Showing posts with label تنظير كارثي. Show all posts
Showing posts with label تنظير كارثي. Show all posts

Saturday, December 20, 2008

حاسب نفسك قبل أن تحاسَب: الإتنين زيرو زيرو نموذجا

أعزائي وعزيزاتي، أصدقاء المدونة الكرام

هاهو عام ألفين تمانية يوشك على الانقضاء، بحلوه ومره، بخيره وشره، وهانحن على أهبة استقبال عام جديد. ونحن إذ نأمل في أيام ربنا كلها الخير، فإننا ننتهز الفرصة الكريمة لنحاسِب أنفسنا قبل أن نحاسَب. لا لنحاسب عامنا الحالي فحسب وإنما عقدنا كله، الذي يبدأ ترقيمه بأرقام اتنين زيرو زيرو، والذي يوشك على الانقضاء هو الآخر.

كما تبدو لنا التسعينيات بعيدة ومثيرة للسخرية الآن، فإن المسيرة القاسية للزمن تدلنا على أننا سوف نبدو كائنات عجيبة في أعين لاحقينا، والذين سيكونون عبارة عن نحن أنفسنا، مضافا إلينا عدة سنوات (وكيلوجرامات). هل يمكننا رؤية البحر ونحن غارقون فيه، هل يمكننا الإطلال برأسنا فقط، لنحاول رؤية أنفسنا، من بعيد، ثم العودة مرة أخرى؟ هل يمكننا تحديد سمات معينة للعقد الحالي ستبدو فيما بعد غير مفهومة ومثيرة للسخرية. إليكم اقتراحاتي المتواضعة :

1 – الإنترنت: العقد الحالي جعل للإنترنت كل هذه الشعبية في العالم. هذا سيتواصل في العقود القادمة، ولكن ما سيدو غريبا هو الاحتفاء المبالغ فيه به واعتباره معجزة العصر الحديث. سينظر أبناء العقود التالية إلى أبناء الاتنين زيرو زيرو بنوع من الشفقة، لأنهم تحدثوا عن النت أكثر مما تصفحوا صفحاته فعليا، ولأنهم تحدثوا عنه بجدية وتقديس أكثر من اللازم، ولأنهم تصوروا أنه سيغير شكل العالم فعليا. ومثلما ننظر نحن بسخرية إلى البطل زمان وهو يحض البطلة على الرقص ويقول لها: "خليكي مودرن"، فسوف يعاني أبناء العقود التالية في فهم فكرتنا عن المودرنيتي وارتباطه بالنت. هذه الكلمات يتم كتابتها والنت واقع في البلد كلها. وأنا أتحاشى بقوة القول أن العقود التالية لن تشهد انقطاعا للنت، لأنه شيء بديهي جدا أن الزمن يمضي لقدام في التكنولوجيا، ويلف حول نفسه في أماكن تانية.

2- هوس الزمن واقترانه باللغة، سيبدو غريبا في السنوات القادمة، وربما يبدو حكرا على أبناء الاتنين زيرو زيرو وحدهم. طلعت زكريا يقول لجمهور الشباب: "تنّه"، فيتأفف تامر حسني ويستوقفه ليكمل الشرح هو، لأن الشباب لن يفهموا "تنه"، ولغة خصوصي في "درس خصوصي" مثال جيد على هوس الزمن – اللغة. وتكرار إفيه دائم من عينة: "هما مش كانوا بطلوا اسم... دا"، أو: "ما تقلع يا عم الطربوش اللي انت لابسه دا وانت بتتكلم"، ربما كان هذا هو أول عقد يخضع إنسان العصور السابقة للتدقيق اللغوي. بعد أن كان استعلاء الإنسان "المودرن" في العقود السابقة يتمحور حول الطبقة لا الزمن، مستعينا وقتها بمقولات من عينة : "بلدي أوي يا حسين" أو: "يايييي. حاجة أوريجينال خالس."

3- مبارك: هو ملك الاتنين زيرو زيرو، وبالتحديد النصف الثاني منه، فهو الشخص الذي استطاع وحده أن يزعّل الناس كلها منه في أيامنا المفترجة هذه. في أيامنا هذه فقط، وليس فيما بعد، على ما يبدو، فصيحة مثل "يسقط يسقط حسني مبارك" لن تعد إلا شكل مختلفا وأكثر طرافة من "سعد سعد يحيا سعد" - لاحظ الإيقاع المتقارب. وبالمقارنة بالعقود السابقة، فلأول مرة تسجل القضية الفلسطينية انخفاضا ملحوظا في عدد المهتمين بها في مقابل قضية مبارك والتوريث والدستور وإبراهيم عيسى وجمال وعلاء وخديجة وسائر المشتقات، حتى القضية العراقية لم تستطع الصمود، برغم وقوع الالفين وتلاتة في قلب الاتنين زيرو زيرو. لن يفهم إنسان العقود التالية ما الذي يجعل وجه إنسان الاتنين زيرو زيرو، هو بالتحديد، ينتفخ غضبا عند سماع اسم مبارك، خاصة أن مبارك موجود قبل بداية الألفية بعشرين عاما. هل إنسان الاتنين زيرو زيرو حساس زيادة عن اللزوم مقارنة بأقرانه في العقود التانية؟

4 – أزمة الهوية: يصعب تحديد شكل واحد لملابس الاتنين زيرو زيرو، ولكن هناك ملمحا يتصل بالارتباك، أو بعدم تحديد الهدف من الملبوس. يعني مثلا ارتداء تيشيرت بكم طويل وفوقه تي شيرت بنص كم هو أمر صار له سنوات (ولا يقابله في السينما العالمية سوى ارتداء سوبر مان للكيلوت فوق البنطلون). هذا ليس حكرا على الذكور، فارتداء الإناث جيبة قصيرة فوق البنطلون، وارتداء بلوزة قصيرة (يفترض في صيغتها الأصلية أن تكشف عن السرة) فوق البودي الكامل المحتشم، هو أمر يؤكد لنا أن أزمة الهوية لا تتصل بالمثقف الحديث فقط.

5- الأدب يبيع: هناك جمهور للأدب. هذه مسلمة وهوس أدباء الإتنين زيرو زيرو، ينبغي الحديث عن هذه المسلمة بحماس وعدم التشكيك فيها. الجدية التي تصبغ ملامحنا ونحن نتحدث عن الجمهور هي العنصر المميز لأدباء العقد الحالي، وهي تستتبع عددا من الحركات، مثل حديث الأديب الرصين عن أرقام مبيعاته التي تجاوزت علاء الأسواني، حتى لو كان أديبا مثل عبد العزيز محمد أبو الوفا سعودي، والاهتمام غير العادي بحفلات التوقيع، وببوستر الكتاب، وبغلافه، والرعب الذي يصيب الكاتب عندما تتم مواجهته بتهمة أن كتبه أصعب من مستوى القارئ المتوسط، وحماسه البالغ – من ثم - لإنكار التهمة.

6- أقسام الشرطة: العقود السابقة انشغلت بقضاياها التي رأتها جوهرية، مثل الدروس الخصوصية، الفن الهابط، والبطالة، أما في الاتنين زيرو زيرو فإن القضية الأهم وصاحبة أعلى التصويتات هي قضية أقسام الشرطة. ظابط الشرطة هو الشخصية المحورية طبعا، وهو فاسد طبعا، (انتهى عصر الرومانسية الذي صور لنا الظباط أبطالا)، ويقابله على الناحية الأخرى البلطجي وتاجر المخدرات الذي يتعاطف معه الكاتب. وسواء تعاون الضابط الفاسد مع تاجر المخدرات أو حاربه، فإن الخير هو من نصيب تاجر المخدرات والشر من نصيب الضابط. هذا في السينما، ولكن في الصحف اليومية المستقلة فإن الأمر أيضاً لا يختلف كثيرا. وهذا يجعل لموضوع التعذيب كل هذه الشعبية، ولموضوع الإهانات هذا الإغراء (تحاول سينما خالد يوسف أو بلال فضل مثلا تقديم محاكاة دقيقة للإهانات داخل الأقسام، ولكنها تظل عاجزة ومحدودة، سيبدو هذا مثيرا للسخرية تماما فيما بعد، أعني أشياء على غرار استخدام "روح أمك" في كل مكان نحتاج فيه لاستخدام "كس أمك").

أعزائي وعزيزاتي، أحبائي وحبيباتي، أصدقاء المدونة الكرام. هل لديكم اقترحات أخرى؟

Friday, November 28, 2008

رمرموا يا بهوات


خالي لم يكن سمينا جدا، ولكنه كان سمينا بقدر يمكنه من عدم الاهتمام برشاقته، كان سمينا بقدر يجعله لا يهتم بكل الهبل حول الشكل المثالي لجسمه.

إذا كان هناك ما يمكن أن يعبر عن الحرية الإنسانية، فهو ليس الخفة بالطبع، وإنما السمنة، انفجار الجسد عن حدوده، الدهن واللحم الفائضين عن الحدود. الفوضى. تجاهلت الحركات الثورية المتلاحقة دائما هذه الفوضى الرائعة في تشكيل الجسد لتبرز صورتها الخاصة، الثوري فتى نحيل، يرتدي نظارة وتيشيرتا عليه صورة جيفارا، يلتحف بكوفية ويدخن. يدخن. يدخن. دائما يدخن. لا يأكل أبدا. وإن أكل فساندوتش عابر يأكله سيرا. في الكاريكاتير مثلا، السمين هو الفاسد، والنحيل هو الفقير والثوري. طبعا، الفقير لا يشتري اللحم، الفقير يعمل كثيرا، الفقير يتحرك كثيرا، والثوري يتضامن معه في كل أحواله بطبيعة الحال. ولكن، الفقير لا يحشش لأن الحشيش غالي، الفقير لا يشرب لأن الشرب غالي، والفقير دخانه على قدر فلوسه. بينما الثوري يحشش ويشرب ويسافر ولا يأخذ صورة إلا وهو يشرب سيجارة. لماذا هذا الظلم إذن؟ :(

مات خالي من قطعة لحم مدهنة استطاع أن يحتال للحصول عليها من المستشفى. مغامرات كثيرة اجتازها للحصول عليها. قبل ذلك، كان الدكتور قد نصحه بوجبات كثيرة ولكن صغيرة. قال لي خالي بحكمة: "الواحد لا يستطيع الالتزام بأوامر الدكتور كلها. التزمت بوجبات كثيرة. لم التزم بوجبات صغيرة." طبعا. تنفيذ أمر واحد أفضل من لا شيء.

الخوف من السمنة هو أمر مقرف، وهو غير مفهوم، وهو هوس تام. واعتذر للنساء وللرجال الذين يقيسون وزنهم يوميا. أن تكون سمينا بقدر، فهذا يرحمك من هذا الهوس التافه، لإنك طالما لن ترقص باليه، ولن تلعب جومباز، ولن تضيع وقتك في مطاردات بالشارع، فليه تقرف نفسك وتقرفنا معاك؟ يمكن للواحد منا أن يتكلم في هذا الموضوع كثيرا جدا، لكنه يفضل الاختصار. خير الكلام ما قل، حتى لو لم يدلّ.

تتحدثون عن السكس؟ ليكن. بنا نتكلم عن السكس. لن أتكلم كثيرا. تذكروا تحية كاريوكا العجوزة في "اسكندرية كمان وكمان"، وقارنوها بيسرا، تذكروا تحية كاريوكا في شبابها، في امتلاءها، وقارنوها بـ"كيتي" مثلا. قارنوا عبلة كامل عندما سمنت، بها في أدوارها الأولى. تذكروا "الغراء الفرعاء المصقول عوارضها تمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحل". لا تخبروني أنكم ضد التصور التراثي والعربي والشعبي للمرأة. أرجوكم. لا تقولوها في وجهي. فهذا يجرح ثوريتكم بشدة، وهذا يهين ذكائي ويجعلني أغضب جدا.

طبعا لا يمكن للواحد أن يتكلم عن السمنة بدون الكلام عن نساء فرناندو بوتيرو، رمز البضان الجميل، البطء المتمهل الرايق، ولا يمكن للواحد أن يتكلم عن البطء بدون الحديث عن الطرب. راجع ليلى أرمن.

تتحدثون عن خفة الدم؟ أوكي. شوية إنصاف إذن: طلعت زكريا أم مصطفى قمر في "حريم كريم" مثلا، حسن فايق أم عبد السلام النابلسي؟ محمد رضا، العظيم دوما، أم شخص تافه مثل سمير صبري؟ أنا انتقائي هنا؟ عارف.

حتى يكون كلامي أكثر إقناعا، فعليّ صياغته في عبارات ثورية: يا رفاق، يا بهوات، حرروا أجسادكم، افعلوا ما بدا لكم، كلوا كثيرا، وكلوا جيدا، ورمرموا مثلما تريدون،الحرية، الحرية. اخترقوا حدود أجسادكم

لا شيئ يمنعنا بعد اليوم

لا شيء يمنعنا بعد اليوم

Friday, November 14, 2008

وليس منا من لم يحسن الظن


أعزائي الإنسانيين المتفائلين:

أتفهمكم جيدا. أنتم ترون اللحظة ميلادا عظيما للنور، النور الآتي من الزنوجة، النور القادم من وجه أوباما الأسود المشوب بلمعة طفيفة، من جسمه المشدود النحيل، من بسمته الصافية الطفولية؟ربما، أنا أرى وجه أوباما وسيما أيضا، أراه كاريزميا أيضا، والبعد الرمزي في وصول شخص من الأحراش الأفريقية إلى عرش الكوكب هو أمر له دلالات خطيرة. أنا، من الآخر يا أصدقاء، أتفق معكم تماما، مع بعض التحفظات البسيطة:

أولا: الرجل له خلفية لا يستهان بها أبدا. وهذا تغيير مهم في السياسة الأمريكية، خلفية يسارية، بشرة سوداء، أجداد مسلمون، شيء عجيب. سبحان الله فعلا. ولكن دعوني أشرح لكم نفسي: أي شخص، هو بطبيعة كونه جزءا من هذا العالم، فهو مؤثر في العالم، ولكن تأثيره دائما محدود، لإن فيه ناس تانيين، حوالي ستة مليارات بني آدم، كل منهم مؤثر برضه، ونحن نعرف ان كل واحد أستاذ ف صنعته. يعني، المأزق الوجودي الذي وجدنا نفسنا فيه عندما ولدنا، أن العالم لا يمشي بإرادتي أو بإرادتك، وإنما المسائل أكبر مني ومنك، وداخل فيها أسماء كتيرة جدا، لا تبدأ من سباك عايش في السنغال ولا تنتهي بباراك أوباما. ف الآخر: أنت تريد، وأنا أريد، والله يفعل ما يريد. كله بأمر الله.

ثانيا: عجيب، وغريب، أن يصل الواحد من أقصى الحضيض إلى قمة العالم. عجيب وغريب والله. وتكمن في هذا أبعاد رمزية بنت متناكة جبارة. أتفق معكم طبعا. ولكن الرموز دائما هي ليست جدا مهمة في السياسة. يعني: جيفارا رمز الثورة. ناصر رمز الكرامة. محمد أحمد جاد الحق مصطفى رمز البسكلتة. الرموز أمور مهمة جدا في صنع فيلم سينمائي درجة عاشرة من نوعية "فتاة من إسرائيل"، أو رواية درجة حداشر من عينة "أولاد حارتنا"، ولكن ليس في السياسة، والشعب الذي يحتاج للرموز هو شعب علق بطبيعته (بتصرف عن بريخت). يعني مثلا: هناك شخص ما ضُرب في السعودية وطلع دين أمه، وهذا الرجل بلا شك هو رمز للشعب المصري اللي بيتبهدل في الخليج، لكن هناك شخصا آخر، واحد صاحبي مثلا، لم يتمكن من الزواج إلا بعد سفره السعودية، وهو رمز للمصريين اللي غرقانين في خير الأصولية الوهابية. حد فهم حاجة؟ الرموز بحرها غويط. ومن يركب بحرها لا يخشى من الغرق. لأنه مش هيلحق. هيكون مات قبل كدا للأسف.

ثالثا: أوباما قليل الخبرة كثير الكاريزما، وإذا ذكرت الكاريزما ذكر ناصر وإذا ذكر ناصر ذكرت الكاريزما. والناس في بلادي تحب ناصر لأنها تحب الكاريزما وتتبضن من الخبرة السياسية. لكن الكاريزما، بطبيعة كونها كاريزما، لها عيوبها أيضا. يعني هي قد تكون جيدة وإنت خارج الصبح من البيت والحاج تدعي لك بأن يجعل لك ربنا في وجهك القبول ويحبب فيك خلقه، وهي شيئ مثل أن تعمل عملا لحبيبك حتى يحبك. الكاريزما بهذا المعنى هي عمل معمول لك كي تحب الزعيم السياسي اللي بيتكلم، وهي حاجة ليست جيدة جدا، لأنها زي السحر، وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا لأنهم كانوا يعلمون الناس السحر. وف الآخر طبعا، العلاج بالقرآن هو أحسن من السحر بكتير. مش كدا؟

أعزائي الإنسانيين المتفائلين:

ترون اللحظة ميلادا عظيما للنور، النور الآتي من الزنوجة، النور القادم من وجه أوباما الأسود المشوب بلمعة طفيفة، من جسمه المشدود النحيل، من بسمته الصافية الطفولية؟

إذن أنتم خولات :)

Friday, November 07, 2008

وأما سوء الظن فهو من حسن الفطن

أعزائي الحكماء المتشككين

أحترم حكمتكم جيدا، وأقدر تشككاتكم التي أعتقد أنها في محلها، وأثمن غاليا جميع تحفظاتكم. وفيما يخص الموضوع إياه، فأنا فخور، وبحق، بأنه هناك بين أصدقائي من يقفون كابحا أمام موجة التفاؤل التي تجتاحنا نحن العرب.

طبعا أنا معكم تماما، هناك بعض السذج الذين فرحوا لأن باراك أوباما أسود، ولأنه قادم من خلفية يسارية، ولأن شكله ابن حلال، ولأنه فوق كل هذا وذاك، سوف يحكم أمريكا. هؤلاء، مثلا، بهايم. ولكن على الصعيد الموازي، فكلامكم أيضا لا يبدو لي منطقيا تماما. يعني أنتم تقولون أن أمريكا دولة عظيمة، وأنه، بناء عليه، فليس شخص واحد هو من يمكنه تغييرها. مثلا، والكلام مازال لكم، مكتوب في الدستور الأمريكي أنه على العرب أن يطلع دينهم، وإذا كان أوباما جدع، فالدستور الأمريكي ليس جدعا، وأوباما مواطن أمريكا في النهاية، وهو خاضع لسياسات بلده، قبل أن يصنعها. ثم تختمون قائلين: مفيش فايدة، أو: كل الأحاديث ما بتفيد. انتهى الاقتباس.

طيب، الولايات المتحدة الأمريكية هي دولة مؤسسات. لا أحد ينكر هذا. وهي دولة تسيرها سياسات بعيدة المدى وليس أشخاص. لا أحد ينكر هذا أيضا. والفارق بين أوباما وماكين سيكون في النهاية ضئيلا للغاية (هذه مسألة نسبية، فما يبدو لي ضئيلا قد يبدو لغيري ضخما، وهذا يعتمد على توقعاتي المسبقة). ولكن إذا كان الموضوع كله محصل بعضه بهذا الشكل، فلماذا تقوم انتخابات أصلا؟ يعني هل تتوقعون سيادتكم أن الشعب الأمريكي لا يعرف أن بلده هي دولة مؤسسات، وأنه يعتقد أنها دولة يحكمها الأشخاص ولهذا يذهب كل يوم الصبح بمنتهى النشاط ليستبدلهم، وأن الإدارة الأمريكية اللئيمة تخفي عنه عمدا أن بلده هي بلد مؤسسات، وذلك لكي تفتح باب رزق أمام آخرين يكسبون من الدعاية الانتخابية. هذه هي بعض أسئلتي البريئة التي أتمنى أن تحظى باهتمامكم الحكيم المتشكك.

أعزائي الحكماء المتشككين:

عندما سقط شارون في غيبوبة سمعتكم تحذرون الناس من الفرحة، لأن معنى سقوط شارون في غيبوبة هو أنه سيأتي من هو أوسخ منه، لأن كلهم أوسخ من بعض. وتحققت نبوءتكم، فمن جاء بعد شارون لم يكن تشي جيفارا على أية حال، وهو شخص أشعل حربا لم يكن لها لزوم أبدا والله. المهم: لو فرضنا جدلا بأن من جاء بعد شارون كان رجلا محترما، فماذا سيكون الحال ساعتها؟ إجابتكم الحكيمة المتشككة: كلهم أوسخ من بعض، وإذا كان هناك دعاة سلام إسرائيليون، أو رافضون للخدمة العسكرية هناك، فهم الماكرون الذين يخططون لنا بليل كي ينجحوا فيما فشل فيه متطرفوهم بصياحهم وهبلهم. إسرائيل ليست دولة مؤسسات مثل أمريكا، ولكنها دولة الشر الصافي المتجذر في عمق النفس البشرية الملوثة حتى النخاع، وفي الدولتين، دولة المؤسسات ودولة الشر الصافي، الأفراد لا يغيرون شيئا. وبالتالي، فلا لزوم للديمقراطية. هم، كشعوب متحضرة، يشتغلون أنفسهم.

أعزائي المتشككين الحكماء:

لا أعرف الكثير عن أوباما، ولا الكثير عن ماكين، ولا الكثير عن أي شخص في الدنيا، ولكن ما أعرفه أنه إذا أردتم أن تتحفظوا على شخص، فعليكم أن تستخدموا حججا أكثر منطقية. الثعالب في أوكارها والطيور في أقنانها تعرف أن أمريكا دولة مؤسسات، وأنها لا تنام الليل حتى تقوم بتطليع دين العرب، وأن إسهام شخص واحد في تغيير التاريخ هو دائما إسهام محدود. طيب: وبعدين؟ هل يظل مقعد البيت الأبيض شاغرا حتى يتقدم العلم ونتمكن من استنساخ عبد الحليم قنديل ليجلس هناك. اعتقادي الشخصي، الذي أتمنى أن تشاركوني فيه، هو أننا قد ننتظر كثيرا، وكل شيء جائز على كل حال.

سؤال أخير:

من هو الأفضل بالنسبة للعرب، أوباما أم جورج بوش، أوباما أم ماكين، رابين أم شارون؟ أسمعكم تقولون شارون، لأنه على الأقل أكثر صراحة، مش كدا؟

أعزائي الحكماء المتشككين:

أنتم بقر.

Friday, October 03, 2008

نداء أخير إلى أم ماريو وآندرو: دا الإسلام دا دين جميل والله

في الفيديو، الذي قام بتصويره موقع أقباط متحدون وأتاحه للتحميل على صفحته الرئيسية، تندهش السيدة كاميليا –أم ماريو وأندرو- لسير إجراءات المحكمة، تشير إلى الزوجة المسلمة لطليقها:

وبعدين جاية بتشهد بتقول ايه، بتقول ان هي، بتشهد على اسلام مدحت. القضية، فعلا الحكم تشوفه تلاقيها دي قضية اثبات اسلام، مش قضية ضم خالص، ماحدش اتكلم عن صلاحية الاب للضم للحضانة، كل الكلام على انه مسلم او مش مسلم . كون ان هو صالح للحضانة ولا مش صالح، كون ان نفسية الولاد اللي انت بتسحبهم وبتنزعهم من والدتهم وبتديهم لمرات الاب علنا، ماشفتهاش انا ف قضية ضم، منافية لكل القواعد النفسية بتاعتي كمان.

***

معلش يا دكتورة. قلبي معاكي والله. انا كمان زعلان، لبش وكلام فارغ. الإسلام دين السلام، دين مالوش ف اللبش، بس ساعات اللبش بيبقى ضروري، هانعمل إيه بقى؟

اسمحيلي بس ألفت نظرك لخطأ بالغ حضرتك وقعتي فيه: حضرتك متضايقة إن المحكمة كات بتتكلم عن اسلام الأب مش عن الحضانة، اللي هي أساس الدعوة. ودا لإن تفكير حضرتك، يعني ممكن نقول، قاصر شوية، يعني مابتشوفيش المسائل من كل النواحي، وإذا شفتيها مابتربطيش بينها، زي ما احنا بنعمل.

المهم، خليني افكرك بمعلومة: أنا كمسلم، راجل بؤمن باليهودية والمسيحية والإسلام، بينما حضرتك كمسيحية بتؤمني بالمسيحية واليهودية بس، صح كدا؟ يعني أنا في الإسلام عندي حتة جامدة بتقول: "لا نفرق بين أحد من رسله". يعني إيه بقى، يعني انا عندي سيدنا عيسى زي خير الخلق أجمعين رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، خدتيلي بالك من سماحة الإسلام!؟ يعني انا لما اكون لامؤاخذة أب مسلم يبقى أنا مؤتمن على ابني، حتى لو كان مسيحي، لأن لو هتقولي لي يا مسيحية اقولك انا مسيحي احسن من اتخن تخين ف الكنيسة بتاعتكو. شفتي بقى الكلام!؟ ليه بقى؟ لأن انا عندي الانجيل الصحيح، مش المحرف، وعندي ان سيدنا عيسى عليه السلام قال ابشركم بنبي يأتي من بعدي اسمه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقالوا كيف يا سيدنا عيسى فقال هو كدا. بينما انتو الناس القساوسة بتوعكو ضحكو عليكوا وقالولكو مافيش الكلام دا، وبعد كدا يرجع يقولك ايران دي عندها سلاح نووي. الله! ماتشوفوا اسرائيل ولا جيتو عندها وعميتو!؟ مافيش بيننا زعل يا ست كاميليا احنا بنفضفض.

الإسلام دا دين عقلاني، ورسول الله عليه الصلاتو والسلام قالك يكون عهد على أمتي يكونون فيه كثرة فقالوا كيف يا رسول الله فقال كثرة كغثاء السيل. يعني بالبلدي كدا علشان اقربلك التشبيه اقولك العدد ف اللمون. معناه ايه الكلام دا؟ معناه ان الاسلام مش هيزيد بواحد يدخل فيه ولا هيقل بواحد يخرج منه. ولذلك تلاقي زي ما حضرتك قلتي، الناس ف المحكمة كانوا بيثبتوا بالادلة والبراهين القاطعة ان الراجل جوزك كان مسلم بجد، مش مسلم اي كلام، مع ان كان سهل اوي الراجل اول ما ينطق الشهادتين يبقى كدا حاجة حلوة والناس تفرح وتنبسط وخلاص على كدا، انما لأ، المسلمين دول ناس منطقيين. ويبعد كدا يرجع ويقولك الاسلام انتشر بحد السيف. حسبي الله ونعم الوكيل. (شخرة) سيف ايه يا ولاد الشرموطة!؟ (ثم بابتسامة)، احم، ماتزعليش مني يا ست كاميليا. الواحد مش متمالك اعصابه م اللي بيشوفه والله، والفضائيات والفيديوكليب والإنترنت بتساهم في تغييب جيل الشباب دلوقت .

والله العظيم انا زعلان علشانك يا أبلة، يرضي مين دا يا اخواتي أم تتحرم من ضناها بس؟ ف شرع مين؟ لكن ارجع واقولك يمكن ربنا يكون مقدر لعيالك يتربوا ف بيت إسلامي صحيح علشان يشوفوا بعنيهم سماحة الإسلام. وبعدين يعني فيه كلمة بصراحة حارقاني وعاوز اقولها وابقى بنافقك لو ماقلتهاش: يعني لما الاولاد يكتبوا ف ورق الامتحان انا مسيحي دا يعني ايه؟ يعني مستكبرين يعني يبقوا مسلمين!؟ ولا مفتخرين يعني بموضوع المسيحي دا !؟ والنبي خلي الواحد ساكت يا ست كاميليا دا البني ادم مننا معبي م اللي بيشوفه. وابقي علميهم ان دين الاسلام دا احسن دين، وانه حبيبي وحبيبك رسول الله دا خاتم الانبياء والرسل والبشر أجمعين.

وبعدين يعني (بغمزة) سيبك من كلام الستات دا والراجل اتجوز ولا ماتجوزش، ياباي، هئ هئ، على غيرة النسوان!! الراجل عندنا ف الاسلام من حقه طالما بيعدل ما بين ستاته يجوز مثنى وثلاث ورباع، ليه بقى؟ لإن الرجال دول قوامون على النساء، شفتي الرحمة اللي ف دين الاسلام؟ ولا اقولك عاللي احسن من دا ومن دا، لنفرض يعني، يعني مثلا، إنك أعلنتي إسلامك بكرة الصبح، حد هيبقى له عندك كلمة؟ مش انتي متخانقة مع الراجل عشان هو مسلم وانتي مسيحية. طب ما تعلني اسلامك. دا الاسلام دا دين جميل. بس جربيه انتي. وساعتها ولا حد هياخد عيل من عيالك، ولا حد هيمشي كلمة عليكي، باستثناء طبعا جوزك وابوكي واخوكي الكبير وابنك لما يكبر وشيخ الجامع وأولي الأمر وباقي الرجالة. بصي. انا مش عاوزك تردي دلوقتي. خدي وقتك وفكري فيها. عندك مصحف ولا اجيب لك المصحف بتاعي؟ دا الإسلام دا دين جميل واللهي.


Friday, September 26, 2008

من هنا بدأ السيد حجاب، ومن هنا نبدأ

الأشياء في مصر، وربما في غيرها، تبدأ هكذا: صغيرة بسيطة حمقاء

السادة الفاهمون في لحظة من لحظات الملل يلتفتون إليها، ويسألونها لماذا هي صغيرة بسيطة حمقاء، ويبدأون هيلا بيلا في تكبيرها، حتى تصبح جديرة بأن يتكلموا عنها.

خذ عندك مثلا: هناك حتة قماش تضعها المرأة على رأسها، ونحن نعرفها من زمان، نراها في الريف وفي الصعيد وفي مدن بحري، (مع استثناء فترة شخلعة قصيرة – حوالي تلاتين سنة). يعني هذه الحتة من القماش شيء عادي جدا، وبسيط جدا، طبيعي جدا. كانت صغيرة بسيطة حمقاء، كما تبدأ الأشياء في مصر.

تقريبا حصل غلط. السادة الفاهمون في الفقرة قبل السابقة، ليسوا سادة فاهمين، وانما هما سيدان فاهمان، علمنا الاتجاه المعاكس وفيصل القاسم انه ليس هناك سوى سيدان فاهمان في كل موضوع. وبشرط أن يكون كل واحد منهما فاهم عكس ما يفهمه زميله بالزبط عن نفس الموضوع. نظر السيدان الفاهمان إلى حتة القماش الصغيرة المسكينة، وقالوا لها: تعالى يا زغنونة. لماذا أنت صغيرة بسيطة حمقاء؟ تعالى تأكلين من أكلنا وتشربين من شربنا وتلبسين من لبسنا، وتصبحين واحدة منا.

واحد من السيدين كان يحب أمريكا، وهو يحب التدخل الأمريكي في العالم العربي، وهو يحب الحداثة، وهو يحب التقدم، وهو يحب التطور، وهو ضد الإرهاب وهو ضد الأصولية الوهابية الظلامية التكفيرية السعودية الخليجية، والآخر كان يحب الإسلام، ويتمنى العودة إلى ألف ونصف ألف سنة من الزمان، وهو يحب الصحابة وهو يحب السواك ويكره أمريكا والغرب وإسرائيل والدانمارك وأستراليا، ويكره منظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة واليونسكو، وتقريبا هم هكذا منذ زمان أوي، لأن الأشياء في بلادنا، وربما في غيرها، لا تزهق من نفسها بسرعة. ولكنهم لما شافوا حتة القماش، اكتشفوا أنهم زهقوا من كلامهم، لانهم بيقولوه من زمان اوي، وقالوا هناخد حتة القماش دي، ونربيها، يمكن تنفعنا بعدين.

المهم، كبرت حتة القماش. وكبر سيد أمريكا. وكبر سيد إسلام. وتلقت حتة القماش المهمة التي نذرت لها بفرح خاص. تلقت اسمها الجديد "الحجاب" بامتنان لأبويها اللذين ربياها. كانت تقول: لم أعد وحيدة الآن، هناك من الصوحاب ألف، نقاب وإسدال وخمار. وتذكرت أيام كانت شيئا بسيطا صغيرا أحمق، وقالت لأنني كنت صغيرة فلقد كنت وحيدة. ونظرت لأبويها اللذين ربياها، ووجدتهما يتعاركان، واسمها يتردد في العركة، وخمنت أنهما يتعاركان بسببها، وامتلأ قلبها بالأسى، ولما عاد أبواها من الخارج متعانقين، قالت بتنهيدة: إن كان يرضيكما أن أخرج من حياتكما فأنا لا أمانع. مسح الأب الأول، السيد أمريكا، على رأسها وقال: يا عبيطة. مازلت إذن صغيرة بسيطة حمقاء. وباسها الأب الثاني، السيد إسلام، على أورتها وقال: لماذا ربيناكي إذن إن لم يكن علشان نتخانق بسببك؟ كميلة إنتي، وابتسم. واصطحب كل من الأبوين الأب الآخر إلى أودة النوم، وبعد قليل ناديا عليها. ذهبت إليهما مبتسمة ابتسامة خجلى، يشع حياء الأنثى من عينيها، تقدم رجلا وتؤخر أخرى، وفي أود النوم دائما تحدث أشياء لا يشترط أن تكون مهذبة تماما.

كل يوم كان يضيف لها معرفة جديدة، وذاكرة جديدة، وجرحا جديدا. صارت مثقلة بالمعرفة، وبالرموز وبالحقائق. وكانت تجلس في البيت ندمانة تندب أيام جهلها عندما كانت مجرد قطعة قماش لا بها ولا عليها، كانت تجد أبواها يتخانقان حتى يكادا يقطعان بعض فيمتلئ قلبها بالحب والنور والفرح، الفرح لأن القدر ساقها إلى هذين الأبوين الطيبين الذين جعلا منها شيئا مهما إلى كل هذا الحد.

مرض السيد أمريكا، وحزن عليه السيد إسلام فمرض هو الآخر. كان أصحابهما يأتون لزيارتهما في مرضهما فكانا يشيران إليها ويقولان لأصحابهما: هي صاحبة البيت من بعدنا. وصار أصحاب السيد إسلام يقبلون يدها، وصار أصحاب السيد أمريكا يقبلون يدها.

السيد إسلام مات، ولم يستطع السيد أمريكا العيش من بعده، فمات. وهكذا صار أصحابهما وأبناء أصحابهما يتوجهون في البيت إلى السيد حجاب، وهو غير سيد حجاب بطبيعة الحال، وصاروا يعادون بعض من أجله ويصاحبون بعض من أجله، حتى بعد رحيل السيد أمريكا والسيد إسلام. ونسي السيد حجاب عندما كان مجرد حتة قماش صغيرة بسيطة حمقاء، وطويت للأبد هذه الصفحة المظلمة في تاريخه وتاريخ البشر.

و م اليوم دا يا حبايبي والحجاب بقى حاجة كبيييييرة ومهمة اوي ف حياتنا

Friday, August 29, 2008

زعلان ليه مني يا زميلي؟


انا عاوز اتكلم معاكو النهاردة عن ظاهرة بتدمر حياتنا دلوقتي. انتو أكيد ملاحظين كم التوتر اللي بقى يحيط كل مظاهر حياتنا، ملاحظين مظاهر التنشنة في الشارع وف الشغل وف البيت, مين دلوقتي يقدر يقعد زي زمان يستمتع بأغنية حلوة. لوحة فنية جميلة. كتاب فيه معلومات مفيدة؟ ماحدش. ودا بسبب موضوع حلقتنا النهاردة. الزعل.

فيه مشاهدة بعتت لي من اسبوع تحكيلي عن مشكلتها. قالت انها اتخانقت مع جوزها علشان هو بيطفي السجاير على الأرض برغم أنها اشترت له طفاية ف كل أودة ف الشقة. الحقيقة سائر الأحداث كان مؤسف جدا. بسبب دا حصل بينهم، أنا أسف، ديفورس، والولدين اتحكم عليهم أن كل واحد يعيش ف بيت. في الحقيقة ماتتصوروش الموضوع دا أثر فيا قد إيه. كنت بسوق العربية وانا بفكر ف الموضوع دا.. والحقيقة كنت بفتكر مشكلة حصلت في حياتي أنا من كام شهر، لما اضطريت اطلق مراتي اللي انا بحبها علشان خناقة تافهة، من وقتها، ولغاية دلوقتي، وانا ندمان جدا.

***

الحقيقة إن احنا مبقاش يعدي يوم من غير ما نسمع عن منتج زعلان مع مغني، وبلد زعلانة مع بلد تانية، وأديب شاب زعلان مع أديب شاب تاني، ملاحظين؟ هه؟ انا كررت كلمة زعل في جملة واحد قد ايه؟ مالاحظتوش. طب ياللا نعيد تاني، وعدّوا معايا. أديب شاب زعلان مع أديب شاب تاني، ومنتج زعلان مع مغني، وبلد زعلانة مع بلد تانية. يعني تلات مرات قلنا كلمة زعل ف جملة واحدة. دا بيدل على إيه في رأيكو؟ على إن الزعل هو محور حياتنا دلوقتي.

انا عاوز أتكلم معاكو عن بعض النظريات اللي طلعها علماء غربيين بخصوص الزعل، العالم هنري ماكس مثلا بيتكلم ان الزعل بيزود إفرازات الغدد اللمفاوية وهي بتنقل نشاطها الى خلايا الشعر وبتضعفها مما يصيب بالصلع، اما العالم جورج ميشيل فبيأكد إن الزعل بيضعف القدرة الإنجابية للرجل، وبيختتم كتابه "عالم بلا زعل" بجملة مؤثرة جدا بيقول فيها: إن عالما من الزعلانين لن يقدر له الاستمرار حيث سوف تضعف قدراته الإنجابية إلى درجة العقم الكامل. طبعا فيه مؤتمر كبير حضره العالمين دول وواجههم شخص باكستاني مسلم بالآية القرآنية اللي بتقول: "ولا تهنوا ولا تحزنوا" مما يدل على إن العرب من ألف وربعمية سنة وهما عارفين إن الزعل مش كويس علشان البني ادم، العالمين الغربيين دول أعلنوا إسلامهم طبعا بمجرد ما سمعوا الآية القرآنية الكريمة. نسيت أقول إن العالم جلاوديوس فايبر طلع بنتيجة علمية مهمة بيؤكد فيها إن مش لازم البني آدم يزعل لأن مفيش حاجة ف الدنيا تستاهل.

***

طبعا فيه تفسيرات كتير للموضوع دا. يعني مثلا جلاوديوس بيقول إن الضغوط بتاعة الحياة اليومية هي اللي مخلية محدش طايق نفسه. أما إنريك روجر فبيقول إن الناس قلوبها مابقتش صافية لبعض زي الأول. هاهاها. طب إيه رأيكوا، وانا بركن عربيتي ديك النهار قام السايس قال لي كلمة جميلة اوي. تحبوا تسمعوها؟ قال لي: الشيطان دخل بين الناس خلاص ومش عاوز يطلع. انا قعدت افكر كتير إيه ياترى معنى الجملة دي. إيه معنى إن الشيطان دخل بين الناس. اقول لكو. يعني إنت دلوقتي زعلان مع مراتك. ومراتك زعلانة مع أختها، وهكذا، لغاية ما يوصل الموضوع لرئيس دولة يزعل مع رئيس دولة تاني، وتحصل الحروب. شفتوا الموضوع بسيط ازاي. وشفتوا ان معظم النار من مستصغر الشرار. أنا قعدت افكر إن ازاي الراجل البسيط دا، اللي هو السايس، قدر يوصل للحكمة العميقة دي؟ ودا راجل لا معاه دكتوراه من السوربون ولا معاه جايزة نوبل ولا حاجة. منين قدر يعرف إن الشيطان فعلا دخل بين الناس ومش عاوز يطلع؟ سبحان الله فعلا.

في نهاية الحلقة، أنا بقترح حملة كبيرة. يعني طبعا كل واحد يقدر يشارك فيها باللي يقدر عليه. مش عاوزين نجبر أي حد على حاجة مش عاوزها. وبقترح عنوان للحملة يكون مثلا: (إنت زعلان ليه مني يا زميلي "محاولة لرأب الصدع"). ياريت تبعتولنا اقتراحاتكوا على إيميل البرنامج

Friday, July 04, 2008

أتشو


  • عفوا، ولكن ما الذي قلته حضرتك الآن؟ لم أسمعك جيدا.
  • لا شيء. تقريبا لا شيء. فقط عطست.
  • لا. اسمح لي. حضرتك قلت شيئا. ليس عطسة. أنا متأكد.
  • يا أفندم أنا عطست. عطسة كبيرة. كفي قد أصابها رذاذ العطسة، وكذلك قميصي قد ابتل قليلا، وليس من المريح أن أتحدث في هذا، ولكنني مضطر له. ارتحت هكذا.
  • بدون الدخول في تفاصيل مقرفة. دعني أشرح لك الموضوع كما أراه بشكل دقيق. ما تعلمته، ودعني أتوسع وأقول أن ما يعرفه أي طفل صغير، أن الشخص الذي يعطس هو شخص يقول "آتشو"، إذا كانت العطسة كبيرة فهي "آتشو" كبيرة، وإذا كانت صغيرة فهي "آتشو صغيرة. الآن. هل قلت أنت "آتشو"؟
  • ليس بالضبط. صحيح أنه ليس بالضبط أنني قلت "آتشو" ولكن دعني أقول لك أنه أيضا ًليس بالضبط أن الشخص الذي يعطس هو شخص يقول أتشو. المسائل تختلف كثيرا لدى حديثنا عن الواقع الفعلي.
  • تعني أنه "يقول "هاتشو"، تعني أنه يقول "آتشي"، طيب. بس حضرتك لم تقل لا هاتشو ولا آتشي. ثم تقول أنك عطست. ألا ترى في هذا مبالغة ما؟ تحريفا ما، خيانة ما للشيء الذي اعتدنا أن نسميه "الحقيقة"؟
  • ربما. لو أنك أصررت على رؤية "الحقيقة" ودعني أضع هذه الكلمة بين قوسين كبيرين، بهذا الشكل. ما أريد أن أقوله هو أن الحقيقة أحيانا تختلف عن تصورنا لها.
  • في رأيك نوع من الكسل كما أتصور. لنقل أن تصورنا عن الحقائق هو الكيان المثالي، هو الشيء كما يجب أن يكون، وأن الحقائق، هي الكيان الكسول الذي لم يستطع أن يصل إلى مستوى تصورنا عنه، هي الطالب البليد الذي لم ينجح أبدا في أن يكون الطالب المثالي على مستوى المدرسة.
  • نظرية شيقة. استمر.
  • طيب. في هذه الحالة فستكون عطستك، إذا أصررت على أن تسميها عطسة، كيانا عاجزا وضعيفا قبالة "الآتشو" العظيمة، التي تمثل تصورنا المثالي عن حقيقة العطس. أليس كذلك؟
  • حسنا. ولكن الحقيقة تنعم بكونها حقيقية. وأنا متأكد أنك لم تنس هذه المعلومة. بينما تصورنا عن الحقيقة لا ينعم بمزية أن يكون حقيقيا. وهذه معلومة بديهية أيضا. دعنا نقول أنه لا أحد يعطس قائلا "آتشو"، باستثناء أبطال قصص الأطفال. في الواقع، فبين من أعرفهم، لا أعرف أحدا يستخدم هذه ال "آتشو"، همزة تاء شين واو، ربما هناك شعوب أخرى تفعلها. لست متأكدا..
  • "بعصبية واضحة" حسنا. ولا أحد يحقق العدل، باستثناء في قصص الأطفال، هذا إن مددنا الخط على استقامته، هل يعني هذا أن العدل مرفوض؟ هل يعني هذا أن نتوقف عن أن نصل بعطستنا إلى "الآتشو" المأمولة؟ رد علي أرجوك. لا تنشغل بقرقضة ضوافرك.

"صمت طويل"

  • قدر موقفي. لم أستطع أبدا أن أقولها وأنا أعطس.
  • لأنك لم تحاول..
  • يا أخي حاولت وفشلت.
  • لا تقل فشلت. قل استجبت لكسلي. استجبت لشهوتي. استجبت للشيطان.
  • وبعد هذا العمر. في ظنك، هل سأنجح؟
  • "بابتسامة طيبة" حاول. لا أحد يخسر شيئا بالمحاولة. بالمحاولة نزداد خبرة. معرفة بالصح والغلط. جرب يا أخي.
  • ت.. ت.. آت.. آت.. آت.. شوووووووووووووووووووو

"يبتسمان. ينظر كل منهما للآخر بامتنان
ودمعة السعادة تترقرق في عينيه الطيبتين"

Friday, June 06, 2008

ليست دعوة لأن يحب الأعداء بعضهم بعضا

هذه التدوينة هي وجه آخر، مقلوب ربما، بعيد ربما، تفسيري ربما، من تلك، ومن ديكها.

في رحلته إلى إسرائيل يروي علي سالم قصة طريفة. هو يقود سيارته بشارع من شوارع تل أبيب، يقترب منه صبي، يهودي طبعا، ليلصق على زجاج السيارة ملصقا. فيما بعد يكتشف علي سالم أنه خدع الصبي. كان الملصق يحوي عبارة تقول "الجولان لنا". ألصقه الصبي على سيارة علي سالم بنية التعبير عن كون الجولان هي لليهود، ولكن علي سالم، وهو العربي، بوضعه الملصق فوق سيارته، كان يعني أن الجولان هي للعرب. عبارة واحدة خدمت الاثنين، الشخص وعدوه، ومنطق واحد اجتمعا عليه، منطق أهمية أن تكون الجولان لنا، بغض النظر عمن يكون ذلك ال"نا".

يتفق العدوان على أنهما عدوان، وبناء على هذه البديهية، التي يراها كل منهما بديهية، فهما يتشاركان في خلفية عقائدية واسعة للغاية، أساسها أن الشيء الذي تعاديا لأجله يستحق العداء، وأنه هو الأساس، وما عداه لا يهم. يتفقان على كراهية من لا ينتمي لأيهما، على النظر إليه باعتباره دخيلا وغير مفهوم وغير ذي صلة. يتفقان على جوهرية الموضوع محل النزاع، بل وأكثر من ذلك، يتفقان تماما على تقدير قيمة الموضوع الذي تنازعا عليه، إن كان يستحق خناقة في الشارع، تعنيفا دبلوماسيا، حربا شاملة. وهكذا، فالأشياء المشتركة بين الأعداء هي أكبر من أن تعد، وجزء كبير منها يكمن، وانظروا إلى تصاريف الأقدار، في رؤيتهم لموضوع النزاع نفسه، وليس أي شيء آخر.

***

يمكن لهذا أن يفسر إعجاب القوميين والإسلاميين الأكثر تعصبا، بالإسرائيليين الأكثر تعصبا، ونموذجاهم هما نتنياهو وشارون، ونفورهم الظاهر من الإسرائيليين الأكثر اعتدالا. "على الأقل شارون صريح"، هكذا يقال. يمكن لهذا أن يفسر أن الأدب الوحيد التي يمكن ترجمته من اللغة العبرية، هو الأدب الذي يدافع عن السلام مع العرب، أو الأدب الذي يهاجم السلام مع العرب، أما الأدب الذي يخلو من السلام ويخلو من العرب، والأدب غير المعني بكليهما، بوصفهما قضية، هو خارج عن السياق. من هنا يمكن أن نفهم التقارب الفكري الشهير بين الصهيونية والنازية (كلاهما يقوم على تقديس الهوية، على اعتبار العرق واللغة من أهم محدداتها، وكلاهما يقوم على اعتبار اليهودية هوية منفصلة، غريبة عن أوروبا) والتقارب الفكري الأقل شهرة بين الصهيونية والقومية العربية (كلاهما يقوم على نفس التقديس للهوية، وعلى نفس النظرة إلى اليهودية باعتبارها هوية منفصلة، غريبة عن العروبة هذه المرة). من هنا يمكن أن نفهم شيئا عن الحرب بوصفها ميدانا للتشارك بين الأعداء، وليس للنزاع العقائدي بينهم. لا يمكن تصور نزاع ينشأ بين ماركسي والحلاق الذي يصفف له شعره، ولكن يمكن بسهولة تصور النزاع بين ماركسيين، أحدهما تقليدي والآخر تروتسكي. يقال أن عدوك ابن كارك، وهذا تعبير شعبي عن العداوة المعجونة بماء المشاركة في الأفكار، في التصورات والمفاهيم، تعبير عن ذاتية العداء، عن عدم منطقيته وكونه ابن إرادة واضحة وتخطيط مسبق، بدون أسباب موضوعية كثيرة.

***

العدو الحقيقي هو الشخص المحايد، ليس الحياد النابع عن اتخاذ موقف وسط بين الموقفين المتعارضين، وإنما الحياد النابع عن اللامبالاة بالموضوع أساسا. هذا المحايد هو الشخص الذي يكرهه كلا الطرفين بنفس القوة، الذي يتفقان على كراهيته، ولكنهما لا يحاربانه، لأنهما لا يفهمانه، والحرب تعني في وجه من أوجهها "فهم" العدو، وبالتالي "احترامه"، وهي المرتبة التي لم يصل إليها ذلك اللامبالي.

اللامبالي هو العدو الحقيقي، والآمن في نفس الوقت، بسبب غموضه بالتحديد، لجميع الأطراف.

Friday, March 21, 2008

عن حنا ومارتن جئنا نتحدث اليوم

حنا كانت مرافقة مارتن، ومارتن يا عين امه كان نازي، وهي كانت يهودية، وما اجتمع نازي ويهودية الا والشيطان دخل بينهم وعمل حاجات مش لطيفة، فهي مسكته مرة وقالت له خد عندك يا واد يا مارتن، انت نازي ليه يا ولا؟ مش كفاية مدلعاك وموكلاك ومشرباك ومش مخلياك عاوز حاجة!؟

مارتن سكت شوية وقال لها شوفي يا حنا يا عينيا.. انا نازي اه انما اكدب لأ، وانا عارف ان النازيين دول أوسخ ناس فيكي يا بلد، بس برضه انا ليا عذري، خلي بالك ان احنا لسة ف العشرينات، يعني لسة مفيش مشاكل كبيرة ولسة مانكناكوش يا يهود يا رمة يا زبالة.

المهم هما سابوا بعض، ليه بقى مانعرفش، وأصلا هو كان خسارة فيها، لإن دي ست مقرفة وأصلا بتاعة مشاكل، ومرة كتبت حاجة عن واحد ابن وسخة اسمه أدولف فزعّلت الناس منها خالص، وبقوا هيشدوا ف شعرهم من الولية المجنونة دي. وواحد اسمه جيرشوم شالوم كتب لها قال لها بقى شوفي بقى انا مش مستريح لك وحاسس انك بتقولي على ابن الوسخة النازي دا انه بني آدم طبيعي، عادي يعني، يعني بدراعين ورجلين وراس وصوابع وكدا، وخلي بالك الناس لسة فاكرة انك كنتي ماشية مع الواد مارتن النازي، حصل دا ولا ماحصلش يا كلبة؟ قالت له حصل، فقال لنفسه دي عبيطة الولية دي ولا ايه؟

الراجل جيرشوم دا الظاهر كان شايفها مزة جامدة، لانه بعت لها جواب طويل عريض علشان يقولها انت مستعرية من كونك يهودية يا واطية يا وسخة. وبعدين قام بعت الجواب لكل الجرايد اللي ف الدنيا علشان يقول للناس كلها انا ببعت جوابات للمزة اهو. قامت ردت عليه بجواب وقالت له انا مستعرية من اني يهودية يا راجل يا ناقص؟ بس هو، عشان الظاهر انه كان ناقص فعلا، مانشرش الجواب بتاعها، ويبدو انه كدا ناك نفسه، لان دا معناه انا ببعت للمزة بس هي مش معبراني، يعني يا فرحة امي بيا. وفعلا صحيح، كان فعلا يا فرحة أمه بيه.

المهم ان الست حنا دي برغم انها مش متزبطة ولاسعة شوية ومسترجلة حبتين، الا انها جدعة اوي، ست راجل يعني، لإن جيرشوم دا قال لها انتي مالك طالعالي فيها كدا اوي وبتتكلمي عن اليهود من طرف مناخيرك يا كس امك؟ ارحموا من ف الارض يرحمكم من ف السماء، خلي عندك شوية م الاحمر يا أبلتي. قامت هي ماسكتتلوش وقالتله:

أنت تعرف مثلي بشكل جيد كم هو شائع اتهام هؤلاء الذين لا يفعلون سوى تقديم التقارير عن حقائق غير لطيفة، بالافتقار للروح أو بكونهم بلا قلب، أو بانعدام ما تسميه أنت "الذوق". بكلمات أخرى، نعلم كلانا إلى أية درجة يتم استغلال المشاعر في الغالب لأجل إخفاء الحقائق المعلوماتية. يمكنني في هذا الإطار مناقشة ما يحدث عندما يتم عرض المشاعر علناً، بحيث تصبح عاملاً يتدخل في شئون الدولة. هذا موضوع هام حاولت أن أصف نتائجه الكارثية في كتابي عن الثورة، في دراسة عن دور الشفقة في تشكيل الطابع الثوري."

ومن ساعتها ومفيش حاجة اسمها جيرشوم شالوم ف الدنيا.

Friday, February 01, 2008

الإنترنت أيضا مدينة تحت الأرض يا ربيع

الإنترنت بايظ. ومنذ سنوات قليلة لم يكن هناك إنترنت، ولذلك فمنذ سنوات قليلة لم يكن الإنترنت يبوظ، ولذلك فالنهاردة أسوأ من امبارح وبكرة أسوأ من الاتنين، إن شاء الله

الإنترنت واقع في البلد كلها، وشعبان يوسف يصف الشخص بأنه نتاوي فيما يعني أنه نصاب، ويعرف شعبان يوسف الإنترنت بأنه عالم تحت الأرض يوازي عالم ما فوق الأرض الذي هو عالم الورق، ومعروف أن عالم ما تحت الأرض هو موطن أشياء كثيرة، مترو الأنفاق وجذور الشعر وسلاحف النينجا كما قلنا من قبل، والإنترنت كما نقول الآن، والعفاريت كما سنقول فيما بعد. والأنفاق عندما تنهار فإن الأرض لابد سيحصل لها حاجة، جلطة أو سكتة قلبية أو شلل رعاش، وعندما يتم تفريغ وجهي – كما حدث الأسبوع الماضي – من شعرته الطويلة المستحكمة فإن الوجه ينحل كما ينحل بلوفر الصوف، وإذا وقع عالم النت فإن عالم الورق ينهار يا شعبان

الإنترنت عالم سفلي تحت الأرض، وربيع جابر له رواية اسمها بيريتوس مدينة تحت الأرض، لم أقرأها لأنها غالية ولكن أصحابي رسوني على التيتة فيها، ودائما هناك أصحاب يقومون بالإرساء على التيتة فيها، والحمد لله على وجودهم وعلى وجود التيتة سويا، والرواية تحكي عن بيريتوس وهي مدينة موازية لبيروت وهي تقع أسفلها مباشرة، تحت الأرض، وأكتشف الآن بحزن أنه لم يكن هناك داع لأصحابي لأن ما قالوه لي يبان من عنوان الرواية، بلا زيادة ولا نقصان، وربما أشك أنهم قرأوها أصلا الآن، فما أشد حزنك يا ربيع طول الدهر

الإنترنت بعافية، ويقال في مصر بعافية أي أنه من دون عافية، ولذلك فعندما أقول أن الإنترنت بعافية ولكنه استرد عافيته فإن الجملة ليست غريبة، ولا فانتازية، إنها جملة مزبوطة لغويا، ولكن ليس معلوماتيا، لأنه لم يسترد عافيته كلها وإنما سبعين في المية منها، بحسب ما أفادنا مراسلنا في جريدة الأهرام، وبالسبعين في المية أكتب هذه التدوينة ولم أكن أستطيع فتح صفحة البلوجر امبارح، ولذلك لابد أنه هناك واحد أو اتنين في المية زيادة عن امبارح استردها الإنترنت من عافيته، ولكن ليس معنى هذا أن سبعين أو اتنين وسبعين في المية فقط هي ما سأتمكن من نشرها على المدونة، للأسف، الحياة ليست دائما بهذا الإحكام الهندسي يا إخوان

الإنترنت عندما يبوظ فإن كائنات الأنفاق والمجاري، السلاحف والصراصير والمدونين، لا يتمكنون من العيش بحرية، وينظرون إلى الكائنات اللي فوقهم، مثل الكائنات التي تكتب على الورق، بغيظ ويقولون لهم ويكأن الله يفعل ما يريد، بالرغم من أن هذه المعلومة لا تحتاج أي ذكاء أو أي ويكأن، لأنه دائما الله يفعل ما يريد ودائما أهل النار على جنب وأهل الجنة على جنب وسلاحف النينجا هم دائما تحت الأرض ودائما اللي بياكل على ضرسه بينفع نفسه يا بني أدمين

Friday, January 25, 2008

رد الاعتبار للأعماق الصلبة

بملقاط نزع نائل شعرة من شعر وجهه.. شعرة طويلة فاجأته، طويلة بشكل شاذ، إذا جاز التعبير، لم تنتزع، الأصح، تم انتزاع جزء منها، والجزء الآخر تبقى تحت الجلد، المهم، كانت الشعرة تطول وتطول وتطول، وكلما نزع نائل جزءا منها اكتشف أن ثمة جزءا آخر بالأسفل. لم تبد لها نهاية، أو على الأقل نهاية متوقعة قريبا.

الشعرة تستمر وتتواصل، وتنتشر، وتتوغل، وتستمر، وتستمر، وتستمر، كأنها شبكة مترو أنفاق تحت الأرض، وشبكة مترو الأنفاق تمزق أسفل الأرض، تقطعها أربع تربع أو ثمانية أثمان، شبكة مترو الأنفاق تلعب في أساس الأرض غير الملعوب في أساسها قبلا، وانتزاعها يعني أن الأرض من الآن فصاعدا ستعلق فوق هوة كبيرة.

المهم، كل سنتيمتر إضافي من الشعرة يتم إخراجه من مسام الجلد كان يجعل وجهه أكثر ارتياحا وحرية، كأنه فرغ من محتواه. الشعرة كانت تحتل حيزا هاما من وجهه، هذا ما اكتشفه بأسى، وهذا الحيز هو ما يعرف بما تحت الأرض، وهو بيت الطبقات المسحوقة، الظل، المجاري، وطن سلاحف النينجا، لنتخيل عالما بلا سلاحف النينجا. شبه مستحيل. شيئا فشيئا كان وجهه يصغر، كعالم فُرغ من مترو أنفاقه أو من سلاحف نينجاه للتو. لم تبد نهاية للشعرة، وليس لمثلها أن يكون.

سطح وجهه يبدو الآن مستندا على اللاشيء، يرتاح من عمقه أخيرا، وشيئا فشيئا يكتشف مدى آخر للراحة، مع كل سنتيمتر آخر يتم انتزاعه من الشعرة. السطح الآن معلق في الفراغ، أنفاق بلا مترو، مجار بلا سلاحف، السطح الآن هانئ بالخفة، بالطيران فوق أخدود غير مشعر، طائر بهشاشة، أي شيء قد يدفعه للانهيار، للوقوع والتفتت على طبقته السفلية، هو الآن مرتفع بقوة وجوده عاليا، لا بكونه مؤسسا على ما بالأسفل، لأنه ليس هناك ما بالأسفل، الوجه غير شرعي، تافه ولكنه بجح، عيل صفيق معلق في الهواء بلا جذور.

مع انتزاع الشعرة يبدأ الوجه نفسه، السطح محل الحديث نفسه، بالتفتت، يفلت خيط من الوجه أيضا، ينظر نائل إلى نفسه في المرآة. خيط من خده ينحل، خيط هو جزء من الشعرة اللانهائية، يمد يده أكثر لانتزاع بقية الشعرة، خيط آخر من وجهه ينحل، شيئا فشيئا يسير الوجه كله نحو التفكك، تبدأ منطقة الأذن اليسرى وما حول العين اليسرى في الانحلال، تليها منطقة الفك وأسفل الأنف، تنفك قماشة الخدين كلها، شعرة طويلة تتكوم على حوض الماء، طويلة طويلة، تتكوم في بكرة ضخمة مبتلة بالماء.

الآن، خيوط الوجه كلها انحلت، الوجه يصبح بلا وجه، تتكشف تحته أنفاق كثيرة فارغة مرت بها الشعرة المنتزعة والآن لم تعد تمر بها، أنفاق بلا مترو، مجار بلا سلاحف، كما أسلف القول أكثر من مرة.

نائل ينظر لنفسه طويلا في المرأة فيجد وجها عبارة عن مجار محفورة بلا ملامح ولا أنف ولا أذن ولا حنجرة. نائل حزين حزين. يعض بنان الندم على الشعرة التي أصر على انتزاعها للآخر ويبكي عندما يكتشف أهمية العمق وأهمية أن يكون الإنسان له أساس صلب ومحدد ومتماسك يستند إليه. ويكتب هذه الحكمة المستفادة في أجندته حتى تنفعه في الأيام القادمة، لأن موضوع أن يكون للبني آدم وجها نسلت خيوطه كلها وصار كأنه لم يكن هو موضوع لم يكن أبدا مريحا على طول تاريخ حياة البني آدمين.

Friday, January 04, 2008

نحو المصرية المحملة بالورود والدلع كله

ولقد كان أكثر الأيام سوادا في التاريخ المصري هو يوم الغزو العربي لمصر، منذ ذلك الحين تغيرت الشخصية المصرية تغيرا دراميا، صارت أي كلام وكانت من قبل كفاءة.

لنتذكر جميعا ذلك الماضي المهيب قبل الغزو العربي، حين كان المصري إنسانا قبطيا، سويا، عظيما، جميلا وبهيا. كان المصري مصريا، لا عربيا ولا رومانيا، لا شرقيا ولا غربيا، لا نوبيا ولا أسيويا. ومصر كانت تعني مصر، بالتلات أحرف الساكنة التي هي، كما هو معروف، شاحنة ضجيج. وتقريبا، وهذا من واقع مراجعة دقيقة للتاريخ، فلم تحدث ثورات أو فتن أيام الفراعنة، لم يكن هناك فقر ولا ظلم ولا جهل ولا مرض، ونحن، نكرر، نقول هذا من واقع مراجعة كل التاريخ اللي في الدنيا. علينا هنا أن نؤيد بقوة وبحسم منهج كتابة مصر بأيدي مصرية ووفقا لوجهة نظر مصرية. ونردد: تحيا مصر على الدوام ويسقط الملاعين.

بعد الغزو لم يرضخ المصريون للعرب الأوغاد، وقد ظلوا يحاربون دفاعا عن فرعونيتهم طول الوقت، ويرفعون اليفط التي تؤكد أنهم فراعنة، بل وأكثر من ذلك، فقد كان الشعار الأكثر ثورية وقتها هو: "أنا مصري قديم أتحدث المصرية القديمة ولا أبهج أعدائي"، وفعلا، فلقد حافظ المصريون على اللغة القبطية الهيروغليفية، بإيمانهم المطلق أنهم فراعنة حافظوا على اللغة الفرعونية، ظلوا يتحدون بها الغزاة العرب والمماليك والعثمانيين وحتى أسرة محمد علي، يعني خد عندك مثلا: هل تعلم أن العامية المصرية هي كلها فرعونية؟ وأنه ليس بها كلمة عربية واحدة توحد الله؟ طبعا ماتعرفش. ومن يقول غير هذا فهو واحد من اثنين لا يجتمعان إلا هنا، وهابي سعودي سلفي متطرف، أو عبراني يهودي إسرائيلي ابن وسخة، ويشترك الاثنان في صفتي البداوة والنتانة، والحمد لله على نعمة النيل الذي ينظفنا من أشكالهم، نحن أبناء حضارة وادي النيل، ومش معقول أبدا أن يأتي رعاة الغنم ليتنططوا علينا.

المهم، لم تكن هذه هي الغزوة العربية الوحيدة[1]، لو راجعنا التاريخ كويس سنجد يوما آخر، مظلما وكئيبا، خرج فيه العساكر، وقد أطلقوا على أنفسهم اسم الضباط الأحرار، من ثكناتهم ليدمروا جنة عدن التي كانت لدينا هنا في مصر، قبلهم كانت مصر تتمختر في نعيم الأحزاب السياسية والليبرالية والتسامح والدساتير والحياة النيابية البهيجة، ولكن الأهم، كانت مصر قبلهم هي مصر، بالتلات أحرف إياهم، بلا زيادة ولا نقصان. جاء العروبيون إذن ليحولوا مصر إلى خرابة عربية كبيرة. الثورة كان معناها إننا بنمسي على العرب اللي حوالينا بينما العرب مايستاهلوش، اللي يستاهلوا بس هما السودانيين، لأنهم، لمن لا يعرف، رعايا مصريون، والأوروبيون ، لإن احنا، لمن لا يعرف، رعايا أوروبيين، وكل دا واحنا مصريين، أصحاب الهوية النقية والتراث الخالص والمصرية المحملة بالورود والرياحين والدلع كله.

الدرس المستفاد: هبل المصراويين والفراعنة لا يقل إمتاعا عن هبل العروبيين، ولا عن هبل الإسلاميين. لكل هبل نكهته الخاصة، وتفرده الذي لا ينكره إلا جاحد.



[1] لقراءة المزيد عن الغزوتين العربيتين لمصر يرجى مطالعة كتاب "حرية في الأسر.. مأزق الإصلاح السياسي والمواطنة" والصادر عن دار ميريت بقلم عادل جندي ، ربما يكون هو الكتاب الفكاهي الأعظم لعام 2007.

Friday, December 14, 2007

تأملات في الاشتغالة السنية الشيعية

في بلاد إيران المقدسة، وفي حسينياتها العطرة جلست وبكيت..

هنالك تأملت كثيرا حال الأمة وما أصابها من هوان وتناحر وضعف، بأيدي أبنائها قبل أعدائها، وهداني الله إلى صياغة هذه الخاطرة المتواضعة فقلت لأكتبها لكم عسى أن تنول إعجابكم:

السنة والشيعة –في أدق تعريف لهم - هم ناس يزاولون أنفسهم، وهم يفعلون هذا بحرفنة، على الأقل حتى تبدو الاختلافا بينهم اختلافات جوهرية ومسألة حياة أو موت.

السني هو راجل يؤمن بمحمد ويحب علي، وكذلك الشيعي، ولكن الشيعي يحب علي أكتر حبة من السني، هذا عادي. بالمناسبة، المسلم السني يحب علي أوي هو كمان بس بيداري، ويحب علي أكثر من معاوية بس بيداري، نكاية في أخيه وابن عمه الشيعي. السني يسمع الشيعي يصلي ويسلم على فاطمة والحسين فياخد على خاطره ويزعل باعتبار اننا نصلي على النبي وبس، فيقول له الشيعي أمال اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله دي إيه؟

السني لا يحب معاوية بجد. بيحبه بالبق بس، حتى يبين أنه مختلف عن الشيعي، حتى يقنع نفسه ويقنع من حوله أيضا، يعني بيشتغل نفسه، والشيعي كذلك، بيقنع نفسه أن السني بيحب معاوية وبيكره علي بجد، مع أن السني بيحب علي بجد بينما بيحب معاوية وهو عاصر على وشه لمونة.

الشيعي بيكره عثمان، والسني لا يموت في دباديبه، هو لا يعرف عنه حاجة أصلا. تاريخ حياة وخلافة عثمان، لأسباب كثيرة، لم يكن هو المادة الأكثر سخونة وإثارة في كتب التاريخ التي درسها السني.

السني يحب عائشة والشيعي يكرهها، هذا بجد وفعلا وحقا وصدقا، وباستثناء هذا، فكل حاجة في اللعبة دي هي عبارة عن اشتغالة مرحة.

لنقل أنه كان هناك خلاف جذري في وجهات النظر هو ما تسبب في التاريخ الدموي بين الاتنين: السني ينظر إلى الشيعي باستعلاء لأن الشيعي بيفضل أهل الرسول على صحابته، مع أن المنطق بيقول العكس، لأن محدش منا بيختار أهله بينما كلنا بنختار اصحابنا، هكذا يشعر السني العصري الحر المتمرد على قيود العائلة، هكذا يشعر ولا يصرح، لأنه، وعن نفسه، عمره ما فضل أصحاب النبي على آل بيته الكريم. الشيعي على الناحية التانية يعتبر أن الدم عمره ما يبقى مية وأن الاصحاب حاجة وتروح وتيجي إنما الأهل هما اللي فاضلين لنا.

على العموم، ليست هناك شيء أكثر تسلية من إثنين قررا سويا خوض الحرب للنهاية، ثم، وبعد ذلك، أخذا يفكران في تبريراتها. الحرب هنا سبقت أسبابها. أية مزاولة هي!! ونحن، غير المحسوبين على هذا ولا ذاك، نتسلى بالفرجة مستمتعين، وكلما زاد القتل زادت بهجتنا، فحتى الشارع بكل أمجاده لا يقدم لنا عرضا مسليا يشتم فيه الواحد زميله قائلا: أنت وهابي يابني، فيرد الآخر: ما انت رافضي يا روح امك.


Friday, November 30, 2007

الرجوع إلى الوراء

في البداية أحببت أن أرجع إلى الوراء خطوة، عادي، دست باك، رجعت إلى الصفحة السابقة على شاشة الكمبيوتر، الكمبيوتر كان شغالا لمدة ثلاثة أيام، كنت أحمل عليه أفلاما لثلاثة أيام، وأنا فاتح شاشة الفيسبوك، وفاتح المدونة، وفاتح الإيميل، وشغال، لتلات أيام كنت شغال، بلا راحة، والجهاز لا يشتكي يا عين أمه، رجعت إلى الوراء خطوة على الشاشة، الإيميل الذي رجعت فيه خطوة كانت فيه رسالة غير مقروءة، أشاهدها الآن تحمل إشارة unread message بينما أنا أعرف جيدا ما بها، وخطوة دائما تجيب خطوة، وطريق التنازلات لا نهاية له، دست باك مرة أخرى، ومرة ثالثة ورابعة، فجأة وجدت نفسي فاضي، كنت قد حملت الأفلام التي أريد تحميلها، وليس وراء جهازي أي حاجة غير اللعب المجرد، اللعب الصافي، إلا أن يكون خادم الاستمتاع الشخصي لي، أن يكون معرصي الخاص، وسيلتي لاسترجاع ما حدث في الأيام الثلاثة الماضية، شيئا ما يشبه العودة إلى الماضي، ويعرف الجميع طبعا أن العودة إلى الماضي فعل عبثي، لأنه حتى ونحن نركب آلة الزمن ونعود إلى الأربعينيات فلن يتوقف الزمن عن المضي أماما، عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، ومن كان منكم يملك ساعة في يديه فلينظر فيها وهو جوا آلة الزمن، ومن كان لا يملك فليخرج موبايله، المهم، بإرجاعي الصفحة باك ثم باك ثم باك، أمكنني أن أشاهد من جديد الأراضي البكر التي كنت قد اقتحمتها بعد ذلك، أشاهدها ببكارتها الأولى، مساحة فارغة لتعليق كنت قد ملأته واتشتمت بسببه، تدوينة كنت لم أكتبها وقتها، شتيمة تراجعت عنها فيما بعد، تزهر على جانبي الطريق الذي أسير فيه عائدا آلاف الاحتمالات البديلة لما حدث في الأيام الثلاثة، لثلاثة أيام أخرى كنت أدوس باك وراء باك، "وراء باك" قد يقرأها أحدهم بشيء من الركاكة باعتبارها و"اراقبك"، أراقب نفسي، ليس بالضبط، أراقب تقدمي، وأمارسه مقلوبا، أعود من نفس الطريق التي أتيت منها، أشاهدني وأنا أصغر وأصغر في الزمن أياما ثلاثة، أراقبني معكوسا، وأنا أتحول إلى الطفل – أو، على الأقل، الأكثر طفولة – الذي كنته من ثلاثة أيام، الفايرفوكس يعمل بديلا عن الذاكرة وعن آلة الزمن، يريني ما كان عليه الأمر سابقا، يسألني، هو قوادي كما اتفقنا، حلو كدا يا باشا فأقول له شغال، فيعيد اقتحام صفحة أخرى، وينتقص من عمري ثوان أخرى، ويعيد تكوين غشاء بكارة الصفحات التي كنت قد فضضتها من قبل، ويعيد انتهاكي لبكارتها، أنا المؤمن الذي يفض حور عينه طوال الوقت وطوال الوقت لا يتوقف غشاءهن عن التكون لدرجة عودتهن أبكارا من أول وجديد كل تلات دقايق يا برنس، تصور إنت!


Friday, November 23, 2007

يوم القيامة المائل إلى الاحمرار دوما

يوم القيامة لم يعد يحظى بالاهتمام في عالمنا المعاصر، وهذا دليل جديد على انحطاط الحضارة.

نعلنها بأسى، أنه على قدر ما يتزايد الاهتمام بالمسائل الحقوقية واضطهاد المرأة والحروب والتفرقة ضد الأعراق المختلفة، وعلى قدر ما يتم علف الأسواق العالمية بالمزيد من الاستثمارات، وعلى قدر ما تتم المناداة بالمساواة، وكأن العالم ناقص، بل وعلى قدر ما يهتم البشر الآن بعذاب القبر والجنة والنار والصراط المستقيم، فإن الاهتمام يذوي تماما بيوم القيامة، وهو ما يفترض أنه مسرح لكل شيء، للخارجين من قبورهم مثل الخارجين من أود نومهم، أي أنه مسرح يثير خيال حتى موظفي شئون العاملين. أي دليل آخر يريده القراء على أننا نعيش عصر انحطاط الخيال؟


***

ذات يوم بعيد، كنا في مدارسنا لا نزال، قالوا لنا أننا سنكون يوم القيامة هكذا، وأشاروا بأصبعيهم السبابة والسبابة من كل كف، ولفوهما حول بعضهما مصداقا لقوله تعالى والتفت الساق بالساق. ومن حوالي اتناشر سنة، أتذكر هذا جيدا وكأنه حدث بالأمس القريب يا إخواني، أظلمت الدنيا نهارا. هبت رياح وأتربة. وتدريجيا تحول اللون العام إلى الاحمرار. وعليه تم تشغيل القرآن في جميع محلات إبراهيم اللقاني حيث أسكن. قيل أنه يوم القيامة. هذا جيد، يوم القيامة أحمر إذن. وصلنا إلى معلومة مفيدة. وكانت هذه آخر المعلومات التي أعرفها عن ذلك اليوم.

***

لم يتسائل أحد عن مزاج الناس قبل القيامة بخمس دقائق: هل سيكونون مبسوطين حتى يأخذهم الله على غفلة وهو المنتقم الجبار، أم حزانى حتى يمهد لهم الله وهو العفو الرحيم؟ هل سيكون يوم أجازة، جمعة مثلا، يخرج الناس من بيوتهم فيه إلى الجنة أو النار أم يضطرون للخروج من الشغل؟ أم سيكون بمثابة كبسة ويحدث الخميس بالليل، حيث الجميع متلبسون، والله كما نعلم لا يحتاج إلى شعرة، لأنه السميع البصير. لا أحد يعرف عن هذه التفاصيل شيئا، بل، وهو الأنكى، بدا أنها لا تشغل ولو سنتيمترا من فضول الناس، على الرغم من أهميتها لترتيب المرء لأوضاعه وأشغاله ومواعيده يومها. قُل علمها، أي علم الساعة، عند ربي، هذا هو القانون الصارم الذي لم يستطع تجاوزه أحد حتى الآن، ولو حتى بانطلاقة لخيال غير محدود.

***

يوم القيامة هو يوم الحقيقة أيضا. أرشيف كامل من المعلومات والآراء النقدية الصحيحة يصبح أخيرا مشاعا لمن هب ودب. يقول لنا الله مبتسما: طول عمركو فاكرين أن صنع الله يكتب أحسن من بهاء طاهر، لا يا عبادي. الحقيقة هي أن بهاء أفضل من صنع الله بلا جدال، أو العكس طبعا. ونضرب نحن كفا بكف لأننا كنا مخدوعين طول عمرنا. أو نعرف أن أحمد زكي ليس ممثلا جيدا وأن طلعت زكريا لو كان أدى أدواره لكان أفضل بما لا يقاس، أو أن رولان بارت كان هو الناقد بألف لام التعريف، في مقابل دريدا الذي لم يكن مجازه الخاص بالاستمناء وتناثر المني دقيقا بحال. أو أن سائق الاوتوبيس عندما وصف الراكبة التي طلبت النزول في غير المحطة بأنها تحتاج رجلا يزبطها كان كاذبا، لأن احتياجها في هذه اللحظة كان إلى معرص يوفر لها مكانا هي والرجل الذي كان موجودا بوفرة، ودعنا لا نقول بابتذال.

***

لنقل أن مقصدنا من التدوينة هو الآتي: ساهموا يا إخواني بكتابتكم في خلق تصور عن شكل مقبول ليوم القيامة الآن. شكرا جزيلا. نراكم على خير.

Friday, November 02, 2007

تحولات الباضن والمبضون في المسألة الإسلامستية

يوما ما، اصطادني أحد الإخوة وأنا خارج من بيتي. مشي معي قليلا. بعد قليل كسر تردده وفتح الموضوع الذي كان يؤجل فتحه من يومين. قال: يا أخي ابقي خلي اختك اللي كانت معاك من يومين تلبس حجاب. سألت نفسي عن القدرة السحرية التي جعلته لا يرى الصليب الكبير على صدر "أختي". بس دي مش أختي يا عبد الرحمن. دي صاحبتي. يفكر عبد الرحمن قليلا. يصمت قليلا: آه. وماله. ابقي خليها تلبس الحجاب برضه.

بعد سنوات، وكنت قد انفصلت عن الإخوة الملتزمين تماما، بل كنت أتحاشى النظر إليهم أحيانا كي لا اضطر للسلام، واجهني عبد الرحمن نفسه، ولم تكن يعيبه إلا إصراره على تقبيل إخوته الملتزمين من أكتافهم. سألني بوضوح: مبقيتش تيجي الجامع ليه؟ قلت له: بصلي في الشغل. قال لي: انا بصراحة حاسس ان عندك مشاكل نفسية. صح؟

أي رد يمكنه مواجهة هذه الضربة غير المتوقعة!؟


كانت هذه حكاية حول كيف يمكن أن يكون الإخوة الملتزمون مفاجئين وجنونيين أما من يقفون على الطرف المقابل فهم العاجزون قليلو الحيلة والخيال معا.

***

كان لي صديق اسلاميست. متعصب وفاشيست. كان دمه خفيفا ابن الجزمة، وكان مبهرا، أشبه بشخصيات عباس العبد، وكان بيتبضن، كما يجدر بالناس على شاكلته، من كل كلام له علاقة بحرية التعبير وحرية الفكر وحرية الاعتقاد وحرية الأي حاجة، ومعه حق طبعا.

***

نخش في الموضوع. دائما أبدا، مشكلة هؤلاء الذين يؤمنون بحرية الأي حاجة، الفكر والتعبير والاعتقاد، أنهم فعلا بضينون. خطوط دفاعهم مهما زادت لن تخرج عن ثلاثة او اربعة، على حسب تدرجهم الوظيفي في مرتبة المدافعين عن الحرية. الأولى: هو مسلم واهو الدليل من كتاباته ولا تقرؤوا النصوص مقتطعة من سياقها يا ولاد الوسخة يا تكفيريين يا ظلاميين. التانية: من له الحق ان يفتش في الضمائر؟ الحجة التالتة والأكثر جذرية: من حق اي حد يفكر زي ما هو عاوز.

***

ماكينة دعاية عملاقة تدور حول ثلاث حجج دفاعية ليس اكثر، تتكرر بالاف الاشكال وفي آلاف المواقف كل يوم. كيف يمكن ألا تكون هذه ماكينة مخصوصة للبضن على أناس يملكون خيالا إيروتيكيا فذا يمكنهم من تخيل الخيارة قضيبا "هل مازال أحد يذكر التسعينيات؟"، والسافرة الوجه يتخيلونها مرتدية البيكيني ليطلعوا دين ابوها، أو يعيبون على غير الملتزمين ليس بعدهم عن الله وإنما كونهم مرضي نفسيين. يستحق التكفيريون احترام الجميع لخيالهم الرهيب، خيالهم الذي لا تقف أمامه عوائق المسافة ولا اللون ولا الدين بالأساس. ليس هناك من هو من اكثر إملالا من شخص يقول فكرة صحيحة. وليس هناك من هو أكثر إبهارا من شخص يقول أفكارا جنونية بلا رابط بينها. لنتخيل دعوى تطالب بقتل كل أطفال الأقباط الذكور أو قطع قضبانهم الصغيرة، أو لنتخيل الوقع الساحر لفكرة حرق اليهود في أفران الغاز، أو فكرة الفسطاطين العظيمة، فسطاطي الكفر والإيمان، وداري الحرب والسلام. نحن بإزاء خيال دموي ابن حرام لا تسعه أرض ولا سماء، وفي المقابل فلا نملك لمواجهته إلا أن نكرر هذا صح وهذا غلط! أليس هذا عيبا بحق تاريخ الجنون في العصر الحديث.

***

نصيحة: عندما يقول لك شخص أنت مرتد ووجب قتلك، فلا تجادله. بمجادلته تهين خياله الروائي. زايد عليه. قل له ووجب علينا قتل كل من يقبلون الآخرين من أكتافهم. هو ينتقم منك لانك جرحت مشاعره الدينية، انتقم منه لأن شكله لا يعجبك، لأنه مقرف بالنسبة لك، لأنك لا تحب رائحة المسك الذي يتعطر به، ولأن منظر السواك في جيبه يصيبك في مقتل. عبث بعبث والبادي دوما هو الأكثر ابداعا.

Friday, October 19, 2007

نعناع وعيون اللغة العربية


أرسلت لي عناية تطلب مني أن أخبرها بأخباري، ببساطة يعني.

كتبت لها على مساحة الإيميل الفارغة "عينيا يا عناية". ولم أرسل الإيميل. أصابني الاكتئاب فجأة. لسبب ما، داهمني خاطر بأن شخصا لا يعرف العربية يقرأ الإيميل. أو يسمعني وأنا أردد "عينيا يا عناية"، ويفكر ساعتها بشكل حتمي في أن العربية لا تحوي إلا أصوات ثلاثة، هي أصوات عينيا يا عناية، العين والنون والياء. وهكذا، مدفوعا بالرغبة في الحفاظ على صورة اللغة العربية في عيون الغرب، كنت لأتراجع عن إرسال الإيميل، لولا تذكري أمر آخر.

منذ ثماني سنوات كنت قد كتبت قصة عن لغة لا تحوي إلا كلمة واحدة تتكرر الواحدة إثر قرينتها، بلا أي اختلاف في تشكيلها أو طريقة نبر أحرفها، لم تكن إلا كلمة مفردة، هي HAHY، تعبر عن جميع معاني اللغة اللانهائية. هكذا إذن، بما أن الكلمة تتكرر بشكل لا نهائي، وهي وحدها تعبر عن جميع معاني اللغة، فلم يكن إذن من معنى جديد دخيل يؤرق اللغة أو يثبت عجزها. لم تكن إلا مرونة اللغة اللامحدودة بكلمتها التي لا تحوي غيرها. فكرت، إزاء إيميل عناية، أنه كلما ازداد فقر مفردات اللغة زاد ثراء دلالاتها، وهكذا لم تكن "عينيا يا عناية" عارا على اللغة العربية، العكس تماما، وهكذا كنت لأعود وأضغط Send، لولا فكرة قاتمة حلت علي من جديد:

"عينيا يا عناية" ليست كلمة واحدة كما كان في القصة القديمة، انها عبارة من كلمتين وحرف نداء، تقترب أطرافها من بعضها الى حد الالتصاق، انها "عي. نا. يا. - يا – عي. نا. يا."، مع اختلافات بسيطة، التشديد والنبر وما الى ذلك، وهذه الاختلافات هي ما تجعل من قصتي القديمة وواقعة عناية الحديثة محض أمرين مختلفين.

يضاف إلى هذا أن الأجنبي أجنبي، ومعنى أجنبيته أنه لا يعرف العربية، وهذا يعني أنه سيسمع العبارة فحسب، لن يفهمها، والمفاجأة المؤسفة أنه قد لن يميز أصلا بين مقاطعها، بما يعني أنه قد يتصورها كلمة واحدة، سبعة مقاطع تكرر بشكل ببغائي العين والنون والياء، كأنك بالضبط تكرر كلمة "عين" سبع مرات، عينعينعينعينعينعينعين، أو تكرر كلمة نعناع ثلاث مرات ونصف، نعناعنعناعنعناعنع، ومطلوب من أي ابن وسخة أن يصدق أنك تقول كلمة واحدة لم تغادرها الى التي تليها. إذن، هكذا سيقول الأجنبي، الشعب العربي بيشتغلنا، لا مفر من الوصول الى هذه النتيجة النهائية.

...........

...............

...................

لكل هذه الأسباب لم أجد ما أقوله لعناية عندما سألتني عن أخباري