Friday, May 09, 2008

الله عليك يا حاج: التفسير السكسو - لاهوتي للأحداث

"اللبنانيين دا شعب كله فساد" هكذا قال الحاج علي وهو يناولني السيجارة. لم أكن أتوقع بأي شكل من الأشكال أن ينتهي الحوار بهذه الجملة، أي بجملته الأولى بالتحديد. كان لابد من التعقيب بأي شيء، أخرجت ولاعتي وولعت للحاج ثم انتقلت إلى سيجارتي:

"بس دول ناس غلابة يا حاج علي؟"

"غلابة ولا ماغلاباش. دا شعب علوق".

صورة حسن نصر الله كانت معلقة في الدكان. نظرت إليها ثم إليه:

"طب ما حسن نصر الله لبناني زيهم."

"لا يا فندم. دا بقى بالذات ماتحسهوش لبناني. تحسه مصري. أكن أمه زانية فيه. جايباه من دكر مصري. م الشرابية بالأمارة. هع هععععععععع."

"يعني الراجل الطيب دا ابن زانية؟"

"وماله مفيش مشاكل. ربنا سبحانه وتعالى قالك يخلق من ضهر العالم فاسد ومن ضهر الفاسد عالم. صح انا ولا غلط؟ يعني دلوقتي العلماء دول مش ناس منزهين. ممكن يكونوا ولاد وسخة برضه."

"الله عليك يا حاج".

"اه بس دا مش معناه انهم وحشين ولا قللات الاصل. إلا دا. العلماء دولا أحسن ناس ف الدنيا. ومن حقهم علينا اننا نسمع كلامهم، ومن حقهم علينا الشورى والمشورة. وربنا بيحبهم. علشان كدا ربنا قالك اذا جاء نصر الله والفتح. الفتح دا برضك شيخ م المشايخ الجامدين اوي. بيقولك هيظهر ف اخر الزمان وعلى رأسه قنديل من الذهب وبعض الأئمة قالوا قنديلان. دا الحديث بيقول كدا. هيمشي في الشارع وزبه واقف كدا جايب بحر الظلمات، علشان ينيك الكفار. زيه زي الشيخ حسن نصر الله. بتاعه برقابي اللبنانيين كلهم."

(أغمز) "الله. وانت عرفت منين بقى دلوقت يا عمنا؟"

"امشي يا متناك. انا اعرفهم يا معرص. رجالة على حق. شوف يا باشمهندس. الراجل ناك اليهود وهما وقفوا زي الخولات. من حقه بقى ينيكهم هما، ما اذا كانوا خولات، يعني هيتكيفوا من زبه. مش انا بتكلم صح، ولا غلط؟"

"بس دا راجل ظالم. دا قال اللي هيمد ايده هقطعهاله."

"يا فندم يقطع له بتاعه لمؤاخذة كمان. دا راجل جدع. بيحامي عن رجالته. امال هيسيب الناس تدافع له عنهم!؟"

"يعني انت بذمتك يرضيك الدنيا تولع والناس تضرب ف بعض علشان الحكومة قفلت شوية تليفونات؟"

"كسك يا انشراح. يا استاذ يولع في ديك ام البشرية كلها مفيش مشاكل دا حقه. دي حالة إنسانية حضرتك. يعني حضرتك تخيل نفسك لمؤاخذة المدام هتولد وانت جاي تتصل بالتليفون قالولك دا الخط اتقطع، وبعدين انت ماعاكش رصيد على الموبايل. فلا قدر الله معرفتش توصل للدكتور والمدام قامت اتوفت، والجنين مات طبعا. وبعدين جاي زعلان على كام واحد ماتوا؟ كله الا قطع التليفون يا عم الحاج، دا زي قطع العيش."

"طب ما انا ممكن انزل اتكلم بخمسة وسبعين قرش من اي دكان؟"

"قفل. الدكان قفل. مش بتحصل؟ افرض معايا الدكان قفل. هتحط ايدك على خدك ولا هتروح مولع ف البلد كلها."

"لا. ممكن ابعت سلفني شكرا. اجيب رصيد واتصل."

"دا لو انت فودافون يا معلم. افرض انك موبينيل. قل لي بقى هتتصرف ازاي؟ لازم ساعتها تعمل ثورة."

"يعني كل اللي عملوا ثورة كانوا موبينيل".

"مش لازم. كان فيه منهم اتصالات كمان يا برنس. أمال انت فاكر ايه؟"

(أفكر قليلا) "الله عليك يا حاج."

Friday, May 02, 2008

إشكاليات وقضايا الترجمة: أنا نموذجا

حلمت الليلة بأني أترجم مقالا، عن العبرية كنت أترجم. فجأة اكتشف أن كل الكلمات لا أعرفها. ليس فقط أنني لا أعرفها، أو ليس أنني لا أعرفها بالأساس، فأنا كنت أعرفها كلها، وإنما ليس لأية كلمة علاقة بالكلمة التي تليها، والتي تسبقها. كل كلمة كانت جزيرة منفصلة، والجزر كانت بلا بحر، كل معنى كان يحوم في الفراغ.

أنا، كمترجم، شخص خائف. خائف من اللغة التي أنقل منها. أنا، كمترجم، شخص حكم علي بأن أظل دوما بين لغتين، لغة أهلي ولغة من هم ليسوا أهلي، وأن أتحرك بين اللغتين في نفس اللحظة، أتحرك بين هويتين، بين ثقافتين وذاكرتين. أنا عميل مزدوج، جاسوس بلا انتماء. أعيش بجسدي في واقع أنقل إليه. وبوعيي، في لحظة الترجمة، أعيش في واقع أنقل عنه، والواقع الذي أنقل عنه بعيد بعيد، واقع غريب عني، وما أنا إلا منتحل، دخيل، جاثوث، أدعي فهمه، أدعي أنني كذلك، ولكنني لست كذلك، وحياة النبي لست كذلك.

اللغة التي أترجم عنها، وهي هنا العبرية، تنمو بعيدا عني، تغير نفسها وتتلون وتنقص وتزيد وتتنطط وتتعفرت وتترقص، كداهو كداهو كداهو، وكل هذا من وراء ظهري. من هنا أصل إلى استنتاجي المدوي: حلمي يا إخوان لم يكن حلما، ولا رؤيا، ولا كابوس. كان هذا هو خوفي الأساسي طول أيام عملي مترجما، وأنا عندما أعمل مترجما أكون صاحي طبعا، مش نايم، كما أنني لست دايدريمرا بالفطرة. خوف منطقي تماما: شيء ما ينمو بعيدا عني، لا تراه عيني، ما الذي يدفعه ليكون كما أتوقع، كيف أتمكن من السيطرة على ما لا أراه أصلا، وإنما أتلصص عليه فحسب بين الحين والآخر؟ خوفي من اللغة الأجنبية، هو في نفس الوقت غيظ من نفسي، لأنها لا تستطيع رؤية كل شيء، هو خوف من الأشياء البعيدة، وقديما تحدث شخص اسمه رودولف أوتو عن شيء مثل هذا، واخترع بهذه المناسبة كلمة اسمها النومينوز، أو أنه أعاد اكتشافها من تراب اللاتين، وترابهم كثيرا ما يكون عامرا بالأطايب.

قراء المدونة الكرام يعرفون العفاريت طبعا. مدونكم المحبوب أيضا يعرفها، وعندما كان مدونكم صغيرا كان يعرفها، وكان يخاف منها. كان يخاف من اختفاء العفريت أو ظهوره، ولكنه، ورغما عنه والله، كان يضحك إذا تخيل العفريت يظهر ويختفي أمامه. ما كان يميته في جلده رعبا عن حق ربنا، أن يرمش بعينه، أن يغمض ويفتح في ثانية ليجده العفريت قد ظهر. الأشياء التي تحدث بعيدا عن أعيننا هي الأكثر إخافة. لم أخف يوما أن أفتح الجرنان العربي فلا أفهمه، كان خوفي دوما من اللغة الأخرى. لكل مرؤوس رئيس، والرئيس الأكثر هيبة هو الأجدر بالطاعة والخوف، واللغة الأخرى هي الأكثر هيبة من لغتي التي لا تغفل عيني عنها لحظة. نعرف جميعا أن الشيخ البعيد سره دوما باتع.

المترجم محكوم بحمل صخرة على كاهله والصعود بها إلى قمة الجبل ثم دحرجتها من فوقه لينزل ثم يعاود حملها. لن يتخلص المترجم من سطوة الشيخ البعيد عليه، لن يتخلص من كابوسه القديم. وسيظل يحلم بترويض الوحش المفترس (العبرية)، وبتحويله إلى قط لذيذ ومطيع (العربية)، ولكن هذا لن يحدث، أو على الأقل، ليست هناك ضمانات كثيرة بأن يحدث. كثير من قراء المدونة الكرام يذكرون قصة محمد الحلو مدرب الأسود، والكثيرون لا يذكرونها أيضا. ياريت بقى اللي فاكرها يحكيها للي مش فاكرها.


Friday, April 25, 2008

ثانيا: نجم والإسلامبولي.. يوم قتل الزعيم

للإسلامبولي، قاتل الفرعون، القزم، الخائن أنور السادات:

بهذه الكلمات يهدي أحمد فؤاد نجم واحدة من أهم قصائده إلى الإسلامبولي، قصيدة يصدرها ب"منين أجيب ناس لمعناة الكلام عارفين". وتقريبا فكل مقطع من مقاطع القصيدة ينتهي ب"العارفين". كان العارفون واحدا من أسس القصيدة، كان نجم يرثي حالهم، أو يوبخهم، أو ينتصر لهم، ولكن الأساس المتين للقصيدة، كما يبدو من الإهداء، هو البطل، القاتل، الراقص، الفتي، المتطهر من الزمن، الصحابي والقديس، خالد الإسلامبولي.

لسنوات طويلة فتنتني هذه القصيدة، ولازالت تفعل. وبالمفهوم الذي تناقشنا حوله الأسبوع الماضي، فقد كانت هي الأكثر بلاغة، مجازات بعد مجازات بعد مجازات، يا دين أمي، نجم هو صانع الكيتش الأكثر حرفنة لليسار المصري. وبعيدا عن التعليقات المتشنجة، فأن يكون المرء صانعا محترفا للكيتش، لهو أمر يستحق الاحترام، وطبعا لا أحتاج للتأكيد على أن حديثي هنا جاد للغاية.

***

في البداية، قبل ظهور الإسلامبولي، يكون كل شيء زي الخرا:

ركب الأغا ع البلد ركِّب عليها الخوف/ خاين قليل التنا جاهل عديم الشوف/ خان التراب والهوا خنق الضمير في الجوف/ وداس بنعل الوطا ع الحق والعارفين/ مين في البلد يا بلد كان صوته من راسه/ يحسب يكيد العدا ويصون وداد ناسه/ دار المدار بالخرس وسقانا من كاسه/ مين تحت حكم الأغا ينطق يقول عارفين

هكذا: الدنيا كلها ظلام في ظلام، تضيق البلاد والعباد بالظلم، وتضج الحناجر بالشكوى، أو "بالخرس"، والاثنان سيان. وفجأة يظهر خالد. من أين وإلى أين لا أحد يعرف. كفارس أتي من المريخ ليصلح الأرض ثم يعود إلى وطنه يظهر، كروبن هود يحق العدل ثم يرحل وتتساءل الناس عنه من يكون يظهر، فتى بلا شبيه: "أصل الحكاية ولد فارس ولا زيه"، فتى لم ينبت في الزمن الذي ولد فيه وإنما في زمن آخر: "وكبرت برة الزمان اللي ابتلاك بينا". كبر خالد في زمان مشرق، مشمس، وليس زمن الخريف الذي خيم على مصر السبعينيات، مثلما خيم على نجم وغيره: "خالد يا ابن الربيع والأمل والشمس والزينة/ مين يا فتى أعلمك فعل الخريف فينا". خالد تنحدر جذوره من ماض آخر بعيد، أباؤه ليسوا هم أباء نجم، ولا أقرانه "خَد من بلال ندهته/ ومن النبي ضيه، ومن الحسين وقفته، في محنته وزيه/ قدم شبابه فدا والحق له عارفين". يسارنا العظيم أحيانا ما ينتقد الإسلام "بشكل جذري في أحيان قليلة وبشكل مراوغ غالبا"، ولكنه يستوحي منه رموزه الخلابة. في سعيه المحموم ليكون أكثر شعبية، وليخاطب الناس الذين يتحدث باسمهم، يتخلى اليسار قليلا عما يؤمن به، ونجم هو ملك الرموز التي يحبها الناس، ولكنه ليس ملك المنطق المتماسك، كما عرفنا من قبل.

***

ولكن خالدا، المقطوع من شجرة، والمفصول تماما عن عصره، وإنما ينتمي إلى زمن آخربعيد، يظهر له فجأة أعمام وأخوال: "هندك يا أدهم هنا أصلك وسلسالك/ والناس يا خالد هنا عمك هنا خالك." فجأة يظهر أهل لخالد، وهؤلاء الأهل هم "هنا" وليسوا في الزمن الآخر البعيد. طيب. هنا نطرح سؤالا عن مدى صدق العم نجم عندما فصل "خالدا" عن "هنا"، وجعله ينتمي ل"هناك"، لبلال والحسين والنبي، هل كان نجم صادقا بالفعل؟ هل كان واعيا بالفعل لخطورة مايفعله؟ مممممم. ربما لا، ربما لم يكن نجم بقوله "وكبرت برة الزمان اللي ابتلاك بينا" أكثر من شخص يصوب السهم نحو نفسه ليعطي كلامه المزيد من المصداقية، ولكن ساعة الجد، هو يعرف كويس اوي أنه، ومن معه، الأخيار، والآخرون هم الأشرار. خالد نشأ وتربى في الزمن الذي نشأ فيه نجم، ونجم ينتمي للناس وخالد ينتمي للناس، ونكتشف فجأة، من زلة لسان خفية، أن خالد هو بني آدم عادي، وليس صحابيا ولا قديسا، كما أراد نجم تصويره.

***

"مين يا فتي علمك لعب العصا ع الخيل/ وازاي قطفت القمر من فوق شواشي الليل/ وطبعت نجم السما بالوشم على زندك"

إطلاق النار على السادات يتحول في قصيدة نجم إلى رقصة. القتل يتحول إلى لعب مع الحب والقمر والسماء. نجوم الفلك، وليس خالد فقط، قد رقصت بالضي تتعانق يوم قتل السادات، كما يصرح نجم. في التدوينة السابقة، وفي الردود عليها، عرفنا الكثير عن تمجيد العنف، صبغه بصبغة رومانسية حالمة، جعل القتل فعلا مرادفا للحب والحرية. ودائما ما كانت الاستعراضات العسكرية، من النوع الذي قتل فيه السادات، هي ميدان واسع يلتصق فيه الفعلان، القتل والرقص، الاستعراض والسلاح، تحويل السلاح إلى مادة للمتعة، تحويل القتل إلى لعب بالعصا على الخيل. في بداية القصيدة هتف نجم ل"يا جرحي يا غنوتي"، الجرح هو الغنوة، الألم هو الفن، والقتل كذلك. تحويل الدماء إلى مشهد، إلى فن، كان دائما هو الخلطة السحرية لأيديولوجيات القرن العشرين، ونجم لم يكبر برة الزمان، ولا الزمان قد ابتلاه بينا.

قصيدة أحمد فؤاد نجم الفاتنة، والمهداة إلى خالد، هي ميدان واسع للعب النقدي الحر، للمزيكا، للتجول بها يمين وشمال ولفهم أشياء كثيرة جدا عن أشياء كثيرة جدا. حمل من هنا.

Friday, April 18, 2008

نجم، في مذمة العدو الأكثر بلاغة


حقيقة بسيطة يحدث أحيانا ان نخجل من الاعتراف بها: أعداؤنا هم أعداؤنا لأنهم سيئون ونحن جيدون، وليس لأي سبب قدري أو يتعلق بالله والمصير. ولو لم يكونوا سيئين ونحن جيدون، فلماذا نحن أعداء إذن؟ هذا كلام الناس العاقلين، وما يتبقى لنا إذن، كي نصبح حياديين، هو أن نعترف بقدرة أعدائنا هؤلاء، بقوتهم وبمهارتهم، أي باختصار، بكل الأشياء التي لا يصبحون بفضلها أصدقائنا، بكل الأشياء التي لا يصبحون بفضلها "جيدين". كان أحمد فؤاد نجم دائما واحدا من أعدائي هؤلاء.

***

لنقل في البداية، أن أحمد فؤاد نجم كان دائما واحدا من هؤلاء الأشخاص الذين تميزوا بقدرتهم على قول الكثير جدا من الكلمات الرنانة والقليل جدا من الأمور المقنعة. احترمت فيه دائما بلاغته، قدرته على تجميع الكيتش كله في قصيدة واحدة - وبهذا يجعل من الكيتش الخاص به هدفا سهلا وواضحا للتصويب أيضا - قدرته على التعبير بقوة عما يفكر فيه المصريون، أو عما يعتقد أنهم يفكرون فيه، على أن يكون واضحا ومفهوما وبسيطا، على أن يكون ناقلا أمينا للمجازات والرموز، المتاحة أصلا، حتى بينما المطلوب هو التمرد على هذه الرموز والمجازات. من هذه الناحية، فنجم لم يكن ثوريا أبدا، كان دائما خادما أمينا ل"الشعب المصري"، والخادم الأمين بطبيعة كونه كذلك لا يكون ثوريا. ومثله في ذلك مثل الكثير من الكبار والصغار، المنشغلين دوما بتكويم الرموز على الرموز (وهو ما أسميه بال"بلاغة") بدون أية محاولة للتشكك في هذه الرموز، مثله مثل أناس كثيرين، بدءا من ناجي العلي ومحمود درويش، وحتى خالد كساب، صاحب الرموز الضرب شمساوية الشهيرة.

***

الصورة الأدبية لمصر كانت دائما صورة شابة، فلاحة، رشيقة، تنظر لفوق الذي هو المستقبل، كما نجدها عند اثنين من صانعي الرموز، صلاح جاهين ومحمود مختار، وخلافا لهذه الصورة، نجد نجما قد اختار صورة أخرى، أكثر ارتباطا باللاوعي المصري على ما اعتقد هو، وأعتقد أنا معه: "سلامتك يامه يا مهرة، يا حبالة، يا ولادة.. سلامة نهدك المرضع، سلامة بطنك الخضرا"، هكذا يصف نجم مصر المريضة والتي ستتعافى قريبا. كانت مصر عنده امرأة خصبة، ولود، لا يمكن تخيلها رشيقة بحال، وقوية "فالزمن رايح وهي جاية"، كما نعرف جميعا. صورة مصر التي رآها مرتبطة بالأرض بلا هوادة، بخصوبتها وخضرتها، هي الصورة التاريخية التي تشكلت في أذهان المصريين منذ قديم الأزل، وهي صورة لا علاقة لها بغواية الأنثى بحال، وإنما فقط بخصبها. لا ننسى أن نجم هو خادم الشعب المخلص، وليس خادم الصور الأدبية الجاهزة. وفي خدمته بإخلاص للشعب لم يكن يفعل شيئا في الواقع. فما يقوله للشعب، هو ما يعرفه الشعب أصلا. ما الذي فعلته إذن يا أبا النجوم؟

***

المرثية الشهيرة لجيفارا، بعنوان "جيفارا مات"، هي ليست مرثية فحسب، إنها مانيفستو ثوري أيضا. قرب نهاية قصيدته بقليل يسخر نجم من عصر البطش الأمريكي: "خلاص خلاص، مالكوش خلاص.. غير بالقنابل والرصاص، دا منطق العصر السعيد.. عصر الزنوج والأمريكان، الكلمة للنار والحديد.. والعدل أخرس أو جبان"، هذا هو المنطق الذي يعاديه نجم، منطق عصر الزنوج والأمريكان، غير أن المنطق الذي يقترحه لا يقل عسكرية هو الآخر، فصرخة جيفارا للعبيد تحوي نفس المنطق الذي سخر منه نجم لتوه، وبنفس الكلمات تقريبا: "يا تجهزوا جيش الخلاص، يا تقولوا عالعالم خلاص"، وفي أغنية أخرى بعنوان "يا فلسطينية" يصرخ نجم: "ناري ف إيديا، وإيديا تنزل معاكو، على راس الحية، وتموت شريعة هولاكو". يشكو نجم كثيرا من سياسة القوة، الأمريكية والإسرائيلية، من شريعة هولاكو، ولكن الخلاص في تصوره لن يتحقق إلا بعنف مقابل، والعنف المقابل يصبح هو العنف الشرعي. حرب الدم والدم، الموت والموت، النار والحديد، تصبح هي مجازه الخلاب. والبندقية هي بطلة الحياة، لا الموت: "بالبندقية نرسم حياتنا الجديدة". لنقل أن نجم يساري، أو على الأقل، كان يساريا، ولا أعرف ما الذي أصبح عليه الآن، وارتبط هو بالنغمة الأكثر خفاء في اليسار بشكله الكلاسيكي، النغمة العسكرية، نغمة القوة، نغمة جيش الخلاص. هنا يمكن لنا القول أن كثيرا ممن ارتبطوا باليسار يوما ما لم يفعلوا هذا لأن اليسار كان يدعو للحرية أو العدل، وإنما لأنه دوما تواجدت به نبرة دموية، فوضوية، قوية وعنيفة، وهؤلاء هم الذين كانوا ليصبحوا جمهورا سهلا للنازيين والفاشيين، فقط لو توافرت لهم الظروف المناسبة. وبما أن التاريخ لا يمكننا من تقرير أي من النبرتين كانت دخيلة على اليسار: نبرة العدالة أم نبرة الثورة الدموية؟ فإننا نكتفي بالرصد التاريخي. نجم التقط نبرة الثانية بقوة، وعبر عنها بقوة، وأمكن لمحبيه أن يصلوا إلى أورجازمهم الثوري عبرها، بقوة أيضا. "يافلسطينية فيتنام عليكو البشارة، والنصرة طالعة من تحت ميت ألف غارة". مجاز الخلاص الذي يخلق من بين الدمار، هو مجاز قديم قدم الكتب المقدسة. نعرف أنه "كلما ازدادت الدنيا ظلاما اقترب الفجر"، وهي حقيقة من حقائق الطبيعة وتحولت إلى مجاز سياسي، مجاز متعطش للموت والدمار، لأن معناه المزيد من الخلاص. كلما ازدادت الغارات على رؤوس الفلسطينيين، كلما ازداد نجم يقينا في نصرهم، هذا هو المجاز القديم، وهذا هو نجم وهو يطوعه ليلائم ما يحدث حوله في العالم: "والشمعة والعة، والأمريكان في الخسارة، راجعين حيارى عقبال ما يحصل معاكو"

***

الرابطة التي أقامها نجم بين "العمال والفلاحين والطلبة"، تحولت فيما بعد إلى شعار لحركات المعارضة، شعار يضم الفئات التي تم تصورها أكثر براءة وثورية في المجتمع. الطلبة هم الأكثر ثورية إذن. متى حدث هذا؟ وهل حدث قبل، أم بعد عودة التلامذة للجَد تاني؟ ليس هذا، والعياذ بالله، محض استظراف سمج من جانبنا. إنه سؤال آخر، يتصل بحالة العودة والتي بمقتضاها "رجعوا التلامذة يا عم حمزة للجد تاني". عودة التلامذة للجد تاني، تفترض أنهم في وقت ما كانوا بعيدين عن هذا الجد، وكانوا منشغلين عن القضية بسائر الأمور التافهة، الكورة مثلا، والأونطة، والمناقشة وجدل بيزنطة، والصحافة والصحفجية، فوجود الفرع يقتضي وجود الأصل بالضرورة. وبرغم هذا الاعتراف الضمني، إلا أن نجم لا يصور لنا أبدا هذا الفترة المعيبة من حياة التلاميذ، وإنما ينساق وراء ثورتهم، مع زملائهم في النقاء، العمال والفلاحين. (بالضبط مثلما تفعل الصحف القومية. أول يوم إضراب: الأمور تسير على ما يرام. ثاني يوم إضراب: عاد الهدوء إلى البلاد. هو كان الهدوء راح فين؟ هذا هو السؤال الذي لم تجب عنه صحافتنا). نعرف جميعا، حتى بدون الاستغانة بأغاني وجيه عزيز، أن التلامذة يعني الأمل، والبراءة، وبكرة، وكل الحاجات الكويسة ف الدنيا، ولم يكن نجم مستعدا أبدا للتخلي عن هذا الرمز لكي يكون أكثر منطقية مع نفسه، أو أكثر واقعية، على الرغم من التصوير الدائم له بأنه "الأكثر واقعية"، في مقابل أولئك الغارقين في متاهات المجاز والرموز والفوازير، أي في مقابل شعراء الحداثة.

***

"نوارة بنتي، النهارة تبقى، بتخطي عتبة، ليوم جديد"، ولأن نوارة كانت طفلة وقتها، فلابد أن تكون بتخطي عتبة ليوم جديد، ولابد أن "تحظى مصر السعيدة بيهم، ويبقوا ليها ويبقوا ليهم"، لا وجود لأي احتمال آخر، أو لتجميع آخر للرموز. نجم هو الأكثر بلاغة، والبلاغة من البلوغ، أي الوصول، وبالتأكيد فقصائد نجم تصل للناس بسهولة، لأنها لم تغادرهم أصلا، لم تتحرك خطوة واحدة غير متوقعة، والبعض بالتأكيد ، ومنهم نجم كما أتصور، يرون في هذا أمرا غير سيء، إن لم يكن خلابا.

هام: تم تغيير فقرة من فقرات التدوينة، وذلك لملاحظة نوارة نجم بخصوص قصيدة "الفلاحين" والتي قمت بتحليلها باعتبارها من قصائد نجم، فما كان منها إلا أن صوبت لي المعلومة، فما كان مني إلا أن استعنت ببعض القصائد الأخرى لنجم لأدلل على ما ذهبت إليه، واستدعى هذا بالتالي محو بعض الأسطر، وتغييرات أخرى طفيفة. فشكرا نوارة وعذرا للخطأ

Friday, April 11, 2008

التخريب الفضائي: من المجرة الأخرى إلى ما تحت السجادة

ما يتفق عليه الجميع، على الأقل الآن، بين الحكومة والمعارضة، بين من دعوا إلى الإضراب ومن اعترضوا عليه، هو رفض التخريب.

في كل من الخطابين، الرسمي والمعارض، تم دفع أعمال التخريب التي تمت في مدينة المحلة إلى منطقة بعيدة، لا تمثل أحدا، منطقة تقع في كوكب وسديم آخرين. تبرأ منها الجميع. المعارضة قالت أن الأمن هو من دس عناصره بين المتظاهرين ليقوم بتشويه صورة الإضراب، أما الحكومة فقامت بتصفية فكرة الإضراب عن طريق التلويح بورقة التخريب. وعن طريق المماهاة بين خصومها السياسيين والمخربين، فقد اعتبرت المخربين كلهم هم من بخارجها، من يقفون في صف المعارضة. لم يشر الخطاب الحكومي إلى الإضراب و إنما إلى التخريب، وبهذا الاستبدال لمعاني الكلمات تمكن من تحطيم فكرة الإضراب، وبالتالي فقد برأ نفسه وبرأ "شعبه" من تهمة التخريب، ف"عمال المحلة يرفضون التخريب والإضرار بممتلكات الغير"، ولذا وجه الرئيس مبارك إليهم التحية، كما نعرف. هكذا ظل التخريب بعيدا، ظل موجودا في معسكر الأشرار، الذين لا يمثلون ولو واحدا بالمائة من الشعب، إنهم دائما وأبدا محض صفر.

***

كثيرا ما كان يتم توجيه الأعمال غير المرغوبة - قتل غير مفهوم الأسباب، فتنة طائفية، اغتيالات سياسية- إلى منطقة الجنون. عبر الدفع بأن الجاني مختل، أمكن كنس الزبالة كلها إلى ما تحت السجادة. بدفع كل الأعمال التي نكرهها والتي لا نرغب في مناقشتها بشكل علني إلى عمق المرض النفسي، يمكن للمشكلة أن تظل غامضة، ويحمينا هذا من 1 – مناقشتها باستخدام المنطق، لأن الجنون لا يناقش منطقيا - 2 – حلها، لأن حل الجنون هو المزيد من الجنون، وليس العقل بالطبع.

ما حدث في الأيام الماضية كان شيئا آخر: تم دفع التخريب، عبر الاكتفاء بوصفه بالتخريب، وليس الجنون، إلى منطقة الشر الخالص. لم يكن للتخريب هدف ولا سبب ولا غاية، كان تخريبا وخلاص، كان تدميرا غير مبرر. كان مثل شر الشياطين، بلا منطق ولا عقل، وفي هذا كان شبيها بالجنون.

عدم تبرير التخريب كان منهج الخطاب الرسمي، وليس الخطاب المعارض. الأخير ادعى أن التخريب تم من قبل الأمن بهدف تشويه صورة الإضراب، ولكن الخطابين اشتركا في عدم إعطاء صوت للتخريب. الكل ألقى بالكرة في ملعب الآخر. الكل تبرأ منه. المعارضة مسئولة عن الإضراب، والحكومة مسئولة عن قمع المخربين، والتخريب نفسه ظل بلا أب، بلا صوت ولا منطق ولا محركين.

***

النتيجة هي العقلانية المفرطة التي ظهرت عليها صورة الشعب في خطاب المعارضة: الشعب ثائر، ولكن ثورته تتم بشكل سلمي، ولا شيء يدفعه للخروج عن القضبان التي رسمتها له المعارضة ورموزها، ومعها تقاليد العمل السياسي السليم، وحتى في الظروف المهينة التي يعيشها، فإن الشعب يظل ابن ناس، متربي كويس، نضيف وعاقل ويسمع كلام معارضته بلا نقاش، لا يزيد عليها ولا ينقص منها. هذا هو الشعب الذي تريده المعارضة، شعب مدجن، ينتمي للحياة والحب، والثورة، "باعتبارها فعلا ينتمي للقيمتين الأولين"، ولا وجود لأي أثر من قوى الجنون والدمار بداخله، شعب لم يشوهه النظام، وامتثالا لأوامر المعارضة، فهو عصي، أبي، صامد، لأنه يقف خارج التاريخ أساسا.

الشعب الذي تريده الحكومة لا يختلف كثيرا: شعب طيب، حنون، يفرح برغيف العيش إذا وجده، وإذا لم يجده فلا يتوقف عن حمد الله. شعب لا يحارب إلا الأشرار الذين يزايدون عليه ويقومون بأعمال التخريب باسمه، وهم منه براء، هو شعب خارج التاريخ أيضا، أسطوري ومثالي.

هكذا تم كنس زبالة التخريب الى تحت السجادة، فلم يعد أحد يراها ، وفي قصص نبيل فاروق، فإن خلية واحدة من جسم الوحش تبقى في نهاية القصة ولا أحد ينتبه لها، لتصبح بشارة على تحولها القريب إلى وحش كاسر يشبه بالضبط ذلك الذي تخلص منه أبطال القصة لتوهم.

Friday, April 04, 2008

وخلق الله من صلبه نائلا

في البدء كان الطوخي.. والطوخي كان من عند الله.. ثم خلق الله من صلبه نائلا..

في البداية بالزبط لم أكن مبسوطا. أحسست أن شخصا ما ضربني بمطوا في وشي فصار شكلي علامة أمام الرايح والجاي، وان يكون وشك علامة فهذا ليس شيئا جيدا، خصوصا إذا وضعنا في الاعتبار أنني لم أكن أبدا شخصيا اجتماعيا تماما. عندما كان أحدهم يسألني عن اسمي وكنت أقول له نائل، كان يستوضحني ثانية. كثيرون استوقفهم اسمي، استوقفهم بمعنى توقفوا عنده، وتوقفوا عنده ليس لأن المطلوب هو المزيد من الفهم، وإنما المزيد من الاستماع، وكان هذا مربكا بالنسبة لي.

أن يحيا المرء باسم غريب فهو أمر يشبه الندبة، ويشبه الديفوه في وجهك الذي يحدثك عنه كل الناس، وأنت لا تريد منهم الحديث عنه، ليس لأنك تكره هذا الديفو فحسب، وانما أيضا لأنك زهقت من الكلام عنه، وتحاول ان توضح هذا للناس، وهم لا يقتنعون، لان كل واحد منهم يكلمك عنه يكون غير الذي قبله، والجديد يمارس لاول مرة اللعبة ويراها مسلية، وانت لعبتها من قبل كثيرا وتراها مملة. وكان لدي في الكلية زميلة اسمها آثار الحكيم. سألتها السؤال الحتمي: أيهما سبق الآخر، اسمك أم اسم الممثلة؟ أجابتني بأنه اسم الممثلة، وأضافت أنها سُئلت هذا السؤال عدد شعر رأسها (ملحوظة عابرة: لم أعرف أبدا عدد المرات التي سُئلتْ فيها هذا السؤال، لأنها كانت، ببساطة يعني، محجبة). المهم، عرفت حينئذ أن هذه اللعنة ليست مرتبطة بي فحسب، وإنما بآخرين أيضا، واللعنة كلمة تحبها نهى محمود[1] (مضافا إليها كلمات أخرى مثل "التعاويذ السرية" أو "السحرية"، مثل "الحب" و"التراتيل" و"الساحرات" و"جنون العشق الأبدي"). ونهى بالمناسبة سألتني مرة عن شعوري عندما عرفتُ أنني أملك الاسم الأجمل بين أسماء جميع إخوتي، فرددت عليها بابتسامة ودود ورائقة: الله يخليكي يا نهى. وتقريبا فلقد اعتبرتها إجابة مقنعة، لأنها لم تسألني بعد ذلك نفس السؤال، فشكرا نهى.

في باص المدرسة في الاسكندرية كانت الدادة تناديني باستخدام صيغة فاتنة "يا ناير"، وكنت أحكي هذا لماما فكانت تضحك وتقول لي: قل لها أنا فبراير مش يناير، وتقعد تضحك، وانا لم أعتقد أن قولي لها أنا فبراير مش يناير سيحل الموضوع. بالعكس، فقد كان العيال سيضحكون أكثر، وضحك العيال لم يكن شيئا مبهجا تماما بالنسبة لي، وتقريبا فلقد اعتقدت أن ماما كانت تضحك طول عمرها ف سرها على اسمي، طيب يا بنت الحلال ليه وافقتي عليه ف الاول؟ لا أحد يعلم. وأنا اسمي ليس لا أحد. اسمي، كما تعرفون، هو نائل، ولولاه لما كتبت هذه التدوينة.

قرأت مرة رواية اسمها "بابل مفتاح العالم[2]". قرأتها بشغف، لسبب أكثر بساطة بكثير من الحبكة والزمن والشخصيات وكلام المثقفين: البطل كان اسمه نائل، وأنا لم أقابل في حياتي شخصا اسمه نائل، وفي المرات النادرة التي سمعت فيها هذا الاسم يتردد أمامي عن شخص غيري، كنت أحس أنني في فيلم. المهم، عندما قرأت الرواية (وبالمناسبة، فالرواية أيضا تتحدث عن الندبة، وهي تشير في عبارة قصيرة للغاية إلى أن نائل هو اسم غريب جدا، ومضحك، وكان صاحب الجملة يشفع جملته بضحكة سوقية على ما أذكر)، أقول عندما قرأت الرواية شعرت أن الدنيا مازال فيها خير يا أولاد، فهل يعقل أن يناقش كاتب، يحمل أيضا ذات الاسم، في جملة واحدة مشكلة حياتي الأبدية، ويربطها بالندبة وبتشوه الوجه!؟ لم أكن أحلم بأكثر من هذا طول عمري، فشكرا نائل.




[1] أديبة جميلة وصافية، تعشق الورد والشوكولاتة والدباديب، لها آراء ثورية في الكتابة، فهي ترى أن من يكتبون كتابة بذيئة عليهم تقليد كتابة الرومانسيين والشرفاء والمستحميين، لا العكس.

[2] "بابل مفتاح العالم" هي رواية للكاتب المصري نائل الطوخي، تناقش عدة إشكاليات في ذات الوقت، أهمها فيما أتصور هي الإشكالية التي سأتحدث عنها في الأسطر القادمة.

Friday, March 28, 2008

يا عزالك يا طِلِب


آن الأوان يا إخوان لكي ندرس واحدا من أهم الأدوار في تاريخ كلمات الأغنية، الدور الذي قام به الشخص الشرير، الذي يقف في الغالب على مبعدة، وينتظر فشل قصة الحبيبين ليضحك، والذي يفتتح زمن السرد في الأغنية المكتوبة ويحولها من أغنية إلى دراما. وحديثا هذه المرة هو عن العزول.

العزول مثل مرعي بتاع الكِلِمة في أدبيات القرموطي: يسمع عنه الجميع ولا أحد يراه، وباستثناء جمل قليلة مثل "يا عوازل فلفلوا" فإن الخطاب أبدا لا يتوجه إلى العزول، ولا يتم على لسانه بالطبع، الحديث دائما عنه، لا إليه ولا منه. البعض سخروا من وجود العزول في الأغنية. نرى بيرم التونسي مثلا يتحدث عن ذلك الفرد من أهل المغنى واصفا إياه بالقول: "طالع نازل يلقى عوازل واقفة بتستناه/ واللي جابت له الداء والكافية طرشة ماهيش سامعاه." وعلى الرغم من محاولات كتلك لانتقاد وجود العزول، فإن هذه التدوينة جاءت بالتحديد للدفاع عنه، هو المسكين الذي لم يكن له صوت أبدا.

ما نعرفه أن أصل العزول يرجع إلى مفردة العذل أي اللوم، واللوم في الغالب هو محاولة لإثناء المحب عن الارتباط بهذه المحبوبة بالتحديد، أو العكس. أحيانا ما يكون العزول شخصا غير مقتنع باستحقاق المحبوبة لمحبها، وأحيانا ما يكون، بالعكس، راغبا في هذه المحبوبة بالتحديد وبالتالي فهو يقوم بما في وسعه للقضاء على الحب الذي يربط بين محبوبته وبين شخص آخر، يراه عدوا، وفي الحالتين فهو شخص غير شرير. إما أنه شخص محب أو أنه غير مقتنع، وهذا ليس شرا يا سادتي بالطبع. غير أنه على العكس من ذلك، فالأغنية فعلت كل ما في وسعها لكي تتجنب تبرير العزول، أو شرح خلفيته وأهدافه، وبالتالي حصرته في خانة الشر الخالص، غير المفهوم والشيطاني والذي لا يمكن التسامح إزاءه.

ربما تكون الجريرة الأساسية للعزول هي في التالي: أنه دائما خارجي، دوما ما يكون بخارج المحب والمحبوبة، دوما ما يكون هو الشخص الثالث، وهو المتحدث عنه بضمير الغائب. هذا ذنبه وهذا العقاب على ذنبه أيضا في نفس الوقت. في مسيرة جدلية مرعبة، أرادت الأغنية عقاب العزول فجعلته عزولا، جعلته ثالثا وحصرته في ضمير الغائب، للانتقام منه لأنه ثالث ومحصور في ضمير الغائب. مسيرة جدلية عبثية لا تستقي تبريرها إلا من نفسها.

لماذا إذن كان وجود العزول ضروريا: رأيي الشخصي، أن وجود العزول في الأغنية هو شرارة بدء الدراما فيها، بدء الصراع، تضحى الأغنية ساحة صراعات بين "الخيرين" والأشرار"، وبالتالي يوجد ما يمكن الحكي عنه، بخلاف عيون حبيبي وقلبي. ربما كان العزول هو الإثبات الأكثر عراقة على أن الحب إنما هو صراع لتأكيد الهيمنة ليس أكثر. لنتأمل معا الجملة التي يشدو بها عبد المطلب قائلا: "وازاي بعد ما فرحني/ بيفرح فيا عزولي؟". هذه هي شكوى المحب من محبوبه: إنه، بهجره له، قد أصبح آداة في أيدي أعدائه. ليس الموضوع هو الهجر إذن، وإنما ازدياد الأعداء قوة بتحول المحبوب عن محبه. الموضوع هو الصراع وتوازنات قوى هذا الصراع، لا الحب الحزين واليائس. هذه الجملة تلقي ضوءا أيضاً على تقسيم الأدوار في الأغنية، فالأخيار، ليسوا أخيارا، إنهم خيّر واحد، وهو أنا، والأشرار هم شرير واحد، وهو العزول، أما الطرف المحبوب، الذي "مابيسألش عليا أبدا/ ولا بتشوفه عينيا أبدا"، فهو آداة في خدمة الجانب الطيب أو الشرير، وبحسب انتقاله إلى هذا الطرف أو ذاك، ينتصر الخير أو الشر. المحبوب هنا هو آداة، لم تحسم موقفها بعد، وعندما تحسمه، فإن هذا سيكون نهاية القصة. إن كانت بانتصار عبد المطلب أو عزوله.

لننظر إلى هذه الجملة. كاظم الساهر يرى المرأة التي يحاول خطب ودها، بتعبيره، فيتقدم منها: "أنا شفتك تمشين لوحدك/ سرحانة وإيدك على خدك/ ببراءة جيت أطلب ودك/ ونكيد عزالي وعزالك." لنتأمل قليلا هنا. لا يصبح هدف الحب، هدف خطب الود، كما تبينه الأغنية، إلا كيد العزال، إلا الانتصار على معسكر الأشرار، وهو المعسكر الذي يقبع خارج كل من المحب والمحبوبة. في الحقيقة، فإن هذه الأغنية، واسمها "ويش صار"، لكاظم. تمضي خطوة أبعد، إنها تجعل من وجود العزول سابقا على وجود الحب بين المحب والمحبوبة. فلأي شيء صار هذا العزول عزولا إذن مادام الحب لم يربط أصلا بين الاثنين؟ لا تشرح لنا الأغنية. ربما أرادت أن يكون وجود الشر سابقا دوما، الشر، ومعه الصراع، قد وجدا قبل الخير، أي الحب. للشر دوما مجد ابتداء العالم، كما يشرح لنا كاظم.

***

هل يمكن، باستخدام هذا القياس، عن ظهور دور العزول في الأغنية وافتتاحه زمن الدراما، فهم شيء ما عن العنصر الغامض الذي يدفع شعراء، كثيرين وجيدين، لأن يكتبوا روايتهم الأولى؟

Friday, March 21, 2008

عن حنا ومارتن جئنا نتحدث اليوم

حنا كانت مرافقة مارتن، ومارتن يا عين امه كان نازي، وهي كانت يهودية، وما اجتمع نازي ويهودية الا والشيطان دخل بينهم وعمل حاجات مش لطيفة، فهي مسكته مرة وقالت له خد عندك يا واد يا مارتن، انت نازي ليه يا ولا؟ مش كفاية مدلعاك وموكلاك ومشرباك ومش مخلياك عاوز حاجة!؟

مارتن سكت شوية وقال لها شوفي يا حنا يا عينيا.. انا نازي اه انما اكدب لأ، وانا عارف ان النازيين دول أوسخ ناس فيكي يا بلد، بس برضه انا ليا عذري، خلي بالك ان احنا لسة ف العشرينات، يعني لسة مفيش مشاكل كبيرة ولسة مانكناكوش يا يهود يا رمة يا زبالة.

المهم هما سابوا بعض، ليه بقى مانعرفش، وأصلا هو كان خسارة فيها، لإن دي ست مقرفة وأصلا بتاعة مشاكل، ومرة كتبت حاجة عن واحد ابن وسخة اسمه أدولف فزعّلت الناس منها خالص، وبقوا هيشدوا ف شعرهم من الولية المجنونة دي. وواحد اسمه جيرشوم شالوم كتب لها قال لها بقى شوفي بقى انا مش مستريح لك وحاسس انك بتقولي على ابن الوسخة النازي دا انه بني آدم طبيعي، عادي يعني، يعني بدراعين ورجلين وراس وصوابع وكدا، وخلي بالك الناس لسة فاكرة انك كنتي ماشية مع الواد مارتن النازي، حصل دا ولا ماحصلش يا كلبة؟ قالت له حصل، فقال لنفسه دي عبيطة الولية دي ولا ايه؟

الراجل جيرشوم دا الظاهر كان شايفها مزة جامدة، لانه بعت لها جواب طويل عريض علشان يقولها انت مستعرية من كونك يهودية يا واطية يا وسخة. وبعدين قام بعت الجواب لكل الجرايد اللي ف الدنيا علشان يقول للناس كلها انا ببعت جوابات للمزة اهو. قامت ردت عليه بجواب وقالت له انا مستعرية من اني يهودية يا راجل يا ناقص؟ بس هو، عشان الظاهر انه كان ناقص فعلا، مانشرش الجواب بتاعها، ويبدو انه كدا ناك نفسه، لان دا معناه انا ببعت للمزة بس هي مش معبراني، يعني يا فرحة امي بيا. وفعلا صحيح، كان فعلا يا فرحة أمه بيه.

المهم ان الست حنا دي برغم انها مش متزبطة ولاسعة شوية ومسترجلة حبتين، الا انها جدعة اوي، ست راجل يعني، لإن جيرشوم دا قال لها انتي مالك طالعالي فيها كدا اوي وبتتكلمي عن اليهود من طرف مناخيرك يا كس امك؟ ارحموا من ف الارض يرحمكم من ف السماء، خلي عندك شوية م الاحمر يا أبلتي. قامت هي ماسكتتلوش وقالتله:

أنت تعرف مثلي بشكل جيد كم هو شائع اتهام هؤلاء الذين لا يفعلون سوى تقديم التقارير عن حقائق غير لطيفة، بالافتقار للروح أو بكونهم بلا قلب، أو بانعدام ما تسميه أنت "الذوق". بكلمات أخرى، نعلم كلانا إلى أية درجة يتم استغلال المشاعر في الغالب لأجل إخفاء الحقائق المعلوماتية. يمكنني في هذا الإطار مناقشة ما يحدث عندما يتم عرض المشاعر علناً، بحيث تصبح عاملاً يتدخل في شئون الدولة. هذا موضوع هام حاولت أن أصف نتائجه الكارثية في كتابي عن الثورة، في دراسة عن دور الشفقة في تشكيل الطابع الثوري."

ومن ساعتها ومفيش حاجة اسمها جيرشوم شالوم ف الدنيا.

Friday, March 14, 2008

العقاب


كنت أسير في طريق مظلم طويل على جانبيه أناس يخرج الدود من أعينهم وأفواههم ولهم رائحة ما شممت أخبث منها في حياتي فالتفتّ إلى شيخي وقلت من هؤلاء يا شيخي فقال إنهم قومك ومن تحشر معهم

***

قال لي شيخي قيل لك في التدوينة السابقة اعمل ليوم توارى فيه التراب مثل صاحبك وأخذك الكبر فقلت يا شيخي لم أسمع ولم أبصر كنت أعمى أصم وقسّا الله قلبي على أحبائي ونظرت حولي فإذ رجل يتقدم أمامي وجلده أسود من حر نار جهنم ويعطس فتنط الضفادع والزحالف من فمه وتجول الثعابين في شعره الأشعث فسألت شيخي من هذا فقال لي إنه الكبر الذي تملكك وهو قرينك اليوم وإلى الأبد وضمني الرجل له ضمة كاد لهولها ظهري أن ينقصم ومد يده واقتلع عينيّ وصارت الدنيا ظلاما في ظلام فالتفتّ إلى شيخي وقلت حنانيك يا شيخ فقال اليوم يحق العذاب على الكافرين

***

رأيت نساء عاريات يتقدمن في صف طويل وقد تهدل منهن الجلد وضمر الصدر وصرن مسخة للناظرين فقال لي شيخي هن من نزعت عنهن عفتهن ونشرت صورهن العارية على مدونتك واليوم يوم القصاص ونظرت من يمين لأجد زوجتي وابنتي تقفان في أبهى منظر ووقار وما لبثتُ أن رأيت النساء يمددن أيديهن إلى ملابس زوجتي وابنتي ويتخاطفنها ويتحلين بها وصرن يعدن صبايا متوجات بتيجان العفاف والاحتشام وصارت زوجتي وابنتي شيختين عاريتين قد نتأ منهما العظم وتكرمش الجلد وأخذت النساء يتفرجن عليهما ويصحن هاهي حريم من دنسنا وفشخنا في الحياة الدنيا

***

تقدمني شيخي إلى جرف رهيب رأيت فيه من عل قوما يتم تقليبهم على الجمرات وتنبعث منهم رائحة لحم نتنة فقال لي شيخي من دون أن أسأل هؤلاء قوم قد نطقوا بالكلمات الخبيثة في مدوناتهم فصارت الكلمات جمرات وصاروا يشوون عليها والتفتّ إلى يميني فوجدت بحيرة مائها أسيد حامض ونجيلها أشواك وإبر يبلغ طول واحدها مترا أو اثنين فقال لي شيخي هذه بحيرة جهزناها لك وأنت عمدة المشويين

***

رأيت قوما عورا وعميانا ومبتوري السيقان والأذرع يتقدمهم رجل قد تساقط اللحم منه وصارت فراغات جسمه تنط أمام ناظري بظلمتها التي ما رأيت أشد منها فقلت لشيخي من هؤلاء يا شيخي فقال إنهم قوم ذممتَهم في الدنيا بما يكرهون وأكلت بهذا لحمهم وما لبث الرجل الذي يتقدمهم أن مد يده نحوي فاختطف قلبي وصرت أجد مكان قلبي ألما وكبَدا شديدين وصار الرجل يأكل قلبي ويغمغم أن ما أطيب هذا القلب وصار القوم من حوله يستعطفونه أن أعطنا بعضا منه فيعطيهم بعضا فكانوا يتبدلون صحة من بعد سقم واكتمالا من بعد نقصان وصار الشيخ منهم يعود صبيا والأعمى يعود مبصرا وصار اللحم يتكون على عظام شيخهم ثانية

_____________________

حلم رأيته يوم الثالث عشر من مارس الحالي، يوم انتقال يارا نائل الطوخي إلى بارئها ولم تكمل الخمس سنوات. هكذا عرفت معنى قلبي الذي اختطف وعيني التين اقتلعتا جزاء وفاقا لما كنت أفعل.. تحياتي للجميع

Friday, March 07, 2008

ناس ربيع السريون.. سهى ونهى وفاوست


هناك شيء جيد حدث في شكل الحزن على الموت المبكر للروائي محمد ربيع. وأعنى به عدم تأجيل الاختلاف معه. كثيرون كانوا واعين باختلافاتهم معه ومع طريقة كتابته حتى وموته لا يزال طازجا. الصديقة العزيزة نهى محمود تكتب مثلا في أخبار الأدب عن "الصديق الذي أكره كتاباته وأختلف معها"، هي إذن تكتب عن الصديق محمد ربيع، وليس عن الأديب، هي لا تعترف به أديبا على ما يبدو، وسنتيقن من هذا إذا واصلنا قراءة الأسطر القادمة.

سهى زكي تتحدث عن اختلافها معه في كتابته، تصف كتابته بالفجة، ولكنها تؤكد أن هذه الفجاجة هي من فجاجة الواقع وأنه أراد نقله بلا مواراة، وتقول أنها تفهمت صدقه في التعبير عن المجتمع، حيث يكتب ما لا يستطيع سائر الأدباء كتابته. على العموم، سنعرف الآن أيضا أن لسهى كانت ثمة آراء أكثر حدة ضد كتابة ربيع، أكثر حدة بكثير، بشكل غريب، إذا وضعنا في الاعتبار أيضا شخصية سهى التي هي نسمة أو وردة تروح وتجيئ على مدونات الأصدقاء وكتابتهم فلا تترك إلا ريحا طيبة أينما حلت.

من تابعوا أخبار ربيع أثناء حياته القصيرة يعرفون بوجود وثيقة هامة عنه، هي واحدة من المعارك القليلة التي شنت ضده - ولا أعرف في الحقيقة بوجود غيرها. المعركة تمثلت في تدوينة كتبتها سهى زكي من بضعة أشهر حول ربيع وروايته الأخيرة "ناس أسمهان عزيز السريين"، وشارك فيها – على هيئة تعليقات - نهى وطه عبد المنعم الشهير بفاوست. كانت معركة عنيفة بشكل خاص، تم الهجوم فيها على ربيع بعنف غير عادي، من جانب المذكورين أعلاه، ورد هو في تعليق واحد، حاول أن يكون مختصرا وإن لم يخل من عنفٍ ضديٍ أيضا.

***

سهى زكي تبدأ كلامها بحكم تصفه بأنه غير متخصص في كتابة ربيع: "محمد ربيع روائى طموح ولكنه غير متمكن على الاطلاق، روائى موهوب، ولكنه لا يوظف موهبته وافكاره فيما يستحق الكتابة عنه، وهذا مجرد رأى لقارئة وزميلة له لا اكثر ولا أقل".

كانت هذه هي الطلقة الأولى في هجوم زكي الكاسح ضد ربيع. والذي لا تعوزه السخرية أيضا. تصفه قائلة: "يتحدث عن التجديد ويحاول ان يقلب موازين الرواية فيذهب للصعيد يختفى مدة سنة أو أكثر ثم يعود لنا برواية أفشل مما سبقتها."

السيدة زكي بدت مستفزة للغاية في تدوينتها عن ربيع وكتابته. بدت مستفزة مما أشارت إليه بوصفه ميله الدعائي للشهرة كما ترى. تقول: "محمد ربيع عنده عزيمه ان يلفت النظر بطريقة عبقرية على طريقة حسن يوسف لما اعترف على نفسه انه قتل عشان يشتهر فى فيلم مش فاكره اسمه."

واقتباس آخر: " تعرض محمد ربيع فى روايته الفلتة للدين والسياسة والجنس من وجهة نظر شاب مطحون يعانى من كبت وقهر وعدم تحقيق الذات، يعتقد ان النقاد سيلتفتون له او ان الاخوان سيترصدونه او ان الحكومة ما أن تعلم انه يسب فى صاحب الطلعة الجوية واولاده سيذهبون له فورا. من هنا تبدأ معاناة الأديب التى ينتظرها بشغف، ان يكون بطل من ورق."

***

بالإضافة إلى البطل الورقي الذي كانه ربيع في رأي سهى، فإن العادة السرية هو مجاز تردد كثيرا في حديثها عنه، تصف كتابته بأنها كتابة سرية مثل العادة السرية – وهذا لا يثنيها عن اعتقادها الجارف بأنه يكتب "كتابته السرية" حتى يشتهر، هل المقصود شهرة سرية أيضا يا سهى؟ - ويتكرر مجاز الاستمناء بأشكال أخرى أيضا: "ليس هذا تكسيرا لشىء الا لنفسه ولنفسيتنا التى تتآذى بقرأة مثل هذا الاستمناء الذى يلقيه محمد ربيع على الورق كلما اختلى بنفسه 10 دقائق بعيدا عن العيون. ونجد محمد ربيع هنا لأنه على يقين أنه ما من أحد سيلتفت له فيغازل كتاب الصفحات الادبية والجرائد الأدبية كلها من خلال حشرهم حشر فى نص."

برغم هذه المغازلة التي تراها زكي واضحة في رواية ربيع لكتاب الصفحات الأدبية، فإنها تلقي بنبوءها القوية والتي كان لها أثر فاعل على ما يبدو بخصوص ربيع وكتابته، على حد سواء: "اطمئن يا محمد يا ربيع ، لن يلتفت لك لا النقاد لأن الكتابة ردئية فنيا على كل المسئويات، ولن يلتفت لك رجال الاخوان لأن لديهم من هم اهم منك ليلتفتوا له ، وايضا رئيس الدولة يعلم ان الكثير والكثير يسبونه هو واولاده فهناك من يتحركون بجد وهمة يقومون بمظاهرات ويكتبون فى اماكن مقرؤة ويعترضون بصوت عالى ، فلمن يلتفت من وجهة نظرك، لشاب يقف فى الظلام يمارس عادته السرية، أم لشاب يصرخ بصوت عالى فى ميدان عام... أيهما أدعى للقلق... اعتقد ان الاول سيموت تدريجيا وحده فى مكانه من القهر على حاله وحال أمه... والآخر اذا مات سيكون بطلا شهيدا فى سبيل الحرية."

***

لم تكن جبهة الهجوم واحدة، فالأديبة والصحفية والمدونة والصديقة العزيزة نهى محمود، والتي كتبت تأبينا لربيع في أخبار الأدب يسيل دموع الحجر ويبكي الكافر من ليس له قلب، تعترض بشكل حاد على كتابته، التي لا تراها متجاوزة ولا فجة ولا مباشرة ولا أي وصف نقدي آخر، وإنما مقرفة، ورأت الزميلة العزيزة في ربيع مريضا يكتب قصص بورنو ليس أكثر. كتبت السيدة محمود ردا على تدوينة سهى قائلة: "سهى الرواية دي ازعجتني جدا وقرفتني بشكل مش عارفه اوصف له لك. الفنية الوحيدة اللي في الرواية دي هي شجاعه محمد او ( ) اللي خلته قادر يعببر عن كل الهلاوس المرضية دي بشكل علني كده. محمد لازم لازم تروح لدكتور. وتتخلص من هاجس الكتابة السرية دي. وبعدين تكتب كاديب يحترم قرائه ولديه ما يريد ان يبلغه عن الفن والكتابة وليس عن الدعارة والبورنو."

***

أما طه عبد المنعم الشهير بفاوست، وهو صديق رائع ومحب ونشط بلوجري وفيسبوكي، فقد كان له رأي قاطع بخصوص فشل مشروع محمد ربيع وميله إلى الشهرة الزائفة. كتب في نفس المكان ردا على سهى معترفا بفضلها عليه في توجيه نظره إلى هذه الصفات المرذولة لدى ربيع: "انتى عارفة أنا ليه مصدق رأيك. لانك تعرفى مشوار محمد المش أدبى... محمد ربيع بقى، لفتى أنتباهى أنة متخبط فى الذى يريد قولة، وهو دليل أكيد على فشل مشروعة و محاولة الصعود عاى أنقاضة الى الشهرة الزائفة."

محمد ربيع نفسه على ما يبدو قرأ التدوينة متأخرا. ربما كان وقتها في الصعيد – على حد ما أذكر – وعندما عاد كتب رده. كان – رحمه الله – حادا في رده على الهجوم الذي تعرض له، وقام بتصويب اسم روايته لسهى بشكل أتصور أنه كان محرجا لها قليلا كما وجه سهام سخريته اللاذعة إلى السيدة نهى محمود التي طلبت منه الذهاب إلى الطبيب. قال ربيع في نفس المكان:

"مساء الخير على ناس سهى زكى المتأدبين وطبعا على سهى شخصيا، فيما عدا نائل انتى جبتي الاديشك دول منين، فى الاول يا سهى روايتى اسمها "مؤامرة على السيدة صنع الله" وليست "حكاية السيدة صنع الله" كما ذكرتى، تانى الحاجات واللبى نفسى تفهمينى موضوع الكتابة السرية اللى انتى مستموتة عليه انتى وخدامتك الذليلة نهى محمود، فماذا بعد توزيعى نسخ للناس والنشر الالكترونى لتصبح الكتابة علنية وتالت المواضيع وهذا خاص بالسيدة نهى محمود احب اطمنها انا فعلا ناوى اروح لدكتور بس اللى حايشنى انى ما عنديش نسخة من الرواية اديها للدكتور علشان يعالجنى على اساسها، لأنى مش هينفع احكيهاله، ووحياة سهى يا شيخة تقوليلى اسم الدكتور اللى عالجك علشان اروح له."


***

ما أتعجب له هو الآتي. لماذا قامت سهى زكي بمحو هذه المعركة الشجاعة والحاسمة من على مدونتها، بحيث اضطررت للجوء إلى نسخ جوجول المخبأة لكي أصل إليها؟ هل من سر يا سهى؟



تحديث: الصديقة العزيزة سهى. شكرا جزيلا للاستجابة ولإعادة نشر البوست بشكل فوري على مدونتك. لكن مازال السؤال عن سبب إلغائه لفترة ما من على المدونة يطرح نفسه، أكرر شكري ثانية يا صديقتي :))

Friday, February 29, 2008

كمال الطوخي يعني اكتماله


صيف 96: أقترب مترددا. أقول له أنني دخلت آداب قسم عبري. لا يستوعب في البداية. ينظر لي طويلا، والنظرة الطويلة علامة على صعوبة الاستيعاب. يسألني: إشمعنى؟ ولا ينتظر إجابة. يقول ببطء: ازاي تدخل قسم عبري إذا كان خلال خمسة وعشرين سنة مش هتبقى إسرائيل موجودة.

تأملوا معي، انظروا ولا تستسلموا لغواية ملاحظات الوهلة الأولى. كمال الطوخي لم يكن مجنونا وطنيا، ولا قوميا مهووسا. هو لم يكن شيئا على الإطلاق. كان فقط، مثل أي أب، يريد لابنه أن يعمل بعد ما يتخرج. ويرى أنه حين يتخرج ستكون العبرية قد أصبحت لغة ميتة، وبالتالي فسيقعد ابنه عاطلا، لأن إسرائيل، وهذه معلومة أكيدة في رأيه ولا صلة لها بأية أيديولوجيا، ستكون قد انتهت.

***

كمال الطوخي هو إنسان النظريات. كل شيء يحدث في رأسه وما يحدث خارجها إنما يحدث بفضلها هي فحسب. فوضوي وغير مسئول ولا يعتمد عليه ويحب دماغه أكتر من أي حاجة. تجرأت مرة وقلت له أن ما يبهرني فيه هو عدم إحساسه بأي مسئولية، تجاه زوجته وأولاده وأي شخص ف الدنيا. ابتسم بثقة. قال لي: أنا بس بخطط لها كويس. من هي التي كان كمال الطوخي يخطط لها كويس؟ الدنيا، الشغل، رحلة الكفاح، خطواته؟ لا أحد يعرف. إنها لزمته المفضلة. يرى نفسه ناجحا لأنه لا يدخل أي شيء بدون تخطيط. هو يقلب المنطق وينطقني ما لم أقله، عكس ما قلته بالتحديد، ويقول أنه يخطط لها كويس، ولا يشعر لوهلة بتأنيب ضمير لأنه واصل كلامه بعدي وكأنه يكمل ما أقوله ولا يهدمه. ذات يوم، رأى كمال الطوخي جملة مكتوبة بخط عريض في الجرنان ، النجاح لا يأتي صدفة، قص الجملة بعناية وعلقها على دولابه، أصبح هو والجملة شيئا واحدا، حرص أن يلفت نظرنا للجملة طول الوقت، وله، ويقول أنا النجاح وهذا نجاحي وهو لم يأت صدفة. كمال الطوخي الذي لم يكمل أي مشروع لآخره أبدا، كمال الطوخي الذي لم يخطط لها، بصرف النظر عمن تكون هي، ولا مرة في حياته. كمال الطوخي الذي هو إنسان النظريات.

***

كمال الطوخي سافر إلى الكويت وهو عنده تمنتاشر سنة، مرض أبوه فسافر، يحكي عن هذه الفترة: "كنا بنفتح حصالات عماتك علشان نجيب بالفلوس اللي فيها أكل." سافر أبي إذن، الذي هو "أبيه كمال" على لسان عماتي الأصغر سنا، وهناك وكّل أمه لكي تشتري له أرضا تلو الأرض، في مدينة نصر والهرم والعامرية وعزبة النخل، تم إنقاذ الأربع عائلات للأربعة أعمام، وبقى أبي وحده في الكويت، وسنعرف في السطر التالي أن هذا لم يكن مصيرا مشرقا بما فيه الكفاية.

كمال الطوخي طرد من الكويت بعد غزو صدام، وقعد في البيت بلا شغل، بلا فلوس بعد أن ضاعت فلوسه هناك، وتقريبا بلا أولاد لأنه اكتشف أنه غريب بين أولاده. ثم تذكر أن له أرضا في العامرية وأرضا في مدينة نصر، وفكر في زراعة أرض العامرية أو بناء عمارة في أرض مدينة نصر، وصلى صلاة الاستخارة وأتاه الهاتف أن عليك بالعامرية. وسبب آخر يضيفه الطوخي: "الفلاحين هينصبوا عليا في عشرة عشرين جنيه، بس مقاولين العمارة هينصبوا عليا في مية ولا ميتين ألف". اختيارا لأهون الشرين إذن، واقتناعا منه بأنه منصوب عليه لابد، ذهب وزرع أرض العامرية، عاونه في زراعتها فلاحون كان يصفهم دائما بأنهم أولاد كلب، وأولاد الكلب كانوا على مستوى توقعاته تماما وأفضل: عندما زهق من الزراعة أخذ يؤجر لهم الأرض قطعة قطعة. فصاروا يدفعون مرة ومرة لا يدفعون، ويسرقون الوصولات التي يكتبها عليهم، ينطون على سقف بيته ويسرقون شنطة الوصولات.

***

كمال الطوخي تزوج تلات مرات، أم اخواتي ثم أمي ثم مراته التي لن تكون أما لأي شيء. بعد موت أمي كان يحاول تقريب الفكرة لنا بكل الأشكال، كان يشرح لنا أنه يخاف أن يموت وحده في الأرض، على هذا الأساس كان احتياجه لامرأة أربعينية: "مش عاوزها عندها تلاتين سنة. دي هتبقى عاوزاني أهشكها". هكذا قال أبي بحكمة من أكمل الخامسة والستين بجدارة. ولأنه لا يريدها بثلاثين سنة فقد تزوجها بخمس وعشرين.. إنه إله في جسم إنسان يا أولاد.

.....................................

...................................

...............................

يجلس مع ماما، وإعلان التليفزيون عن لبن ميلكي شغال. يقول لها بعد لحظة تأمل طويلة وشفطة من الشاي: عارفة يعني إيه ميلكي؟ تنتظر أن يرد بنفسه على سؤاله فيعتبر صمتها علامة جهل منها. يشرح: ملكي يعني بتاعي. يعني علبة اللبن دي بتاعتي. تقول له، كم كانت متحمسة زيادة عن اللزوم، الفاتحة لها يا إخواني: ميلك يعني لبن. ينظر لها نظرة طويلة ويبتسم باحتقار. تقريبا لا يرد. كم أحن الآن لتلك النقاشات اللغوية الفيلولوجية الرصينة حول جذور المفردات والعائلات المختلفة للغات الحية.

Friday, February 22, 2008

أغنية حب رومانسية إلى مزتي

عزيزتي ز، مزتي الجميلة، لم يكن من داع لكل هذا أبدا، كان هذا أكثر مما أريد أو مما أحلم به. كان حبك عظيما، رهيبا، كان فوق ما أتمناه بقليل، فوق ما أتمناه بكثير، لأنه كان أيضا مصحوبا بقدر لا تخطئه العين من السهوكة، طبعا لا يمكن النظر إلى سهوتك الحبيبة ودلعك المرئ الناعم إلا بشيء من السخرية، خاصة أننا قد توقفنا عن أن نكون مرتبطين منذ ما يقرب من عام ونصف. لم تستمر علاقتنا.. لم تستمر يا عروسة، لم تستمر يا أبلة، وأنا أصبر وأحتسب كل شيء عند الله.. والنعمة.

أنا لم أكن معنيا بهذا، لم أكن معنيا بأن تقولي لي بحبك كثيرا، ولا بأن تناديني بحبيبي، لم أكن معنيا بأن تحولي أي نقاش بيننا إلى نبوءة تدور حول استمرارنا معا على طول. بالمناسبة، أحيانا ما كنت أريد أن أتحدث بجد عن شيء ما وأشخاص ما غيرنا، وأكون صادقا في عدم نيتي تلقيح كلام عن علاقتنا. أحيانا ما تراود الإنسان هذه الرغبة، وفي أحيان أقل تكون هذه الرغبة صادقة، وفي أحيان أكثر قلة يكون الصدق شيئا كويسا.

في الأمثال يا يمامتي يقولون أن المليان يكب على الفاضي، وأنا كنت أريد هذا. يعني، لو كنتِ قللت بعض الشيء من فوراتك العاطفية اللذيذة، من جنونك الرومانسي الرائع، وفي مقابل ذلك استمررنا مع بعضنا، بهدوء وبدون أفوَرة، كان هذا ليصبح أكثر عدلا، استواء، استقامة، كان الأمر ليصبح على منسوب واحد، كان ليصبح نوعا من البيضان الجميل، الملل المثير للشهية، الرتابة المبهجة، وهذا ما كنت أريده.

كان واضحا مدى الجهد الذي كنت تقومين به لأجل قول كلمة حلوة، كان هذا بالتأكيد يضغط على أعصابك، مثلما أنه كان يشعرني أحيانا – أحيانا كثيرة ولكن ليس دائما – بالرغبة في الترجيع، ومع ذلك، فلم تتوقفي عن قول كل الكلمات الحلوة، حتى جزعت نفسي، شفتي ازاي؟ ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

يشكو الشاعر العربي القديم قائلا: ما ساعة بتعتبرني كتير تقيل الدم/ وساعة بدك ياني بشي ضروري. قطتي العسولة، ألا تلاحظين معي داخل هذه الأبيات طلبا صادقا ما، رجاء حارا ويائسا، مناشدة تتفتت لها الأكباد، بأن يتم تقسيم الوقت والمشاعر، ألا يكون بدك ياني بشي ضروري بهذه الطفاسة ولكن في نفس الوقت ألا تعتبرني كتير تقيل الدم في الأوقات الأخرى. منذ فجر البشرية إذن، منذ لحظة كتابة هذه الأبيات، وثمة حنين قاتل لدى الرجال للعدل العاطفي، ثمة رغبة جارحة في ذلك البيضان الجميل، الملل المثير للشهية، الرتابة المبهجة، وهذا ما كنت أريده، ما ضر إذن لو كان فعلا المليان قد قام بالكب على الفاضي؟

عزيزتي، مزتي الجميلة والرقيقة، لماذا فشختيني كل هذا الحد إذن؟

Friday, February 15, 2008

وما كفر المصريون ولكن الأفارقة كفروا عالآخر


تنظرين يا يارا، يا ابنتي الرائعة، من البلكونة وتسألينني عن الأعلام المرفوعة، تسألينني عن الزعيق والكلاكسات، تشيرين بأصابعك البريئة إلى الفرحة على أوجه الشباب والشيوخ وتسألينني: ما هذا؟ أنجعص أنا يا حبيبتي على كرسي وأشرح لك أنه في عالمنا يعيش فريقان، أناس طيبون، اسمهم المصريون، وأشرار اسمهم غير المصريين، أحكي لك اليوم عن انتصار الأخيار على الأشرار، وأبدأ في استرجاع المعركة الحاسمة، أميل على أذنيك هامسا لأحكي لك وأنت على سريرك:

"كان اسمهم أفارقة، كانوا سودا كلون الشيطان، طوال القامة كالمردة، وعراة كالهمج، وكانوا يأكلون لحم البشر أيضا. لم نكن نرغب إلا في التخلص منهم.. أو على الأقل، في أن نثبت أن الخير، الذي هو نحن، هو الباقي أبدا مهما ساد الظلام الذي مثلته لون بشرتهم. وهذا ما حدث: الكرة، يحركها ربنا باتجاه المرمى الكاميروني، هي من أثبتت أننا السادة مهما مر الزمان، كنا الأجمل والأنقى دائما يا حبيبة بابا."

"سامحيني يا ابنتي على خيالي غير المحترم بشكل خاص، تعرفين كم أحسن جدك وجدتك تربيتي، ولكنك أيضا تعرفين سحر وتأثير رفاق السوء على الشاب الذي كنته يوما، ومزاجي الجنسي يا صغيرتي ينقح علي لمدة كام تدوينة، فاعذريني واعذري قلبي العجوز الذي ما فتأ يرتكب الحماقات مرة بعد أخرى. ما أردت قوله هو أن لاعبينا الأخيار تبرعوا بفلوس كثيرة لبناء مسجد في غانا، تسألينني لماذا في غانا؟ لأخبرك. لأنهم قاموا بنيك الأشرار هناك، في دارهم، في دار الأشرار يا ريري، ومن ينيك منكم شريرا فعليه بناء علامة في مكان المواقعة ليذكر المنيوك أنه قد نيك، ليكسر عينه بها إلى الأبد، أقول هذا ويعتصرني الآلم لأنني أتخلى، في الوقت نفسه، عن قواعد التربية السليمة، أحدثك عن شرور العالم، وبلهجة تعوزها اللياقة إلى حد ما، فسامحيني وسامحي قلبي العجوز."

"تعرفين المسجد يا يارا؟ لا. لا ينفع. لابد أن تعرفيه جيدا. إنه بناء من الحجر له مأذنة عالية وطويلة، طويلة جدا حتى لكأنها القضيب الذكري، وستعرفينه يوما، أنا متأكد. وهذه هي الحكمة من أن أية كنيسة، بقبتها المستديرة كمؤخرة محترمة، لابد أن يقوم أمامها مسجد. فهمتي قصدي؟ مش مهم. ستفهمينني يوما، أنا متأكد برضه. كم أنهم عظماء من يريدون نيك الأشرار يا يارا، لأنه، وقد نسيت أن أخبرك، عاشت في عالمنا طائفتان أخريان، المسلمون، وهم الطيبون المسالمون حد الروعة، وغير المسلمين. والغالبية من سكان المدينة الغانية التي أراد الطيبون بناء المسجد فيها كانوا غير مسلمين، وغير المسلمين هم الأشرار يا يارا، ولندع الرب أن ينجنا من الشرير دوما."

"في النهاية خليني أحكي لك: أبناؤنا ذبحوا عجولا في المدينة، ذبحوها لتوزيع لحمها على الفقراء، فقراء المسلمين طبعا وليس فقراء الأشرار، ذبحوها تبركا وحمدا لله، فما كان من الأفارقة الوثنيين السحرة بطبيعتهم إلا أن اعتبروها ضربا من السحر. تذكري يا ورور معي قصة موسى وسحرة فرعون واعرفي أن السحر شيء مش محترم وبركة دعا الوالدين هي شيء محترم، وأنه لا يفلح الساحر حيث أتى، ولكن يفلح دوما من ذكر اسم الله وأخرج عصاه فإذا هي حية تسعى، وما كفر سليمان أبدا ولكن الأفارقة كفروا، ثم لأقرأ عليك هذا الخبر في المصري اليوم لتعرفي معي كم أن الأفارقة كفروا، كفروا على الآخر حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ومازالوا يكفرون."

Friday, February 08, 2008

تحية واجبة إلى حدودنا المقدسة

نحن نكره الفلسطينيين لأنهم قاموا بانتهاك حدودنا، وحدودنا يجب أن تظل مقدسة جدا، مقدسة للغاية، مقدسة آخر حاجة. وبمنتهى الصراحة، فلقد تزلزلت مصريتنا يوم اقتحم الغزاوية الحدود، انتهكت وانشرخت وانفشخت، فلما انفشخت صارت أكثر انفشاخا ومن ثم صارت مفشوخة على الدوام.

***

نكره الفلسطينيين لأنه ليس معقولا أن تقوم مجموعة منهم، واسمها أهل غزة، بغزونا. وقبل مجيء أهل غزة كانت العريش زي الفل، كانت نموذجا راقيا ورائقا لكس ام الرخاء الاقتصادي والأمني. كانت جنة الله فوق الأرض، ولم يكن ناقصا إلا حبة جواري وقيان لتصبح مدينة من ألف ليلة وليلة، عاصمة الخلافة الرشيدية السعيدة.. فلماذا فعلتم كدا يا غزاوية!؟

***

نكره الفلسطينيين لأن العرايشة والسيناوية لا يحبوهم، لأن العرايشة والسيناوية يشعرون بقوة أنهم مصريون، ومصريون بس، ومصريون يعني قهراوية وقهراوية يعني مصريين. لا يشعر السيناوية بأي تعاطف مع غزة، فمشاعرهم تتزبط على حسب خطوط الحدود المصرية، والنوبيون مثلا أقرب إليهم من الفلسطينيين. ولذلك فإن السيناوية يستجيبون دوما للتحذير القاهري بالابتعاد عن أصدقاء السوء الذين يقعون وراء الحدود، الحدود الجامدة، بل وأكثر من ذلك، الحدود التي في منتهى الجمودية.

***

نكره الفلسطينيين لأنه تم نيكهم من جميع شعوب العالم المتمدين، يهود وسوريين وأردنيين ولبنانيين، ثم أنهم يأتون على ازبارنا نحن ويقولون يععع عنصرية. على الفلسطينيين أن يستحْلوا أزبارنا كما استحْلوا أزبار من سبقونا، حتى نطمئن إلى سلامة، وروقان، أداءنا الجنسي. وإن لم يكن، فلا يأتوا لينيكونا نحن، حيث أطيازنا، مثل حدودنا، يجب أن تظل محمية دائما، هذا شيء يتعلق بالأمن القومي قبل أي شيء آخر.

***

نكره الفلسطينيين لأن كلمة فلسطين تعني حماس وكلمة حماس تعني فلسطين، ولأنه لا يمكن للقاهرة – وهي عاصمة العلمانية والليبرالية في العالم الحر- أن يحكمها شوية حمساوية ينتمون بأصولهم إلى الإخوان المسلمين.

***

نكره الفلسطينيين لأنهم – بدلا من أن يصبحوا جميعا شهداء ويقاومون إسرائيل بالحجر ويقاومونها بالرشاش ويقاومونها بسكاكين المطابخ – فإنهم يهربون كالخولات، إلينا الآن، وإلى لبنان وسوريا والأردن سابقا. يجب على الفلسطيني الحق، الفلسطيني الصحيح، الفلسطيني الذي اكتملت فلسطينيته بدرا تام الاستدارة ليلة اربعتاشر، أن لا يكون بني آدم، يجب أن يكون وحشا فتاكا، يقاوم إسرائيل في أرضه حتى يموت، يجب على الفلسطينيين أن يموتوا حتى يكونوا كويسين، كويسين جدا وكويسين للغاية وكويسين آخر حاجة، وحتى نحبهم بنفس القدر، أي: جدا وللغاية وآخر حاجة.