Friday, February 29, 2008

كمال الطوخي يعني اكتماله


صيف 96: أقترب مترددا. أقول له أنني دخلت آداب قسم عبري. لا يستوعب في البداية. ينظر لي طويلا، والنظرة الطويلة علامة على صعوبة الاستيعاب. يسألني: إشمعنى؟ ولا ينتظر إجابة. يقول ببطء: ازاي تدخل قسم عبري إذا كان خلال خمسة وعشرين سنة مش هتبقى إسرائيل موجودة.

تأملوا معي، انظروا ولا تستسلموا لغواية ملاحظات الوهلة الأولى. كمال الطوخي لم يكن مجنونا وطنيا، ولا قوميا مهووسا. هو لم يكن شيئا على الإطلاق. كان فقط، مثل أي أب، يريد لابنه أن يعمل بعد ما يتخرج. ويرى أنه حين يتخرج ستكون العبرية قد أصبحت لغة ميتة، وبالتالي فسيقعد ابنه عاطلا، لأن إسرائيل، وهذه معلومة أكيدة في رأيه ولا صلة لها بأية أيديولوجيا، ستكون قد انتهت.

***

كمال الطوخي هو إنسان النظريات. كل شيء يحدث في رأسه وما يحدث خارجها إنما يحدث بفضلها هي فحسب. فوضوي وغير مسئول ولا يعتمد عليه ويحب دماغه أكتر من أي حاجة. تجرأت مرة وقلت له أن ما يبهرني فيه هو عدم إحساسه بأي مسئولية، تجاه زوجته وأولاده وأي شخص ف الدنيا. ابتسم بثقة. قال لي: أنا بس بخطط لها كويس. من هي التي كان كمال الطوخي يخطط لها كويس؟ الدنيا، الشغل، رحلة الكفاح، خطواته؟ لا أحد يعرف. إنها لزمته المفضلة. يرى نفسه ناجحا لأنه لا يدخل أي شيء بدون تخطيط. هو يقلب المنطق وينطقني ما لم أقله، عكس ما قلته بالتحديد، ويقول أنه يخطط لها كويس، ولا يشعر لوهلة بتأنيب ضمير لأنه واصل كلامه بعدي وكأنه يكمل ما أقوله ولا يهدمه. ذات يوم، رأى كمال الطوخي جملة مكتوبة بخط عريض في الجرنان ، النجاح لا يأتي صدفة، قص الجملة بعناية وعلقها على دولابه، أصبح هو والجملة شيئا واحدا، حرص أن يلفت نظرنا للجملة طول الوقت، وله، ويقول أنا النجاح وهذا نجاحي وهو لم يأت صدفة. كمال الطوخي الذي لم يكمل أي مشروع لآخره أبدا، كمال الطوخي الذي لم يخطط لها، بصرف النظر عمن تكون هي، ولا مرة في حياته. كمال الطوخي الذي هو إنسان النظريات.

***

كمال الطوخي سافر إلى الكويت وهو عنده تمنتاشر سنة، مرض أبوه فسافر، يحكي عن هذه الفترة: "كنا بنفتح حصالات عماتك علشان نجيب بالفلوس اللي فيها أكل." سافر أبي إذن، الذي هو "أبيه كمال" على لسان عماتي الأصغر سنا، وهناك وكّل أمه لكي تشتري له أرضا تلو الأرض، في مدينة نصر والهرم والعامرية وعزبة النخل، تم إنقاذ الأربع عائلات للأربعة أعمام، وبقى أبي وحده في الكويت، وسنعرف في السطر التالي أن هذا لم يكن مصيرا مشرقا بما فيه الكفاية.

كمال الطوخي طرد من الكويت بعد غزو صدام، وقعد في البيت بلا شغل، بلا فلوس بعد أن ضاعت فلوسه هناك، وتقريبا بلا أولاد لأنه اكتشف أنه غريب بين أولاده. ثم تذكر أن له أرضا في العامرية وأرضا في مدينة نصر، وفكر في زراعة أرض العامرية أو بناء عمارة في أرض مدينة نصر، وصلى صلاة الاستخارة وأتاه الهاتف أن عليك بالعامرية. وسبب آخر يضيفه الطوخي: "الفلاحين هينصبوا عليا في عشرة عشرين جنيه، بس مقاولين العمارة هينصبوا عليا في مية ولا ميتين ألف". اختيارا لأهون الشرين إذن، واقتناعا منه بأنه منصوب عليه لابد، ذهب وزرع أرض العامرية، عاونه في زراعتها فلاحون كان يصفهم دائما بأنهم أولاد كلب، وأولاد الكلب كانوا على مستوى توقعاته تماما وأفضل: عندما زهق من الزراعة أخذ يؤجر لهم الأرض قطعة قطعة. فصاروا يدفعون مرة ومرة لا يدفعون، ويسرقون الوصولات التي يكتبها عليهم، ينطون على سقف بيته ويسرقون شنطة الوصولات.

***

كمال الطوخي تزوج تلات مرات، أم اخواتي ثم أمي ثم مراته التي لن تكون أما لأي شيء. بعد موت أمي كان يحاول تقريب الفكرة لنا بكل الأشكال، كان يشرح لنا أنه يخاف أن يموت وحده في الأرض، على هذا الأساس كان احتياجه لامرأة أربعينية: "مش عاوزها عندها تلاتين سنة. دي هتبقى عاوزاني أهشكها". هكذا قال أبي بحكمة من أكمل الخامسة والستين بجدارة. ولأنه لا يريدها بثلاثين سنة فقد تزوجها بخمس وعشرين.. إنه إله في جسم إنسان يا أولاد.

.....................................

...................................

...............................

يجلس مع ماما، وإعلان التليفزيون عن لبن ميلكي شغال. يقول لها بعد لحظة تأمل طويلة وشفطة من الشاي: عارفة يعني إيه ميلكي؟ تنتظر أن يرد بنفسه على سؤاله فيعتبر صمتها علامة جهل منها. يشرح: ملكي يعني بتاعي. يعني علبة اللبن دي بتاعتي. تقول له، كم كانت متحمسة زيادة عن اللزوم، الفاتحة لها يا إخواني: ميلك يعني لبن. ينظر لها نظرة طويلة ويبتسم باحتقار. تقريبا لا يرد. كم أحن الآن لتلك النقاشات اللغوية الفيلولوجية الرصينة حول جذور المفردات والعائلات المختلفة للغات الحية.

Friday, February 22, 2008

أغنية حب رومانسية إلى مزتي

عزيزتي ز، مزتي الجميلة، لم يكن من داع لكل هذا أبدا، كان هذا أكثر مما أريد أو مما أحلم به. كان حبك عظيما، رهيبا، كان فوق ما أتمناه بقليل، فوق ما أتمناه بكثير، لأنه كان أيضا مصحوبا بقدر لا تخطئه العين من السهوكة، طبعا لا يمكن النظر إلى سهوتك الحبيبة ودلعك المرئ الناعم إلا بشيء من السخرية، خاصة أننا قد توقفنا عن أن نكون مرتبطين منذ ما يقرب من عام ونصف. لم تستمر علاقتنا.. لم تستمر يا عروسة، لم تستمر يا أبلة، وأنا أصبر وأحتسب كل شيء عند الله.. والنعمة.

أنا لم أكن معنيا بهذا، لم أكن معنيا بأن تقولي لي بحبك كثيرا، ولا بأن تناديني بحبيبي، لم أكن معنيا بأن تحولي أي نقاش بيننا إلى نبوءة تدور حول استمرارنا معا على طول. بالمناسبة، أحيانا ما كنت أريد أن أتحدث بجد عن شيء ما وأشخاص ما غيرنا، وأكون صادقا في عدم نيتي تلقيح كلام عن علاقتنا. أحيانا ما تراود الإنسان هذه الرغبة، وفي أحيان أقل تكون هذه الرغبة صادقة، وفي أحيان أكثر قلة يكون الصدق شيئا كويسا.

في الأمثال يا يمامتي يقولون أن المليان يكب على الفاضي، وأنا كنت أريد هذا. يعني، لو كنتِ قللت بعض الشيء من فوراتك العاطفية اللذيذة، من جنونك الرومانسي الرائع، وفي مقابل ذلك استمررنا مع بعضنا، بهدوء وبدون أفوَرة، كان هذا ليصبح أكثر عدلا، استواء، استقامة، كان الأمر ليصبح على منسوب واحد، كان ليصبح نوعا من البيضان الجميل، الملل المثير للشهية، الرتابة المبهجة، وهذا ما كنت أريده.

كان واضحا مدى الجهد الذي كنت تقومين به لأجل قول كلمة حلوة، كان هذا بالتأكيد يضغط على أعصابك، مثلما أنه كان يشعرني أحيانا – أحيانا كثيرة ولكن ليس دائما – بالرغبة في الترجيع، ومع ذلك، فلم تتوقفي عن قول كل الكلمات الحلوة، حتى جزعت نفسي، شفتي ازاي؟ ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

يشكو الشاعر العربي القديم قائلا: ما ساعة بتعتبرني كتير تقيل الدم/ وساعة بدك ياني بشي ضروري. قطتي العسولة، ألا تلاحظين معي داخل هذه الأبيات طلبا صادقا ما، رجاء حارا ويائسا، مناشدة تتفتت لها الأكباد، بأن يتم تقسيم الوقت والمشاعر، ألا يكون بدك ياني بشي ضروري بهذه الطفاسة ولكن في نفس الوقت ألا تعتبرني كتير تقيل الدم في الأوقات الأخرى. منذ فجر البشرية إذن، منذ لحظة كتابة هذه الأبيات، وثمة حنين قاتل لدى الرجال للعدل العاطفي، ثمة رغبة جارحة في ذلك البيضان الجميل، الملل المثير للشهية، الرتابة المبهجة، وهذا ما كنت أريده، ما ضر إذن لو كان فعلا المليان قد قام بالكب على الفاضي؟

عزيزتي، مزتي الجميلة والرقيقة، لماذا فشختيني كل هذا الحد إذن؟

Friday, February 15, 2008

وما كفر المصريون ولكن الأفارقة كفروا عالآخر


تنظرين يا يارا، يا ابنتي الرائعة، من البلكونة وتسألينني عن الأعلام المرفوعة، تسألينني عن الزعيق والكلاكسات، تشيرين بأصابعك البريئة إلى الفرحة على أوجه الشباب والشيوخ وتسألينني: ما هذا؟ أنجعص أنا يا حبيبتي على كرسي وأشرح لك أنه في عالمنا يعيش فريقان، أناس طيبون، اسمهم المصريون، وأشرار اسمهم غير المصريين، أحكي لك اليوم عن انتصار الأخيار على الأشرار، وأبدأ في استرجاع المعركة الحاسمة، أميل على أذنيك هامسا لأحكي لك وأنت على سريرك:

"كان اسمهم أفارقة، كانوا سودا كلون الشيطان، طوال القامة كالمردة، وعراة كالهمج، وكانوا يأكلون لحم البشر أيضا. لم نكن نرغب إلا في التخلص منهم.. أو على الأقل، في أن نثبت أن الخير، الذي هو نحن، هو الباقي أبدا مهما ساد الظلام الذي مثلته لون بشرتهم. وهذا ما حدث: الكرة، يحركها ربنا باتجاه المرمى الكاميروني، هي من أثبتت أننا السادة مهما مر الزمان، كنا الأجمل والأنقى دائما يا حبيبة بابا."

"سامحيني يا ابنتي على خيالي غير المحترم بشكل خاص، تعرفين كم أحسن جدك وجدتك تربيتي، ولكنك أيضا تعرفين سحر وتأثير رفاق السوء على الشاب الذي كنته يوما، ومزاجي الجنسي يا صغيرتي ينقح علي لمدة كام تدوينة، فاعذريني واعذري قلبي العجوز الذي ما فتأ يرتكب الحماقات مرة بعد أخرى. ما أردت قوله هو أن لاعبينا الأخيار تبرعوا بفلوس كثيرة لبناء مسجد في غانا، تسألينني لماذا في غانا؟ لأخبرك. لأنهم قاموا بنيك الأشرار هناك، في دارهم، في دار الأشرار يا ريري، ومن ينيك منكم شريرا فعليه بناء علامة في مكان المواقعة ليذكر المنيوك أنه قد نيك، ليكسر عينه بها إلى الأبد، أقول هذا ويعتصرني الآلم لأنني أتخلى، في الوقت نفسه، عن قواعد التربية السليمة، أحدثك عن شرور العالم، وبلهجة تعوزها اللياقة إلى حد ما، فسامحيني وسامحي قلبي العجوز."

"تعرفين المسجد يا يارا؟ لا. لا ينفع. لابد أن تعرفيه جيدا. إنه بناء من الحجر له مأذنة عالية وطويلة، طويلة جدا حتى لكأنها القضيب الذكري، وستعرفينه يوما، أنا متأكد. وهذه هي الحكمة من أن أية كنيسة، بقبتها المستديرة كمؤخرة محترمة، لابد أن يقوم أمامها مسجد. فهمتي قصدي؟ مش مهم. ستفهمينني يوما، أنا متأكد برضه. كم أنهم عظماء من يريدون نيك الأشرار يا يارا، لأنه، وقد نسيت أن أخبرك، عاشت في عالمنا طائفتان أخريان، المسلمون، وهم الطيبون المسالمون حد الروعة، وغير المسلمين. والغالبية من سكان المدينة الغانية التي أراد الطيبون بناء المسجد فيها كانوا غير مسلمين، وغير المسلمين هم الأشرار يا يارا، ولندع الرب أن ينجنا من الشرير دوما."

"في النهاية خليني أحكي لك: أبناؤنا ذبحوا عجولا في المدينة، ذبحوها لتوزيع لحمها على الفقراء، فقراء المسلمين طبعا وليس فقراء الأشرار، ذبحوها تبركا وحمدا لله، فما كان من الأفارقة الوثنيين السحرة بطبيعتهم إلا أن اعتبروها ضربا من السحر. تذكري يا ورور معي قصة موسى وسحرة فرعون واعرفي أن السحر شيء مش محترم وبركة دعا الوالدين هي شيء محترم، وأنه لا يفلح الساحر حيث أتى، ولكن يفلح دوما من ذكر اسم الله وأخرج عصاه فإذا هي حية تسعى، وما كفر سليمان أبدا ولكن الأفارقة كفروا، ثم لأقرأ عليك هذا الخبر في المصري اليوم لتعرفي معي كم أن الأفارقة كفروا، كفروا على الآخر حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ومازالوا يكفرون."

Friday, February 08, 2008

تحية واجبة إلى حدودنا المقدسة

نحن نكره الفلسطينيين لأنهم قاموا بانتهاك حدودنا، وحدودنا يجب أن تظل مقدسة جدا، مقدسة للغاية، مقدسة آخر حاجة. وبمنتهى الصراحة، فلقد تزلزلت مصريتنا يوم اقتحم الغزاوية الحدود، انتهكت وانشرخت وانفشخت، فلما انفشخت صارت أكثر انفشاخا ومن ثم صارت مفشوخة على الدوام.

***

نكره الفلسطينيين لأنه ليس معقولا أن تقوم مجموعة منهم، واسمها أهل غزة، بغزونا. وقبل مجيء أهل غزة كانت العريش زي الفل، كانت نموذجا راقيا ورائقا لكس ام الرخاء الاقتصادي والأمني. كانت جنة الله فوق الأرض، ولم يكن ناقصا إلا حبة جواري وقيان لتصبح مدينة من ألف ليلة وليلة، عاصمة الخلافة الرشيدية السعيدة.. فلماذا فعلتم كدا يا غزاوية!؟

***

نكره الفلسطينيين لأن العرايشة والسيناوية لا يحبوهم، لأن العرايشة والسيناوية يشعرون بقوة أنهم مصريون، ومصريون بس، ومصريون يعني قهراوية وقهراوية يعني مصريين. لا يشعر السيناوية بأي تعاطف مع غزة، فمشاعرهم تتزبط على حسب خطوط الحدود المصرية، والنوبيون مثلا أقرب إليهم من الفلسطينيين. ولذلك فإن السيناوية يستجيبون دوما للتحذير القاهري بالابتعاد عن أصدقاء السوء الذين يقعون وراء الحدود، الحدود الجامدة، بل وأكثر من ذلك، الحدود التي في منتهى الجمودية.

***

نكره الفلسطينيين لأنه تم نيكهم من جميع شعوب العالم المتمدين، يهود وسوريين وأردنيين ولبنانيين، ثم أنهم يأتون على ازبارنا نحن ويقولون يععع عنصرية. على الفلسطينيين أن يستحْلوا أزبارنا كما استحْلوا أزبار من سبقونا، حتى نطمئن إلى سلامة، وروقان، أداءنا الجنسي. وإن لم يكن، فلا يأتوا لينيكونا نحن، حيث أطيازنا، مثل حدودنا، يجب أن تظل محمية دائما، هذا شيء يتعلق بالأمن القومي قبل أي شيء آخر.

***

نكره الفلسطينيين لأن كلمة فلسطين تعني حماس وكلمة حماس تعني فلسطين، ولأنه لا يمكن للقاهرة – وهي عاصمة العلمانية والليبرالية في العالم الحر- أن يحكمها شوية حمساوية ينتمون بأصولهم إلى الإخوان المسلمين.

***

نكره الفلسطينيين لأنهم – بدلا من أن يصبحوا جميعا شهداء ويقاومون إسرائيل بالحجر ويقاومونها بالرشاش ويقاومونها بسكاكين المطابخ – فإنهم يهربون كالخولات، إلينا الآن، وإلى لبنان وسوريا والأردن سابقا. يجب على الفلسطيني الحق، الفلسطيني الصحيح، الفلسطيني الذي اكتملت فلسطينيته بدرا تام الاستدارة ليلة اربعتاشر، أن لا يكون بني آدم، يجب أن يكون وحشا فتاكا، يقاوم إسرائيل في أرضه حتى يموت، يجب على الفلسطينيين أن يموتوا حتى يكونوا كويسين، كويسين جدا وكويسين للغاية وكويسين آخر حاجة، وحتى نحبهم بنفس القدر، أي: جدا وللغاية وآخر حاجة.

Friday, February 01, 2008

الإنترنت أيضا مدينة تحت الأرض يا ربيع

الإنترنت بايظ. ومنذ سنوات قليلة لم يكن هناك إنترنت، ولذلك فمنذ سنوات قليلة لم يكن الإنترنت يبوظ، ولذلك فالنهاردة أسوأ من امبارح وبكرة أسوأ من الاتنين، إن شاء الله

الإنترنت واقع في البلد كلها، وشعبان يوسف يصف الشخص بأنه نتاوي فيما يعني أنه نصاب، ويعرف شعبان يوسف الإنترنت بأنه عالم تحت الأرض يوازي عالم ما فوق الأرض الذي هو عالم الورق، ومعروف أن عالم ما تحت الأرض هو موطن أشياء كثيرة، مترو الأنفاق وجذور الشعر وسلاحف النينجا كما قلنا من قبل، والإنترنت كما نقول الآن، والعفاريت كما سنقول فيما بعد. والأنفاق عندما تنهار فإن الأرض لابد سيحصل لها حاجة، جلطة أو سكتة قلبية أو شلل رعاش، وعندما يتم تفريغ وجهي – كما حدث الأسبوع الماضي – من شعرته الطويلة المستحكمة فإن الوجه ينحل كما ينحل بلوفر الصوف، وإذا وقع عالم النت فإن عالم الورق ينهار يا شعبان

الإنترنت عالم سفلي تحت الأرض، وربيع جابر له رواية اسمها بيريتوس مدينة تحت الأرض، لم أقرأها لأنها غالية ولكن أصحابي رسوني على التيتة فيها، ودائما هناك أصحاب يقومون بالإرساء على التيتة فيها، والحمد لله على وجودهم وعلى وجود التيتة سويا، والرواية تحكي عن بيريتوس وهي مدينة موازية لبيروت وهي تقع أسفلها مباشرة، تحت الأرض، وأكتشف الآن بحزن أنه لم يكن هناك داع لأصحابي لأن ما قالوه لي يبان من عنوان الرواية، بلا زيادة ولا نقصان، وربما أشك أنهم قرأوها أصلا الآن، فما أشد حزنك يا ربيع طول الدهر

الإنترنت بعافية، ويقال في مصر بعافية أي أنه من دون عافية، ولذلك فعندما أقول أن الإنترنت بعافية ولكنه استرد عافيته فإن الجملة ليست غريبة، ولا فانتازية، إنها جملة مزبوطة لغويا، ولكن ليس معلوماتيا، لأنه لم يسترد عافيته كلها وإنما سبعين في المية منها، بحسب ما أفادنا مراسلنا في جريدة الأهرام، وبالسبعين في المية أكتب هذه التدوينة ولم أكن أستطيع فتح صفحة البلوجر امبارح، ولذلك لابد أنه هناك واحد أو اتنين في المية زيادة عن امبارح استردها الإنترنت من عافيته، ولكن ليس معنى هذا أن سبعين أو اتنين وسبعين في المية فقط هي ما سأتمكن من نشرها على المدونة، للأسف، الحياة ليست دائما بهذا الإحكام الهندسي يا إخوان

الإنترنت عندما يبوظ فإن كائنات الأنفاق والمجاري، السلاحف والصراصير والمدونين، لا يتمكنون من العيش بحرية، وينظرون إلى الكائنات اللي فوقهم، مثل الكائنات التي تكتب على الورق، بغيظ ويقولون لهم ويكأن الله يفعل ما يريد، بالرغم من أن هذه المعلومة لا تحتاج أي ذكاء أو أي ويكأن، لأنه دائما الله يفعل ما يريد ودائما أهل النار على جنب وأهل الجنة على جنب وسلاحف النينجا هم دائما تحت الأرض ودائما اللي بياكل على ضرسه بينفع نفسه يا بني أدمين

Friday, January 25, 2008

رد الاعتبار للأعماق الصلبة

بملقاط نزع نائل شعرة من شعر وجهه.. شعرة طويلة فاجأته، طويلة بشكل شاذ، إذا جاز التعبير، لم تنتزع، الأصح، تم انتزاع جزء منها، والجزء الآخر تبقى تحت الجلد، المهم، كانت الشعرة تطول وتطول وتطول، وكلما نزع نائل جزءا منها اكتشف أن ثمة جزءا آخر بالأسفل. لم تبد لها نهاية، أو على الأقل نهاية متوقعة قريبا.

الشعرة تستمر وتتواصل، وتنتشر، وتتوغل، وتستمر، وتستمر، وتستمر، كأنها شبكة مترو أنفاق تحت الأرض، وشبكة مترو الأنفاق تمزق أسفل الأرض، تقطعها أربع تربع أو ثمانية أثمان، شبكة مترو الأنفاق تلعب في أساس الأرض غير الملعوب في أساسها قبلا، وانتزاعها يعني أن الأرض من الآن فصاعدا ستعلق فوق هوة كبيرة.

المهم، كل سنتيمتر إضافي من الشعرة يتم إخراجه من مسام الجلد كان يجعل وجهه أكثر ارتياحا وحرية، كأنه فرغ من محتواه. الشعرة كانت تحتل حيزا هاما من وجهه، هذا ما اكتشفه بأسى، وهذا الحيز هو ما يعرف بما تحت الأرض، وهو بيت الطبقات المسحوقة، الظل، المجاري، وطن سلاحف النينجا، لنتخيل عالما بلا سلاحف النينجا. شبه مستحيل. شيئا فشيئا كان وجهه يصغر، كعالم فُرغ من مترو أنفاقه أو من سلاحف نينجاه للتو. لم تبد نهاية للشعرة، وليس لمثلها أن يكون.

سطح وجهه يبدو الآن مستندا على اللاشيء، يرتاح من عمقه أخيرا، وشيئا فشيئا يكتشف مدى آخر للراحة، مع كل سنتيمتر آخر يتم انتزاعه من الشعرة. السطح الآن معلق في الفراغ، أنفاق بلا مترو، مجار بلا سلاحف، السطح الآن هانئ بالخفة، بالطيران فوق أخدود غير مشعر، طائر بهشاشة، أي شيء قد يدفعه للانهيار، للوقوع والتفتت على طبقته السفلية، هو الآن مرتفع بقوة وجوده عاليا، لا بكونه مؤسسا على ما بالأسفل، لأنه ليس هناك ما بالأسفل، الوجه غير شرعي، تافه ولكنه بجح، عيل صفيق معلق في الهواء بلا جذور.

مع انتزاع الشعرة يبدأ الوجه نفسه، السطح محل الحديث نفسه، بالتفتت، يفلت خيط من الوجه أيضا، ينظر نائل إلى نفسه في المرآة. خيط من خده ينحل، خيط هو جزء من الشعرة اللانهائية، يمد يده أكثر لانتزاع بقية الشعرة، خيط آخر من وجهه ينحل، شيئا فشيئا يسير الوجه كله نحو التفكك، تبدأ منطقة الأذن اليسرى وما حول العين اليسرى في الانحلال، تليها منطقة الفك وأسفل الأنف، تنفك قماشة الخدين كلها، شعرة طويلة تتكوم على حوض الماء، طويلة طويلة، تتكوم في بكرة ضخمة مبتلة بالماء.

الآن، خيوط الوجه كلها انحلت، الوجه يصبح بلا وجه، تتكشف تحته أنفاق كثيرة فارغة مرت بها الشعرة المنتزعة والآن لم تعد تمر بها، أنفاق بلا مترو، مجار بلا سلاحف، كما أسلف القول أكثر من مرة.

نائل ينظر لنفسه طويلا في المرأة فيجد وجها عبارة عن مجار محفورة بلا ملامح ولا أنف ولا أذن ولا حنجرة. نائل حزين حزين. يعض بنان الندم على الشعرة التي أصر على انتزاعها للآخر ويبكي عندما يكتشف أهمية العمق وأهمية أن يكون الإنسان له أساس صلب ومحدد ومتماسك يستند إليه. ويكتب هذه الحكمة المستفادة في أجندته حتى تنفعه في الأيام القادمة، لأن موضوع أن يكون للبني آدم وجها نسلت خيوطه كلها وصار كأنه لم يكن هو موضوع لم يكن أبدا مريحا على طول تاريخ حياة البني آدمين.

Friday, January 18, 2008

مراحل التحول إلى مثقف حقيقي

المثقف الحقيقي هو كائن متطور بالضرورة، ينتمي إلى مخلوقات وسط البلد المتطورة، والتي لها الحق في الحياة أكثر من غيرها من المخلوقات، لأنها تساهم في إعمار الكون أكثر.

***

المثقف الحقيقي معركته الأساسية في الشارع، يصيع في الشارع، ويشرب في الشارع ويشيش في الشارع، يحتقر قراءة الأعمال الذكية لأنها غير مرتبطة بنبض الجماهير ولا يختلط بنبض الجماهير لأنه لا يشهد أيا منها في التكعيبة والندوة الثقافية وبار ستيلا.

المثقف الحقيقي لا يجلس إلا مع زملائه المثقفين الحقيقيين، لا يقرأون وإنما يتحدثون عما سبق وقاله لهم زملاء مثقفون حقيقيون آخرون، هكذا يتم خلق أدب شعبي يتصوره المثقف أدبا غير شفوي وهو شفوي، ويتصوره في كتب وهو يجب أن يسمع على الربابة.

المثقف يحب أسماء بعينها، صلاح جاهين وفؤاد حداد والشيخ إمام وأبو النجوم، ويموت في أمل دنقل أكثر من أي شخص آخر، لأن أمل دنقل قال لا تصالح وقال أترى حين أفقأ عينيك وأضع مكانهما جوهرتين - والمثقف الحقيقي معه حق إذا زعل لو حد قال حجرين - هل ترى، هي أشياء لا تشترى.

المثقف الحقيقي لا يحب قراءة الأعمال المترجمة، لأن الترجمة تعطله عن الإحساس بالحالة في النص، وهو لم يقرأ في حياته إلا عمل واحد مترجم، اسمه مائة عام من العزلة لو كان قاهريا، وأعمال كفافيس لو كان سكندريا. لا يقرأ المثقف الأعمال باللغات الأجنبية طبعا، لأنه ليس كائنا فضائيا مثل الكائنات التي تقرأ باللغات الأجنبية، ولأنه ضد أن يكون المرء كائنا فضائيا، ولأنه يفضل أن يكون المرء معجونا بنيل مصر وطينها وليس كائنا فضائيا. المثقف الحقيقي لا يحب الكلام الكبير، لأنه يأخذ موقفا ضد الذكاء، ولأنه يأخذ موقفا مع الحالة، وتقريبا، فالحالة هي كلمة السر التي تتيح لنا الدخول إلى نفسية هذا المثقف الحقيقي العظيم.

يكره المثقف الحقيقي ويحب العمل الأدبي وفق "الحالة"، يعني هل هو حاسس العمل أم لا، وبالمناسبة: يجب على المثقف الحقيقي أن يكون حساسا وعالما روحانيا أيضا، لا يشترط أن يفهم شيئا وإنما يحس، والأرواح دوما تهيم في ملكوت الله ومعها تهيم روح المثقف المتواصل مع العالم .

المثقف الحقيقي يجب أن يكون إنسانا، ويحب الناس، وبالتحديد هو يركز على ثلاثة أنواع من الناس يحبهم بعمق وإخلاص، الحد الجميل والحد الحقيقي والإنسان بجد. ويتمسك المثقف الحقيقي، خاصة لو كان شابا حداثيا، بكلمة "قشطة" يرددها بين الحين والآخر، وقد نبذها المجتمع بأكلمه منذ عشر سنوات ونيف، وبهذا يتمسك بحقه الوجودي في أن يجترح لغة خاصة به. ويجترح كلمة مهمة أيضا بالنسبة للمثقف الحقيقي، خاصة إذا كان شاميا أو مغربيا.

المثقف الحقيقي هو يساري بالضرورة "ليس شيوعيا. إنه يساري" وعلماني بالضرورة، ويؤمن بحقوق المرأة والأقباط بالضرورة. لا يمكن للمثقف الحقيقي أن يكون عنصريا. إن هذا ضد قوانين الثقافة الحقيقية.


لهذا كله، فإن المثقف الحقيقي هو أجمد شخص ف الدنيا.

Friday, January 11, 2008

ذكورة الرواية التي بلا منازع

الزوجة تعترف لزوجها لعيب الكرة وهي على فراش المرض: أنا خنتك. ينظر لها مذهولا: امتى؟ تقول له: فاكر لما رئيس مجلس ادارة النادي ماكانش عاوز يضمك للفريق وبعدين رضي يضمك. يحس بالأرض تتهاوي به. تضيف: ومرة كمان. فاكر لما مدرب الفريق ماكانش بيرضى يحطك مع اللعيبة الأساسيين وبعدين رضي يحطك. إنه الانهيار الأعظم: وإيه كمان؟ تنظر للأرض: فاكر لما الجمهور كله ماكانش بيرضى يشجعك وبعدين بقى يشجعك.

ما تشرحه هذه القصة لنا ببساطة هو الآتي: أن أية فرصة للترقي في هذه الحياة، مشروطة بقضيب يتم إدخاله فينا، من ورا أو من قدام أو يأتينا من حيث لا نحتسب، من حيث حريمنا قاعدات في بيوتهن، أما الجائزة الكبرى، وهي الجمهور، فمشروطة بإدخال مليون قضيب لمليون شخص جمهوري "نسبة للجمهور وليس الجمهورية". هكذا يصير النجم نجما. لنترك الكرة جانبا إذن ولنتحدث عن الرواية.

***

تناهت إلى أسماعنا أخبار أن بعضهم في الآونة الأخيرة صار يكتب رواياته لأجل ترجمتها، يكتب عن المرأة والأقباط واليهود والديكتاتورية والأصولية، عن قضايا اجتماعية أو سياسية، لأن قراء الأدب العربي في الخارج كما نعلم هم جمهور من السوسيولوجيين بالأساس. حسنا، إنه زب السوسيولوجيا وقد تم إدخاله في الرواية العنيدة، وقد وافقت بعد امتناع. هذا مقدور عليه وهو مدان أصلا، ولكن حجم المعضلة أكبر بكثير:

البعض يكتبون الرواية ببهرجة لغوية عظيمة، واللغة آداة الشعر وليست آداة الرواية، والبعض يكتبونها بتفلسف كثير، والتفلسف فلسفة وهي علم قائم بذاته، والبعض يكتبونها برسالة وهدف، والرسالة تندرج في علم الأخلاق، والبعض يملأونها بالحيل والألعاب، بينما اللعب يعني لعب وليس "تعالى نعمل بنلعب" مثلما يحدث في الرواية، البعض يكتبون مشاهد عظيمة، وهو فن السينما، والبعض يكتبون شخصيات مركبة ومشحونة، وهو علم النفس، كلها بعابيص عابرة تدخل الرواية من حين لآخر، تخلصها من كونها رواية وتدرجها في مجالات مجاورة. أكثر الأشياء صعوبة هو رواية حصينة، بلا مداخل يمكن لقضبان الغير أن تدخل إليها منها. رواية تفرض نفسها على غيرها من العلوم والفنون المخنثة.

ولكن الأهم من كل شيء هو الجمهور. نكتب رواياتنا من أجل جمهور أكثر اتساعا، نضيف ما يعرف بالتشويق، نقطع قصصنا بشكل معين حتى لا يسقط القارئ بفعل الملل، نكتب بالعربي حتى يفهمنا، نتحدث عن أشياء يعرفها القراء جيدا، مثل البشر والشوارع والسيارات، وأحيانا الحيوانات والكائنات الفضائية، كل هذا يتم لأجل إقحام مليون قضيب لمليون شخص جمهوري داخل الرواية، وبعض الروائيين يفخرون بهذا.

***

يا إخواني، الصرافة صرافة، والتدفيش تدفيش، والرواية تعني حكاية، بلا سياسة ولا فلسفة ولا حيل وألعاب، بلا مشاهد ولا أوصاف ولا لغة ولا أفكار. يشترط في الرواية ألا يفهمها أحد، لأن الفهم مجاله الأحجيات العقلية وليس الحكاية، يشترط ألا يتمكن من تخيل أحداثها أحد، لأن التخيل مجاله البصر والبصر موضوع السينما والفن التشكيلي، يشترط ألا يكون إيقاعها مزبوطا، لأن الإيقاع مجاله الموسيقى، ويشترط أن تكون خلوا من كل موقف، فني أو سياسي. والحياد كما نعلم هو محض موقف، يجب على الرواية ألا تكون محايدة أيضا.

الآن، ندعو إلى رواية واحدة، رواية بذاتها، منيعة، حصينة، بكر، رواية لا تعني إلا نفسها، بلا أي شيء من حولها، ندعو إلى الرواية بألف لام التعريف، رواية ذكرة، لنكتبها مرة واحدة في التاريخ، ثم لنفعل ما بدا لنا بعد ذلك.

Friday, January 04, 2008

نحو المصرية المحملة بالورود والدلع كله

ولقد كان أكثر الأيام سوادا في التاريخ المصري هو يوم الغزو العربي لمصر، منذ ذلك الحين تغيرت الشخصية المصرية تغيرا دراميا، صارت أي كلام وكانت من قبل كفاءة.

لنتذكر جميعا ذلك الماضي المهيب قبل الغزو العربي، حين كان المصري إنسانا قبطيا، سويا، عظيما، جميلا وبهيا. كان المصري مصريا، لا عربيا ولا رومانيا، لا شرقيا ولا غربيا، لا نوبيا ولا أسيويا. ومصر كانت تعني مصر، بالتلات أحرف الساكنة التي هي، كما هو معروف، شاحنة ضجيج. وتقريبا، وهذا من واقع مراجعة دقيقة للتاريخ، فلم تحدث ثورات أو فتن أيام الفراعنة، لم يكن هناك فقر ولا ظلم ولا جهل ولا مرض، ونحن، نكرر، نقول هذا من واقع مراجعة كل التاريخ اللي في الدنيا. علينا هنا أن نؤيد بقوة وبحسم منهج كتابة مصر بأيدي مصرية ووفقا لوجهة نظر مصرية. ونردد: تحيا مصر على الدوام ويسقط الملاعين.

بعد الغزو لم يرضخ المصريون للعرب الأوغاد، وقد ظلوا يحاربون دفاعا عن فرعونيتهم طول الوقت، ويرفعون اليفط التي تؤكد أنهم فراعنة، بل وأكثر من ذلك، فقد كان الشعار الأكثر ثورية وقتها هو: "أنا مصري قديم أتحدث المصرية القديمة ولا أبهج أعدائي"، وفعلا، فلقد حافظ المصريون على اللغة القبطية الهيروغليفية، بإيمانهم المطلق أنهم فراعنة حافظوا على اللغة الفرعونية، ظلوا يتحدون بها الغزاة العرب والمماليك والعثمانيين وحتى أسرة محمد علي، يعني خد عندك مثلا: هل تعلم أن العامية المصرية هي كلها فرعونية؟ وأنه ليس بها كلمة عربية واحدة توحد الله؟ طبعا ماتعرفش. ومن يقول غير هذا فهو واحد من اثنين لا يجتمعان إلا هنا، وهابي سعودي سلفي متطرف، أو عبراني يهودي إسرائيلي ابن وسخة، ويشترك الاثنان في صفتي البداوة والنتانة، والحمد لله على نعمة النيل الذي ينظفنا من أشكالهم، نحن أبناء حضارة وادي النيل، ومش معقول أبدا أن يأتي رعاة الغنم ليتنططوا علينا.

المهم، لم تكن هذه هي الغزوة العربية الوحيدة[1]، لو راجعنا التاريخ كويس سنجد يوما آخر، مظلما وكئيبا، خرج فيه العساكر، وقد أطلقوا على أنفسهم اسم الضباط الأحرار، من ثكناتهم ليدمروا جنة عدن التي كانت لدينا هنا في مصر، قبلهم كانت مصر تتمختر في نعيم الأحزاب السياسية والليبرالية والتسامح والدساتير والحياة النيابية البهيجة، ولكن الأهم، كانت مصر قبلهم هي مصر، بالتلات أحرف إياهم، بلا زيادة ولا نقصان. جاء العروبيون إذن ليحولوا مصر إلى خرابة عربية كبيرة. الثورة كان معناها إننا بنمسي على العرب اللي حوالينا بينما العرب مايستاهلوش، اللي يستاهلوا بس هما السودانيين، لأنهم، لمن لا يعرف، رعايا مصريون، والأوروبيون ، لإن احنا، لمن لا يعرف، رعايا أوروبيين، وكل دا واحنا مصريين، أصحاب الهوية النقية والتراث الخالص والمصرية المحملة بالورود والرياحين والدلع كله.

الدرس المستفاد: هبل المصراويين والفراعنة لا يقل إمتاعا عن هبل العروبيين، ولا عن هبل الإسلاميين. لكل هبل نكهته الخاصة، وتفرده الذي لا ينكره إلا جاحد.



[1] لقراءة المزيد عن الغزوتين العربيتين لمصر يرجى مطالعة كتاب "حرية في الأسر.. مأزق الإصلاح السياسي والمواطنة" والصادر عن دار ميريت بقلم عادل جندي ، ربما يكون هو الكتاب الفكاهي الأعظم لعام 2007.

Friday, December 28, 2007

لهذه الأسباب، طلقت ليلى

أصدقائي وأعزائي، تعودنا أن نتحادث معا في أوقات السراء والضراء، أن أشكو إليكم فتشيرون علي أو تشكون لي فأمدكم بالرأي السليم. ومنذ البداية، منذ قررت أن اجعل حياتي الخاصة مشاعا لكم، لعيونكم وآذانكم الراغبة في المعرفة، على ستاتوس الفيسبوك أو في بعض التدوينات، منذئذ وأنا أؤمن بأن مصارحتي إياكم هي الطريق الأمثل للمواجهة.

عرفت أن كثيرا منكم قد اعتصره الألم لانفصالي عن ليلى، خاصة الذين تابعوا قصتنا من البداية، أؤكد أن الألم اعتصرني مثلكم بالضبط، مع فارق بسيط، فأنا يا أصدقاء يعتصرني الألم منذ خمس سنوات بالضبط، خمس سنوات وأنا أعيش جحيما يوميا، جحيما من قلة التواصل وعدم وجود أي تفاهم من أي نوع مع المرأة التي يفترض أنني أشاركها نفس السقف ونفس الجدران في علاقة يفترض أن اسمها هو زواج.

العذاب بدأ منذ خمس سنوات، ولكن وتيرته غدت أكثر تسارعا وشدة في العام الأخير، عندها بدأت ليلى في التحول إلى امرأة مقيتة، بدت كأنها تريد هدم كل ما كنت أحاول بنائه منذ زواجي بها.

أصدقائي الأعزاء، لا يتسع وقتي ولا وقتكم لأشرح كل شيء، ولكن لأسرد قصة واحدة معبرة: منذ أربعة أشهر ثارت خناقة كبيرة بيني وبينها، خناقة تافهة إذا جاز التعبير، أنا أريد نقل فوتيه من الأنتريه إلى غرفة المكتب، قدام الكمبيوتر، شرحت لها، هذا سيكون مريحا لي أكثر، فوجئت بها ترفض، ساقت وقتها عددا من الحجج مثل عدم ملائمة لون الفوتيه لغرفة المكتب وما إلى ذلك، يا بنت الحلال نحن في غرفة المكتب، من سيزورنا هناك ومن سيرانا؟ استيقظت يارا، بدأت تراقبنا بعيون مذهولة، شاهدت أمها وهي تعترض على أبيها بصوت عال، وهي تتجادل معه وتدخل في نقاش معه. شاهدت البنت كل هذا بعينيها، اضطررت أنا وقتها للصراخ بل ربما قد أكون مددت يدي عليها بشكل ما، لا أذكر بالضبط، فماذا فعلت رفيقة عمري، حياتي، حبيبة قلبي؟ تركت البيت ليومين عند أبوها، كم كانت هذه أياما كريهة.

كان يمكن لليلى أن تعارضني قبل ذلك، بل وأكثر من هذا، فلقد سمحت لها أكثر من مرة بالدخول في جدل معي حول ما يصح وما لا يصح، على الرغم من أنها تعرف جيدا كراهيتي للجدال، خاصة لو كانت امرأة، وأعتذر للجنس اللطيف، تجادل رجلا، وليلى لم تكن استثناء أبدا. فما بالك لو حدث ذلك أمام الصغيرة، التي لا تزال تتعلم بعد مبادئ الحياة، تتعلم أن الرجل رجل والمرأة مرأة. تتعلم كيف على الرجل أن يكون مطاعا في بيته، تتعلم احترام أبيها واحترام الذي لأجله وبفضله قام هذا البيت ووجدت هي نفسها!؟ اضطررت وقتها للذهاب إلي بيت نسايبي لإحضار ليلى. وكان هذا كريها ومشينا، كما تعرفون.

بعدها صارت السيدة ليلى تناقشني في كل كبيرة وصغيرة، متعمدة استفزازي، تتأخر بقصد عن إعداد الشاي، تبدأ في التذمر بمجرد أن أطلب منها شيئا، وتتحول إلى مجنونة إذا ما شرعت بالضرب الهين غير المبرح لها تنفيذا لأمر الله، وتتعمد أن توافق أو تتمنع بدون منطق محدد عندما أرغب بإقامة الواجبات الزوجية معها، بدون سبب مقنع توافق أو تتمنع، بدون مواعيد محددة توافق أو تتمنع، كأنها ترغب في وضعي على الدوام تحت رحمتها، وكل هذا تراه وتتعلمه يارا الصغيرة، تتعلم ميزان الكون مقلوبا. باختصار، بدت ليلى عازمة على طلاقها.

المهم، وحتى لا أطيل عليكم، لم يكن ممكنا أبدا للسيدة ليلى أحمد علوان أن تجعل مني أضحوكة أو أن تخلصني من سيادتي عليها، باعتباري ذكرا، وأنا هنا حريص على عدم تنميق الكلام، وبالفعل، فالذكورة هي مجد العالم، هي جوهرته، وذكورتي أنا لا تعني إلا سيادتي، ذكورتي لا تعني إلا قضيبي، وقضيبي يعني أني قادر على منح المتعة ومنح الأطفال والإيلام في نفس اللحظة، ولذا فأنا سيد وأنا مسيطر، ودعونا لا نعير أذانا لسائر المخنثين في العالم.

الآن أنا مع يارا، الآن نؤسس عالمنا الجديد والجميل، الآن اعدها لتنتقم لأبيها من زوجته السابقة، السيدة التي أذته أكثر من أي شخص آخر. الآن تتعلم الكون على استقامته مرة أخرى، تتعلم كيف يؤدي كل شخص دوره في هذا الحياة، ومن خرج عن دوره فليتحمل، أسترجع أمام يارا ما فعلته أمها، ألقنها إياه، لا أدعها تنساه أبدا، حتى إذا صارت يوما امرأة ناضجة، استطاعت الثأر للشخص الذي لولاه لما كان لها وجود.

أصدقائي وأعزائي، يوما ما، كتبت عن ليلى رواية، وقتها أسميت شخصية الرواية، وكان اسمها هو عنوان الرواية، نفس الاسم الذي لليلى ومنحت اسم أبيها الحرف الأول من اسم حمايا، أبو زوجتي الفاضل، لا أبو زوجتي الفاضلة، هذا توضيح فحسب. لا أنكر أنني أحببت ليلى يوما، وأنني حلمت أن نعيش إلى الأبد في نفس البيت ومع نفس الطفلة. الآن كل هذا ذهب أدراج الريح. ما علمته لي الحياة كان قاسيا للغاية، وأبرزه أن لا أحد يتخلى عما يعتقده لأجل شخص آخر، أو، لنكن أكثر صراحة، لأجل امرأة. هن جعلن لتتم مضاجعتهن، وحتى الآن لم أعرف لهن وظيفة أخرى ذات جدوى.

أعتذر للجميع وأشكر الجميع وأتمنى لو كان كل شيء على ما يرام لدى الجميع.

المخلص لكم دائما: نائل



Friday, December 21, 2007

الجزيرة أو من البداية لم تكن هناك أية حكومة


"من النهاردة مفيش حكومة.. أنا الحكومة" هكذا كانت صرخة منصور حفني الراغب في تطهير جزيرته من عساكر الداخلية بعد أن بدأوا يفتحون أعينهم على نشاطه. كانت هي كذلك الصرخة التي دفعت الكثيرين، ومنهم عبدكم المخلص، للتحمس لمشاهدة فيلم "الجزيرة"، إخراج شريف عرفة وقصة محمد دياب وبطولة أحمد السقا، ودفعت الكثير من المشاهدين منهم لكي يهتفوا في الشارع بعد انتهاء الفيلم قائلين "أنا الحكومة" ويصفقون بهستريا أثناء اللحظة الدرامية للنطق بالعبارة، أو أن هذا على الأقل ما حدث في سينما نورماندي وعلى أبوابها.

في جزء منه، فالجزيرة هو نسخة مصرية، وصعيدية بالتحديد، من "الأب الروحي". مايكل كورليوني "آل باتشينو" هو الشاب المثالي الذي يتطوع في الحرب دفاعا عن أمريكا وقيمها، ويرفض الإجرام الذي تمارسه عائلته المافياوية. فجأة يقرر الأب تدشين ابنه الصغير باعتباره الأب الروحي الجديد. يقابل هذا بذهول، ويتم تفسيره على أن عائلة كورليون تسير إلى الضعف، يكون لزاما إذن على مايكل إذن أن يمر باختبارات نار عديدة لترسيخ عائلته وإثبات وجوده على رأسها. وفي الجزيرة، منصور حفني هو "الأستاذ منصور بتاع المدارس" الذي ينظر له أقاربه باستهانة، بينما يقرر الأب "محمود ياسين" إعلانه كبير العائلة، بسبب كونه "ابن المدارس" بالتحديد. يمر منصور باختبار بسيط في البداية، يتحداه عمه حسن "باسم سمرة" للنزال تحطيبا. يكاد ينتصر عليه. يقفز منصور عاليا ليفجر اللمبة، ينصرف لثانية انتباه العم المبارز إليها ويكون هذا كافيا لكي تكون عصا منصور ملامسة لرأسه ومهددة بتهشيمها. اختبار آخر في أثناء تسليم البضاعة ومنصور على رأس العملية، تهجم عائلة على البضاعة لسرقتها والهرب بها، ينجح منصور في استرجاعها بعد مطاردات وأكشن. هكذا يموت الأب مطمئنا على العائلة التي ولد كبيرها أسدا ينهش لحم من أمامه.

***

الفيلم لم يبدأ بعد البداية الحقيقية. سيحدث هذا في جنازة الأب. تهجم عائلة النجايحة، التي رفضت من البداية الانضواء تحت كنف منصور باعتباره الكبير، على سرادق العزاء، يقتلون أم منصور وزوجته. نتابع منصور وقد أصبح بلا رجال، بعد أن دخلوا السجن، وهو مطالب وحده بالثأر من عائلة كبيرة أعلنت عن دفع مبلغ مئة ألف جنيها ثمنا لرقبته. شيئا فشيئا يتمكن من استرداد قوته، يكون جيشا من مطاريد الجبل عن طريق وعدهم بالنزول إلى الجزيرة والعمل بها، ينجح في الحصول على سلاح من السودان بعد أن اختفى السلاح من مصر أيام الإرهاب، يستميل إليه الداخلية عن طريق رشوة ضباطها الفاسدين بالمخدرات والسلاح والإرهابيين ومسجلي الخطر الذين يريدونهم لإحراز ضبطيات كبيرة. شيئا فشيئا يبدأ منصور في إعادة تكوين مملكته الجديدة، ومن الصفر هذه المرة.

تحدث المذبحة التي لا مفر منها لعائلة النجايحة. بيوتهم تنفجر وأراضيهم تحترق ورجالهم يذبحون. وبرغم توسلات كريمة، حبيبة منصور (هند صبري التونسية الأصل.. والتي كانت عظيمة كالعادة، تحدثت الصعيدية كأهلها، في مقابل زينة، مصرية الأصل، فايقة زوجة منصور، والتي كانت صعيديتها كصعيدية مزز نادي هليوبوليس) برغم توسلات كريمة لمنصور بأن يرحم أخاها، أخاها الذي كان قد قتل من قبل زوجة منصور وأمه، فإن الأخير يقتله بطلقة واحدة من مسدسه. بطلقة واحدة يتمكن من الثأر لأهله والقضاء على عدوه وعلى ضعفه الإنساني أمام حبيبته، ثلاثة أهداف في خبطة واحدة. هكذا، في قلب المذبحة، يتم تعميد منصور حفني بالدم، قبل أن يعلن، مرة واحدة وإلى الأبد، إمبراطورا على الجزيرة المزروعة في كل شبر منها بالأفيون والسلاح. بالنسبة لمايكل كورليوني فقد كان لابد أن ينتظر المشاهدون نهاية الجزء الأول من "الأب الروحي" حتى يروا مذبحة تعميدية كتلك، مايكل يقوم بتعميد طفلين في الكنيسة، ينطق القداس كلمة كلمة، بينما رجاله بالخارج يقضون على رؤوس العائلات المنافسة. ينتهي الجزء الأول وقد أصبح مايكل كورليوني ملكا متوجا لعائلة كورليون. هكذا يولد كل من البطلين، تولد لاإنسانيتهم البهية، ويتحولان إلى ما أصبحا عليه طوال الفيلمين، مجرمين أشبه بالآلهة.

***

يبدأ كل فيلم في الافتراق عن الآخر، يصارع منصور من الآن فصاعدا الحكومة "التي يمثلها طارق بيه، الضابط الجديد المتحمس وهو المتحدث في الفيلم باسم خطاب النظام والدولة"، وليس العائلات الأخرى. التركيز على ضباط الشرطة كان لابد له أن يدخل بخطاب فلسفي إلى الفيلم، أو لنقل، أن الفيلم، على قوته، لم يكن مرضيا من الناحية الفنية لصناعه، مما دفعهم لإثقاله بكلام عن حقوق الإنسان وعن النظام في مواجهة الخارجين عليه، أو عن الأقوى الذي يفرض قانونه دائما. يمكن للمشاهدين أن يستعيدوا في هذا الفيلم مشاهد "الهروب" لعاطف الطيب وأحمد زكي وحواراته عن بطولة الخارجين على القانون في مقابل الجبن والخنوثة الدائمين لمن يماهون أنفسهم مع القانون.

للنظام هيبته، قد يسكت على الجريمة بمزاجه، ولكن الكبرياء رداءه والعظمة إزاره ومن نازعه فيهما قصمه. صرخة منصور حفني: "مفيش حكومة.. أنا الحكومة" ثم تفجيره لمبنى استراحة الضباط في أسيوط، هي كلها ما تدفع باتجاه الاقتحام المسلح بالمروحيات والمدرعات لقصره الذي جعل منه قلعة عسكرية محصنة. سؤالي الذي يطرح نفسه: لماذا لم يشر أفيش الفيلم إلى قصة عزت حنفي إمبراطور النخيلة، أو على الناحية الأخرى، لماذا قيل أصلا في الأفيش أن الفيلم مستوحى من قصة حقيقية. بالنسبة لمن يحبون السينما، كان الفيلم ليصبح ممتعا بدون أية إشارة إلى "حقيقة" ما، وبالنسبة لمن يريدون فهم المجتمع، كان الفيلم ليصبح مهما إذا تمت الإشارة صراحة إلى اسم عزت حنفي.

***

أحمد السقا، وصدقوا أو لا تصدقوا، هو ممثل كبير، لا يعوزه إلا شيئان: الاقتناع فعلا أنه ممثل كبير واختيار الأدوار الجيدة. وبرغم أنه ممثل كبير فلم يقم بدور له شأن في حياته باستثناء هذا الدور، والذي ربما كان التدشين الحقيقي له، مثلما كان التخلي عن شخصية ابن المدارس والتحول إلى تاجر سلاح ومخدرات هو التدشين الحقيقي لمنصور حفني، فهكذا هو الأمر بالنسبة للسقا تماما، التخلي عن لهجته القاهرية والتحول إلى صعيدية سلسة كأنما ولد بها، التخلي عن دور الجامد الفشيخ الدكر والمرح خفيف الظل عند اللزوم والتحول إلى دكر من نوع تاني، مجرم، بلا مشاعر إنسانية زائدة، قاتل ولا يعترف إلا بالقوة التي تخيف أعدائه.

هذه صورة مثالية بالطبع عن الفيلم، فصناع الفيلم – وإن كان يحسب لهم عدم إنهاءه بمشهد مقتل منصور الكبير متلقيا زخات الرصاص ومترنحا ببهاء القديسين مثلما كانت عليه نهاية تيتو، وهي النهاية التي كانت متوقعة إلى حد كبير في هذا الفيلم أيضا - أصروا على جعل المرأة، وهي هنا كريمة حبيبته، هي نقطة الضعف الدرامية للبطل، هي التي لأجلها يقرر الصلح مع النجايحة والتخلي عن هيبته وهي التي تستدرجه في النهاية لتسليم نفسه. فكرة قديمة ورومانسية؟ حسنا، ولكنها تتفق مع مجاز البطل التقليدي الذي يهزم الجميع ثم تهزمه المرأة، والفيلم، في وجه منه، يناقش فكرة البطولة لدى الناس، الناس الذين كان أبطالهم دوما وأبدا هم البلطجية والإرهابيون وتجار المخدرات، وفيلم الجزيرة هو دليل جديد ورائع على هذا.

Friday, December 14, 2007

تأملات في الاشتغالة السنية الشيعية

في بلاد إيران المقدسة، وفي حسينياتها العطرة جلست وبكيت..

هنالك تأملت كثيرا حال الأمة وما أصابها من هوان وتناحر وضعف، بأيدي أبنائها قبل أعدائها، وهداني الله إلى صياغة هذه الخاطرة المتواضعة فقلت لأكتبها لكم عسى أن تنول إعجابكم:

السنة والشيعة –في أدق تعريف لهم - هم ناس يزاولون أنفسهم، وهم يفعلون هذا بحرفنة، على الأقل حتى تبدو الاختلافا بينهم اختلافات جوهرية ومسألة حياة أو موت.

السني هو راجل يؤمن بمحمد ويحب علي، وكذلك الشيعي، ولكن الشيعي يحب علي أكتر حبة من السني، هذا عادي. بالمناسبة، المسلم السني يحب علي أوي هو كمان بس بيداري، ويحب علي أكثر من معاوية بس بيداري، نكاية في أخيه وابن عمه الشيعي. السني يسمع الشيعي يصلي ويسلم على فاطمة والحسين فياخد على خاطره ويزعل باعتبار اننا نصلي على النبي وبس، فيقول له الشيعي أمال اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله دي إيه؟

السني لا يحب معاوية بجد. بيحبه بالبق بس، حتى يبين أنه مختلف عن الشيعي، حتى يقنع نفسه ويقنع من حوله أيضا، يعني بيشتغل نفسه، والشيعي كذلك، بيقنع نفسه أن السني بيحب معاوية وبيكره علي بجد، مع أن السني بيحب علي بجد بينما بيحب معاوية وهو عاصر على وشه لمونة.

الشيعي بيكره عثمان، والسني لا يموت في دباديبه، هو لا يعرف عنه حاجة أصلا. تاريخ حياة وخلافة عثمان، لأسباب كثيرة، لم يكن هو المادة الأكثر سخونة وإثارة في كتب التاريخ التي درسها السني.

السني يحب عائشة والشيعي يكرهها، هذا بجد وفعلا وحقا وصدقا، وباستثناء هذا، فكل حاجة في اللعبة دي هي عبارة عن اشتغالة مرحة.

لنقل أنه كان هناك خلاف جذري في وجهات النظر هو ما تسبب في التاريخ الدموي بين الاتنين: السني ينظر إلى الشيعي باستعلاء لأن الشيعي بيفضل أهل الرسول على صحابته، مع أن المنطق بيقول العكس، لأن محدش منا بيختار أهله بينما كلنا بنختار اصحابنا، هكذا يشعر السني العصري الحر المتمرد على قيود العائلة، هكذا يشعر ولا يصرح، لأنه، وعن نفسه، عمره ما فضل أصحاب النبي على آل بيته الكريم. الشيعي على الناحية التانية يعتبر أن الدم عمره ما يبقى مية وأن الاصحاب حاجة وتروح وتيجي إنما الأهل هما اللي فاضلين لنا.

على العموم، ليست هناك شيء أكثر تسلية من إثنين قررا سويا خوض الحرب للنهاية، ثم، وبعد ذلك، أخذا يفكران في تبريراتها. الحرب هنا سبقت أسبابها. أية مزاولة هي!! ونحن، غير المحسوبين على هذا ولا ذاك، نتسلى بالفرجة مستمتعين، وكلما زاد القتل زادت بهجتنا، فحتى الشارع بكل أمجاده لا يقدم لنا عرضا مسليا يشتم فيه الواحد زميله قائلا: أنت وهابي يابني، فيرد الآخر: ما انت رافضي يا روح امك.


Friday, December 07, 2007

عن تعب الأسواني الذي لم يكن له لزوم أبدا والله


إعلان هام: في التدوينة السابقة كاد ظل خلاف حول كتابة علاء الأسواني أن يندلع في التعليقات. يا جماعة الخير، يا محبي الله ورسوله، ها أنا أصرخ إليكم من البرية: الرجل فضله عليّ لا ينكر، أقولها معترفا، بفضله هو وحده ستتم ترجمة نائل الطوخي إلى عشرات اللغات، وبلغات مختلفة هذا دائما أفضل جدا. فأرجوكم، هكذا أقول للقادمين إلى مقهاي المتواضع هذا، أن تعترفوا معي بفضل الأسواني على عبدكم المخلص.

وكان علاء الأسواني (ويشار إليه على لسان مريديه بالدكتور علاء) قد أتعب نفسه كثيرا بلا لزوم والله ليجعلني واحدا من شخصيات روايته. من قرأوا شيكاجو الأسواني يعرفون أن دكتور نائل الطوخي كان سكرتير الرئيس للمعلومات، ورد هذا في الصفحة ربعمية وعشرة أو ربعمية وعشرين، في الربعميات وخلاص. كان الطوخي شخصية متوارية ولكنها تفي بالغرض. ردي الحاسم على هذا: مشكور أخي الكريم على الإشارة.

الرجل أكيد لا يعرفني، وإنما علق في ذهنه الاسم فحسب، غير المنتشر بهذا القدر أو ذاك، ودعنا نكون صريحين، الاسم الفانتازي كأنه اسم لإقطاعي قديم أو لملك الجان على حد سواء، وعنه سأتحدث يوما ما. هكذا استعمله الأسواني ناسيا وجوده في الواقع. كلنا نقع في هذا الخطأ بأشكال مختلفة. وأحيانا يضايقنا هذا وأحيانا لا يضايقنا، وأنا لم يضايقني هذا.

لسبب ما، وبرغم عملي الصحفي، فلم يكن من حظي أن أحدث علاء الأسواني حتى الآن. فقط هذا الأسبوع حادثته لغرض صحفي مجرد. كنت قد ترقبت لهذه المكالمة كثيرا. تخيلت حوارا حداثيا، ساراماجويا، إن جازت النسبة هكذا. في البداية يعتقد الأسواني أنني واحد من شخصيات رواياته وقد اتصل به. على الرغم من أنه – أي الدكتور علاء (ويشار إليه على لسان قراءه بعلاء الأسواني) - لا يحب الخيال كثيرا، ليس نفورا منه، إنه استبضان، الرجل ينبضن من الخيال لأنه يجد الواقع أكثر ثراء. من حق أي شخص أن يأخذ هذا الموقف، عادي جدا، يعني فكرة أن واحدا من شخصيات روايته يتصل به لن تكون مثيرة بالنسبة له. ربما يكتب عنها فقط باعتبارها دليلا على تحول حتى شخصياته الروائية إلى مخبرين لمبارك يهاتفونه لتضييق عيشته وتطليعه من هدومه. ولكن الأهم، سيعود الأسواني إلى روايته ليصحح معلومة كوني سكرتيرا للرئيس. أي سيعيد كتابة شخصيتي باعتباري صحفيا أعمل بالثقافة. والصحفيون فاسدون بالطبع. سأكون صحفيا فاسدا، هذا مطمئن، والأكثر إثارة للاطمئنان هو تاريخ الأسواني الرقيق والمتحضر مع فساد الصحافة، وإلى حاتم رشيد أشير هذه المرة.

قد يطلب الأسواني لقائي على الفور، حتى يطمئن على موهبته الروائية، والمقترنة لديه بتشابه ما يحكيه مع ما يحدث أو ما يعتقد أنه يحدث. قد يجلس ليسمع مني، ليتخذ ما أحكيه مادة له لإعادة تدوير نائل الطوخي في الطبعة رقم 240 لروايته. هنا سأكون انا المتسلل لأفسد روايته عليه، سأكون وقتها قد قرأت الرواية جيدا وعرفت مداخل أبطالها. سأقص عليه معلومات زائفة عني، أتمكن بها من إثبات تورطي في حياة جميع أبطال شيكاجو الداخلية. يجد الرجل نفسه مجبرا على إعادة تدوير الرواية كلها، على كتابتها من أول وجديد، وشكرا للتحية.

هكذا فقط يا رفاق: يكون انهيار بنيان الرواية كلها قائما على الخلل الذي يسببه وجودي الرقيق المشابه للنسمة في الصفحة رقم ربعمية وحاجة من شيكاجو، وشكرا للتحية.

Friday, November 30, 2007

الرجوع إلى الوراء

في البداية أحببت أن أرجع إلى الوراء خطوة، عادي، دست باك، رجعت إلى الصفحة السابقة على شاشة الكمبيوتر، الكمبيوتر كان شغالا لمدة ثلاثة أيام، كنت أحمل عليه أفلاما لثلاثة أيام، وأنا فاتح شاشة الفيسبوك، وفاتح المدونة، وفاتح الإيميل، وشغال، لتلات أيام كنت شغال، بلا راحة، والجهاز لا يشتكي يا عين أمه، رجعت إلى الوراء خطوة على الشاشة، الإيميل الذي رجعت فيه خطوة كانت فيه رسالة غير مقروءة، أشاهدها الآن تحمل إشارة unread message بينما أنا أعرف جيدا ما بها، وخطوة دائما تجيب خطوة، وطريق التنازلات لا نهاية له، دست باك مرة أخرى، ومرة ثالثة ورابعة، فجأة وجدت نفسي فاضي، كنت قد حملت الأفلام التي أريد تحميلها، وليس وراء جهازي أي حاجة غير اللعب المجرد، اللعب الصافي، إلا أن يكون خادم الاستمتاع الشخصي لي، أن يكون معرصي الخاص، وسيلتي لاسترجاع ما حدث في الأيام الثلاثة الماضية، شيئا ما يشبه العودة إلى الماضي، ويعرف الجميع طبعا أن العودة إلى الماضي فعل عبثي، لأنه حتى ونحن نركب آلة الزمن ونعود إلى الأربعينيات فلن يتوقف الزمن عن المضي أماما، عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، ومن كان منكم يملك ساعة في يديه فلينظر فيها وهو جوا آلة الزمن، ومن كان لا يملك فليخرج موبايله، المهم، بإرجاعي الصفحة باك ثم باك ثم باك، أمكنني أن أشاهد من جديد الأراضي البكر التي كنت قد اقتحمتها بعد ذلك، أشاهدها ببكارتها الأولى، مساحة فارغة لتعليق كنت قد ملأته واتشتمت بسببه، تدوينة كنت لم أكتبها وقتها، شتيمة تراجعت عنها فيما بعد، تزهر على جانبي الطريق الذي أسير فيه عائدا آلاف الاحتمالات البديلة لما حدث في الأيام الثلاثة، لثلاثة أيام أخرى كنت أدوس باك وراء باك، "وراء باك" قد يقرأها أحدهم بشيء من الركاكة باعتبارها و"اراقبك"، أراقب نفسي، ليس بالضبط، أراقب تقدمي، وأمارسه مقلوبا، أعود من نفس الطريق التي أتيت منها، أشاهدني وأنا أصغر وأصغر في الزمن أياما ثلاثة، أراقبني معكوسا، وأنا أتحول إلى الطفل – أو، على الأقل، الأكثر طفولة – الذي كنته من ثلاثة أيام، الفايرفوكس يعمل بديلا عن الذاكرة وعن آلة الزمن، يريني ما كان عليه الأمر سابقا، يسألني، هو قوادي كما اتفقنا، حلو كدا يا باشا فأقول له شغال، فيعيد اقتحام صفحة أخرى، وينتقص من عمري ثوان أخرى، ويعيد تكوين غشاء بكارة الصفحات التي كنت قد فضضتها من قبل، ويعيد انتهاكي لبكارتها، أنا المؤمن الذي يفض حور عينه طوال الوقت وطوال الوقت لا يتوقف غشاءهن عن التكون لدرجة عودتهن أبكارا من أول وجديد كل تلات دقايق يا برنس، تصور إنت!


Friday, November 23, 2007

يوم القيامة المائل إلى الاحمرار دوما

يوم القيامة لم يعد يحظى بالاهتمام في عالمنا المعاصر، وهذا دليل جديد على انحطاط الحضارة.

نعلنها بأسى، أنه على قدر ما يتزايد الاهتمام بالمسائل الحقوقية واضطهاد المرأة والحروب والتفرقة ضد الأعراق المختلفة، وعلى قدر ما يتم علف الأسواق العالمية بالمزيد من الاستثمارات، وعلى قدر ما تتم المناداة بالمساواة، وكأن العالم ناقص، بل وعلى قدر ما يهتم البشر الآن بعذاب القبر والجنة والنار والصراط المستقيم، فإن الاهتمام يذوي تماما بيوم القيامة، وهو ما يفترض أنه مسرح لكل شيء، للخارجين من قبورهم مثل الخارجين من أود نومهم، أي أنه مسرح يثير خيال حتى موظفي شئون العاملين. أي دليل آخر يريده القراء على أننا نعيش عصر انحطاط الخيال؟


***

ذات يوم بعيد، كنا في مدارسنا لا نزال، قالوا لنا أننا سنكون يوم القيامة هكذا، وأشاروا بأصبعيهم السبابة والسبابة من كل كف، ولفوهما حول بعضهما مصداقا لقوله تعالى والتفت الساق بالساق. ومن حوالي اتناشر سنة، أتذكر هذا جيدا وكأنه حدث بالأمس القريب يا إخواني، أظلمت الدنيا نهارا. هبت رياح وأتربة. وتدريجيا تحول اللون العام إلى الاحمرار. وعليه تم تشغيل القرآن في جميع محلات إبراهيم اللقاني حيث أسكن. قيل أنه يوم القيامة. هذا جيد، يوم القيامة أحمر إذن. وصلنا إلى معلومة مفيدة. وكانت هذه آخر المعلومات التي أعرفها عن ذلك اليوم.

***

لم يتسائل أحد عن مزاج الناس قبل القيامة بخمس دقائق: هل سيكونون مبسوطين حتى يأخذهم الله على غفلة وهو المنتقم الجبار، أم حزانى حتى يمهد لهم الله وهو العفو الرحيم؟ هل سيكون يوم أجازة، جمعة مثلا، يخرج الناس من بيوتهم فيه إلى الجنة أو النار أم يضطرون للخروج من الشغل؟ أم سيكون بمثابة كبسة ويحدث الخميس بالليل، حيث الجميع متلبسون، والله كما نعلم لا يحتاج إلى شعرة، لأنه السميع البصير. لا أحد يعرف عن هذه التفاصيل شيئا، بل، وهو الأنكى، بدا أنها لا تشغل ولو سنتيمترا من فضول الناس، على الرغم من أهميتها لترتيب المرء لأوضاعه وأشغاله ومواعيده يومها. قُل علمها، أي علم الساعة، عند ربي، هذا هو القانون الصارم الذي لم يستطع تجاوزه أحد حتى الآن، ولو حتى بانطلاقة لخيال غير محدود.

***

يوم القيامة هو يوم الحقيقة أيضا. أرشيف كامل من المعلومات والآراء النقدية الصحيحة يصبح أخيرا مشاعا لمن هب ودب. يقول لنا الله مبتسما: طول عمركو فاكرين أن صنع الله يكتب أحسن من بهاء طاهر، لا يا عبادي. الحقيقة هي أن بهاء أفضل من صنع الله بلا جدال، أو العكس طبعا. ونضرب نحن كفا بكف لأننا كنا مخدوعين طول عمرنا. أو نعرف أن أحمد زكي ليس ممثلا جيدا وأن طلعت زكريا لو كان أدى أدواره لكان أفضل بما لا يقاس، أو أن رولان بارت كان هو الناقد بألف لام التعريف، في مقابل دريدا الذي لم يكن مجازه الخاص بالاستمناء وتناثر المني دقيقا بحال. أو أن سائق الاوتوبيس عندما وصف الراكبة التي طلبت النزول في غير المحطة بأنها تحتاج رجلا يزبطها كان كاذبا، لأن احتياجها في هذه اللحظة كان إلى معرص يوفر لها مكانا هي والرجل الذي كان موجودا بوفرة، ودعنا لا نقول بابتذال.

***

لنقل أن مقصدنا من التدوينة هو الآتي: ساهموا يا إخواني بكتابتكم في خلق تصور عن شكل مقبول ليوم القيامة الآن. شكرا جزيلا. نراكم على خير.

Friday, November 16, 2007

هوس إثبات براءة السلاطة البلدية

الجمهور الذي ذهب ليشاهد فيلم "سلطة بلدي" لنادية كامل في معهد جوتة لم يكن جمهورا بريئا، هذا أولا.

ببساطة شديدة، الناس سمعت كتير عن الحملة التي اتهمت الفيلم بالتطبيع، ولأن الفيلم يتحدث عن اليهود المصريين - مع خلفية لا يمكن تجاهلها وهي كتاب جوئيل بنين حول شتاتهم – فقد واتت جمهور جوتة، وكان في ذلك اليوم خليطا من اليساريين والليبراليين، الفرصة ليثبت أنه ليست لديه أية مشكلة عنصرية مع اليهود، لذا جمعت بينهم الرغبة العميقة في إثبات براءة الفيلم من شبهة التطبيع التي اتهم بها، ومثلما فعل الليبراليون واليساريون في دفاعهم عن "وليمة لأعشاب البحر"، أي محاولتهم بشتى الطرق إثبات "إسلام الرواية"، هكذا قرر الجمهور أن يفعل يومها، هذا ثانيا.

***

الفيلم صادم تماما. نشاهد فيه، يمكن لأول مرة، مصريين يزورون بيت يهود إسرائيليين، وليسوا إسرائيليين فحسب، إنهم يرتدون أيضا الطاقية اليهودية ويخدم أولادهم في الجيش الإسرائيلي، يمزحون معهم ويهيصون وينسون أم السياسة التي تتربص لهم على الباب. لا أستطيع الإجابة عن سؤال إن كان الفيلم يدعو للتطبيع أم لا. لأنني لا أفهم جيدا قصة "يدعو" هذه. ولكنني على يقين أن الفيلم بحد ذاته هو ممارسة للتطبيع. وإلا فما هو الاسم الجدير بفعل الدخول إلى قلب إسرائيل، ليس الضفة أو غزة وإنما إسرائيل، زيارة يهود، ليسوا صباريم، أي لم يولدوا في إسرائيل، وإنما هاجروا بمحض إرادتهم إليها وسكنوا في بيوت عرب تم تهجيرهم، وقول بطل الفيلم – سعد كامل – أنه يفرق بين الحكومة والشعب الإسرائيليين ويضيف: "الشعب الإسرائيلي شعب طيب"، كأنه بيتكلم مثلا عن الشعب الأمريكي أو الفنلندي. إذن الفيلم هو عمل تطبيعي من الدرجة الأولى، مثلما بالضبط هي علاقة نجيب محفوظ ومحمود درويش وإدوارد سعيد بالإسرائيليين، ومثلما هي زيارة أهداف سويف إلى تل أبيب. وهم جميعا رموز لنا يجتاحنا نفس الهوس لتبرئتهم من تهمة التطبيع أو لتبريرها لديهم.

***

هوس إثبات براءة الفيلم كان هو السبب الذي جعل الضحك الهستيري ينتشر في القاعة يومها ردا على مشاهد بعينها، أفيش عمرو خالد الكبير في ميدان التحرير ومشهد الطفل وهو مرتبك أمام جدته – نائلة كامل – التي تقرأ عليه بطاقة هوية أبيها: الديانة إسرائيلي. أراد المشاهدون أن يفهموا كون الطفل يسخر من عنصرية إسرائيل التي لا تفرق بين الدين والجنسية. طبعا جمهور كهذا لم يقنعه تبرير الجدة بأنه قبل قيام دولة إسرائيل كانت كلمة إسرائيلي تعني يهودي، لم يقنعه كون المشكلة لغوية وليست سياسية وأن الحديث هو عما قبل إسرائيل. جمهور جوتة في ذلك اليوم، وهو جمهور ليبرالي ويساري في الغالب، وهو الجمهور المتعاطف مع الفيلم، كان فخورا باستنارته ونكرانه على إسرائيل كونها دولة قامت على الدين. لذا لم يتح الجمهور لأحد، ولا حتى لبطلة الفيلم وأجمل شخصياته، أن تفسد عليه فخره بنفسه هذا، يضاف إلى هذا أن الضحك الهستيري على المشهد كان في ذات الوقت دليلا رادعا على وطنية الفيلم، أي على براءته من التطبيع، لا ينبغي أن ننسى هذا، هذا ثالثا.

***

فيلم "سلطة بلدي" يستحق كل الضجة المقامة حوله، إنه فيلم يدخل إلى قلب إسرائيل ومع هذا يتجرأ على عدم تصوير معاناة الفلسطينيين. فيلم يتحدث عن الإسرائيليين باعتبارهم بشرا، و ما جاء فيه ليؤكد الآراء العربية حول العنصرية الإسرائيلية حدث بشكل عفوي تماما ولم يخطط له أحد. بهذا المعنى، ومن المنظور القومي الوطني، فالفيلم غير بريء أبدا، وربما تكون عدم براءته هذه بالتحديد هي ما جعلته واحدا من أكثر الأفلام أهمية وجمالا في الوقت الحالي.

وكان هذا رابعا وأخيرا.

Friday, November 09, 2007

حفل التوقيع أو الرغبة الفيتشية في لحس الكتب

1

في الأيام الأخيرة التقيت بأكثر من شخص، أكدوا جميعا على أن المناقشة التي عقدت مؤخرا لروايتي كانت، بجانب كونها مناقشة، حفلة توقيع عظيمة للرواية. رددت عليهم برد ظننته كافيا، وهو أنها لم تكن حفل توقيع، ولكن على ما يبدو فإن رغبتهم في مجاملتي جعلتهم يصرون على خطأهم التاريخي والمنطقي، التاريخي لأن الحدث كان مناقشة وليس حفل توقيع. هذه حقيقة تاريخية مثلها مثل أن الحملة الفرنسية على مصر تمت عام 1798. والمنطقي لأنني لم أوقع يومها سوى عدد من النسخ المحدودة للأصدقاء فحسب، أي أن الحدث لم يكن توقيعا ناهيك عن أن يكون "حفلا" له. النوايا الطيبة يا أصدقاء لا يجب أن تجعلنا نتجنى على علمين مهمين مثل التاريخ والمنطق.

2

حب القراء للكاتب هو حب منحرف جنسيا، حب قائم على الفيتش بالأساس (يعرف كل من قرأ ثلاثة كتب في حياته أن الفيتش هو الرغبة الجنسية في أشياء ليست هي المواضيع التقليدية للإثارة، وإنما هي آثار فحسب من المحبوب: قدماه، أصابعه أو شراباته أو ملابسه الداخلية). ليس أهم ما في حب القراء للكاتب هو فعل النيك، ليس أهم ما في الكاتب بتاعه، أي قضيبه أو فرجه، أي كتابته، أي المتعة المباشرة من وراه، وإنما أثر بعيد، توقيع صغير خطه قلمه المقدس، ورقة يرتبط فيها اسم القارئ بكاتبه المفضل، الذي كان أخينا القارئ يراه رأي العين في مكان ما، آه والله - وااااااو، وكان شكله عامل ازاي؟ - انا قعدت ربع ساعة متنحة قدامه مش عارفة اتكلم - يا بختك يا ديدييييي أنا كمان بحبه مووت، وآه يا قلبي. حتى الآن لا أفهم أهمية توقيع الكاتب على كتبه إلا بوصفه هكذا. تعلق القراء بتوقيع الكاتب أو بكلماته المؤثرة التي قيلت لهم بشكل شخصي هو تعلق فيتشي بأعضاء، مثل البيضان، لا تنيكهم، ولكنها، على خلافه، تخلو من النجاسة. أشياء مثلها مثل سائر الأعضاء ببساطة، مثل الأظافر أو الغدة الدرقية أو شعر صوابع الرجلين، هل لشعر صوابع الرجلين أهمية في العملية الجنسية؟ بالتأكيد. عند الفيتشيين. وكلنا بمعنى ما فيتشيون.

3

وبشكل ما، فانبهار الناس وهم يقابلون كاتبا أو آخر، مع أن الكتاب مرطرطون على القهاوي، هو انبهار استمنائي، هو انبهار يداخله اليقين بأن الكاتب مظلوم لأنه ليس نجما، وليس مثله كمثل نجم السينما والتليفزيون والكورة. يفكر القارئ الطيب: على الكاتب أن يكون نجما، وحتى يكون نجما لابد أن يكون له جمهور يحبه ويتعقب خطواته، وعلى الجمهور، الذي هو أنا، ألا يصدق أنه يقف بحضرة الكاتب شخصيا، أن ينبهر بحضرة الكاتب ويفشخ بقه شبرين. ولأن الجمهور لا يصدق أنه قابل الكاتب بنفسه، فهو يحتاج إلى ختم من الكاتب، وأي ختم أفضل من توقيع الكاتب على كتابه، وتحويل ذلك التوقيع إلى طقس. مسيرة سرتنية طويلة تتم حتى وصول الجمهور، بيده هو، بدون الإضطرار لتحديد إن كانت اليمنى أو اليسرى، إلى الأورجازم المشتهى للقاء الكاتب النجم.

.................

...................

.....................

ومن وقتها يا قرائي الأعزاء وحفل التوقيع شيء مهم جدا في حياة أي كاتب منا.