطيئة وجودنا من صلب كائن يأخذ فيها.

***

افعلوا شيئا يا ذكور العالم الأقوياء المكتفين بأنفسهم. اقترحوا وسيلة لقتل أمهاتكم قبل أن يلدنكم، خلصوا العالم من عاره الأبدي.

Sunday, August 05, 2007

الاكتمال النهائي لبرج بابل

نائل، زميله القديم، ملامح نائل هي البصمة الخاؤرجية المحهنا، في هذه اللحظات المصيرية لم تكن الأرض قد تحددت بعد مكانا للسكن. كانت الأرض لا تزال كائنا عبثيا وغامضا لا يعرف أحد الهدف من بنائه (بعد قليل تتداخل أفكاره الذاتية مع الملاحظة الوقورة التي يدونها، أفكاره الذاتية بالعامية و الملاحظات الوقورة بالفصحى) يعني، تبقى الارض ساعتها شقة عالمحارة، اتجابت خلاص بس ناقصها تشطيب ( يعجب جدا بهذه العبارة. يظل يضحك بقوة. يرتج) الفراغ بداخل الأرض يحتاج إلى تعميره. الأرض شقة و ليس أكثر. و كل اللي بيدخلها مش سكان انما عمال، فواعلية، يبنون و لا يسكنون. (بكآبة و حزن يردد الكلمة) يبنون و لا يسكنون، و بيناموا مع بعض. (وجهه الآن مكدر للغاية. كئيب و حكيم، و في ظل الإضاءة السيئة لغرفته، يبدو أكبر من عمره بثلاثين عاما على الأقل) بيناموا مع بعض علشان يجيبوا ولاد، مش علشان بيحبوا بعض. يعني حتى المعاشرة بتبقى بنا مش سكن. ما أفظع التعاسة و الحزن و الاكتئاب.

أيها السادة

نزف إليكم هذا النبأ الهام

فقد أصبح الآن بإمكان القارئ العربي متوسط التعليم مطالعة النسخة الكاملة والمنقحة من رواية "بابل مفتاح العالم"

شكر خاص لبسوم

واللول

وطروق

ومحمد هاشم طبعا


للمزيد عن الرواية اقرأ هنا وهنا وهنا

وللمزيد من الرواية اقرأ هنا وهنا

أما إذا أردت التمتع بامتيازك كقارئ عربي من حقه قراءة الرواية فهي تطلب من دار ميريت للنشر