أعزائي وعزيزاتي، أصدقاء المدونة الكرام
هاهو عام ألفين تمانية يوشك على الانقضاء، بحلوه ومره، بخيره وشره، وهانحن على أهبة استقبال عام جديد. ونحن إذ نأمل في أيام ربنا كلها الخير، فإننا ننتهز الفرصة الكريمة لنحاسِب أنفسنا قبل أن نحاسَب. لا لنحاسب عامنا الحالي فحسب وإنما عقدنا كله، الذي يبدأ ترقيمه بأرقام اتنين زيرو زيرو، والذي يوشك على الانقضاء هو الآخر.
كما تبدو لنا التسعينيات بعيدة ومثيرة للسخرية الآن، فإن المسيرة القاسية للزمن تدلنا على أننا سوف نبدو كائنات عجيبة في أعين لاحقينا، والذين سيكونون عبارة عن نحن أنفسنا، مضافا إلينا عدة سنوات (وكيلوجرامات). هل يمكننا رؤية البحر ونحن غارقون فيه، هل يمكننا الإطلال برأسنا فقط، لنحاول رؤية أنفسنا، من بعيد، ثم العودة مرة أخرى؟ هل يمكننا تحديد سمات معينة للعقد الحالي ستبدو فيما بعد غير مفهومة ومثيرة للسخرية. إليكم اقتراحاتي المتواضعة :
1 – الإنترنت: العقد الحالي جعل للإنترنت كل هذه الشعبية في العالم. هذا سيتواصل في العقود القادمة، ولكن ما سيدو غريبا هو الاحتفاء المبالغ فيه به واعتباره معجزة العصر الحديث. سينظر أبناء العقود التالية إلى أبناء الاتنين زيرو زيرو بنوع من الشفقة، لأنهم تحدثوا عن النت أكثر مما تصفحوا صفحاته فعليا، ولأنهم تحدثوا عنه بجدية وتقديس أكثر من اللازم، ولأنهم تصوروا أنه سيغير شكل العالم فعليا. ومثلما ننظر نحن بسخرية إلى البطل زمان وهو يحض البطلة على الرقص ويقول لها: "خليكي مودرن"، فسوف يعاني أبناء العقود التالية في فهم فكرتنا عن المودرنيتي وارتباطه بالنت. هذه الكلمات يتم كتابتها والنت واقع في البلد كلها. وأنا أتحاشى بقوة القول أن العقود التالية لن تشهد انقطاعا للنت، لأنه شيء بديهي جدا أن الزمن يمضي لقدام في التكنولوجيا، ويلف حول نفسه في أماكن تانية.
2- هوس الزمن واقترانه باللغة، سيبدو غريبا في السنوات القادمة، وربما يبدو حكرا على أبناء الاتنين زيرو زيرو وحدهم. طلعت زكريا يقول لجمهور الشباب: "تنّه"، فيتأفف تامر حسني ويستوقفه ليكمل الشرح هو، لأن الشباب لن يفهموا "تنه"، ولغة خصوصي في "درس خصوصي" مثال جيد على هوس الزمن – اللغة. وتكرار إفيه دائم من عينة: "هما مش كانوا بطلوا اسم... دا"، أو: "ما تقلع يا عم الطربوش اللي انت لابسه دا وانت بتتكلم"، ربما كان هذا هو أول عقد يخضع إنسان العصور السابقة للتدقيق اللغوي. بعد أن كان استعلاء الإنسان "المودرن" في العقود السابقة يتمحور حول الطبقة لا الزمن، مستعينا وقتها بمقولات من عينة : "بلدي أوي يا حسين" أو: "يايييي. حاجة أوريجينال خالس."
3- مبارك: هو ملك الاتنين زيرو زيرو، وبالتحديد النصف الثاني منه، فهو الشخص الذي استطاع وحده أن يزعّل الناس كلها منه في أيامنا المفترجة هذه. في أيامنا هذه فقط، وليس فيما بعد، على ما يبدو، فصيحة مثل "يسقط يسقط حسني مبارك" لن تعد إلا شكل مختلفا وأكثر طرافة من "سعد سعد يحيا سعد" - لاحظ الإيقاع المتقارب. وبالمقارنة بالعقود السابقة، فلأول مرة تسجل القضية الفلسطينية انخفاضا ملحوظا في عدد المهتمين بها في مقابل قضية مبارك والتوريث والدستور وإبراهيم عيسى وجمال وعلاء وخديجة وسائر المشتقات، حتى القضية العراقية لم تستطع الصمود، برغم وقوع الالفين وتلاتة في قلب الاتنين زيرو زيرو. لن يفهم إنسان العقود التالية ما الذي يجعل وجه إنسان الاتنين زيرو زيرو، هو بالتحديد، ينتفخ غضبا عند سماع اسم مبارك، خاصة أن مبارك موجود قبل بداية الألفية بعشرين عاما. هل إنسان الاتنين زيرو زيرو حساس زيادة عن اللزوم مقارنة بأقرانه في العقود التانية؟
4 – أزمة الهوية: يصعب تحديد شكل واحد لملابس الاتنين زيرو زيرو، ولكن هناك ملمحا يتصل بالارتباك، أو بعدم تحديد الهدف من الملبوس. يعني مثلا ارتداء تيشيرت بكم طويل وفوقه تي شيرت بنص كم هو أمر صار له سنوات (ولا يقابله في السينما العالمية سوى ارتداء سوبر مان للكيلوت فوق البنطلون). هذا ليس حكرا على الذكور، فارتداء الإناث جيبة قصيرة فوق البنطلون، وارتداء بلوزة قصيرة (يفترض في صيغتها الأصلية أن تكشف عن السرة) فوق البودي الكامل المحتشم، هو أمر يؤكد لنا أن أزمة الهوية لا تتصل بالمثقف الحديث فقط.
5- الأدب يبيع: هناك جمهور للأدب. هذه مسلمة وهوس أدباء الإتنين زيرو زيرو، ينبغي الحديث عن هذه المسلمة بحماس وعدم التشكيك فيها. الجدية التي تصبغ ملامحنا ونحن نتحدث عن الجمهور هي العنصر المميز لأدباء العقد الحالي، وهي تستتبع عددا من الحركات، مثل حديث الأديب الرصين عن أرقام مبيعاته التي تجاوزت علاء الأسواني، حتى لو كان أديبا مثل عبد العزيز محمد أبو الوفا سعودي، والاهتمام غير العادي بحفلات التوقيع، وببوستر الكتاب، وبغلافه، والرعب الذي يصيب الكاتب عندما تتم مواجهته بتهمة أن كتبه أصعب من مستوى القارئ المتوسط، وحماسه البالغ – من ثم - لإنكار التهمة.
6- أقسام الشرطة: العقود السابقة انشغلت بقضاياها التي رأتها جوهرية، مثل الدروس الخصوصية، الفن الهابط، والبطالة، أما في الاتنين زيرو زيرو فإن القضية الأهم وصاحبة أعلى التصويتات هي قضية أقسام الشرطة. ظابط الشرطة هو الشخصية المحورية طبعا، وهو فاسد طبعا، (انتهى عصر الرومانسية الذي صور لنا الظباط أبطالا)، ويقابله على الناحية الأخرى البلطجي وتاجر المخدرات الذي يتعاطف معه الكاتب. وسواء تعاون الضابط الفاسد مع تاجر المخدرات أو حاربه، فإن الخير هو من نصيب تاجر المخدرات والشر من نصيب الضابط. هذا في السينما، ولكن في الصحف اليومية المستقلة فإن الأمر أيضاً لا يختلف كثيرا. وهذا يجعل لموضوع التعذيب كل هذه الشعبية، ولموضوع الإهانات هذا الإغراء (تحاول سينما خالد يوسف أو بلال فضل مثلا تقديم محاكاة دقيقة للإهانات داخل الأقسام، ولكنها تظل عاجزة ومحدودة، سيبدو هذا مثيرا للسخرية تماما فيما بعد، أعني أشياء على غرار استخدام "روح أمك" في كل مكان نحتاج فيه لاستخدام "كس أمك").
أعزائي وعزيزاتي، أحبائي وحبيباتي، أصدقاء المدونة الكرام. هل لديكم اقترحات أخرى؟















