Friday, August 29, 2008

زعلان ليه مني يا زميلي؟


انا عاوز اتكلم معاكو النهاردة عن ظاهرة بتدمر حياتنا دلوقتي. انتو أكيد ملاحظين كم التوتر اللي بقى يحيط كل مظاهر حياتنا، ملاحظين مظاهر التنشنة في الشارع وف الشغل وف البيت, مين دلوقتي يقدر يقعد زي زمان يستمتع بأغنية حلوة. لوحة فنية جميلة. كتاب فيه معلومات مفيدة؟ ماحدش. ودا بسبب موضوع حلقتنا النهاردة. الزعل.

فيه مشاهدة بعتت لي من اسبوع تحكيلي عن مشكلتها. قالت انها اتخانقت مع جوزها علشان هو بيطفي السجاير على الأرض برغم أنها اشترت له طفاية ف كل أودة ف الشقة. الحقيقة سائر الأحداث كان مؤسف جدا. بسبب دا حصل بينهم، أنا أسف، ديفورس، والولدين اتحكم عليهم أن كل واحد يعيش ف بيت. في الحقيقة ماتتصوروش الموضوع دا أثر فيا قد إيه. كنت بسوق العربية وانا بفكر ف الموضوع دا.. والحقيقة كنت بفتكر مشكلة حصلت في حياتي أنا من كام شهر، لما اضطريت اطلق مراتي اللي انا بحبها علشان خناقة تافهة، من وقتها، ولغاية دلوقتي، وانا ندمان جدا.

***

الحقيقة إن احنا مبقاش يعدي يوم من غير ما نسمع عن منتج زعلان مع مغني، وبلد زعلانة مع بلد تانية، وأديب شاب زعلان مع أديب شاب تاني، ملاحظين؟ هه؟ انا كررت كلمة زعل في جملة واحد قد ايه؟ مالاحظتوش. طب ياللا نعيد تاني، وعدّوا معايا. أديب شاب زعلان مع أديب شاب تاني، ومنتج زعلان مع مغني، وبلد زعلانة مع بلد تانية. يعني تلات مرات قلنا كلمة زعل ف جملة واحدة. دا بيدل على إيه في رأيكو؟ على إن الزعل هو محور حياتنا دلوقتي.

انا عاوز أتكلم معاكو عن بعض النظريات اللي طلعها علماء غربيين بخصوص الزعل، العالم هنري ماكس مثلا بيتكلم ان الزعل بيزود إفرازات الغدد اللمفاوية وهي بتنقل نشاطها الى خلايا الشعر وبتضعفها مما يصيب بالصلع، اما العالم جورج ميشيل فبيأكد إن الزعل بيضعف القدرة الإنجابية للرجل، وبيختتم كتابه "عالم بلا زعل" بجملة مؤثرة جدا بيقول فيها: إن عالما من الزعلانين لن يقدر له الاستمرار حيث سوف تضعف قدراته الإنجابية إلى درجة العقم الكامل. طبعا فيه مؤتمر كبير حضره العالمين دول وواجههم شخص باكستاني مسلم بالآية القرآنية اللي بتقول: "ولا تهنوا ولا تحزنوا" مما يدل على إن العرب من ألف وربعمية سنة وهما عارفين إن الزعل مش كويس علشان البني ادم، العالمين الغربيين دول أعلنوا إسلامهم طبعا بمجرد ما سمعوا الآية القرآنية الكريمة. نسيت أقول إن العالم جلاوديوس فايبر طلع بنتيجة علمية مهمة بيؤكد فيها إن مش لازم البني آدم يزعل لأن مفيش حاجة ف الدنيا تستاهل.

***

طبعا فيه تفسيرات كتير للموضوع دا. يعني مثلا جلاوديوس بيقول إن الضغوط بتاعة الحياة اليومية هي اللي مخلية محدش طايق نفسه. أما إنريك روجر فبيقول إن الناس قلوبها مابقتش صافية لبعض زي الأول. هاهاها. طب إيه رأيكوا، وانا بركن عربيتي ديك النهار قام السايس قال لي كلمة جميلة اوي. تحبوا تسمعوها؟ قال لي: الشيطان دخل بين الناس خلاص ومش عاوز يطلع. انا قعدت افكر كتير إيه ياترى معنى الجملة دي. إيه معنى إن الشيطان دخل بين الناس. اقول لكو. يعني إنت دلوقتي زعلان مع مراتك. ومراتك زعلانة مع أختها، وهكذا، لغاية ما يوصل الموضوع لرئيس دولة يزعل مع رئيس دولة تاني، وتحصل الحروب. شفتوا الموضوع بسيط ازاي. وشفتوا ان معظم النار من مستصغر الشرار. أنا قعدت افكر إن ازاي الراجل البسيط دا، اللي هو السايس، قدر يوصل للحكمة العميقة دي؟ ودا راجل لا معاه دكتوراه من السوربون ولا معاه جايزة نوبل ولا حاجة. منين قدر يعرف إن الشيطان فعلا دخل بين الناس ومش عاوز يطلع؟ سبحان الله فعلا.

في نهاية الحلقة، أنا بقترح حملة كبيرة. يعني طبعا كل واحد يقدر يشارك فيها باللي يقدر عليه. مش عاوزين نجبر أي حد على حاجة مش عاوزها. وبقترح عنوان للحملة يكون مثلا: (إنت زعلان ليه مني يا زميلي "محاولة لرأب الصدع"). ياريت تبعتولنا اقتراحاتكوا على إيميل البرنامج

Friday, August 22, 2008

رضا يعود إلى حضن مصر

رضا عاد من شغله تعبانا يوم التلات، ولكن برغم إنه تعبان إلا أنه قرر ينزل وسط البلد علشان يشتري بنطلون. رضا يحب البنطلونات جدا. وهو يشتري البنطلونات أكثر مما يشتري القمصان، ولأن البنطلونات تدوب من عند الفخد والقمصان لا تدوب من عند الفخد، فشراء البنطلونات أبدى من شراء القمصان، هكذا يرى رضا، ولكن رضا لا يعرف أن القمصان تدوب من عند الكوع والبنطلونات لا تدوب من عند الكوع، كما أنها قليلة هي القمصان الدايبة من عند الكوع لأنها قليلة هي القمصان التي بكم طويل، ونحن الآن في الصيف، ومازال بدري على الشتا، ولهذين السببين، يحب رضا شراء البنطلونات أكثر.

المهم أن رضا طلع من محطة مترو السادات علشان يروح شارع طلعت حرب. ولكن في محطة المترو وهو طالع قالوا له إن البلد بتولع، ورضا لم يفهم. ولكنه طلع ووجد الناس كلهم يتفرجوا على شارع القصر العيني وبيصوروا، ولذا قرر رضا أن يقترب منهم ويصور هو كمان، ولإن معه عدة سامسونج جديدة بكاميرا فلقد قرر أن يستغلها. ووقف بعيد وأخذ يصور الدخان الطالع. وكان مبسوط جدا لأن المزيد من اللهب في الصورة سيجعلها أظرف. ووجد رضا امرأة تسير بجانبه وتقول حرامية بيولعوا في حرامية و لم يفهم رضا من هم الحرامية الاولانيين ولا من هم التانيين. ولكنه سأل نفسه طبعا وهو متضايق ماذا حدث للمصريين. ثم مر رجل عجوز بجواره وضحك حتى بانت سنانه الواقعة وقال كانت ناقصة بس المعلم الكبير يكون جواها وبرضه لم يفهم رضا من هو المعلم الكبير، ولكنه شعر أن في الأمر شيئا خطيرا، لأن معنى أن تكون هناك حريقة جامدة بهذا الشكل والناس غير مهتمة بهذا الشكل الجامد (عدم الاهتمام هو الذي له شكل جامد، وليس الاهتمام)، فهذا يعني أن هناك أزمة في الشخصية المصرية، ورضا لم يكن يفهم هذا الكلام الكبير من قبل ذلك وكان يتريق على من يقولونه في التليفزيون، ولكنه الآن شعر بأن الشرخ أصبح أوسع من أن يتم رتقه (ولقد استعمل رضا في أفكاره كلمة "رتقه"). كما أن الشخصية المصرية لم تعد تغسل سنانها. وكان رضا زعلانا من منظر سنان الرجل الواقعة. المهم أن رضا أخد الموبايل بتاعه وحطه في جيب البنطلون، ولقد اكتشف أن هناك خرما في جيب البنطلون فوضعه في جيب البنطلون التاني. طبعا تذكر رضا أنه عليه أن يشتري بنطلونا جديدا ولكن لم يعد لهذا أي معنى من الآن فصاعدا. سار رضا في شارع طلعت حرب ففوجئ بأطفال الشوارع يسيرون بجوار رجال الأعمال، والشيوخ الملتحين بجوار محلات اللانجيري، فاتضايق رضا زيادة، وأصبح يفكر ف الوطن أكتر.

رضا عاد من شارع طلعت حرب إلى بيته بعزبة النخل ولم يشتر البنطلون، وكمان لم يلمع الجزمة، لأن مزاجه كان متعكر جدا. وأول شيء فعله عندما جلس على الكمبيوتر هو أنه مسح الستاتوس بتاع امبارح وكان "اشتري بنطلون لونه إيه يا بشر؟" وعمل جروب على الفيسبوك سماه "ما تفوقوا بقى يا مصريين.. جرالكو إيه؟" وهكذا نام رضا يوم الثلاثاء 19/8/08 وهو حاسس إنه قدر أخيرا يعمل حاجة في البلد.

Friday, August 15, 2008

عن تناطحات السلطة: سلطة الشاعر، سلطة الأسطورة، وسلطة "السلطة" الفلسطينية


كانت أم محمود درويش تتمنى أن يدفن ابنها في قرية "جديدة"، وهي قريته التي سكن بها منذ طفولته. قالت: "كنت أريد أن يدفن ابني في جديدة، ولكنه منذ زمن طويل لم يعد ابني، إنه ابن العالم العربي كله."

الصراع الملفت حول جثة درويش انتهى بانتصار السلطة. دار الصراع بين عائلة درويش التي ترغب في دفنه بقريته "جديدة"، وبين السلطة الفلسطينية التي تسعى لدفنه في رام الله. أرادت السلطة الفلسطينية احتكار الابن الطيب لها، قمعت الرغبة العائلية البسيطة بأن يدفن ابنها إلى جانبها. هكذا تم تمزيق ما بين درويش وبين أهله بقوة، لأنه من واجبات السلطة أن تحوز لنفسها النياشين، ودرويش هو النيشان الأكبر. ما جاء ليفعله هذا المقال، هو تأمل هذا الصراع، ومقارنته بحدث آخر، تم منذ أكثر من عام، وهو زيارة درويش لحيفا، ومن هذه المقارنة نعرف كيف تخلق القصة الصحفية، وكيف تخلق السلطة أسطورتها، وتسكت الأساطير الأخرى، وتلغي حتى احتمالات تكونها.

***

في البداية، ومع تواتر الأخبار عن زيارة مرتقبة يقوم بها محمود درويش إلى حيفا بعد مايقرب من أربعين عاما من مغادرتها، بدا الجميع مرتبكا، لم يصدق أحد. بالتدريج، وخلال ساعات، بدأوا في التصديق، وفي ملاحظة أن "القصة"، بمعناها الصحافي، على وشك أن تتحقق الآن. أشارت وقتها جميع المانشيتات الصحفية إلى "العودة"، وأي عودة سوى العودة الى حيفا. الزيارة بشرت بها عناوين صحفية كثيرة وذكية: "محمود درويش عائد إلى حيفا"، "أحمد العربي يصعد كي يرى حيفا ويقفز"، و"محمود درويش على "مشارف" "الكرمل".

كل شيء كان حاضرا في هذه العناوين الثلاثة: غسان كنفاني، وهو الفلسطيني ببيروت، عبر عمله الروائي "عائد إلى حيفا"، سهام داود والتي نظمت الامسية، هي الفلسطينية بإسرائيل، عبر عملها الصحافي، بدورية "مشارف"، ودرويش يحضر عبره هو ذاته، الفلسطيني برام الله وعمّان، وعبر عمله الشعري، "أحمد الزعتر"، والصحافي، "دورية الكرمل". هكذا، تجتمع المنافي، تعود إلى فلسطين الأصلية، التاريخية، فلسطين التي أصبح اسمها إسرائيل، فلسطين 48. هكذا يمكننا ان نفهم "عودة" وليس "زيارة" محمود درويش لحيفا، الفلسطينيون يجتمعون برمز فلسطين، بالشخص الذي خلق فلسطين الأدبية أكثر من أي شخص آخر، الشتات الفلسطيني يلتم ببعضه.

***

ألفا شخص حضروا الامسية وقتها. أية أمسية أدبية في إسرائيل يمكنها أن تجمع ألفين شخصا؟ ولا واحدة. كان هذا مثيرا لغيرة إسرائيليين كثيرين، كما تشهد بذلك تعليقاتهم على تغطيات الأمسية في الصحف العبرية. قال أحدهم أنه أحس كما لو كان في أم الفحم وليس في حيفا. لساعتين تحولت حيفا إلى مدينة فلسطينية، مثلها مثل أم الفحم. بمعنى آخر أدق، ليس فقط أن درويش عاد إلى فلسطينه، وإنما "عادت" حيفا أيضا إلى فلسطينيتها، ليست فقط لأنها تحولت إلى مدينة تشبه أم الفحم، ولكن أيضا باحتشادها لرؤية خالق فلسطين الأدبية.

يصعب العثور على شخص كتب فلسطين، وارتبطت صورتها بصورته، كما فعل درويش، ربما بخلاف عرفات شخصيا. مع النكبة، فر الطفل محمود من قريته الجليلية مع الفارين، كما تسلل إليها عائدا مع المتسللين، رفض الجنسية الإسرائيلية عند سن معين، غادر فلسطين 48، ثم انصهر في مصهر الشتات الفلسطيني، بيروت، مع المنصهرين. بالتزامن مع كل هذا، كانت الأرض تنمو في قصيدته، مثلما ينمو في قصيدته المخيم الذي حل بديلا مؤقتا عن الوطن، ومثلما ينمو الفلسطيني، اللاجئ المولود في نفس المخيم. خلق درويش فلسطين حديثة تشبه تلك التوراتية، سفرجل وزعتر وسنونو، حبقا وزنزلخت، ولكن أيضا، بندقية وبركانا وهوية. الهوية كانت هي كلمة السر في عدد من قصائده الأكثر انتشارا. في النهاية لم تكن صورة وهوية فلسطين لتتكون بالشكل الذي هي عليه الآن من دونه، في هذا الأمر يبدو إنجازه أكبر بما لا يقارن حتى من إنجاز إدوار سعيد نفسه.

يدرك هذا وقتها عباس بيضون، يدرك التماهي بين درويش وفلسطين الى حد صار يمكن بمقتضاه اختزال أحدهما في الآخر، يكتب في السفير اللبنانية قائلا عن زيارة درويش لحيفا بعد 37 عاما من مغادرته لها: "إذ حينما تكون وطنية محمود درويش على المحك فإن الأمر مهول وخطر، فأن تكون وطنية شاعر الهوية الفلسطينية ورمزها الأدبي متهمة فهذا يعني أن الثقافة الفلسطينية التي احتل درويش هذا المقام فيها متهمة وموصومة أيضاً."

***

لم تنطلق كلمة بيضون من الفراغ، كانت إسهاما في سجال جوهري حول توصيف زيارة درويش، هل هي "زيارة" أم "عودة"، هل هي "عودة" أم شيئا يشبه ما يسمى أحيانا ب"التطبيع". بدا بيار أبي صعب وقتها، في الأخبار اللبنانية، وهو يطلب من محمود درويش ألا يزور حيفا مستشهادا بمقاطعة الفريق الإنجليزي "الرولينج ستون" لإسرائيل، بدا وكأنه يضرب في العمق. في الواقع كان أبي صعب مبلبلا، رمز فلسطين يتمرد على أول المحرمات بخصوصها، مقاطعة إسرائيل. أما الفلسطينية عدنية شبلي فلها إطار آخر تضع فيه الزيارة. ترد على أبي صعب في نفس المكان: "فجأة إذاً كي يصبح محمود درويش الفلسطيني مؤازراً لفلسطين، عليه أن يتحول إلى إنكليزي ذي ضمير سياسي، عليه أن يتعامل مع فلسطين المحتلة في عام 1948، بلده، على أنها إسرائيل، عليه أن يعتبر فلسطينيي الداخل على أنهم إسرائيليون، أن يعلن أن حيفا هي أرض العدو!"

محمود درويش غير الرولينج ستون. الرولينج ستون قد "يزورون" حيفا بينما درويش "يعود" إلى حيفا، الرولينج ستون عندما يزورون فلسطين فإن فلسطين تصبح هي إسرائيل، أما لدى درويش، الفلسطيني بألف لام التعريف، فأن الأمر يصبح مختلفا، يصبح التحام الفلسطيني بأرضه. ثمان وأربعون ساعة فقط كان يمكن لها أن تحشد كل العواطف حولها، تصبح الزيارة عودة، أو شبهة عودة. هكذا يضطر درويش للقول في حوار مع هآرتس قبيل سفره: "لا أريد إخافة القراء. فأنا لا أنوي تحقيق حق العودة". كما يضطر للحديث مطولا قبل السفر عن مفهوم العودة مع صحيفة الاتحاد الحيفاوية. ينفى المفهوم، من الناحية الفلسفية، مستشهدا بعوليس وإيثاكا. وللمفارقة فقط، كان درويش قد عمل بصحيفة الاتحاد قبل مغادرته فلسطين 48، والآن "تعود" هي إليه لتحاوره شاعرا كبيرا وتطلب منه استحضار فترة عمله هناك مع إميل حبيبي، أي الرجوع بشكل ما إلى ماضيه. العودة كانت هي العنوان الذي لا مفر منه للحدث.

السؤال الأساسي هنا الآن: لماذا لم يتم إذن طرح مفهوم "العودة"، كعنوان لرغبة عائلة درويش بأن يدفن ابنها بجانبها؟ لماذا تم تغييب المفهوم وإلغاء احتمال تشكل الأسطورة و"القصة الصحفية"؟ ولماذا وصفت رغبة العائلة في حدودها الدنيا: رغبة عائلية فقط وليست رمزية، اشتياق إلى جسد الابن وليس التحاما، تأجل طويلا، بين الشاعر وأرضه؟ على عكس ما حدث في قصة "العودة إلى حيفا"؟ الإجابة: لأن السلطة كانت هي الخصم هذه المرة، والسلطة هي في رام الله، وليست في "جديدة". والسلطة هي ما كانت تعني هذه المرة "فلسطين".

***


كان التئام الجرح في حيفا وقتها مؤلما تماما، تم عبر الجيش الإسرائيلي. منع الجيش درويش من البقاء في حيفا لأكثر من يومين، بينما كانت سهام داود قد أعلنت عن أن درويش لو بقى أسبوعا كما طلبت كان ليتمكن من زيارة أمه التي تبلغ تسعين عاما والمقيمة في قرية "جديدة". لا يصرح الجيش، ولكن درويش يتمكن من زيارة أمه في الثماني وأربعين ساعة التي قضاها ببلده. هكذا، تتطور القصة الخاصة بالجرح الفلسطيني: تم تقصير فترة إقامة درويش بشكل عمدي، عسكري، لمنع الشاعر القومي، شاعر فلسطين، من الالتقاء بأهله وبأرضه بالمعنى الفعلي والمجازي للكلمة. ولكن برغم المنع الإسرائيلي، فقد أمكن للفلسطيني الالتئام بأرضه وبأمه. تشتعل كل العواطف حول الأمسية، لتصبح رمزا لإغلاق الدائرة التي طال فتحها طويلا، والتعبير لمحمود درويش، الذي يقول في حواره لهاآرتس ردا على السؤال عن سبب مغادرته بلدته منذ 37 عاما: "حتى أعود بعد 37 عاما. هذا يعني أنني لم أنزل من الكرمل في 70 ولم أعد في 2007. كل شيء هو مجاز. أنا الآن في رام الله وفي الأسبوع القادم سأكون في الكرمل وأتذكر أنني لم أكن هناك لأربعين عاما، فهذا يعني أن الدائرة أغلقت وكل السفر الذي طال سنوات كان مجازا."

***

العودة مفهوم مستحيل بلا شك. لا أحد يعود وإنما الجميع يسيرون في طرق جديدة، بلا أمل في الالتفات الحقيقي إلى الخلف، ومن استحالته تنبع رومانتيكيته، هو الحلم الذي يطمح الجميع لتحقيقه ولا يستطيعون، كما أنهم في نفس الوقت لا يستطيعون التخلي عنه نهائيا. من هنا حضر عرب إسرائيل، هم ذوو الجنسية الإسرائيلية، الأمسية، بهدف العودة لفلسطينيتهم، ومن ذا قادر على منحهم إياها سوى درويش، وبهدف رؤية درويش عائدا إلى فلسطينه، فلسطينه التي لم يجد المحامي خالد محاميد، وهو أحد حضور أمسية درويش، تعبيرا عنها أكثر احتشادا من بعض أوراق الليمون جمعها من بيت الشاعر الكبير بقرية البروة التي ولد بها. ينتظر محاميد انتهاء درويش من أمسيته ليمنحها له، متخيلا بالتأكيد لحظات عاطفية جياشة، دموعا وعناقا حارا بين الشاعر وتراب أرضه، بين تراب الأرض وشاعره. ولأن لا أحد يعود فعلا، فلم يأخذها درويش. درويش كان يحاول اختزال البعد الدرامي إلى أقصى حد. يغادر القاعة مسرعا غير سامح للصحفيين بطرح أية أسئلة عليه، ومقللا بشكل متعمد من إمكانيات كتابة "قصة" صحفية عن هذه الزيارة. وعلى الرغم من هذا تمت وقتها كتابة القصة.

العكس من هذا تماما يحدث الآن. درويش نفسه، قبل موته بأسبوعين، يعود إلى قريته، يقبل أمه ويخبرها بقرار خضوعه للعملية بأمريكا. كأنه يريد كتابة قصة "عودته"، التحامه بأرضه المتزامن مع الموت، وعلى الرغم من هذا، تقرر السلطة استبعاد عائلته، فصله عن أرضه الأولى، واحتكار جثمانه لنفسها. وتستجيب العائلة، لأنه "منذ زمن طويل لم يعد ابنها. وإنما ابن العالم العربي كله." والعالم العربي يوجد في رام الله، وليس في أي مكان آخر.



المقال منشور في السفير اللبنانية بتاريخ 15/8/08، في إطار ملحق أسبوعي شامل عن محمود درويش

Friday, August 08, 2008

لهيب الغضب الجامد

قهوة. اثنان يتناقشان بحدة. على الترابيزة أمامهما مكتوب بخط كبير "مثقفين". فجأة يسكت الجميع. أبصارهم تتعلق بباب القهوة. في ترقب ربما. في خوف ربما. في مزيج من الترقب والخوف ربما. الكاميرا تنتقل بسرعة إلى الباب. ظل بخارجه. فجأة ينفتح الباب بقوة. يظهر شخص طويل. بنظارة تخينة. دقنه منبتة. الجميع يهتفون: "سوبر موكاتي. إنه سوبر موكاتي. كم أننا نحب سوبر موكاتي". ينحني نصف انحناءة وهو مكشر ثم يتجه نحو الترابيزة المكتوب عليها "مثقفين".

***

الاتنين الذين يتناقشون أصبحوا تلاتة. الكاميرا تنظر إلى موكاتي مباشرة. لا ينطق تقريبا. ينظر إلى المتناقشين بعبوس حكيم. بين الحين والآخر يخرج سيجارة كيلوباترا ويدخنها. تبدأ الكلمات التي ينطقها الإتنين المثقفين في الوضوح. الشخص على اليمين مكتوب فوقه "نائل سخصية" مع سهم يشير له، ويقول: زيارة فنان الكاريكاتير عبد الحق مساهل أبو عرب لإسرائيل لن تمر بالساهل. لابد من أخذ موقف. الثاني مكتوب فوقه "أمير الحزن الرومانسي" مع سهم يشير له، وهو مستسلم للاكتئاب وينطق مقاطعه ببطء: أنا حزين. أنا حزين. أنا حزين. أنا مودي وحش أوي بسبب دا. لقد انخدعت في هذا الرجل كل السنوات الماضية.

***

الآن الكاميرا تقترب أكثر من وجه موكاتي. إنها لا تقترب. إنها تتوغل. إنها تخترق. الآن نحن داخل رقبة موكاتي ونرى شلالات الدم وهي تصعد من تحت إلى فوق. بعنف هائج. بثورة رهيبة. المشهد كله أحمر. كرات الدم البيضاء تندحر بسرعة. كرات الدم الحمراء التي تغزو المشهد تهتف بقوة: الغضب الغضب. الانتقام الانتقام. الكاميرا تصعد لفوق. عند المخ، جزء مكتوب عليه "مركز الذاكرة" مع سهم يشير إليه. نرى صلاح الدين الأيوبي وهو يحرر القدس. قطز وهو يدحر التتار. سليمان خاطر وهو يقتل الصهاينة. عبد الناصر وهو يقول: سنقاتل سنقاتل سنقاتل. المصريين وهم ينتفضون في سبعتاشر وتمنتاشر يناير. تعود الكاميرا إلى خارج موكاتي. وجهه أحمر جدا، فجأة يندفع الدم من ودانه وعينيه ومناخيره بغضب. يصرخ بعنف: موكاتااااااااااه. المشهد أحمر تماما. لا نرى شيئا.

***

الكرة الأرضية. موكاتي (وقد تحول إلى سوبر موكاتي وطلع له جناح من وراء ظهره) يقف على الحتة التي فيها مصر. ظهره إلى الكاميرا. ينظر قدامه ثم ينطلق. يطير في السماء. الكاميرا على وجهه وهو يطير. يضم قبضته إلينا. ويده الثانية جنب ظهره. وبالونة كلام تظهر فوقه ومكتوب فيها "جرررررررررررررررر" كبيرة. ينزل في حتة مكتوب عليها "لندن ترحب بكم. حافظوا على نظافة عروس التايمز". سوبر موكاتي ينهج من الطريق. يشاور لتاكسي فيقف له. يقول: "آي وونت مستر عبد الحق مساهل أبو عرب بليز." سواق التاكسي يقول بعنف: "هي إيز باد مان. هي جو تو إسرائيل." يبتسم سوبر موكاتي برضا وتظهر بالونة كلام فوق راسه: "عمار يا لندن بناسك وبأهلك الطيبين". وعندما يتوقف التاكسي أمام بيت عبد الحق مساهل أبو عرب يعطيه سوبر موكاتي جنيه ونص فوق حسابه، لأنه انبسط منه خالص، لأن سواق التاكسي لم ينس أبوه الطيب الذي استشهد في الحرب ضد إسرائيل، لأنه لم ينس تاره. ولذلك قالّه يستناه وهو طالع كمان، وهيكرمه في الحساب خالص.

***

أودة نوم عبد الحق مساهل أبو عرب من الداخل. عبد الحق مساهل أبو عرب يتكلم في التليفون مع أصدقائه من المطبعين حول كل الأمور التطبيعية. فجأة يشعر بدَرْبكة جامدة. يقول لصاحبه في التليفون: انتظر قليلا. سأرى ماذا هناك ثم سنعود لنواصل حديثنا حول أهمية التطبيع وكيفية اختراق جبهة المثقفين الشرفاء. يخرج إلى الصالة. يفاجئ بسوبر موكاتي أمامه. يقول مرتجفا: سوبر موكاتي. كيف عرفت مكاني هنا؟ لم أكن أظن أن الشرفاء والمهمومين بالوطن سيعرفون مكاني أبدا. في هذه الأثناء يكون يبكي بقوة. ينزل على السجادة. يمسح دموعه فيها. سوبر موكاتي يقف أمامه منتصب القامة، مرفوع الهامة. يصرخ بقوة: سيف الحااااااااق. ويخرج من تحت حزامه سيف طويل، ولكن عبد الحق مساهل أبو عرب يكون قد اختفى. سوبر موكاتي يصرخ: عيووووووووون الوطااااااان. تظهر له ست عيون في وجهه يتمكن بها من أن يرى كل شيء. يرى عبد الحق مساهل أبو عرب وهو مستخبي تحت الترابيزة. يذهب إلى الترابيزة. يوطي لكي يجيبه، ولكن عضلة ضهره تشد فيقرر أن يشيل الترابيزة من فوقه. ولكنه يكتشف أن فوقها الكمبيوتر وهو ثقيل جدا. يصرخ: عضلات التاريييييييخ. تنبت في ذراعه عضلات جامدة جدا فيشيل الترابيزة. يظهر عبد الحق مساهل أبو عرب من تحتها. ينظر في عيني سوبر موكاتي برعب. يضربه سوبر موكاتي بالسيف ولكنه لا يهتز لأن أصدقائه المطبعين أهدوه قميص واقي ضد السيوف. يصرخ سوبر موكاتي: موتابيييييييييييييييييييييييييييييييي. يو موتابييييييييي.

"موسيقي متوترة جدا". الكاميرا على وجه عبد الحق مساهل أبو عرب الذي يتذكر أنه موتابي. يعرف أنه دمر تاريخه. أنه دمر كل ذكرى حلوة في الوطن. يتشنج. يصرخ. يتقلب على ظهره وبطنه. يظل يضرب الأرض بقبضته وهو يصرخ: لأه. لأه. لأااااااااااااااه. يظل يصغر ويصغر حتى يختفي. سوبر موكاتي يعود إلى الهدوء شيئا فشيئا. يعود إلى طبيعته كموكاتي عادي. تختفي العيون الستة التي ظهرت له وتختفي العضلات ويختفي السيف. يخرج الموبايل علشان يبص في الساعة فيفاجأ بأن الأمير تشارلز بعت له رسالة بيهنيه فيها بجهوده في تخليص الوطن من الموتابين. ويقرر أن يخرج بسرعة علشان يلحق سواق التاكسي قبل أن يزهق ويمشي.

Friday, August 01, 2008

الخلطة السحرية أو القواعد العشر لكتابة رواية ذهنية

عزيزي الكاتب الشاب

أتيتني منذ ساعات. طلبت مني أن أساعدك على كتابة رواية ذهنية. حذرتك وقتها لو تذكر. رددتَ عليّ بأن الكثيرين من قبلي قد حذروك. الآن، وقد علمت أن الطريق طويل وصعب وغير ممهد من قبلك، فإنني ملزم بمساعدتك بناء على طلبك، وها أنا أفصل لك بعض قواعد الرواية الذهنية، لتساعدك على كتابة نصك الأول، ولكن تذكر دائما: إنت اللي اخترت، ولقد قلنا لك بلاش يا أبا بدوي


أولا: قاعدة المصلحة دي ماتخصنيش يا باشا:

ابدأ بالتبرؤ من الرواية، أنت لم تكتب هذه الرواية وإنما كانت جزءا من مخطوط عثرت عليه في أحد الأماكن الغامضة، دير كبير، تكية لا تزال قائمة، شخص ظهر في حياتك مرة واحدة ليسلمه لك. يستحسن أن تكون بعض صفحات المخطوط قد تهرأت أو احترقت أطرافها، وأضف في هوامش روايتك بعض الاقتراحات للكلمات غير الواضحة بفعل قدم المخطوط.


ثانيا، قاعدة فيه سر غامض في عينيكي:

لغز غامض يحوط أبطال الرواية، البطل يبحث عن حل اللغز. اللغز يهدد حياتنا، يحوطها، ويقترب منا. لاحظ أن البطل لا يبحث عن قاتل بعينه مثلا، فهو ليس في ملف المستقبل، وإنما يبحث عن حل للغز كبير، لا يشترط أن واحدا بعينه قد قام به. في بداية بحثه تتكاثر الخيوط التي تصله بالحل، ولكنها كلها، ويا عجبا، تناقض بعضها. قبل نهاية الرواية يكون الكلام قد قل عن حل اللغز، في النهاية بالضبط يكون القراء قد اقتنعوا بأن الطريق إلى حل اللغز، مثل الطريق إلى إيثاكا، هو ألذ وأطعم من الحل نفسه. بمعى آخر: البطل حتى نهاية الرواية يفشل في الكشف عن الحل، لكن لأن المؤلف هو واسطته الجامدة، فإنه يتم الصهينة على الموضوع.


ثالثا، قاعدة أحسن ناس الناس بتوع زمان:

أنت لا تكتب رواية وإنما عثرت على مخطوط، لذا يستحسن أن تكون قد درست الفترة التي تتحدث عنها جيدا. وعليه فلا يجب أن تظهر أية ملامح مشتركة بين الناس في روايتك والناس في أيامنا، يجب أن يظهروا كناس تاريخيين، وتاريخيين فحسب، كل ملامحهم هي ملامح تاريخية. لا تمر سريعا على التفاصيل فأنت لا تكتب رواية عادية، استنى وروق وطول بالك عند التفاصيل لأنها هي التي ستثبت للناس أنك بتكتب رواية تاريخية، طبعا من المفضل جدا الحديث مطولا عن عقائد الناس بتوع زمان، ووصفها بشكل غامض جدا بحيث تبدو مختلفة تمام الاختلاف عن عقائد الناس بتوع اليومين دول.


رابعا، قاعدة الحاجات اللي مالهاش علاقة ببعض:

اقطع السرد فجأة، تحدث مثلا عن حفرة وقع بها أحد الصليبيين في بيت المقدس، تابع تاريخ الحفرة بالموازاة مع تاريخ الجندي الصليبي، لا تدعهما يفلتان منك أبدا، في النهاية، يموت الجندي والحفرة يتم ردمها فلا تعود حفرة. اقطع الحديث وعد إلى السرد الأصلي، ببراءة وبشكل طبيعي وكأنك لم تفعل شيئا منذ قليل.


خامسا، قاعدة ذهبية، مين مايحبش نيتشة:

هناك دائما حوار فلسفي بين جميع الأبطال، في النادي، في العربية، على القهوة، يتحدث الأبطال عن هيجل ونيتشة وشبنهاور (انتبه، ليس هابرماس أو هايدجر أو باختين). وعلى الرغم من أن روايتك ذهنية، فإنه لا يستحب الحديث عن الأفكار المجردة لهؤلاء الفلاسفة العظام، الحديث عن نساء الفلاسفة وعيوبهم الخلقية ومشاكلهم مع الجمهور دوما هو حديث أكثر ظرفا، حتى لو تعلق الأمر بروايتك الذهنية، ودوما ما يجد أبطال الرواية ذلك القهوجي الذي يجلس متأملا وفجأة يلقي جملة عن نيتشة تبين أنه فاهم كل حاجة ابن الأروبة.


سادسا، قاعدة الغرض مرض أو اللي فيه داء مايبطلوش:

البطل مصاب بهاجس، يسعى لتحقيق فكرة غريبة، تبدو تافهة لكن لأنها مسيطرة عليه بقوة فإنها تتحول إلى أساس الرواية، هذا الهاجس، التافه لكن المسيطر، هو الذي يجعل البطل يكتشف أسرار الحياة والموت والميلاد والتاريخ.


سابعا، قاعدة جابوا للمجنون ألف عقل على عقله:

البطل مصاب بهاجس كما قلنا، ولكن ليس هذا فقط، أحيانا بتيجي له حالة نفسية أيضا، أحيانا يرى ناس وعندما يسأل عليهم بعد ذلك يكتشف أنهم ماتوا من زمان، يكلم شخصا على التليفون وفي نفس الوقت يشاهده من بلكونة بيته وهو ماشي مع المزة وعمالين يقولوا كلام حب لبعض. احذر من أن تصف البطل بأنه تعبان ف دماغه، هو فقط يعاني من بعض المشاكل الوجودية، يعاني مشكلة اليقين في ذاته وفي الآخرين، كما سيقول النقاد عنه، وليس أنت. أما انت بقى يا بطل، تعامل مع الأمر بشكل طبيعي جدا، لا شيء حدث يستحق التبرير.


ثامنا، قاعدة قولي لي يا مرايتي أو أنا مش عارفني أنا مش لاقيني:

المراية عنصر مهم جدا. فيها يتعرف البطل على نفسه. ومنها يتأكد من وجوده، لأنه دائم المعاناة مع فكرة وجوده غير اليقيني. والمرايا هي ما تجعله يتأكد من وجوده. ولكن ماذا لو كانت المرايا تقدم له كل يوم صورة مختلفة مثلا عن وجهه. وماذا لو كان يضحك ورأى صورته في المراية مكشرة، وماذا لو كانت المرايا مكسورة ورأى أورته عريضة جدا بشكل كوميدي وعينيه مضغوطة جدا بشكل كوميدي أيضا. العب يا بطل، عيش مع المراية. هتعمل معاها احلى شغل.


تاسعا، قاعدة الفيلم دا كله مواعظ:

الموعظة مهمة، على عكس ما تتخيل, ضع موعظة على لسان أحد الأبطال أو على لسان الكاتب – كاتب المخطوط – شخصيا. يفترض في الموعظة ألا تكون تقليدية: بدلا من الروايات غير الذهنية التي ينصح فيها الناس بالخير، فانصح أنت الناس بالضحك، بالرقص، باللعب، بالأكل كثيرا، بعدم الحنين. هذه القاعدة دقيقة وحساسة، لأن جزءا من شرعية ظهور روايتك هو أنها لا تعظ الناس، مع أن الموعظة مهمة لأن المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص، عليك إذن جعل الموعظة غير واضحة، على القارئ أن يتشرب بها بدون أن يحسها.


عاشرا، قاعدة الاتنين احسن م الواحد والتلاتة احسن م الكل:

استخدام قاعدة واحدة من دولا لا يصنع رواية ذهنية، كما أنها قليلة جدا الروايات التي استخدمت العشرة مجتمعين، يمكننا القول أن الروايات الذهنية تتدرج في الذهنية صعودا وهبوطا، ولكن دوما فاستخدام قاعدتين هو أفضل من استخدام قاعدة واحدة، والثلاثة أفضل من الاثنين، والعشرة هي الرواية الحلم. هي الرواية الذهنية بألف لام التعريف.

Friday, July 25, 2008

البراءة غير الكاملة لضحايا التحرش


استنادا إلى التقرير الصحفي المنشور في البديل "17/7/08"، وكتبته هدير المهدوي، فإن المخرجة الصحفية الشابة، نهى الرشدي، عندما تحرش بها سائق النصف نقل، طلبت العون من الواقفين في الشارع. قال بعضهم لها: "ماتشوفوا أنتو لابسين إيه؟". صدمت نهى، وهي تقوم بدور الضحية في القصة، من منطق رجل الشارع، وكذلك صدم الكثيرون ممن علقوا على الخبر. ما أريد ادعاؤه أن الموضوع لم يكن صادما لهذه الدرجة، ولا الفتاة كانت ضحية لهذه الدرجة، وأنه ربما كان عليها فعلا أن "تشوف هي لابسة إيه"، وهذا ما أتت التدوينة لتفعله.

أبعد شيء عن أهداف التدوينة هو تبرئة السائق، أو الادعاء الساذج بأن الذنب الأساسي هو ذنب الفتاة، كما يدعي دوما مجتمعنا، ولكن التدوينة لم تأت أيضا لتبرئ الفتاة بشكل مطلق، وإنما لتبين كم أن كل الناس يقعون في منطقة بين البراءة الكاملة والإجرام الكامل.. سموها لعبة إن شئتم، ولكن الهدف هنا هو رصد المجتمع، كما يرى نفسه لا كما تراه نخبته المثقفة، و يتم ذلك الرصد عبر تضخيم الذنب الصغير وتجاهل الجرم الخطير، فقط لكشف أن العنف، ما كان منه بدنيا أو رمزيا، ما كان تافها أو جسيما، ليس مقصورا على فئة دون فئة، وأنه العنوان الأوسع لحياتنا الآن.

***

لنبدأ من البداية: إذا افترضنا أن هناك فتاة ما، تلبس ملابس قصيرة، شفافة، ضيقة، أو مكشوفة، أو لا تغطي شعرها، أي أنها تمارس ما يسمى "بالتبرج"، في بلد تحول الاحتشام فيها بالتدريج ليصبح هوسا، فما الذي تفعله تلك الفتاة هنا؟ إنها تعلن عن تحكمها في جسدها وملكيتها له في وجه مجتمع لا يقنع بهذا التحكم ولا هذه الملكية. هذا الإعلان هو فعل عنيف، إنه محاولة لكسر تقليد مجتمعي، وتحطيم عقلية وبناء أخرى جديدة، هذا هو الغرض "السياسي" من فعل التبرج (ناهيك عن أن هذا الفعل العنيف جاء ردا على فعل مجتمعي عنيف آخر يفرض على المرأة الاحتشام/ الاختفاء). والحديث هنا بالطبع عن المسلمات، هن من يكون "سفورهن" فعلا واعيا بذاته ومعروفة أبعاده. وهناك أغراض أخرى وراء التبرج بالطبع: ترغب الفتاة "المتبرجة"، (ويشاركها الفتى المتأنق في نفس الرغبة، حتى لو لم يكن هو موضوعنا) في التأكيد على اختلافها وعدم عاديتها. هي تريد إثارة عدة مشاعر في نفس الوقت، ليس أولها هو الشهوة الجنسية، يسبقها أحيانا الإعجاب، والتعجب، والاستهجان، والسخرية ربما. باختصار، هي لا تريد أن تكون مثل "الآخرين العابرين"، وإنما أن يكون هؤلاء "الآخرون" منفعلين بها، معجبين، مستثارين، أو غاضبين. وأن تكون ذاتها، هي الفاعلة بهم، هذا هو المبدأ العدواني الكامن في "ما يسمى بالتبرج"، مبدأ الفاعل والمفعول، ولفظ "العدواني" هنا ليس سبة، وإنما هو صفة بشرية تماما، خاصة إذا ما تعلق الأمر بالعدوانية الرمزية، لا البدنية.

ما سبق يؤكد أن الحديث هنا ليس هو الحديث الساذج عن "فتاة تسير "في حالها" فهجم عليها الأشرار لاغتصابها." خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار شخصية الفتاة ضحية التحرش: كونها مخرجة سينمائية، أي انتمائها لما يعرف "بالإنتلجنسيا"، وكونها تملك بعضا من المظاهر الاجتماعية للثراء، وفي النهاية، قوة شخصيتها التي دفعتها لاقتياد السائق إلى قسم الشرطة وتحرير محضر ضده ولامبالاتها بجميع من وقفوا ضدها. هذا يقطع أنها كانت تعي جيدا ما تفعله، وأنها لم تكن أبدا الضحية المقهورة التي تواجه مجتمعا من الأشرار غلاظ القلب. المسألة أبعد ما تكون عن صورة الأبيض والأسود التي ترتسم في صحافتنا لدى الكلام عن حوادث من هذا النوع، مع اختلاف مواقع الأبيض والأسود بينها. والدهشة هنا هي ما تثير الدهشة، أعني هنا المندهشين من المجتمع الذي يلوم الفتاة. ردود أفعال مثل "الفجيعة" و"الصدمة" في أخلاق الشعب المصري لا تثير إلا السخرية في واقع الأمر. وتدفعنا للتساؤل عن المكان الذي يعيش فيه المندهشون. هل فوجئوا بمجتمعهم؟ ألم يعايشوا تحول المجتمع لحظة بلحظة إلى مجتمع أصولي ومعاد للمرأة، وساهم بعضهم في هذا التحول أيضا؟ هل تصوروا للحظة أن مصر هي "وسط البلد"؟ فعل تحطيم قيم المجتمع لبناء قيم جديدة، لابد أن يتم الرد عليه بقوة من قبل المجتمع. نعرف من أدبيات الثورة أن "الحرية" لا تمر دون دماء كثيرة، كثيرة ومتوقعة وعادية تماما.

***

بشكل ما، يعتقد المغتصب أو المتحرش أنه يلبي الاحتياج الجنسي "للمتبرجة". هو يتصور إنها "تتبرج" لأنها تريد أن يتم التحرش بها، وهو من يحقق لها أمنيتها. قال السائق للفتاة وهو يعتذر لها لم يكن يتصور أنها "ستزعل". نعم، لقد تصور أنها ستكون سعيدة بالتحرش. و لكن في الحقيقة فالمتبرجة (أو المتبرج، طالما لا يوجد وصف أفضل للشاب "الغندور") لم تكن لتصبح "سعيدة"، لقد كانت فقط تطمح في درجة معينة من إثارة الشخص المقابل لها، درجة لطيفة، ترضي نرجسيتها، مثلما يرضي نرجسية أي شاب أن يكون مثيرا بالنسبة للفتيات. وما الذي فعله المغتصب أو المتحرش في هذه الحالة؟ لقد بالغ كثيرا في تصوره عن رغباتها. هذا ما حدث فقط، إذا ما رددنا الأمر إلى أبعاده الطبيعية، وليس تلك الأبعاد الشيطانية التي يتصورها أي وصف لصراع بين "مجرم" بالكامل و"ضحية" بالكامل.

نعرف جميعا تعريف المجرم، ليس هو من يؤذي الناس، بحسب التعريف المدرسي، ولكن هو الذي يتمرد على القواعد الموضوعة سلفا، ويحاول وضع قواعد جديدة، أو فرض مفهوم مختلف عن الجسد والحياة، وهذا ما فعلته الفتاة، وبهذا المفهوم فهي مجرمة، من وجهة نظر المجتمع الذي يضع قواعد البراءة والإجرام.

Friday, July 18, 2008

super mu-ka-ti



أعرفكم بنفسي.. اسمي سوبر مو-كا-تي super mu-ka-ti.


أنا بطل خارق.. وأنتم عارفين إن الأبطال الخارقين لا تكون أسماؤهم غريبة.. وإنتم فاكرين إن إسمي غريب ولكنه مش غريب.. أصلا هو سوبر مُقاطع، ولكن من أجل التسهيل على الناس الذين لا يتحدثو عربي فأنا سميت نفسي سوبر موكاتي.. وأنا شايف إن غلطنا الجامد هو أننا لا نحدث الغرب بلغته.


أنا قضيتي الأساسية هي التطبيع.. وأنا الناس الذين يطبّعون مع إسرائيل يجعلوني أزعل وأتضايق خالص.. وهم اسمهم مطبعين.. ولكن أنا أنده عليهم باسم لا أحد يعرفه غيري.. وهو الذي أتمكن به من أن أهزمهم.. وهذا الاسم هو "موتابين" والمفرد هو "مو-تا-بي".


وأنا عندما أسمع عن واحد منهم كان صاحبي ثم أصبح موتابي أظل متضايقا، والضيق اللي عندي يظل يكتر حتى يجعلني أتحول أنا كمان إلى سوبر موكاتي، ويطلع لي جناح من وراء ظهري، وأطير فورا علشان أطلع دين أبوه، وأنا أنادي بقوة: "موكاتاااااااا". ثم عندما أقترب منه أنادي عليه بكلماتي السحرية: "يو موتابي. يو موتابي خالص." وأظل أقول له يو موتابي خالص حتى يشعر بألم رهيب ثم يختفي من الوجود وهو مكسوف على الآخر.


ولذلك فإن الشعوب العربية بتحبني أوي وعندما تشوفني بتقول لي بحنية:

وي لوف يو يا مستر سوبر موكاتي we love u ya mr. super mukati .

Friday, July 11, 2008

من أجل معرفة أكثر حلاوة بالآلة الكاتبة

يقول الحاج كمال:

لما رحت الكويت بقيت اقولهم دا أنا بكتب آلة كاتبة، المهم عدا تلات تشهر مافيش شغل، ليه؟.... كل ما اروح لواحد، يقول لي والله تعرف تكتب آلة كاتبة، اقول له اه، يقولي طب اِعمل لي كدا، بتاع. المهم طبعا، ألخبط. يقول لي مينفعناش الكلام دا. طب يا عم سلامو عليكو، التاني التالت الرابع، المهم مفيش. لغاية عن طريق ناس كدا، عن طريق العيال اللي انا كنت ساكن معاهم دول عرفوني بناس، المهم قالولي فيه واحد مقاول، يعني مقاول مباني، هو على قده يعني، بيشتغل من الباطن كدا، يعني فيلا مثلا بيجيبلها شوية حديد، شوية كدا، المهم عايز واحد إيه، يقعد معاه. يقعد في المكتب، يبقى زي ما تقول سكرتير كدا كإن، هو لما يخرج الراجل المقاول دا يروح يشوف شغله، يبقى فيه واحد في المحل، على اساس زبون ييجي، حد، بتاع، يرد عليه. المهم رحت له. قعدت كدا إيه، زي ما تقول إسبوع. الراجل زي ما تقول في الاسبوع دا اداني حاجات بسيطة، فلوس يعني، على اساس آكل واشرب يعني.

***

المهم شوية أبص ألاقي إيه، الراجل دا مابيجيش، بيقعد باليومين تلاتة ماشوفوش، المهم انا معايا ايه، المفتاح، بروح افتح واقعد، بس كان فيه عنده بقى آلة كاتبة، جاب آلة كاتبة عربي انجليزي، قلت بدل ما اقعد عالفاضي كدا، اتمرن بقى آلة كاتبة انجليزي وعربي. ماهو الراجل بيسيبني وانا الآلات قدامي، وهو مايمنعش ان انت بتتمرن عليها، المهم اتقنت إيه، الآلة الكاتبة العربي والانجليزي، لدرجة كنت اجي امشي بعد آخر النهار لما آجي اروح، ابقى عينيا دي مش قادر لا أوديها يمين و شمال، من كتر مانا قاعد باصص ف الورقة. ماهو بقى اقول ايه الفترة دي هتبقى محدودة. انا مش عارف هاقعد هنا قد إيه. شهر شهرين، بس انا عاوز اترقى. عاوز اخد وظيفة احسن من كدا. الراجل دا على قده.

***

بعد خمستاشر، عشرين يوم يتضح الراجل دا نصاب، ونصب على كذا واحد، واخد مقاولات ومابيسددش، وضيع الفلوس وكدا، لدرجة بقى ييجوا ناس يتخانقوا معايا، فين الراجل، أقولهم الراجل هييجي مثلا، ماهو انا بدافع عنه. ازاي وبتاع، أمال ماجابلناش الحديد ليه، المهم بريحه، لا هيجيبلكوا الحديد، لا هيجيبلكو الاسمنت. على حسب التاني (المقاول) ما كان بيقولي. بيقولي بالراحة اصل انا ليا فلوس ف البنك متعطلة، يعني اي كلام نصب كدا. المهم شوية وبصيت لقيت واحد جاي يقول لي دا الراجل المقاول بتاعك دا ف السجن، آه والله، ف السجن ازاي، المهم طبعا قفلت الدكانة مثلا، المحل دا، ورحت رايح له، لقيته فعلا ف السجن، كان راجل ايراني، اصله ايراني، ايراني بس يعني عايش ف الكويت، المهم يعني رحت له ف السجن، قال لي والله معلش هي ظروف، المهم خليك زي ما انت وبرضه اي واحد ييجي طمنّه كدا، أنا أسبوع ولا حاجة كدا وهاطلع.

***

المهم ايه، قلت بقى اتكّ على نفسي في الآلة الكاتبة أكتر وأكتر... قلت ياد دي فرصة وممكن الوظيفة دي هتروح، والراجل كان بيديني شوية روبيات، كان بالروبية، كان العملة بتاعتهم ف الكويت، ماكانتش الدينار الكويتي، كانوا هما لسة تابعين لانجلترا وانجلترا لها علاقة بالهند، والهند مع الكويت، المهم العملة بتاع الكويت كانت روبية هندية، المهم كان اداني شوية روبيات كدا ف الأول، ولما دخل السجن مفيش حد هيديني حاجة، بقيت يعني ايه، ماكلش طقتين، اكل لي طقة باسكوت بروبية ولا حاجة، عشان امشّي، انما اتكيت على الالة الكاتبة على اساس إن أنا الفرصة خلاص بتقل بقى، باينة كدا.

***

المهم يجولي ناس عارفين بقى، زي ما تقول اتعرفت عليهم، وعرفوا بقى إن الراجل ف السجن. قالولي ان دلوقتي مصلحة ونقولهالك، انت دلوقتي الراجل دا ف السجن وانت مابدكش، انت هتقبض منين؟ محدش هيقبضك، انت خد الآلات الكاتبة دي وبيعها... قلت افرض الراجل إيه، جه. قال لي قل له ان الآلات في البيت، اي حاجة، المهم انت هتشتغل ببلاش؟ هو قال لك روح وانت عاوز تاكل، تشرب، المهم مارضيتش، قلت لأ دا مش اسلوبي، ومش طريقتي اني اعمل حاجة زي كدا، المهم شوية وانا رايح مرة الصبح كدا عالعادة لقيت إيه، المحل متشمع بالشمع الأحمر، يعني زي ما تقول قفلوهوله. كان ليا بقى شوية كتب وشوية قواميس وحاجات كدا كنت جايبها معايا جوا. المهم بسأل الجيران قالولي ماتقدرش تفتح المحل دا، دا الحكومة اللي مشمعاه، تفتحه ازاي؟ دا عليه قضية والراجل عليه فلوس. والمهم قالولي عوضك على الله ف الحاجات بتاعتك اللي جوا. ومشيت ادور على شغل تاني، بس زي ما تقول إيه، كنت عرفت الآلة الكاتبة بدرجة حلوة.

Friday, July 04, 2008

أتشو


  • عفوا، ولكن ما الذي قلته حضرتك الآن؟ لم أسمعك جيدا.
  • لا شيء. تقريبا لا شيء. فقط عطست.
  • لا. اسمح لي. حضرتك قلت شيئا. ليس عطسة. أنا متأكد.
  • يا أفندم أنا عطست. عطسة كبيرة. كفي قد أصابها رذاذ العطسة، وكذلك قميصي قد ابتل قليلا، وليس من المريح أن أتحدث في هذا، ولكنني مضطر له. ارتحت هكذا.
  • بدون الدخول في تفاصيل مقرفة. دعني أشرح لك الموضوع كما أراه بشكل دقيق. ما تعلمته، ودعني أتوسع وأقول أن ما يعرفه أي طفل صغير، أن الشخص الذي يعطس هو شخص يقول "آتشو"، إذا كانت العطسة كبيرة فهي "آتشو" كبيرة، وإذا كانت صغيرة فهي "آتشو صغيرة. الآن. هل قلت أنت "آتشو"؟
  • ليس بالضبط. صحيح أنه ليس بالضبط أنني قلت "آتشو" ولكن دعني أقول لك أنه أيضا ًليس بالضبط أن الشخص الذي يعطس هو شخص يقول أتشو. المسائل تختلف كثيرا لدى حديثنا عن الواقع الفعلي.
  • تعني أنه "يقول "هاتشو"، تعني أنه يقول "آتشي"، طيب. بس حضرتك لم تقل لا هاتشو ولا آتشي. ثم تقول أنك عطست. ألا ترى في هذا مبالغة ما؟ تحريفا ما، خيانة ما للشيء الذي اعتدنا أن نسميه "الحقيقة"؟
  • ربما. لو أنك أصررت على رؤية "الحقيقة" ودعني أضع هذه الكلمة بين قوسين كبيرين، بهذا الشكل. ما أريد أن أقوله هو أن الحقيقة أحيانا تختلف عن تصورنا لها.
  • في رأيك نوع من الكسل كما أتصور. لنقل أن تصورنا عن الحقائق هو الكيان المثالي، هو الشيء كما يجب أن يكون، وأن الحقائق، هي الكيان الكسول الذي لم يستطع أن يصل إلى مستوى تصورنا عنه، هي الطالب البليد الذي لم ينجح أبدا في أن يكون الطالب المثالي على مستوى المدرسة.
  • نظرية شيقة. استمر.
  • طيب. في هذه الحالة فستكون عطستك، إذا أصررت على أن تسميها عطسة، كيانا عاجزا وضعيفا قبالة "الآتشو" العظيمة، التي تمثل تصورنا المثالي عن حقيقة العطس. أليس كذلك؟
  • حسنا. ولكن الحقيقة تنعم بكونها حقيقية. وأنا متأكد أنك لم تنس هذه المعلومة. بينما تصورنا عن الحقيقة لا ينعم بمزية أن يكون حقيقيا. وهذه معلومة بديهية أيضا. دعنا نقول أنه لا أحد يعطس قائلا "آتشو"، باستثناء أبطال قصص الأطفال. في الواقع، فبين من أعرفهم، لا أعرف أحدا يستخدم هذه ال "آتشو"، همزة تاء شين واو، ربما هناك شعوب أخرى تفعلها. لست متأكدا..
  • "بعصبية واضحة" حسنا. ولا أحد يحقق العدل، باستثناء في قصص الأطفال، هذا إن مددنا الخط على استقامته، هل يعني هذا أن العدل مرفوض؟ هل يعني هذا أن نتوقف عن أن نصل بعطستنا إلى "الآتشو" المأمولة؟ رد علي أرجوك. لا تنشغل بقرقضة ضوافرك.

"صمت طويل"

  • قدر موقفي. لم أستطع أبدا أن أقولها وأنا أعطس.
  • لأنك لم تحاول..
  • يا أخي حاولت وفشلت.
  • لا تقل فشلت. قل استجبت لكسلي. استجبت لشهوتي. استجبت للشيطان.
  • وبعد هذا العمر. في ظنك، هل سأنجح؟
  • "بابتسامة طيبة" حاول. لا أحد يخسر شيئا بالمحاولة. بالمحاولة نزداد خبرة. معرفة بالصح والغلط. جرب يا أخي.
  • ت.. ت.. آت.. آت.. آت.. شوووووووووووووووووووو

"يبتسمان. ينظر كل منهما للآخر بامتنان
ودمعة السعادة تترقرق في عينيه الطيبتين"

Friday, June 27, 2008

المثقف والسلطة، الرواية والملوخية

وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم

آية جميلة. هذه المرة لا يمكنك الإنكار يا روودي. انسى شوية موضوع "الذين أوتوا الكتاب"، وخلينا نفكر ف المهم. آية عن جدل المعرفة والسلطة، كيف تضخ المعرفة مزيدا من السلطة وكيف تضخ السلطة مزيدا من المعرفة، ولو! قليلي هاي!؟ الآية تستنكر هذا الارتباط، وإن كانت تعترف بوجوده، لا تحبه، وتراه سبيلا للتفرق. الآية ترغب في الفصل النقي، التطهري، بين العمليتين يا رضا، المعرفة والسلطة. ولكن من، قبل فوكو وإدوارد سعيد، من كان يمكنه اتخاذ موقف أخلاقي غير هذا؟

***

تعرف يا رضا. الناس، ومن يطلق عليهم اسم "المثقفين" يحبون أن يقرأون، أو هكذا يقال، ولكن بجانب هذه العادة الجميلة، والمفيدة طبعا كما يعلمنا التليفزيون، فهم يحبون الحديث عما قرأوه، وقعدات القهاوي هي العملية المتممة للقراءة. هناك تتحول القراءة إلى سلطة، إلى تطليع بتاع، شخرة ضد من لم يقرأ بعد، ضد الجهلة والناس العاديين، وهذا شيء طبيعي، وليس كارثيا كما صوره القرآن والكثيرون من قبله ومن بعده، المعرفة سلطة وإثبات تفوق.

***

طبعا يا رضا أنت لاحظت وأنا ألمحت: الحديث عن "القراءة" يجعلني شيئا أشبه بمدير أعمال سوزان مبارك، أوكي، خلينا نتحدث عن "قراءة الروايات"، ولهذه فائدة ستعرفها على الفور: الأصل في "قراءة الروايات" أن نقرأها لأننا ننبسط بقرايتها، يعني شيء مثل، خلينا نقول، شرب الملوخية، نحن نشرب الملوخية لأننا نحب طعمها، وليس أي شيء آخر. ليس الأمر على هذه الشاكلة في "قراية الروايات". لا أتصور شخصا يقرأ رواية لكاتب لا يعرف عنه شيئاوإنما بس يسمع اسمه – لأنه يريد أن يتعرف عليه، لأنه "ينبسط" بعملية التعرف هذه، وإنما لسببين أكثر أهمية، الأول أنه كاتب أو يريد أن يكون كاتبا، ولابد من معرفة السوق الذي يضع قدمه فيه، والثاني لأنه مثقف أو يريد أن يكون مثقفا، ولابد من إثبات أنه الأكثر تفوقا أمام زملائه المثقفين أو غير المثقفين. هكذا تتحول المعرفة لسلطة، لا متعة، وهكذا يجيئنا العلم بغيا بيننا، بغيا ونفسنة، بغيا وتطليع أيمان اللي قدامنا.

***

كيف تتحول "قراية الروايات" إلى متعة خالصة، كمتعة شرب الملوخية، بدون أي تدخل من "السلطة" في الموضوع؟ هذا سؤال يطرح نفسه. في انتظار إجابتك يا روودي المرة القادمة.

***

هامش: على فكرة، وبالمناسبة يا رضا، لا أحد يأكل الملوخية لأنه مولع بها، على حد علمي، وإنما لأنها موجودة ولأنه لازم ياكل، وبالمناسبة، كثيرا ما يأكل البعض منا للحديث عن تفوق المطبخ الصيني على الفرنسي أو العكس، أو لإثبات خبرة استثنائية في مسامط وعربيات فول القاهرة. وبالمناسبة كمان، كل حروب العالم كانت صراعا على الأكل، "لقمة العيش" إذا استعملنا المجاز الشائع، وليست صراعا على الروايات. الأكل طول عمره يا رودي كان "بغيا بينهم"، تطليع بتاع وشخرات متتالية. الحديث عن نقاء متعة شرب الملوخية بالمقارنة بقراية الروايات كان خدعة بسيطة مني. لا تتصور مقدار حزني لو كنت قد صدقتها يا حبيبي :)

Friday, June 20, 2008

اسمع يا رضا

يا رضا، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده جمبك، واعلم أن البني آدمين كلهم لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا – هم نفسهم – على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. اسمع يا رضا، كل شيء عم يغلو ويزيد، بالأمس القريب كنا على الحديدة، أما الآن فلقد صرنا على الحديد. يا رضا.. إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، ولا تفعل غير كدا خالص. تعلم يا رضا أني لم أكن مسطولا ولا أتيت وأنا أتطوح، لقد جئت لأجامل ثم أروّح. ولأرى بعيني من هجرني وتركني وخانني ومن جعل قلبي من الألم يتمطوح، أواه يا أنا يا أمي، أواه يا أبت..

يا رضا. أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟ الإجابة رقم اتنين طبعا. وأنت تعرف وأنا أعرف أنها الإجابة رقم اتنين. لا تقم بتطليع تلاتة ميتيني يا رضا والنبي. وليه هنروح بعيد، هاهو أب من أجل بناته قد مد يده للحرام، اليوم يشكو حاله ومن يسمع له بعد اليوم كلام؟ لقد باع نفسه رغما عنه، ولم يحدث هذا إلا في لحظة شيطان، يا رضا، ما يبرئ أحدنا نفسه إن النفس لأمارة بسوق العوج دائما. يا رضا، يا من تتصور أنك أنت وحدك من تعيش عذابا لا حد له. لأ. تعالالي هنا بقى. أنت مجرد ورقة من كتاب كبير، مجلد بالأحرى. قل يا رب وسوف تجده. قلت يا رب؟ وجدته؟ طب هو عامل إيه؟ ما أروعك يا رضا طول الأوقات..

يا رضا. هل رأيت الولد الذي يضع زيتا على شعره ولا يخرج من مرقص الديسكو؟ هل رأيت البنت خاصته؟ هل رأيت الكلب خاصتها؟ هل رأيت الفأر السندق الذي أكل البندق فوق سطح الفندق؟ هل رأيت القطة الناو التي خمشته؟ هل رأيت الكلب الهاو الذي فشخها؟ ما أوسع الهوة بين من سمع ومن رأى يا روودي. وما أضيق العبارة التي بها نصف الرؤية التي اتسعت، حتى انفتقت، منا، وأنت لا تزال عنيدا يا رضا، وأصغر نصيحة بترفضا.. يا رضا.

يا رضا، إني أعلمك كلمات، قل سبحان الله الحمد لله مليون مرة بعد صلاة المغرب، وستحس لهذا حلاوة في الروح.. وخفة في البدن، وطراوة في الحلق

رُفعت الأقلام وجفت الصحف.. يا رضا.. يا صاحبي.. ياللي زي اخويا

سلام

Friday, June 13, 2008

معلومات تنشر للمرة الأولى: المعادي.. حي صهيوني في قلب القاهرة

اليوم نكشف لكم واحدا من أخطر فصول الوجود السري لليهود في مصر.

اليوم نكشف لكم حقيقة المؤامرة اليهودية الصهيونية ضد وطننا العظيم.

اليوم نرد على أكذوبة "اليهود المصريين"، وعلى من روجوها ومن اعتقدوا أنه كان هنا يهود أبرياء انتموا لهذا الوطن حقا. ونقول لهؤلاء المتنطعين: حمرا يا فندم.


1

حي المعادي، والذي ولد في الخطيئة، حيث بناه مستثمرون يهود، كما يؤكد جوئيل بنين في كتابه (شتات اليهود المصريين)، كان يشكل دوما طابورا خامسا لليهود في قلب العاصمة المصرية، وكلامنا هنا لا ينبع عن عواطف وطنية متطرفة، كما سيزعم البعض، وإنما هو بناء على تحليل منطقي للأحداث، ودعونا نراجع المعلومات بلا تحيز ولا تعصب لفكرة مسبقة.

لنتأمل في البداية موقع الحي المصري "الراقي". اختار اليهود بناء حي المعادي جنوب شرق القاهرة، ولأنهم لا يفعلون شيئا اعتباطا فإن لهذا الموقع سرا فريدا، فمن الجنوب يمكن لهم أن يكونوا على الطرف المقابل للجيزة ولأهرامهما، وهم يزعمون أنهم البناة الحقيقيون لها ويطالبون بها، ولا ننسى أن حي المعادي كان تابعا لمحافظة الجيزة قبل الثورة، أما اختيار حيهم على الضفة الشرقية للنيل فهو لكي يكونوا أكثر قربا لفلسطين ولسيناء، حيث يمكن منهما غزو الأراضي العربية كلها. التاريخ أثبت هذا فيما بعد، فلقد أعلنت دولة إسرائيل عام 1948 على أراضي فلسطين، كما أن إسرائيل قد احتلت سيناء عام 1967.

اليهود في هذا الوقت كان يعوزهم الحياء، حتى أن الحي الذي جعلوا منه خندقا صهيونيا في القاهرة، لم يخجلوا من تسميته "الحي المعادي"، أي الحي العدو، وتطورت الكلمة بعد ذلك لتصبح "حي المعادي"، وذلك لأنهم كانوا على يقين من أنهم هم الأعداء الأساسيون لمصر، فهل بعد هذا الدليل القاطع من يأتي ليقول أن اليهود كانوا مصريين مثلهم مثل الباقيين. حمرا يا فندم.

واستكمالا للتحليل اللغوي، فالمعادي تحوي منطقة اسمها "عرب المعادي". ما الذي يعنيه اسم منطقة عرب المعادي؟ في نظري فإن الأمر لا يحتمل إلا تفسيرا واحدا، وهو ندرة عدد العرب في منطقة المعادي، وبالتالي استحقاقهم تسمية خاصة بهم - ليس هناك حي باسم "يهود المعادي مثلا" لأن الحي كان، ولا يزال، مستعمرة يهودية، وكان من الطبيعي أن تمتلئ جميع مناطقه بأحفاد القردة والخنازير - ويعني هذا أيضا أن اليهود لم يكونوا يرون أنفسهم عربا، وهذا دليل على أن اليهود أعداء للعرب والمسلمين حتى يوم القيامة، وأن مصطلح "اليهود العرب" هو مصطلح غير جائز من الناحيتين اللغوية والتاريخية.

2

يكفي أن نتذكر، إذا أردنا الحديث عن حي المعادي، "معبد ميئير عينايم" على أرضه والذي أعيد افتتاحه مؤخرا، - بهذه المناسبة قال يورام ميتال خبير الشؤون المصرية في جامعة بن جوريون انه لو افتتح المعبد للصلاة، فإن هذا يعني أنه سيحدث مجددا نشاطاً يهودياً في القاهرة!! - هل يمكننا أن نتغافل عن توقيت افتتاح المعبد للمرة الأولى، وهو عام 1934، أي في عز ثورة المصريين ضد الإنجليز. استخفافا بالمشاعر الوطنية المحتدمة للمصريين، واستفزازا لهم، بنى اليهود معبدا ليمارسوا فيه طقوسهم الدينية التخريفية وربما ليمارسوا أدوارهم المشبوهة في التجسس لصالح الصهيونية.

يتسلل اليهود إلى حي المعادي بطرق شتى، منها طريق الشيعة على سبيل المثال، ولا يخفى على أحد ما بينهم وبين الشيعة من تقارب فكري وسياسي، حيث يطمح كلاهما إلى تدمير دين الإسلام وإحلال روح الضعف بالأمة. من هنا مثلا نعلم شيئا عن التنظيم الشيعي الإيراني الذي تواجد بحي المعادي وكان يتلقي الدعم من إيران – وهي الدولة ذات الميول الصهيونية - وعن جمعية للشيعة تواجدت في نفس الحي. كما نعرف عن تكية للطريقة البكتاشية التي تجمع بين التصوف والتشيع وانتقلت لنفس الحي النجس عام 1957. هكذا يستطيع اليهود، تحت اسم العقائد الضالة من الإسلام، أن يوجدوا لهم موطأ قدم في المعادي، بعد أن نبذتهم الأمم والشعوب!

3

لا يمكننا أن نختتم حديثنا عن المعادي دون تذكر سفاحها الشهير، ذلك الذي اشتهر بطعن الفتيات في مؤخراتهن واغتصابهن، والطعن من الخلف هو أسلوب صهيوني شهير للقتل، وهو ملائم لطبيعة اليهود الجبانة التي تخشى المواجهة، (يقول الله تعالى: لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر ) في هذا الصدد لنتذكر معا الصهيوني الذي أطلق النار على المصلين في ساحة مسجد الخليل من ظهورهم. إنها خسة تليق باليهود وبأمثالهم ممن لا يحفظون عهدا ولا تأمن لهم ودا، ويعني الأمر أن هذا السفاح لم يكن إلا يهوديا خسيسا أتى لينشر الرعب بين المصريين والمصريات.

حي المعادي أيضا، وهذا لا يخفى على أحد منكم، هو الحي الذي يسكن فيه سفير القردة والخنازير، السفير الإسرائيلي، والذي انتقل وقت ظهور السفاح إلى مقر السفارة بالجيزة زاعما خوفه منه، وذلك لكي يداري على أي شبهة تعاون بينه وبين السفاح ويبعد الأذهان عن هذه العلاقة الصهيونية المشبوهة.

إذن، هل تبقى لدي أحد منكم، مع كل هذه القرائن التي لا تقبل الجدل، الشك في كون حي المعادي أكثر يهودية من تل أبيب نفسها، وسكانه أكثر خطرا على الأمة من شارون وأولمرت؟

ما نطالب به الآن هو الآتي: إلغاء تصنيف حي المعادي كحي مصري يقع في القاهرة، وتصنيفه على حقيقته: حيا صهيونيا يهوديا إسرائيليا، ولو اقتضى الأمر إهداءه لدولة إسرائيل فلا مانع لدينا، وذلك أفضل من أن يتم استخدامه من قبل الدولة الصهيونية كمسمار جحا داخل مصر، وذلك لكي نحاول تطهير مصر العزيزة علينا جميعا من أي وجود لليهود على أرضها. وحتى لا نصحو ذات يوم ونجد القاهرة قد تم تهويدها كلها انطلاقا من المعادي، ليحفظنا الله.

Friday, June 06, 2008

ليست دعوة لأن يحب الأعداء بعضهم بعضا

هذه التدوينة هي وجه آخر، مقلوب ربما، بعيد ربما، تفسيري ربما، من تلك، ومن ديكها.

في رحلته إلى إسرائيل يروي علي سالم قصة طريفة. هو يقود سيارته بشارع من شوارع تل أبيب، يقترب منه صبي، يهودي طبعا، ليلصق على زجاج السيارة ملصقا. فيما بعد يكتشف علي سالم أنه خدع الصبي. كان الملصق يحوي عبارة تقول "الجولان لنا". ألصقه الصبي على سيارة علي سالم بنية التعبير عن كون الجولان هي لليهود، ولكن علي سالم، وهو العربي، بوضعه الملصق فوق سيارته، كان يعني أن الجولان هي للعرب. عبارة واحدة خدمت الاثنين، الشخص وعدوه، ومنطق واحد اجتمعا عليه، منطق أهمية أن تكون الجولان لنا، بغض النظر عمن يكون ذلك ال"نا".

يتفق العدوان على أنهما عدوان، وبناء على هذه البديهية، التي يراها كل منهما بديهية، فهما يتشاركان في خلفية عقائدية واسعة للغاية، أساسها أن الشيء الذي تعاديا لأجله يستحق العداء، وأنه هو الأساس، وما عداه لا يهم. يتفقان على كراهية من لا ينتمي لأيهما، على النظر إليه باعتباره دخيلا وغير مفهوم وغير ذي صلة. يتفقان على جوهرية الموضوع محل النزاع، بل وأكثر من ذلك، يتفقان تماما على تقدير قيمة الموضوع الذي تنازعا عليه، إن كان يستحق خناقة في الشارع، تعنيفا دبلوماسيا، حربا شاملة. وهكذا، فالأشياء المشتركة بين الأعداء هي أكبر من أن تعد، وجزء كبير منها يكمن، وانظروا إلى تصاريف الأقدار، في رؤيتهم لموضوع النزاع نفسه، وليس أي شيء آخر.

***

يمكن لهذا أن يفسر إعجاب القوميين والإسلاميين الأكثر تعصبا، بالإسرائيليين الأكثر تعصبا، ونموذجاهم هما نتنياهو وشارون، ونفورهم الظاهر من الإسرائيليين الأكثر اعتدالا. "على الأقل شارون صريح"، هكذا يقال. يمكن لهذا أن يفسر أن الأدب الوحيد التي يمكن ترجمته من اللغة العبرية، هو الأدب الذي يدافع عن السلام مع العرب، أو الأدب الذي يهاجم السلام مع العرب، أما الأدب الذي يخلو من السلام ويخلو من العرب، والأدب غير المعني بكليهما، بوصفهما قضية، هو خارج عن السياق. من هنا يمكن أن نفهم التقارب الفكري الشهير بين الصهيونية والنازية (كلاهما يقوم على تقديس الهوية، على اعتبار العرق واللغة من أهم محدداتها، وكلاهما يقوم على اعتبار اليهودية هوية منفصلة، غريبة عن أوروبا) والتقارب الفكري الأقل شهرة بين الصهيونية والقومية العربية (كلاهما يقوم على نفس التقديس للهوية، وعلى نفس النظرة إلى اليهودية باعتبارها هوية منفصلة، غريبة عن العروبة هذه المرة). من هنا يمكن أن نفهم شيئا عن الحرب بوصفها ميدانا للتشارك بين الأعداء، وليس للنزاع العقائدي بينهم. لا يمكن تصور نزاع ينشأ بين ماركسي والحلاق الذي يصفف له شعره، ولكن يمكن بسهولة تصور النزاع بين ماركسيين، أحدهما تقليدي والآخر تروتسكي. يقال أن عدوك ابن كارك، وهذا تعبير شعبي عن العداوة المعجونة بماء المشاركة في الأفكار، في التصورات والمفاهيم، تعبير عن ذاتية العداء، عن عدم منطقيته وكونه ابن إرادة واضحة وتخطيط مسبق، بدون أسباب موضوعية كثيرة.

***

العدو الحقيقي هو الشخص المحايد، ليس الحياد النابع عن اتخاذ موقف وسط بين الموقفين المتعارضين، وإنما الحياد النابع عن اللامبالاة بالموضوع أساسا. هذا المحايد هو الشخص الذي يكرهه كلا الطرفين بنفس القوة، الذي يتفقان على كراهيته، ولكنهما لا يحاربانه، لأنهما لا يفهمانه، والحرب تعني في وجه من أوجهها "فهم" العدو، وبالتالي "احترامه"، وهي المرتبة التي لم يصل إليها ذلك اللامبالي.

اللامبالي هو العدو الحقيقي، والآمن في نفس الوقت، بسبب غموضه بالتحديد، لجميع الأطراف.