Friday, March 28, 2008

يا عزالك يا طِلِب


آن الأوان يا إخوان لكي ندرس واحدا من أهم الأدوار في تاريخ كلمات الأغنية، الدور الذي قام به الشخص الشرير، الذي يقف في الغالب على مبعدة، وينتظر فشل قصة الحبيبين ليضحك، والذي يفتتح زمن السرد في الأغنية المكتوبة ويحولها من أغنية إلى دراما. وحديثا هذه المرة هو عن العزول.

العزول مثل مرعي بتاع الكِلِمة في أدبيات القرموطي: يسمع عنه الجميع ولا أحد يراه، وباستثناء جمل قليلة مثل "يا عوازل فلفلوا" فإن الخطاب أبدا لا يتوجه إلى العزول، ولا يتم على لسانه بالطبع، الحديث دائما عنه، لا إليه ولا منه. البعض سخروا من وجود العزول في الأغنية. نرى بيرم التونسي مثلا يتحدث عن ذلك الفرد من أهل المغنى واصفا إياه بالقول: "طالع نازل يلقى عوازل واقفة بتستناه/ واللي جابت له الداء والكافية طرشة ماهيش سامعاه." وعلى الرغم من محاولات كتلك لانتقاد وجود العزول، فإن هذه التدوينة جاءت بالتحديد للدفاع عنه، هو المسكين الذي لم يكن له صوت أبدا.

ما نعرفه أن أصل العزول يرجع إلى مفردة العذل أي اللوم، واللوم في الغالب هو محاولة لإثناء المحب عن الارتباط بهذه المحبوبة بالتحديد، أو العكس. أحيانا ما يكون العزول شخصا غير مقتنع باستحقاق المحبوبة لمحبها، وأحيانا ما يكون، بالعكس، راغبا في هذه المحبوبة بالتحديد وبالتالي فهو يقوم بما في وسعه للقضاء على الحب الذي يربط بين محبوبته وبين شخص آخر، يراه عدوا، وفي الحالتين فهو شخص غير شرير. إما أنه شخص محب أو أنه غير مقتنع، وهذا ليس شرا يا سادتي بالطبع. غير أنه على العكس من ذلك، فالأغنية فعلت كل ما في وسعها لكي تتجنب تبرير العزول، أو شرح خلفيته وأهدافه، وبالتالي حصرته في خانة الشر الخالص، غير المفهوم والشيطاني والذي لا يمكن التسامح إزاءه.

ربما تكون الجريرة الأساسية للعزول هي في التالي: أنه دائما خارجي، دوما ما يكون بخارج المحب والمحبوبة، دوما ما يكون هو الشخص الثالث، وهو المتحدث عنه بضمير الغائب. هذا ذنبه وهذا العقاب على ذنبه أيضا في نفس الوقت. في مسيرة جدلية مرعبة، أرادت الأغنية عقاب العزول فجعلته عزولا، جعلته ثالثا وحصرته في ضمير الغائب، للانتقام منه لأنه ثالث ومحصور في ضمير الغائب. مسيرة جدلية عبثية لا تستقي تبريرها إلا من نفسها.

لماذا إذن كان وجود العزول ضروريا: رأيي الشخصي، أن وجود العزول في الأغنية هو شرارة بدء الدراما فيها، بدء الصراع، تضحى الأغنية ساحة صراعات بين "الخيرين" والأشرار"، وبالتالي يوجد ما يمكن الحكي عنه، بخلاف عيون حبيبي وقلبي. ربما كان العزول هو الإثبات الأكثر عراقة على أن الحب إنما هو صراع لتأكيد الهيمنة ليس أكثر. لنتأمل معا الجملة التي يشدو بها عبد المطلب قائلا: "وازاي بعد ما فرحني/ بيفرح فيا عزولي؟". هذه هي شكوى المحب من محبوبه: إنه، بهجره له، قد أصبح آداة في أيدي أعدائه. ليس الموضوع هو الهجر إذن، وإنما ازدياد الأعداء قوة بتحول المحبوب عن محبه. الموضوع هو الصراع وتوازنات قوى هذا الصراع، لا الحب الحزين واليائس. هذه الجملة تلقي ضوءا أيضاً على تقسيم الأدوار في الأغنية، فالأخيار، ليسوا أخيارا، إنهم خيّر واحد، وهو أنا، والأشرار هم شرير واحد، وهو العزول، أما الطرف المحبوب، الذي "مابيسألش عليا أبدا/ ولا بتشوفه عينيا أبدا"، فهو آداة في خدمة الجانب الطيب أو الشرير، وبحسب انتقاله إلى هذا الطرف أو ذاك، ينتصر الخير أو الشر. المحبوب هنا هو آداة، لم تحسم موقفها بعد، وعندما تحسمه، فإن هذا سيكون نهاية القصة. إن كانت بانتصار عبد المطلب أو عزوله.

لننظر إلى هذه الجملة. كاظم الساهر يرى المرأة التي يحاول خطب ودها، بتعبيره، فيتقدم منها: "أنا شفتك تمشين لوحدك/ سرحانة وإيدك على خدك/ ببراءة جيت أطلب ودك/ ونكيد عزالي وعزالك." لنتأمل قليلا هنا. لا يصبح هدف الحب، هدف خطب الود، كما تبينه الأغنية، إلا كيد العزال، إلا الانتصار على معسكر الأشرار، وهو المعسكر الذي يقبع خارج كل من المحب والمحبوبة. في الحقيقة، فإن هذه الأغنية، واسمها "ويش صار"، لكاظم. تمضي خطوة أبعد، إنها تجعل من وجود العزول سابقا على وجود الحب بين المحب والمحبوبة. فلأي شيء صار هذا العزول عزولا إذن مادام الحب لم يربط أصلا بين الاثنين؟ لا تشرح لنا الأغنية. ربما أرادت أن يكون وجود الشر سابقا دوما، الشر، ومعه الصراع، قد وجدا قبل الخير، أي الحب. للشر دوما مجد ابتداء العالم، كما يشرح لنا كاظم.

***

هل يمكن، باستخدام هذا القياس، عن ظهور دور العزول في الأغنية وافتتاحه زمن الدراما، فهم شيء ما عن العنصر الغامض الذي يدفع شعراء، كثيرين وجيدين، لأن يكتبوا روايتهم الأولى؟

Friday, March 21, 2008

عن حنا ومارتن جئنا نتحدث اليوم

حنا كانت مرافقة مارتن، ومارتن يا عين امه كان نازي، وهي كانت يهودية، وما اجتمع نازي ويهودية الا والشيطان دخل بينهم وعمل حاجات مش لطيفة، فهي مسكته مرة وقالت له خد عندك يا واد يا مارتن، انت نازي ليه يا ولا؟ مش كفاية مدلعاك وموكلاك ومشرباك ومش مخلياك عاوز حاجة!؟

مارتن سكت شوية وقال لها شوفي يا حنا يا عينيا.. انا نازي اه انما اكدب لأ، وانا عارف ان النازيين دول أوسخ ناس فيكي يا بلد، بس برضه انا ليا عذري، خلي بالك ان احنا لسة ف العشرينات، يعني لسة مفيش مشاكل كبيرة ولسة مانكناكوش يا يهود يا رمة يا زبالة.

المهم هما سابوا بعض، ليه بقى مانعرفش، وأصلا هو كان خسارة فيها، لإن دي ست مقرفة وأصلا بتاعة مشاكل، ومرة كتبت حاجة عن واحد ابن وسخة اسمه أدولف فزعّلت الناس منها خالص، وبقوا هيشدوا ف شعرهم من الولية المجنونة دي. وواحد اسمه جيرشوم شالوم كتب لها قال لها بقى شوفي بقى انا مش مستريح لك وحاسس انك بتقولي على ابن الوسخة النازي دا انه بني آدم طبيعي، عادي يعني، يعني بدراعين ورجلين وراس وصوابع وكدا، وخلي بالك الناس لسة فاكرة انك كنتي ماشية مع الواد مارتن النازي، حصل دا ولا ماحصلش يا كلبة؟ قالت له حصل، فقال لنفسه دي عبيطة الولية دي ولا ايه؟

الراجل جيرشوم دا الظاهر كان شايفها مزة جامدة، لانه بعت لها جواب طويل عريض علشان يقولها انت مستعرية من كونك يهودية يا واطية يا وسخة. وبعدين قام بعت الجواب لكل الجرايد اللي ف الدنيا علشان يقول للناس كلها انا ببعت جوابات للمزة اهو. قامت ردت عليه بجواب وقالت له انا مستعرية من اني يهودية يا راجل يا ناقص؟ بس هو، عشان الظاهر انه كان ناقص فعلا، مانشرش الجواب بتاعها، ويبدو انه كدا ناك نفسه، لان دا معناه انا ببعت للمزة بس هي مش معبراني، يعني يا فرحة امي بيا. وفعلا صحيح، كان فعلا يا فرحة أمه بيه.

المهم ان الست حنا دي برغم انها مش متزبطة ولاسعة شوية ومسترجلة حبتين، الا انها جدعة اوي، ست راجل يعني، لإن جيرشوم دا قال لها انتي مالك طالعالي فيها كدا اوي وبتتكلمي عن اليهود من طرف مناخيرك يا كس امك؟ ارحموا من ف الارض يرحمكم من ف السماء، خلي عندك شوية م الاحمر يا أبلتي. قامت هي ماسكتتلوش وقالتله:

أنت تعرف مثلي بشكل جيد كم هو شائع اتهام هؤلاء الذين لا يفعلون سوى تقديم التقارير عن حقائق غير لطيفة، بالافتقار للروح أو بكونهم بلا قلب، أو بانعدام ما تسميه أنت "الذوق". بكلمات أخرى، نعلم كلانا إلى أية درجة يتم استغلال المشاعر في الغالب لأجل إخفاء الحقائق المعلوماتية. يمكنني في هذا الإطار مناقشة ما يحدث عندما يتم عرض المشاعر علناً، بحيث تصبح عاملاً يتدخل في شئون الدولة. هذا موضوع هام حاولت أن أصف نتائجه الكارثية في كتابي عن الثورة، في دراسة عن دور الشفقة في تشكيل الطابع الثوري."

ومن ساعتها ومفيش حاجة اسمها جيرشوم شالوم ف الدنيا.

Friday, March 14, 2008

العقاب


كنت أسير في طريق مظلم طويل على جانبيه أناس يخرج الدود من أعينهم وأفواههم ولهم رائحة ما شممت أخبث منها في حياتي فالتفتّ إلى شيخي وقلت من هؤلاء يا شيخي فقال إنهم قومك ومن تحشر معهم

***

قال لي شيخي قيل لك في التدوينة السابقة اعمل ليوم توارى فيه التراب مثل صاحبك وأخذك الكبر فقلت يا شيخي لم أسمع ولم أبصر كنت أعمى أصم وقسّا الله قلبي على أحبائي ونظرت حولي فإذ رجل يتقدم أمامي وجلده أسود من حر نار جهنم ويعطس فتنط الضفادع والزحالف من فمه وتجول الثعابين في شعره الأشعث فسألت شيخي من هذا فقال لي إنه الكبر الذي تملكك وهو قرينك اليوم وإلى الأبد وضمني الرجل له ضمة كاد لهولها ظهري أن ينقصم ومد يده واقتلع عينيّ وصارت الدنيا ظلاما في ظلام فالتفتّ إلى شيخي وقلت حنانيك يا شيخ فقال اليوم يحق العذاب على الكافرين

***

رأيت نساء عاريات يتقدمن في صف طويل وقد تهدل منهن الجلد وضمر الصدر وصرن مسخة للناظرين فقال لي شيخي هن من نزعت عنهن عفتهن ونشرت صورهن العارية على مدونتك واليوم يوم القصاص ونظرت من يمين لأجد زوجتي وابنتي تقفان في أبهى منظر ووقار وما لبثتُ أن رأيت النساء يمددن أيديهن إلى ملابس زوجتي وابنتي ويتخاطفنها ويتحلين بها وصرن يعدن صبايا متوجات بتيجان العفاف والاحتشام وصارت زوجتي وابنتي شيختين عاريتين قد نتأ منهما العظم وتكرمش الجلد وأخذت النساء يتفرجن عليهما ويصحن هاهي حريم من دنسنا وفشخنا في الحياة الدنيا

***

تقدمني شيخي إلى جرف رهيب رأيت فيه من عل قوما يتم تقليبهم على الجمرات وتنبعث منهم رائحة لحم نتنة فقال لي شيخي من دون أن أسأل هؤلاء قوم قد نطقوا بالكلمات الخبيثة في مدوناتهم فصارت الكلمات جمرات وصاروا يشوون عليها والتفتّ إلى يميني فوجدت بحيرة مائها أسيد حامض ونجيلها أشواك وإبر يبلغ طول واحدها مترا أو اثنين فقال لي شيخي هذه بحيرة جهزناها لك وأنت عمدة المشويين

***

رأيت قوما عورا وعميانا ومبتوري السيقان والأذرع يتقدمهم رجل قد تساقط اللحم منه وصارت فراغات جسمه تنط أمام ناظري بظلمتها التي ما رأيت أشد منها فقلت لشيخي من هؤلاء يا شيخي فقال إنهم قوم ذممتَهم في الدنيا بما يكرهون وأكلت بهذا لحمهم وما لبث الرجل الذي يتقدمهم أن مد يده نحوي فاختطف قلبي وصرت أجد مكان قلبي ألما وكبَدا شديدين وصار الرجل يأكل قلبي ويغمغم أن ما أطيب هذا القلب وصار القوم من حوله يستعطفونه أن أعطنا بعضا منه فيعطيهم بعضا فكانوا يتبدلون صحة من بعد سقم واكتمالا من بعد نقصان وصار الشيخ منهم يعود صبيا والأعمى يعود مبصرا وصار اللحم يتكون على عظام شيخهم ثانية

_____________________

حلم رأيته يوم الثالث عشر من مارس الحالي، يوم انتقال يارا نائل الطوخي إلى بارئها ولم تكمل الخمس سنوات. هكذا عرفت معنى قلبي الذي اختطف وعيني التين اقتلعتا جزاء وفاقا لما كنت أفعل.. تحياتي للجميع

Friday, March 07, 2008

ناس ربيع السريون.. سهى ونهى وفاوست


هناك شيء جيد حدث في شكل الحزن على الموت المبكر للروائي محمد ربيع. وأعنى به عدم تأجيل الاختلاف معه. كثيرون كانوا واعين باختلافاتهم معه ومع طريقة كتابته حتى وموته لا يزال طازجا. الصديقة العزيزة نهى محمود تكتب مثلا في أخبار الأدب عن "الصديق الذي أكره كتاباته وأختلف معها"، هي إذن تكتب عن الصديق محمد ربيع، وليس عن الأديب، هي لا تعترف به أديبا على ما يبدو، وسنتيقن من هذا إذا واصلنا قراءة الأسطر القادمة.

سهى زكي تتحدث عن اختلافها معه في كتابته، تصف كتابته بالفجة، ولكنها تؤكد أن هذه الفجاجة هي من فجاجة الواقع وأنه أراد نقله بلا مواراة، وتقول أنها تفهمت صدقه في التعبير عن المجتمع، حيث يكتب ما لا يستطيع سائر الأدباء كتابته. على العموم، سنعرف الآن أيضا أن لسهى كانت ثمة آراء أكثر حدة ضد كتابة ربيع، أكثر حدة بكثير، بشكل غريب، إذا وضعنا في الاعتبار أيضا شخصية سهى التي هي نسمة أو وردة تروح وتجيئ على مدونات الأصدقاء وكتابتهم فلا تترك إلا ريحا طيبة أينما حلت.

من تابعوا أخبار ربيع أثناء حياته القصيرة يعرفون بوجود وثيقة هامة عنه، هي واحدة من المعارك القليلة التي شنت ضده - ولا أعرف في الحقيقة بوجود غيرها. المعركة تمثلت في تدوينة كتبتها سهى زكي من بضعة أشهر حول ربيع وروايته الأخيرة "ناس أسمهان عزيز السريين"، وشارك فيها – على هيئة تعليقات - نهى وطه عبد المنعم الشهير بفاوست. كانت معركة عنيفة بشكل خاص، تم الهجوم فيها على ربيع بعنف غير عادي، من جانب المذكورين أعلاه، ورد هو في تعليق واحد، حاول أن يكون مختصرا وإن لم يخل من عنفٍ ضديٍ أيضا.

***

سهى زكي تبدأ كلامها بحكم تصفه بأنه غير متخصص في كتابة ربيع: "محمد ربيع روائى طموح ولكنه غير متمكن على الاطلاق، روائى موهوب، ولكنه لا يوظف موهبته وافكاره فيما يستحق الكتابة عنه، وهذا مجرد رأى لقارئة وزميلة له لا اكثر ولا أقل".

كانت هذه هي الطلقة الأولى في هجوم زكي الكاسح ضد ربيع. والذي لا تعوزه السخرية أيضا. تصفه قائلة: "يتحدث عن التجديد ويحاول ان يقلب موازين الرواية فيذهب للصعيد يختفى مدة سنة أو أكثر ثم يعود لنا برواية أفشل مما سبقتها."

السيدة زكي بدت مستفزة للغاية في تدوينتها عن ربيع وكتابته. بدت مستفزة مما أشارت إليه بوصفه ميله الدعائي للشهرة كما ترى. تقول: "محمد ربيع عنده عزيمه ان يلفت النظر بطريقة عبقرية على طريقة حسن يوسف لما اعترف على نفسه انه قتل عشان يشتهر فى فيلم مش فاكره اسمه."

واقتباس آخر: " تعرض محمد ربيع فى روايته الفلتة للدين والسياسة والجنس من وجهة نظر شاب مطحون يعانى من كبت وقهر وعدم تحقيق الذات، يعتقد ان النقاد سيلتفتون له او ان الاخوان سيترصدونه او ان الحكومة ما أن تعلم انه يسب فى صاحب الطلعة الجوية واولاده سيذهبون له فورا. من هنا تبدأ معاناة الأديب التى ينتظرها بشغف، ان يكون بطل من ورق."

***

بالإضافة إلى البطل الورقي الذي كانه ربيع في رأي سهى، فإن العادة السرية هو مجاز تردد كثيرا في حديثها عنه، تصف كتابته بأنها كتابة سرية مثل العادة السرية – وهذا لا يثنيها عن اعتقادها الجارف بأنه يكتب "كتابته السرية" حتى يشتهر، هل المقصود شهرة سرية أيضا يا سهى؟ - ويتكرر مجاز الاستمناء بأشكال أخرى أيضا: "ليس هذا تكسيرا لشىء الا لنفسه ولنفسيتنا التى تتآذى بقرأة مثل هذا الاستمناء الذى يلقيه محمد ربيع على الورق كلما اختلى بنفسه 10 دقائق بعيدا عن العيون. ونجد محمد ربيع هنا لأنه على يقين أنه ما من أحد سيلتفت له فيغازل كتاب الصفحات الادبية والجرائد الأدبية كلها من خلال حشرهم حشر فى نص."

برغم هذه المغازلة التي تراها زكي واضحة في رواية ربيع لكتاب الصفحات الأدبية، فإنها تلقي بنبوءها القوية والتي كان لها أثر فاعل على ما يبدو بخصوص ربيع وكتابته، على حد سواء: "اطمئن يا محمد يا ربيع ، لن يلتفت لك لا النقاد لأن الكتابة ردئية فنيا على كل المسئويات، ولن يلتفت لك رجال الاخوان لأن لديهم من هم اهم منك ليلتفتوا له ، وايضا رئيس الدولة يعلم ان الكثير والكثير يسبونه هو واولاده فهناك من يتحركون بجد وهمة يقومون بمظاهرات ويكتبون فى اماكن مقرؤة ويعترضون بصوت عالى ، فلمن يلتفت من وجهة نظرك، لشاب يقف فى الظلام يمارس عادته السرية، أم لشاب يصرخ بصوت عالى فى ميدان عام... أيهما أدعى للقلق... اعتقد ان الاول سيموت تدريجيا وحده فى مكانه من القهر على حاله وحال أمه... والآخر اذا مات سيكون بطلا شهيدا فى سبيل الحرية."

***

لم تكن جبهة الهجوم واحدة، فالأديبة والصحفية والمدونة والصديقة العزيزة نهى محمود، والتي كتبت تأبينا لربيع في أخبار الأدب يسيل دموع الحجر ويبكي الكافر من ليس له قلب، تعترض بشكل حاد على كتابته، التي لا تراها متجاوزة ولا فجة ولا مباشرة ولا أي وصف نقدي آخر، وإنما مقرفة، ورأت الزميلة العزيزة في ربيع مريضا يكتب قصص بورنو ليس أكثر. كتبت السيدة محمود ردا على تدوينة سهى قائلة: "سهى الرواية دي ازعجتني جدا وقرفتني بشكل مش عارفه اوصف له لك. الفنية الوحيدة اللي في الرواية دي هي شجاعه محمد او ( ) اللي خلته قادر يعببر عن كل الهلاوس المرضية دي بشكل علني كده. محمد لازم لازم تروح لدكتور. وتتخلص من هاجس الكتابة السرية دي. وبعدين تكتب كاديب يحترم قرائه ولديه ما يريد ان يبلغه عن الفن والكتابة وليس عن الدعارة والبورنو."

***

أما طه عبد المنعم الشهير بفاوست، وهو صديق رائع ومحب ونشط بلوجري وفيسبوكي، فقد كان له رأي قاطع بخصوص فشل مشروع محمد ربيع وميله إلى الشهرة الزائفة. كتب في نفس المكان ردا على سهى معترفا بفضلها عليه في توجيه نظره إلى هذه الصفات المرذولة لدى ربيع: "انتى عارفة أنا ليه مصدق رأيك. لانك تعرفى مشوار محمد المش أدبى... محمد ربيع بقى، لفتى أنتباهى أنة متخبط فى الذى يريد قولة، وهو دليل أكيد على فشل مشروعة و محاولة الصعود عاى أنقاضة الى الشهرة الزائفة."

محمد ربيع نفسه على ما يبدو قرأ التدوينة متأخرا. ربما كان وقتها في الصعيد – على حد ما أذكر – وعندما عاد كتب رده. كان – رحمه الله – حادا في رده على الهجوم الذي تعرض له، وقام بتصويب اسم روايته لسهى بشكل أتصور أنه كان محرجا لها قليلا كما وجه سهام سخريته اللاذعة إلى السيدة نهى محمود التي طلبت منه الذهاب إلى الطبيب. قال ربيع في نفس المكان:

"مساء الخير على ناس سهى زكى المتأدبين وطبعا على سهى شخصيا، فيما عدا نائل انتى جبتي الاديشك دول منين، فى الاول يا سهى روايتى اسمها "مؤامرة على السيدة صنع الله" وليست "حكاية السيدة صنع الله" كما ذكرتى، تانى الحاجات واللبى نفسى تفهمينى موضوع الكتابة السرية اللى انتى مستموتة عليه انتى وخدامتك الذليلة نهى محمود، فماذا بعد توزيعى نسخ للناس والنشر الالكترونى لتصبح الكتابة علنية وتالت المواضيع وهذا خاص بالسيدة نهى محمود احب اطمنها انا فعلا ناوى اروح لدكتور بس اللى حايشنى انى ما عنديش نسخة من الرواية اديها للدكتور علشان يعالجنى على اساسها، لأنى مش هينفع احكيهاله، ووحياة سهى يا شيخة تقوليلى اسم الدكتور اللى عالجك علشان اروح له."


***

ما أتعجب له هو الآتي. لماذا قامت سهى زكي بمحو هذه المعركة الشجاعة والحاسمة من على مدونتها، بحيث اضطررت للجوء إلى نسخ جوجول المخبأة لكي أصل إليها؟ هل من سر يا سهى؟



تحديث: الصديقة العزيزة سهى. شكرا جزيلا للاستجابة ولإعادة نشر البوست بشكل فوري على مدونتك. لكن مازال السؤال عن سبب إلغائه لفترة ما من على المدونة يطرح نفسه، أكرر شكري ثانية يا صديقتي :))

Friday, February 29, 2008

كمال الطوخي يعني اكتماله


صيف 96: أقترب مترددا. أقول له أنني دخلت آداب قسم عبري. لا يستوعب في البداية. ينظر لي طويلا، والنظرة الطويلة علامة على صعوبة الاستيعاب. يسألني: إشمعنى؟ ولا ينتظر إجابة. يقول ببطء: ازاي تدخل قسم عبري إذا كان خلال خمسة وعشرين سنة مش هتبقى إسرائيل موجودة.

تأملوا معي، انظروا ولا تستسلموا لغواية ملاحظات الوهلة الأولى. كمال الطوخي لم يكن مجنونا وطنيا، ولا قوميا مهووسا. هو لم يكن شيئا على الإطلاق. كان فقط، مثل أي أب، يريد لابنه أن يعمل بعد ما يتخرج. ويرى أنه حين يتخرج ستكون العبرية قد أصبحت لغة ميتة، وبالتالي فسيقعد ابنه عاطلا، لأن إسرائيل، وهذه معلومة أكيدة في رأيه ولا صلة لها بأية أيديولوجيا، ستكون قد انتهت.

***

كمال الطوخي هو إنسان النظريات. كل شيء يحدث في رأسه وما يحدث خارجها إنما يحدث بفضلها هي فحسب. فوضوي وغير مسئول ولا يعتمد عليه ويحب دماغه أكتر من أي حاجة. تجرأت مرة وقلت له أن ما يبهرني فيه هو عدم إحساسه بأي مسئولية، تجاه زوجته وأولاده وأي شخص ف الدنيا. ابتسم بثقة. قال لي: أنا بس بخطط لها كويس. من هي التي كان كمال الطوخي يخطط لها كويس؟ الدنيا، الشغل، رحلة الكفاح، خطواته؟ لا أحد يعرف. إنها لزمته المفضلة. يرى نفسه ناجحا لأنه لا يدخل أي شيء بدون تخطيط. هو يقلب المنطق وينطقني ما لم أقله، عكس ما قلته بالتحديد، ويقول أنه يخطط لها كويس، ولا يشعر لوهلة بتأنيب ضمير لأنه واصل كلامه بعدي وكأنه يكمل ما أقوله ولا يهدمه. ذات يوم، رأى كمال الطوخي جملة مكتوبة بخط عريض في الجرنان ، النجاح لا يأتي صدفة، قص الجملة بعناية وعلقها على دولابه، أصبح هو والجملة شيئا واحدا، حرص أن يلفت نظرنا للجملة طول الوقت، وله، ويقول أنا النجاح وهذا نجاحي وهو لم يأت صدفة. كمال الطوخي الذي لم يكمل أي مشروع لآخره أبدا، كمال الطوخي الذي لم يخطط لها، بصرف النظر عمن تكون هي، ولا مرة في حياته. كمال الطوخي الذي هو إنسان النظريات.

***

كمال الطوخي سافر إلى الكويت وهو عنده تمنتاشر سنة، مرض أبوه فسافر، يحكي عن هذه الفترة: "كنا بنفتح حصالات عماتك علشان نجيب بالفلوس اللي فيها أكل." سافر أبي إذن، الذي هو "أبيه كمال" على لسان عماتي الأصغر سنا، وهناك وكّل أمه لكي تشتري له أرضا تلو الأرض، في مدينة نصر والهرم والعامرية وعزبة النخل، تم إنقاذ الأربع عائلات للأربعة أعمام، وبقى أبي وحده في الكويت، وسنعرف في السطر التالي أن هذا لم يكن مصيرا مشرقا بما فيه الكفاية.

كمال الطوخي طرد من الكويت بعد غزو صدام، وقعد في البيت بلا شغل، بلا فلوس بعد أن ضاعت فلوسه هناك، وتقريبا بلا أولاد لأنه اكتشف أنه غريب بين أولاده. ثم تذكر أن له أرضا في العامرية وأرضا في مدينة نصر، وفكر في زراعة أرض العامرية أو بناء عمارة في أرض مدينة نصر، وصلى صلاة الاستخارة وأتاه الهاتف أن عليك بالعامرية. وسبب آخر يضيفه الطوخي: "الفلاحين هينصبوا عليا في عشرة عشرين جنيه، بس مقاولين العمارة هينصبوا عليا في مية ولا ميتين ألف". اختيارا لأهون الشرين إذن، واقتناعا منه بأنه منصوب عليه لابد، ذهب وزرع أرض العامرية، عاونه في زراعتها فلاحون كان يصفهم دائما بأنهم أولاد كلب، وأولاد الكلب كانوا على مستوى توقعاته تماما وأفضل: عندما زهق من الزراعة أخذ يؤجر لهم الأرض قطعة قطعة. فصاروا يدفعون مرة ومرة لا يدفعون، ويسرقون الوصولات التي يكتبها عليهم، ينطون على سقف بيته ويسرقون شنطة الوصولات.

***

كمال الطوخي تزوج تلات مرات، أم اخواتي ثم أمي ثم مراته التي لن تكون أما لأي شيء. بعد موت أمي كان يحاول تقريب الفكرة لنا بكل الأشكال، كان يشرح لنا أنه يخاف أن يموت وحده في الأرض، على هذا الأساس كان احتياجه لامرأة أربعينية: "مش عاوزها عندها تلاتين سنة. دي هتبقى عاوزاني أهشكها". هكذا قال أبي بحكمة من أكمل الخامسة والستين بجدارة. ولأنه لا يريدها بثلاثين سنة فقد تزوجها بخمس وعشرين.. إنه إله في جسم إنسان يا أولاد.

.....................................

...................................

...............................

يجلس مع ماما، وإعلان التليفزيون عن لبن ميلكي شغال. يقول لها بعد لحظة تأمل طويلة وشفطة من الشاي: عارفة يعني إيه ميلكي؟ تنتظر أن يرد بنفسه على سؤاله فيعتبر صمتها علامة جهل منها. يشرح: ملكي يعني بتاعي. يعني علبة اللبن دي بتاعتي. تقول له، كم كانت متحمسة زيادة عن اللزوم، الفاتحة لها يا إخواني: ميلك يعني لبن. ينظر لها نظرة طويلة ويبتسم باحتقار. تقريبا لا يرد. كم أحن الآن لتلك النقاشات اللغوية الفيلولوجية الرصينة حول جذور المفردات والعائلات المختلفة للغات الحية.

Friday, February 22, 2008

أغنية حب رومانسية إلى مزتي

عزيزتي ز، مزتي الجميلة، لم يكن من داع لكل هذا أبدا، كان هذا أكثر مما أريد أو مما أحلم به. كان حبك عظيما، رهيبا، كان فوق ما أتمناه بقليل، فوق ما أتمناه بكثير، لأنه كان أيضا مصحوبا بقدر لا تخطئه العين من السهوكة، طبعا لا يمكن النظر إلى سهوتك الحبيبة ودلعك المرئ الناعم إلا بشيء من السخرية، خاصة أننا قد توقفنا عن أن نكون مرتبطين منذ ما يقرب من عام ونصف. لم تستمر علاقتنا.. لم تستمر يا عروسة، لم تستمر يا أبلة، وأنا أصبر وأحتسب كل شيء عند الله.. والنعمة.

أنا لم أكن معنيا بهذا، لم أكن معنيا بأن تقولي لي بحبك كثيرا، ولا بأن تناديني بحبيبي، لم أكن معنيا بأن تحولي أي نقاش بيننا إلى نبوءة تدور حول استمرارنا معا على طول. بالمناسبة، أحيانا ما كنت أريد أن أتحدث بجد عن شيء ما وأشخاص ما غيرنا، وأكون صادقا في عدم نيتي تلقيح كلام عن علاقتنا. أحيانا ما تراود الإنسان هذه الرغبة، وفي أحيان أقل تكون هذه الرغبة صادقة، وفي أحيان أكثر قلة يكون الصدق شيئا كويسا.

في الأمثال يا يمامتي يقولون أن المليان يكب على الفاضي، وأنا كنت أريد هذا. يعني، لو كنتِ قللت بعض الشيء من فوراتك العاطفية اللذيذة، من جنونك الرومانسي الرائع، وفي مقابل ذلك استمررنا مع بعضنا، بهدوء وبدون أفوَرة، كان هذا ليصبح أكثر عدلا، استواء، استقامة، كان الأمر ليصبح على منسوب واحد، كان ليصبح نوعا من البيضان الجميل، الملل المثير للشهية، الرتابة المبهجة، وهذا ما كنت أريده.

كان واضحا مدى الجهد الذي كنت تقومين به لأجل قول كلمة حلوة، كان هذا بالتأكيد يضغط على أعصابك، مثلما أنه كان يشعرني أحيانا – أحيانا كثيرة ولكن ليس دائما – بالرغبة في الترجيع، ومع ذلك، فلم تتوقفي عن قول كل الكلمات الحلوة، حتى جزعت نفسي، شفتي ازاي؟ ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

يشكو الشاعر العربي القديم قائلا: ما ساعة بتعتبرني كتير تقيل الدم/ وساعة بدك ياني بشي ضروري. قطتي العسولة، ألا تلاحظين معي داخل هذه الأبيات طلبا صادقا ما، رجاء حارا ويائسا، مناشدة تتفتت لها الأكباد، بأن يتم تقسيم الوقت والمشاعر، ألا يكون بدك ياني بشي ضروري بهذه الطفاسة ولكن في نفس الوقت ألا تعتبرني كتير تقيل الدم في الأوقات الأخرى. منذ فجر البشرية إذن، منذ لحظة كتابة هذه الأبيات، وثمة حنين قاتل لدى الرجال للعدل العاطفي، ثمة رغبة جارحة في ذلك البيضان الجميل، الملل المثير للشهية، الرتابة المبهجة، وهذا ما كنت أريده، ما ضر إذن لو كان فعلا المليان قد قام بالكب على الفاضي؟

عزيزتي، مزتي الجميلة والرقيقة، لماذا فشختيني كل هذا الحد إذن؟

Friday, February 15, 2008

وما كفر المصريون ولكن الأفارقة كفروا عالآخر


تنظرين يا يارا، يا ابنتي الرائعة، من البلكونة وتسألينني عن الأعلام المرفوعة، تسألينني عن الزعيق والكلاكسات، تشيرين بأصابعك البريئة إلى الفرحة على أوجه الشباب والشيوخ وتسألينني: ما هذا؟ أنجعص أنا يا حبيبتي على كرسي وأشرح لك أنه في عالمنا يعيش فريقان، أناس طيبون، اسمهم المصريون، وأشرار اسمهم غير المصريين، أحكي لك اليوم عن انتصار الأخيار على الأشرار، وأبدأ في استرجاع المعركة الحاسمة، أميل على أذنيك هامسا لأحكي لك وأنت على سريرك:

"كان اسمهم أفارقة، كانوا سودا كلون الشيطان، طوال القامة كالمردة، وعراة كالهمج، وكانوا يأكلون لحم البشر أيضا. لم نكن نرغب إلا في التخلص منهم.. أو على الأقل، في أن نثبت أن الخير، الذي هو نحن، هو الباقي أبدا مهما ساد الظلام الذي مثلته لون بشرتهم. وهذا ما حدث: الكرة، يحركها ربنا باتجاه المرمى الكاميروني، هي من أثبتت أننا السادة مهما مر الزمان، كنا الأجمل والأنقى دائما يا حبيبة بابا."

"سامحيني يا ابنتي على خيالي غير المحترم بشكل خاص، تعرفين كم أحسن جدك وجدتك تربيتي، ولكنك أيضا تعرفين سحر وتأثير رفاق السوء على الشاب الذي كنته يوما، ومزاجي الجنسي يا صغيرتي ينقح علي لمدة كام تدوينة، فاعذريني واعذري قلبي العجوز الذي ما فتأ يرتكب الحماقات مرة بعد أخرى. ما أردت قوله هو أن لاعبينا الأخيار تبرعوا بفلوس كثيرة لبناء مسجد في غانا، تسألينني لماذا في غانا؟ لأخبرك. لأنهم قاموا بنيك الأشرار هناك، في دارهم، في دار الأشرار يا ريري، ومن ينيك منكم شريرا فعليه بناء علامة في مكان المواقعة ليذكر المنيوك أنه قد نيك، ليكسر عينه بها إلى الأبد، أقول هذا ويعتصرني الآلم لأنني أتخلى، في الوقت نفسه، عن قواعد التربية السليمة، أحدثك عن شرور العالم، وبلهجة تعوزها اللياقة إلى حد ما، فسامحيني وسامحي قلبي العجوز."

"تعرفين المسجد يا يارا؟ لا. لا ينفع. لابد أن تعرفيه جيدا. إنه بناء من الحجر له مأذنة عالية وطويلة، طويلة جدا حتى لكأنها القضيب الذكري، وستعرفينه يوما، أنا متأكد. وهذه هي الحكمة من أن أية كنيسة، بقبتها المستديرة كمؤخرة محترمة، لابد أن يقوم أمامها مسجد. فهمتي قصدي؟ مش مهم. ستفهمينني يوما، أنا متأكد برضه. كم أنهم عظماء من يريدون نيك الأشرار يا يارا، لأنه، وقد نسيت أن أخبرك، عاشت في عالمنا طائفتان أخريان، المسلمون، وهم الطيبون المسالمون حد الروعة، وغير المسلمين. والغالبية من سكان المدينة الغانية التي أراد الطيبون بناء المسجد فيها كانوا غير مسلمين، وغير المسلمين هم الأشرار يا يارا، ولندع الرب أن ينجنا من الشرير دوما."

"في النهاية خليني أحكي لك: أبناؤنا ذبحوا عجولا في المدينة، ذبحوها لتوزيع لحمها على الفقراء، فقراء المسلمين طبعا وليس فقراء الأشرار، ذبحوها تبركا وحمدا لله، فما كان من الأفارقة الوثنيين السحرة بطبيعتهم إلا أن اعتبروها ضربا من السحر. تذكري يا ورور معي قصة موسى وسحرة فرعون واعرفي أن السحر شيء مش محترم وبركة دعا الوالدين هي شيء محترم، وأنه لا يفلح الساحر حيث أتى، ولكن يفلح دوما من ذكر اسم الله وأخرج عصاه فإذا هي حية تسعى، وما كفر سليمان أبدا ولكن الأفارقة كفروا، ثم لأقرأ عليك هذا الخبر في المصري اليوم لتعرفي معي كم أن الأفارقة كفروا، كفروا على الآخر حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ومازالوا يكفرون."

Friday, February 08, 2008

تحية واجبة إلى حدودنا المقدسة

نحن نكره الفلسطينيين لأنهم قاموا بانتهاك حدودنا، وحدودنا يجب أن تظل مقدسة جدا، مقدسة للغاية، مقدسة آخر حاجة. وبمنتهى الصراحة، فلقد تزلزلت مصريتنا يوم اقتحم الغزاوية الحدود، انتهكت وانشرخت وانفشخت، فلما انفشخت صارت أكثر انفشاخا ومن ثم صارت مفشوخة على الدوام.

***

نكره الفلسطينيين لأنه ليس معقولا أن تقوم مجموعة منهم، واسمها أهل غزة، بغزونا. وقبل مجيء أهل غزة كانت العريش زي الفل، كانت نموذجا راقيا ورائقا لكس ام الرخاء الاقتصادي والأمني. كانت جنة الله فوق الأرض، ولم يكن ناقصا إلا حبة جواري وقيان لتصبح مدينة من ألف ليلة وليلة، عاصمة الخلافة الرشيدية السعيدة.. فلماذا فعلتم كدا يا غزاوية!؟

***

نكره الفلسطينيين لأن العرايشة والسيناوية لا يحبوهم، لأن العرايشة والسيناوية يشعرون بقوة أنهم مصريون، ومصريون بس، ومصريون يعني قهراوية وقهراوية يعني مصريين. لا يشعر السيناوية بأي تعاطف مع غزة، فمشاعرهم تتزبط على حسب خطوط الحدود المصرية، والنوبيون مثلا أقرب إليهم من الفلسطينيين. ولذلك فإن السيناوية يستجيبون دوما للتحذير القاهري بالابتعاد عن أصدقاء السوء الذين يقعون وراء الحدود، الحدود الجامدة، بل وأكثر من ذلك، الحدود التي في منتهى الجمودية.

***

نكره الفلسطينيين لأنه تم نيكهم من جميع شعوب العالم المتمدين، يهود وسوريين وأردنيين ولبنانيين، ثم أنهم يأتون على ازبارنا نحن ويقولون يععع عنصرية. على الفلسطينيين أن يستحْلوا أزبارنا كما استحْلوا أزبار من سبقونا، حتى نطمئن إلى سلامة، وروقان، أداءنا الجنسي. وإن لم يكن، فلا يأتوا لينيكونا نحن، حيث أطيازنا، مثل حدودنا، يجب أن تظل محمية دائما، هذا شيء يتعلق بالأمن القومي قبل أي شيء آخر.

***

نكره الفلسطينيين لأن كلمة فلسطين تعني حماس وكلمة حماس تعني فلسطين، ولأنه لا يمكن للقاهرة – وهي عاصمة العلمانية والليبرالية في العالم الحر- أن يحكمها شوية حمساوية ينتمون بأصولهم إلى الإخوان المسلمين.

***

نكره الفلسطينيين لأنهم – بدلا من أن يصبحوا جميعا شهداء ويقاومون إسرائيل بالحجر ويقاومونها بالرشاش ويقاومونها بسكاكين المطابخ – فإنهم يهربون كالخولات، إلينا الآن، وإلى لبنان وسوريا والأردن سابقا. يجب على الفلسطيني الحق، الفلسطيني الصحيح، الفلسطيني الذي اكتملت فلسطينيته بدرا تام الاستدارة ليلة اربعتاشر، أن لا يكون بني آدم، يجب أن يكون وحشا فتاكا، يقاوم إسرائيل في أرضه حتى يموت، يجب على الفلسطينيين أن يموتوا حتى يكونوا كويسين، كويسين جدا وكويسين للغاية وكويسين آخر حاجة، وحتى نحبهم بنفس القدر، أي: جدا وللغاية وآخر حاجة.

Friday, February 01, 2008

الإنترنت أيضا مدينة تحت الأرض يا ربيع

الإنترنت بايظ. ومنذ سنوات قليلة لم يكن هناك إنترنت، ولذلك فمنذ سنوات قليلة لم يكن الإنترنت يبوظ، ولذلك فالنهاردة أسوأ من امبارح وبكرة أسوأ من الاتنين، إن شاء الله

الإنترنت واقع في البلد كلها، وشعبان يوسف يصف الشخص بأنه نتاوي فيما يعني أنه نصاب، ويعرف شعبان يوسف الإنترنت بأنه عالم تحت الأرض يوازي عالم ما فوق الأرض الذي هو عالم الورق، ومعروف أن عالم ما تحت الأرض هو موطن أشياء كثيرة، مترو الأنفاق وجذور الشعر وسلاحف النينجا كما قلنا من قبل، والإنترنت كما نقول الآن، والعفاريت كما سنقول فيما بعد. والأنفاق عندما تنهار فإن الأرض لابد سيحصل لها حاجة، جلطة أو سكتة قلبية أو شلل رعاش، وعندما يتم تفريغ وجهي – كما حدث الأسبوع الماضي – من شعرته الطويلة المستحكمة فإن الوجه ينحل كما ينحل بلوفر الصوف، وإذا وقع عالم النت فإن عالم الورق ينهار يا شعبان

الإنترنت عالم سفلي تحت الأرض، وربيع جابر له رواية اسمها بيريتوس مدينة تحت الأرض، لم أقرأها لأنها غالية ولكن أصحابي رسوني على التيتة فيها، ودائما هناك أصحاب يقومون بالإرساء على التيتة فيها، والحمد لله على وجودهم وعلى وجود التيتة سويا، والرواية تحكي عن بيريتوس وهي مدينة موازية لبيروت وهي تقع أسفلها مباشرة، تحت الأرض، وأكتشف الآن بحزن أنه لم يكن هناك داع لأصحابي لأن ما قالوه لي يبان من عنوان الرواية، بلا زيادة ولا نقصان، وربما أشك أنهم قرأوها أصلا الآن، فما أشد حزنك يا ربيع طول الدهر

الإنترنت بعافية، ويقال في مصر بعافية أي أنه من دون عافية، ولذلك فعندما أقول أن الإنترنت بعافية ولكنه استرد عافيته فإن الجملة ليست غريبة، ولا فانتازية، إنها جملة مزبوطة لغويا، ولكن ليس معلوماتيا، لأنه لم يسترد عافيته كلها وإنما سبعين في المية منها، بحسب ما أفادنا مراسلنا في جريدة الأهرام، وبالسبعين في المية أكتب هذه التدوينة ولم أكن أستطيع فتح صفحة البلوجر امبارح، ولذلك لابد أنه هناك واحد أو اتنين في المية زيادة عن امبارح استردها الإنترنت من عافيته، ولكن ليس معنى هذا أن سبعين أو اتنين وسبعين في المية فقط هي ما سأتمكن من نشرها على المدونة، للأسف، الحياة ليست دائما بهذا الإحكام الهندسي يا إخوان

الإنترنت عندما يبوظ فإن كائنات الأنفاق والمجاري، السلاحف والصراصير والمدونين، لا يتمكنون من العيش بحرية، وينظرون إلى الكائنات اللي فوقهم، مثل الكائنات التي تكتب على الورق، بغيظ ويقولون لهم ويكأن الله يفعل ما يريد، بالرغم من أن هذه المعلومة لا تحتاج أي ذكاء أو أي ويكأن، لأنه دائما الله يفعل ما يريد ودائما أهل النار على جنب وأهل الجنة على جنب وسلاحف النينجا هم دائما تحت الأرض ودائما اللي بياكل على ضرسه بينفع نفسه يا بني أدمين

Friday, January 25, 2008

رد الاعتبار للأعماق الصلبة

بملقاط نزع نائل شعرة من شعر وجهه.. شعرة طويلة فاجأته، طويلة بشكل شاذ، إذا جاز التعبير، لم تنتزع، الأصح، تم انتزاع جزء منها، والجزء الآخر تبقى تحت الجلد، المهم، كانت الشعرة تطول وتطول وتطول، وكلما نزع نائل جزءا منها اكتشف أن ثمة جزءا آخر بالأسفل. لم تبد لها نهاية، أو على الأقل نهاية متوقعة قريبا.

الشعرة تستمر وتتواصل، وتنتشر، وتتوغل، وتستمر، وتستمر، وتستمر، كأنها شبكة مترو أنفاق تحت الأرض، وشبكة مترو الأنفاق تمزق أسفل الأرض، تقطعها أربع تربع أو ثمانية أثمان، شبكة مترو الأنفاق تلعب في أساس الأرض غير الملعوب في أساسها قبلا، وانتزاعها يعني أن الأرض من الآن فصاعدا ستعلق فوق هوة كبيرة.

المهم، كل سنتيمتر إضافي من الشعرة يتم إخراجه من مسام الجلد كان يجعل وجهه أكثر ارتياحا وحرية، كأنه فرغ من محتواه. الشعرة كانت تحتل حيزا هاما من وجهه، هذا ما اكتشفه بأسى، وهذا الحيز هو ما يعرف بما تحت الأرض، وهو بيت الطبقات المسحوقة، الظل، المجاري، وطن سلاحف النينجا، لنتخيل عالما بلا سلاحف النينجا. شبه مستحيل. شيئا فشيئا كان وجهه يصغر، كعالم فُرغ من مترو أنفاقه أو من سلاحف نينجاه للتو. لم تبد نهاية للشعرة، وليس لمثلها أن يكون.

سطح وجهه يبدو الآن مستندا على اللاشيء، يرتاح من عمقه أخيرا، وشيئا فشيئا يكتشف مدى آخر للراحة، مع كل سنتيمتر آخر يتم انتزاعه من الشعرة. السطح الآن معلق في الفراغ، أنفاق بلا مترو، مجار بلا سلاحف، السطح الآن هانئ بالخفة، بالطيران فوق أخدود غير مشعر، طائر بهشاشة، أي شيء قد يدفعه للانهيار، للوقوع والتفتت على طبقته السفلية، هو الآن مرتفع بقوة وجوده عاليا، لا بكونه مؤسسا على ما بالأسفل، لأنه ليس هناك ما بالأسفل، الوجه غير شرعي، تافه ولكنه بجح، عيل صفيق معلق في الهواء بلا جذور.

مع انتزاع الشعرة يبدأ الوجه نفسه، السطح محل الحديث نفسه، بالتفتت، يفلت خيط من الوجه أيضا، ينظر نائل إلى نفسه في المرآة. خيط من خده ينحل، خيط هو جزء من الشعرة اللانهائية، يمد يده أكثر لانتزاع بقية الشعرة، خيط آخر من وجهه ينحل، شيئا فشيئا يسير الوجه كله نحو التفكك، تبدأ منطقة الأذن اليسرى وما حول العين اليسرى في الانحلال، تليها منطقة الفك وأسفل الأنف، تنفك قماشة الخدين كلها، شعرة طويلة تتكوم على حوض الماء، طويلة طويلة، تتكوم في بكرة ضخمة مبتلة بالماء.

الآن، خيوط الوجه كلها انحلت، الوجه يصبح بلا وجه، تتكشف تحته أنفاق كثيرة فارغة مرت بها الشعرة المنتزعة والآن لم تعد تمر بها، أنفاق بلا مترو، مجار بلا سلاحف، كما أسلف القول أكثر من مرة.

نائل ينظر لنفسه طويلا في المرأة فيجد وجها عبارة عن مجار محفورة بلا ملامح ولا أنف ولا أذن ولا حنجرة. نائل حزين حزين. يعض بنان الندم على الشعرة التي أصر على انتزاعها للآخر ويبكي عندما يكتشف أهمية العمق وأهمية أن يكون الإنسان له أساس صلب ومحدد ومتماسك يستند إليه. ويكتب هذه الحكمة المستفادة في أجندته حتى تنفعه في الأيام القادمة، لأن موضوع أن يكون للبني آدم وجها نسلت خيوطه كلها وصار كأنه لم يكن هو موضوع لم يكن أبدا مريحا على طول تاريخ حياة البني آدمين.

Friday, January 18, 2008

مراحل التحول إلى مثقف حقيقي

المثقف الحقيقي هو كائن متطور بالضرورة، ينتمي إلى مخلوقات وسط البلد المتطورة، والتي لها الحق في الحياة أكثر من غيرها من المخلوقات، لأنها تساهم في إعمار الكون أكثر.

***

المثقف الحقيقي معركته الأساسية في الشارع، يصيع في الشارع، ويشرب في الشارع ويشيش في الشارع، يحتقر قراءة الأعمال الذكية لأنها غير مرتبطة بنبض الجماهير ولا يختلط بنبض الجماهير لأنه لا يشهد أيا منها في التكعيبة والندوة الثقافية وبار ستيلا.

المثقف الحقيقي لا يجلس إلا مع زملائه المثقفين الحقيقيين، لا يقرأون وإنما يتحدثون عما سبق وقاله لهم زملاء مثقفون حقيقيون آخرون، هكذا يتم خلق أدب شعبي يتصوره المثقف أدبا غير شفوي وهو شفوي، ويتصوره في كتب وهو يجب أن يسمع على الربابة.

المثقف يحب أسماء بعينها، صلاح جاهين وفؤاد حداد والشيخ إمام وأبو النجوم، ويموت في أمل دنقل أكثر من أي شخص آخر، لأن أمل دنقل قال لا تصالح وقال أترى حين أفقأ عينيك وأضع مكانهما جوهرتين - والمثقف الحقيقي معه حق إذا زعل لو حد قال حجرين - هل ترى، هي أشياء لا تشترى.

المثقف الحقيقي لا يحب قراءة الأعمال المترجمة، لأن الترجمة تعطله عن الإحساس بالحالة في النص، وهو لم يقرأ في حياته إلا عمل واحد مترجم، اسمه مائة عام من العزلة لو كان قاهريا، وأعمال كفافيس لو كان سكندريا. لا يقرأ المثقف الأعمال باللغات الأجنبية طبعا، لأنه ليس كائنا فضائيا مثل الكائنات التي تقرأ باللغات الأجنبية، ولأنه ضد أن يكون المرء كائنا فضائيا، ولأنه يفضل أن يكون المرء معجونا بنيل مصر وطينها وليس كائنا فضائيا. المثقف الحقيقي لا يحب الكلام الكبير، لأنه يأخذ موقفا ضد الذكاء، ولأنه يأخذ موقفا مع الحالة، وتقريبا، فالحالة هي كلمة السر التي تتيح لنا الدخول إلى نفسية هذا المثقف الحقيقي العظيم.

يكره المثقف الحقيقي ويحب العمل الأدبي وفق "الحالة"، يعني هل هو حاسس العمل أم لا، وبالمناسبة: يجب على المثقف الحقيقي أن يكون حساسا وعالما روحانيا أيضا، لا يشترط أن يفهم شيئا وإنما يحس، والأرواح دوما تهيم في ملكوت الله ومعها تهيم روح المثقف المتواصل مع العالم .

المثقف الحقيقي يجب أن يكون إنسانا، ويحب الناس، وبالتحديد هو يركز على ثلاثة أنواع من الناس يحبهم بعمق وإخلاص، الحد الجميل والحد الحقيقي والإنسان بجد. ويتمسك المثقف الحقيقي، خاصة لو كان شابا حداثيا، بكلمة "قشطة" يرددها بين الحين والآخر، وقد نبذها المجتمع بأكلمه منذ عشر سنوات ونيف، وبهذا يتمسك بحقه الوجودي في أن يجترح لغة خاصة به. ويجترح كلمة مهمة أيضا بالنسبة للمثقف الحقيقي، خاصة إذا كان شاميا أو مغربيا.

المثقف الحقيقي هو يساري بالضرورة "ليس شيوعيا. إنه يساري" وعلماني بالضرورة، ويؤمن بحقوق المرأة والأقباط بالضرورة. لا يمكن للمثقف الحقيقي أن يكون عنصريا. إن هذا ضد قوانين الثقافة الحقيقية.


لهذا كله، فإن المثقف الحقيقي هو أجمد شخص ف الدنيا.

Friday, January 11, 2008

ذكورة الرواية التي بلا منازع

الزوجة تعترف لزوجها لعيب الكرة وهي على فراش المرض: أنا خنتك. ينظر لها مذهولا: امتى؟ تقول له: فاكر لما رئيس مجلس ادارة النادي ماكانش عاوز يضمك للفريق وبعدين رضي يضمك. يحس بالأرض تتهاوي به. تضيف: ومرة كمان. فاكر لما مدرب الفريق ماكانش بيرضى يحطك مع اللعيبة الأساسيين وبعدين رضي يحطك. إنه الانهيار الأعظم: وإيه كمان؟ تنظر للأرض: فاكر لما الجمهور كله ماكانش بيرضى يشجعك وبعدين بقى يشجعك.

ما تشرحه هذه القصة لنا ببساطة هو الآتي: أن أية فرصة للترقي في هذه الحياة، مشروطة بقضيب يتم إدخاله فينا، من ورا أو من قدام أو يأتينا من حيث لا نحتسب، من حيث حريمنا قاعدات في بيوتهن، أما الجائزة الكبرى، وهي الجمهور، فمشروطة بإدخال مليون قضيب لمليون شخص جمهوري "نسبة للجمهور وليس الجمهورية". هكذا يصير النجم نجما. لنترك الكرة جانبا إذن ولنتحدث عن الرواية.

***

تناهت إلى أسماعنا أخبار أن بعضهم في الآونة الأخيرة صار يكتب رواياته لأجل ترجمتها، يكتب عن المرأة والأقباط واليهود والديكتاتورية والأصولية، عن قضايا اجتماعية أو سياسية، لأن قراء الأدب العربي في الخارج كما نعلم هم جمهور من السوسيولوجيين بالأساس. حسنا، إنه زب السوسيولوجيا وقد تم إدخاله في الرواية العنيدة، وقد وافقت بعد امتناع. هذا مقدور عليه وهو مدان أصلا، ولكن حجم المعضلة أكبر بكثير:

البعض يكتبون الرواية ببهرجة لغوية عظيمة، واللغة آداة الشعر وليست آداة الرواية، والبعض يكتبونها بتفلسف كثير، والتفلسف فلسفة وهي علم قائم بذاته، والبعض يكتبونها برسالة وهدف، والرسالة تندرج في علم الأخلاق، والبعض يملأونها بالحيل والألعاب، بينما اللعب يعني لعب وليس "تعالى نعمل بنلعب" مثلما يحدث في الرواية، البعض يكتبون مشاهد عظيمة، وهو فن السينما، والبعض يكتبون شخصيات مركبة ومشحونة، وهو علم النفس، كلها بعابيص عابرة تدخل الرواية من حين لآخر، تخلصها من كونها رواية وتدرجها في مجالات مجاورة. أكثر الأشياء صعوبة هو رواية حصينة، بلا مداخل يمكن لقضبان الغير أن تدخل إليها منها. رواية تفرض نفسها على غيرها من العلوم والفنون المخنثة.

ولكن الأهم من كل شيء هو الجمهور. نكتب رواياتنا من أجل جمهور أكثر اتساعا، نضيف ما يعرف بالتشويق، نقطع قصصنا بشكل معين حتى لا يسقط القارئ بفعل الملل، نكتب بالعربي حتى يفهمنا، نتحدث عن أشياء يعرفها القراء جيدا، مثل البشر والشوارع والسيارات، وأحيانا الحيوانات والكائنات الفضائية، كل هذا يتم لأجل إقحام مليون قضيب لمليون شخص جمهوري داخل الرواية، وبعض الروائيين يفخرون بهذا.

***

يا إخواني، الصرافة صرافة، والتدفيش تدفيش، والرواية تعني حكاية، بلا سياسة ولا فلسفة ولا حيل وألعاب، بلا مشاهد ولا أوصاف ولا لغة ولا أفكار. يشترط في الرواية ألا يفهمها أحد، لأن الفهم مجاله الأحجيات العقلية وليس الحكاية، يشترط ألا يتمكن من تخيل أحداثها أحد، لأن التخيل مجاله البصر والبصر موضوع السينما والفن التشكيلي، يشترط ألا يكون إيقاعها مزبوطا، لأن الإيقاع مجاله الموسيقى، ويشترط أن تكون خلوا من كل موقف، فني أو سياسي. والحياد كما نعلم هو محض موقف، يجب على الرواية ألا تكون محايدة أيضا.

الآن، ندعو إلى رواية واحدة، رواية بذاتها، منيعة، حصينة، بكر، رواية لا تعني إلا نفسها، بلا أي شيء من حولها، ندعو إلى الرواية بألف لام التعريف، رواية ذكرة، لنكتبها مرة واحدة في التاريخ، ثم لنفعل ما بدا لنا بعد ذلك.

Friday, January 04, 2008

نحو المصرية المحملة بالورود والدلع كله

ولقد كان أكثر الأيام سوادا في التاريخ المصري هو يوم الغزو العربي لمصر، منذ ذلك الحين تغيرت الشخصية المصرية تغيرا دراميا، صارت أي كلام وكانت من قبل كفاءة.

لنتذكر جميعا ذلك الماضي المهيب قبل الغزو العربي، حين كان المصري إنسانا قبطيا، سويا، عظيما، جميلا وبهيا. كان المصري مصريا، لا عربيا ولا رومانيا، لا شرقيا ولا غربيا، لا نوبيا ولا أسيويا. ومصر كانت تعني مصر، بالتلات أحرف الساكنة التي هي، كما هو معروف، شاحنة ضجيج. وتقريبا، وهذا من واقع مراجعة دقيقة للتاريخ، فلم تحدث ثورات أو فتن أيام الفراعنة، لم يكن هناك فقر ولا ظلم ولا جهل ولا مرض، ونحن، نكرر، نقول هذا من واقع مراجعة كل التاريخ اللي في الدنيا. علينا هنا أن نؤيد بقوة وبحسم منهج كتابة مصر بأيدي مصرية ووفقا لوجهة نظر مصرية. ونردد: تحيا مصر على الدوام ويسقط الملاعين.

بعد الغزو لم يرضخ المصريون للعرب الأوغاد، وقد ظلوا يحاربون دفاعا عن فرعونيتهم طول الوقت، ويرفعون اليفط التي تؤكد أنهم فراعنة، بل وأكثر من ذلك، فقد كان الشعار الأكثر ثورية وقتها هو: "أنا مصري قديم أتحدث المصرية القديمة ولا أبهج أعدائي"، وفعلا، فلقد حافظ المصريون على اللغة القبطية الهيروغليفية، بإيمانهم المطلق أنهم فراعنة حافظوا على اللغة الفرعونية، ظلوا يتحدون بها الغزاة العرب والمماليك والعثمانيين وحتى أسرة محمد علي، يعني خد عندك مثلا: هل تعلم أن العامية المصرية هي كلها فرعونية؟ وأنه ليس بها كلمة عربية واحدة توحد الله؟ طبعا ماتعرفش. ومن يقول غير هذا فهو واحد من اثنين لا يجتمعان إلا هنا، وهابي سعودي سلفي متطرف، أو عبراني يهودي إسرائيلي ابن وسخة، ويشترك الاثنان في صفتي البداوة والنتانة، والحمد لله على نعمة النيل الذي ينظفنا من أشكالهم، نحن أبناء حضارة وادي النيل، ومش معقول أبدا أن يأتي رعاة الغنم ليتنططوا علينا.

المهم، لم تكن هذه هي الغزوة العربية الوحيدة[1]، لو راجعنا التاريخ كويس سنجد يوما آخر، مظلما وكئيبا، خرج فيه العساكر، وقد أطلقوا على أنفسهم اسم الضباط الأحرار، من ثكناتهم ليدمروا جنة عدن التي كانت لدينا هنا في مصر، قبلهم كانت مصر تتمختر في نعيم الأحزاب السياسية والليبرالية والتسامح والدساتير والحياة النيابية البهيجة، ولكن الأهم، كانت مصر قبلهم هي مصر، بالتلات أحرف إياهم، بلا زيادة ولا نقصان. جاء العروبيون إذن ليحولوا مصر إلى خرابة عربية كبيرة. الثورة كان معناها إننا بنمسي على العرب اللي حوالينا بينما العرب مايستاهلوش، اللي يستاهلوا بس هما السودانيين، لأنهم، لمن لا يعرف، رعايا مصريون، والأوروبيون ، لإن احنا، لمن لا يعرف، رعايا أوروبيين، وكل دا واحنا مصريين، أصحاب الهوية النقية والتراث الخالص والمصرية المحملة بالورود والرياحين والدلع كله.

الدرس المستفاد: هبل المصراويين والفراعنة لا يقل إمتاعا عن هبل العروبيين، ولا عن هبل الإسلاميين. لكل هبل نكهته الخاصة، وتفرده الذي لا ينكره إلا جاحد.



[1] لقراءة المزيد عن الغزوتين العربيتين لمصر يرجى مطالعة كتاب "حرية في الأسر.. مأزق الإصلاح السياسي والمواطنة" والصادر عن دار ميريت بقلم عادل جندي ، ربما يكون هو الكتاب الفكاهي الأعظم لعام 2007.

Friday, December 28, 2007

لهذه الأسباب، طلقت ليلى

أصدقائي وأعزائي، تعودنا أن نتحادث معا في أوقات السراء والضراء، أن أشكو إليكم فتشيرون علي أو تشكون لي فأمدكم بالرأي السليم. ومنذ البداية، منذ قررت أن اجعل حياتي الخاصة مشاعا لكم، لعيونكم وآذانكم الراغبة في المعرفة، على ستاتوس الفيسبوك أو في بعض التدوينات، منذئذ وأنا أؤمن بأن مصارحتي إياكم هي الطريق الأمثل للمواجهة.

عرفت أن كثيرا منكم قد اعتصره الألم لانفصالي عن ليلى، خاصة الذين تابعوا قصتنا من البداية، أؤكد أن الألم اعتصرني مثلكم بالضبط، مع فارق بسيط، فأنا يا أصدقاء يعتصرني الألم منذ خمس سنوات بالضبط، خمس سنوات وأنا أعيش جحيما يوميا، جحيما من قلة التواصل وعدم وجود أي تفاهم من أي نوع مع المرأة التي يفترض أنني أشاركها نفس السقف ونفس الجدران في علاقة يفترض أن اسمها هو زواج.

العذاب بدأ منذ خمس سنوات، ولكن وتيرته غدت أكثر تسارعا وشدة في العام الأخير، عندها بدأت ليلى في التحول إلى امرأة مقيتة، بدت كأنها تريد هدم كل ما كنت أحاول بنائه منذ زواجي بها.

أصدقائي الأعزاء، لا يتسع وقتي ولا وقتكم لأشرح كل شيء، ولكن لأسرد قصة واحدة معبرة: منذ أربعة أشهر ثارت خناقة كبيرة بيني وبينها، خناقة تافهة إذا جاز التعبير، أنا أريد نقل فوتيه من الأنتريه إلى غرفة المكتب، قدام الكمبيوتر، شرحت لها، هذا سيكون مريحا لي أكثر، فوجئت بها ترفض، ساقت وقتها عددا من الحجج مثل عدم ملائمة لون الفوتيه لغرفة المكتب وما إلى ذلك، يا بنت الحلال نحن في غرفة المكتب، من سيزورنا هناك ومن سيرانا؟ استيقظت يارا، بدأت تراقبنا بعيون مذهولة، شاهدت أمها وهي تعترض على أبيها بصوت عال، وهي تتجادل معه وتدخل في نقاش معه. شاهدت البنت كل هذا بعينيها، اضطررت أنا وقتها للصراخ بل ربما قد أكون مددت يدي عليها بشكل ما، لا أذكر بالضبط، فماذا فعلت رفيقة عمري، حياتي، حبيبة قلبي؟ تركت البيت ليومين عند أبوها، كم كانت هذه أياما كريهة.

كان يمكن لليلى أن تعارضني قبل ذلك، بل وأكثر من هذا، فلقد سمحت لها أكثر من مرة بالدخول في جدل معي حول ما يصح وما لا يصح، على الرغم من أنها تعرف جيدا كراهيتي للجدال، خاصة لو كانت امرأة، وأعتذر للجنس اللطيف، تجادل رجلا، وليلى لم تكن استثناء أبدا. فما بالك لو حدث ذلك أمام الصغيرة، التي لا تزال تتعلم بعد مبادئ الحياة، تتعلم أن الرجل رجل والمرأة مرأة. تتعلم كيف على الرجل أن يكون مطاعا في بيته، تتعلم احترام أبيها واحترام الذي لأجله وبفضله قام هذا البيت ووجدت هي نفسها!؟ اضطررت وقتها للذهاب إلي بيت نسايبي لإحضار ليلى. وكان هذا كريها ومشينا، كما تعرفون.

بعدها صارت السيدة ليلى تناقشني في كل كبيرة وصغيرة، متعمدة استفزازي، تتأخر بقصد عن إعداد الشاي، تبدأ في التذمر بمجرد أن أطلب منها شيئا، وتتحول إلى مجنونة إذا ما شرعت بالضرب الهين غير المبرح لها تنفيذا لأمر الله، وتتعمد أن توافق أو تتمنع بدون منطق محدد عندما أرغب بإقامة الواجبات الزوجية معها، بدون سبب مقنع توافق أو تتمنع، بدون مواعيد محددة توافق أو تتمنع، كأنها ترغب في وضعي على الدوام تحت رحمتها، وكل هذا تراه وتتعلمه يارا الصغيرة، تتعلم ميزان الكون مقلوبا. باختصار، بدت ليلى عازمة على طلاقها.

المهم، وحتى لا أطيل عليكم، لم يكن ممكنا أبدا للسيدة ليلى أحمد علوان أن تجعل مني أضحوكة أو أن تخلصني من سيادتي عليها، باعتباري ذكرا، وأنا هنا حريص على عدم تنميق الكلام، وبالفعل، فالذكورة هي مجد العالم، هي جوهرته، وذكورتي أنا لا تعني إلا سيادتي، ذكورتي لا تعني إلا قضيبي، وقضيبي يعني أني قادر على منح المتعة ومنح الأطفال والإيلام في نفس اللحظة، ولذا فأنا سيد وأنا مسيطر، ودعونا لا نعير أذانا لسائر المخنثين في العالم.

الآن أنا مع يارا، الآن نؤسس عالمنا الجديد والجميل، الآن اعدها لتنتقم لأبيها من زوجته السابقة، السيدة التي أذته أكثر من أي شخص آخر. الآن تتعلم الكون على استقامته مرة أخرى، تتعلم كيف يؤدي كل شخص دوره في هذا الحياة، ومن خرج عن دوره فليتحمل، أسترجع أمام يارا ما فعلته أمها، ألقنها إياه، لا أدعها تنساه أبدا، حتى إذا صارت يوما امرأة ناضجة، استطاعت الثأر للشخص الذي لولاه لما كان لها وجود.

أصدقائي وأعزائي، يوما ما، كتبت عن ليلى رواية، وقتها أسميت شخصية الرواية، وكان اسمها هو عنوان الرواية، نفس الاسم الذي لليلى ومنحت اسم أبيها الحرف الأول من اسم حمايا، أبو زوجتي الفاضل، لا أبو زوجتي الفاضلة، هذا توضيح فحسب. لا أنكر أنني أحببت ليلى يوما، وأنني حلمت أن نعيش إلى الأبد في نفس البيت ومع نفس الطفلة. الآن كل هذا ذهب أدراج الريح. ما علمته لي الحياة كان قاسيا للغاية، وأبرزه أن لا أحد يتخلى عما يعتقده لأجل شخص آخر، أو، لنكن أكثر صراحة، لأجل امرأة. هن جعلن لتتم مضاجعتهن، وحتى الآن لم أعرف لهن وظيفة أخرى ذات جدوى.

أعتذر للجميع وأشكر الجميع وأتمنى لو كان كل شيء على ما يرام لدى الجميع.

المخلص لكم دائما: نائل



Friday, December 21, 2007

الجزيرة أو من البداية لم تكن هناك أية حكومة


"من النهاردة مفيش حكومة.. أنا الحكومة" هكذا كانت صرخة منصور حفني الراغب في تطهير جزيرته من عساكر الداخلية بعد أن بدأوا يفتحون أعينهم على نشاطه. كانت هي كذلك الصرخة التي دفعت الكثيرين، ومنهم عبدكم المخلص، للتحمس لمشاهدة فيلم "الجزيرة"، إخراج شريف عرفة وقصة محمد دياب وبطولة أحمد السقا، ودفعت الكثير من المشاهدين منهم لكي يهتفوا في الشارع بعد انتهاء الفيلم قائلين "أنا الحكومة" ويصفقون بهستريا أثناء اللحظة الدرامية للنطق بالعبارة، أو أن هذا على الأقل ما حدث في سينما نورماندي وعلى أبوابها.

في جزء منه، فالجزيرة هو نسخة مصرية، وصعيدية بالتحديد، من "الأب الروحي". مايكل كورليوني "آل باتشينو" هو الشاب المثالي الذي يتطوع في الحرب دفاعا عن أمريكا وقيمها، ويرفض الإجرام الذي تمارسه عائلته المافياوية. فجأة يقرر الأب تدشين ابنه الصغير باعتباره الأب الروحي الجديد. يقابل هذا بذهول، ويتم تفسيره على أن عائلة كورليون تسير إلى الضعف، يكون لزاما إذن على مايكل إذن أن يمر باختبارات نار عديدة لترسيخ عائلته وإثبات وجوده على رأسها. وفي الجزيرة، منصور حفني هو "الأستاذ منصور بتاع المدارس" الذي ينظر له أقاربه باستهانة، بينما يقرر الأب "محمود ياسين" إعلانه كبير العائلة، بسبب كونه "ابن المدارس" بالتحديد. يمر منصور باختبار بسيط في البداية، يتحداه عمه حسن "باسم سمرة" للنزال تحطيبا. يكاد ينتصر عليه. يقفز منصور عاليا ليفجر اللمبة، ينصرف لثانية انتباه العم المبارز إليها ويكون هذا كافيا لكي تكون عصا منصور ملامسة لرأسه ومهددة بتهشيمها. اختبار آخر في أثناء تسليم البضاعة ومنصور على رأس العملية، تهجم عائلة على البضاعة لسرقتها والهرب بها، ينجح منصور في استرجاعها بعد مطاردات وأكشن. هكذا يموت الأب مطمئنا على العائلة التي ولد كبيرها أسدا ينهش لحم من أمامه.

***

الفيلم لم يبدأ بعد البداية الحقيقية. سيحدث هذا في جنازة الأب. تهجم عائلة النجايحة، التي رفضت من البداية الانضواء تحت كنف منصور باعتباره الكبير، على سرادق العزاء، يقتلون أم منصور وزوجته. نتابع منصور وقد أصبح بلا رجال، بعد أن دخلوا السجن، وهو مطالب وحده بالثأر من عائلة كبيرة أعلنت عن دفع مبلغ مئة ألف جنيها ثمنا لرقبته. شيئا فشيئا يتمكن من استرداد قوته، يكون جيشا من مطاريد الجبل عن طريق وعدهم بالنزول إلى الجزيرة والعمل بها، ينجح في الحصول على سلاح من السودان بعد أن اختفى السلاح من مصر أيام الإرهاب، يستميل إليه الداخلية عن طريق رشوة ضباطها الفاسدين بالمخدرات والسلاح والإرهابيين ومسجلي الخطر الذين يريدونهم لإحراز ضبطيات كبيرة. شيئا فشيئا يبدأ منصور في إعادة تكوين مملكته الجديدة، ومن الصفر هذه المرة.

تحدث المذبحة التي لا مفر منها لعائلة النجايحة. بيوتهم تنفجر وأراضيهم تحترق ورجالهم يذبحون. وبرغم توسلات كريمة، حبيبة منصور (هند صبري التونسية الأصل.. والتي كانت عظيمة كالعادة، تحدثت الصعيدية كأهلها، في مقابل زينة، مصرية الأصل، فايقة زوجة منصور، والتي كانت صعيديتها كصعيدية مزز نادي هليوبوليس) برغم توسلات كريمة لمنصور بأن يرحم أخاها، أخاها الذي كان قد قتل من قبل زوجة منصور وأمه، فإن الأخير يقتله بطلقة واحدة من مسدسه. بطلقة واحدة يتمكن من الثأر لأهله والقضاء على عدوه وعلى ضعفه الإنساني أمام حبيبته، ثلاثة أهداف في خبطة واحدة. هكذا، في قلب المذبحة، يتم تعميد منصور حفني بالدم، قبل أن يعلن، مرة واحدة وإلى الأبد، إمبراطورا على الجزيرة المزروعة في كل شبر منها بالأفيون والسلاح. بالنسبة لمايكل كورليوني فقد كان لابد أن ينتظر المشاهدون نهاية الجزء الأول من "الأب الروحي" حتى يروا مذبحة تعميدية كتلك، مايكل يقوم بتعميد طفلين في الكنيسة، ينطق القداس كلمة كلمة، بينما رجاله بالخارج يقضون على رؤوس العائلات المنافسة. ينتهي الجزء الأول وقد أصبح مايكل كورليوني ملكا متوجا لعائلة كورليون. هكذا يولد كل من البطلين، تولد لاإنسانيتهم البهية، ويتحولان إلى ما أصبحا عليه طوال الفيلمين، مجرمين أشبه بالآلهة.

***

يبدأ كل فيلم في الافتراق عن الآخر، يصارع منصور من الآن فصاعدا الحكومة "التي يمثلها طارق بيه، الضابط الجديد المتحمس وهو المتحدث في الفيلم باسم خطاب النظام والدولة"، وليس العائلات الأخرى. التركيز على ضباط الشرطة كان لابد له أن يدخل بخطاب فلسفي إلى الفيلم، أو لنقل، أن الفيلم، على قوته، لم يكن مرضيا من الناحية الفنية لصناعه، مما دفعهم لإثقاله بكلام عن حقوق الإنسان وعن النظام في مواجهة الخارجين عليه، أو عن الأقوى الذي يفرض قانونه دائما. يمكن للمشاهدين أن يستعيدوا في هذا الفيلم مشاهد "الهروب" لعاطف الطيب وأحمد زكي وحواراته عن بطولة الخارجين على القانون في مقابل الجبن والخنوثة الدائمين لمن يماهون أنفسهم مع القانون.

للنظام هيبته، قد يسكت على الجريمة بمزاجه، ولكن الكبرياء رداءه والعظمة إزاره ومن نازعه فيهما قصمه. صرخة منصور حفني: "مفيش حكومة.. أنا الحكومة" ثم تفجيره لمبنى استراحة الضباط في أسيوط، هي كلها ما تدفع باتجاه الاقتحام المسلح بالمروحيات والمدرعات لقصره الذي جعل منه قلعة عسكرية محصنة. سؤالي الذي يطرح نفسه: لماذا لم يشر أفيش الفيلم إلى قصة عزت حنفي إمبراطور النخيلة، أو على الناحية الأخرى، لماذا قيل أصلا في الأفيش أن الفيلم مستوحى من قصة حقيقية. بالنسبة لمن يحبون السينما، كان الفيلم ليصبح ممتعا بدون أية إشارة إلى "حقيقة" ما، وبالنسبة لمن يريدون فهم المجتمع، كان الفيلم ليصبح مهما إذا تمت الإشارة صراحة إلى اسم عزت حنفي.

***

أحمد السقا، وصدقوا أو لا تصدقوا، هو ممثل كبير، لا يعوزه إلا شيئان: الاقتناع فعلا أنه ممثل كبير واختيار الأدوار الجيدة. وبرغم أنه ممثل كبير فلم يقم بدور له شأن في حياته باستثناء هذا الدور، والذي ربما كان التدشين الحقيقي له، مثلما كان التخلي عن شخصية ابن المدارس والتحول إلى تاجر سلاح ومخدرات هو التدشين الحقيقي لمنصور حفني، فهكذا هو الأمر بالنسبة للسقا تماما، التخلي عن لهجته القاهرية والتحول إلى صعيدية سلسة كأنما ولد بها، التخلي عن دور الجامد الفشيخ الدكر والمرح خفيف الظل عند اللزوم والتحول إلى دكر من نوع تاني، مجرم، بلا مشاعر إنسانية زائدة، قاتل ولا يعترف إلا بالقوة التي تخيف أعدائه.

هذه صورة مثالية بالطبع عن الفيلم، فصناع الفيلم – وإن كان يحسب لهم عدم إنهاءه بمشهد مقتل منصور الكبير متلقيا زخات الرصاص ومترنحا ببهاء القديسين مثلما كانت عليه نهاية تيتو، وهي النهاية التي كانت متوقعة إلى حد كبير في هذا الفيلم أيضا - أصروا على جعل المرأة، وهي هنا كريمة حبيبته، هي نقطة الضعف الدرامية للبطل، هي التي لأجلها يقرر الصلح مع النجايحة والتخلي عن هيبته وهي التي تستدرجه في النهاية لتسليم نفسه. فكرة قديمة ورومانسية؟ حسنا، ولكنها تتفق مع مجاز البطل التقليدي الذي يهزم الجميع ثم تهزمه المرأة، والفيلم، في وجه منه، يناقش فكرة البطولة لدى الناس، الناس الذين كان أبطالهم دوما وأبدا هم البلطجية والإرهابيون وتجار المخدرات، وفيلم الجزيرة هو دليل جديد ورائع على هذا.